المنسي
الفصل 12: المنسي
“سأستأذن الآن… للذهاب إلى المكتبة.”
فوق أرضٍ حجريةٍ باردة، استفاق “لين”.
“أريد إذنًا بدخول المكتبة الخاصة بالعائلة سيدتي.”
كلُّ نفسٍ يسحبه كان كمن يحاول الشرب من رماد. الزفير تحوّل إلى ضبابٍ باهت، يتبدد في هواءٍ
خانق… هواءٍ لا يحمل حياة، بل ظلالًا تزحف.
أرادت أن تحتضنه.
كان ممددًا على أرض زنزانة الصقيع، جلده ملتصق بالحجر البارد، والهواء ساكنٌ ومميت، لا يحمل سوى همسات الجليد.
لا جدران.
“حسنًا، سأذهب لتغيير ملابسي أولًا.”
لا سماء.
مجرد فراغٍ أسود يمتد بلا حدود، كأن الكون اختُزل إلى لحظة نسيان.
حين حاول الوقوف، شعر وكأن الزمن تحطّم من حوله.
قلب “لين” اختنق، كأن نبضاته تحوّلت إلى صرخاتٍ مكتومة.
وفي قلب هذا الفراغ…
“كيف كانت الزنزانة؟”
نقطة ضوءٍ واحدةٌ باهتة، تنبض من كائنٍ واحد.
وفي الطرف الآخر… وقفت “فروسيتا”.
بل شيئًا آخر يتكوّن.
رجلٌ جلس فوق عرشٍ حجري. لم يتحرك. لم يتنفس.
رغم الجثث المجمدة، لم تكن هناك جثته.
ثم… نظر في عينيه.
شعره الأسود انساب كنهرٍ من ليلٍ كثيف، وعيناه الحمراوان تشعّان بجمودٍ مطلق، مثل قمرين مسجونين في ليلٍ لا فجر له.
رائحتها كرمادٍ محترق.
“!كيف عرفت اسمي؟”
الهالة من حوله لم تكن مجرد طاقة… بل كائناتٌ تتلوى وتهمس، تلتهم الضوء وتُبقي على الظلمة فقط.
لقد صار فارغ من داخله في تلك اللحظة.
لم يعد يرى “لين”…
وجوده وحده… جعل الهواء ثقيلاً.
“.وأنا… من أوقف لعنة المهول لبعض الوقت فقط”
الزمن أبطأ.
“كيف كانت الزنزانة؟”
قلب “لين” اختنق، كأن نبضاته تحوّلت إلى صرخاتٍ مكتومة.
“عُلم، سيدتي.”
شعره المتسخ التصق برأسه، طويلًا ومشعثًا، كأنه لم يُغسل منذ أشهر.
تشنج جسده، عظامه ارتجفت، وانبعث من فمه صوتٌ مخنوق:
قلبه ينبض بجنون، صدره يعلو ويهبط كأنما نجا من الغرق في بحرٍ من الثلج.
حين حاول الوقوف، شعر وكأن الزمن تحطّم من حوله.
“… أرجوك… فقط دعني أرحل… أنا لم أفعل شيئًا”
عرقٌ بارد يغمره، ودماءٌ سوداء تجمّدت جزئيًا على ثيابه وجلده.
ارتدّ صوته في الفراغ، مكسورًا، كأن طفلًا يهمس في قبر حاكم.
حتى البكاء لم يعد ممكنًا.
الكائن لم يتحرك. لم يُجب.
ولأستحق أن أكون فارسها بحق.”
لم يكن بحاجة لذلك.
كلمات “المنسي” لم تكن مجرد نبوءة. كانت الحقيقة.
تكلم الظلام نيابةً عنه.
مجرد فراغٍ أسود يمتد بلا حدود، كأن الكون اختُزل إلى لحظة نسيان.
وهمس الجحيم باسمه.
ظهر الحارس، بصوته الجاف:
“.أنا أعرفك أكثر مما تعرف نفسك”
بقي صامتًا، لكنه لم يكن غائبًا. عيناه اخترقتا “لين” كما لو كانتا تبحثان في داخله، تكشفانه طبقةً طبقة.
حدّق “لين” فيها للحظة، ثم قال:
الخوف.
“أريد إذنًا بدخول المكتبة الخاصة بالعائلة سيدتي.”
الذنب.
الشك.
كان وجهه… غريبًا.
ثم تبعها صوتٌ هادئ:
كلُّ ما أخفاه “لين” طوال حياته… كان مكشوفًا الآن.
—-
ثم جاء الصوت.
أجوف، بعيد. كأنه تردُّد من فجوةٍ لا زمن فيها:
“أريد إذنًا بدخول المكتبة الخاصة بالعائلة سيدتي.”
“.لقد دُمّر النظام”
لكنه لم يكن يسمع.
اهتزّ الفراغ.
كنت أراقب تدريباتك طوال الشهر، وأعلم أنك أقوى من لونا.
كان وجهه… غريبًا.
ثم تبعها صوتٌ هادئ:
خانق… هواءٍ لا يحمل حياة، بل ظلالًا تزحف.
“.وأنا… من أوقف لعنة المهول لبعض الوقت فقط”
“كيف كانت الزنزانة؟”
دون أن يتحرك، اختفت المسافة بينه وبين “لين”.
ارتدّ صوته في الفراغ، مكسورًا، كأن طفلًا يهمس في قبر حاكم.
فجأةً، أصبح أمامه.
الزمن أبطأ.
دون أن يتحرك، اختفت المسافة بينه وبين “لين”.
عيناه قريبتان لدرجة أن “لين” شعر بأنهما تلتهمانه حيًّا.
وفي قلب هذا الفراغ…
شعر بلحظة راحةٍ مريرة.
شهق، أنفاسه مقطوعة، كلماته تعلّقت في حلقه كأشواك:
تمتم أخيرًا، بصوتٍ خافت:
صارتا سوداويتين بعمق مخيف… كأن طبقات من الظلام تراكمت داخل بؤرة عينيه حتى ابتلعت أي ضوء بقي فيه.
“م- من أنت؟”
شهق، أنفاسه مقطوعة، كلماته تعلّقت في حلقه كأشواك:
“حسنًا.”
ابتسامةٌ باهتة ارتسمت على وجه الكائن.
“أنت… ما زلت غير مؤهل بعد، جين.”
لم تكن دافئة. لم تكن بشرية.
الذنب.
حتى البكاء لم يعد ممكنًا.
“أنت… ما زلت غير مؤهل بعد، جين.”
الخوف.
“لكن يمكنك أن تناديني بـ المنسي.”
وهمس الجحيم باسمه.
اهتزّ الفراغ.
تجمّد “لين”.
“م- من أنت؟”
“ج… جين؟
لكنها… تراجعت.
“!كيف عرفت اسمي؟”
العينان اللتان كانتا تلمعان يومًا ما، اختفى بريقهما تمامًا.
كان وجهه… غريبًا.
الصوت عاد دون حركة شفاه، يرنُّ داخل جمجمته:
“سأستأذن الآن… للذهاب إلى المكتبة.”
لا جدران.
“.أنا أعرفك أكثر مما تعرف نفسك”
عيناها تشي بالحزن.
لقد عاد من الجحيم نفسه.
استفاق “لين” فجأةً، كمن خرج من كابوس… أو من لعنة.
وقع أرضًا، يحدّق في اللاشيء.
كان ممددًا على أرض زنزانة الصقيع، جلده ملتصق بالحجر البارد، والهواء ساكنٌ ومميت، لا يحمل سوى همسات الجليد.
لم يعد يرى “لين”…
تجمّد “لين”.
عرقٌ بارد يغمره، ودماءٌ سوداء تجمّدت جزئيًا على ثيابه وجلده.
وكانت “أم كاميليا” و”كاميليا” بانتظاره.
رائحتها كرمادٍ محترق.
لكنها… تراجعت.
قلبه ينبض بجنون، صدره يعلو ويهبط كأنما نجا من الغرق في بحرٍ من الثلج.
تكلم الظلام نيابةً عنه.
حين حاول الوقوف، شعر وكأن الزمن تحطّم من حوله.
ثم تبعها صوتٌ هادئ:
هل مرّت دقائق؟ أم سنوات؟ لم يعرف.
“يبدو أن شكلك قد تغيّر… تبدو أوسم الآن، لكن هناك هالةً غريبة تنبعث منك.”
كلُّ شيءٍ داخل ذلك العدم الملعون أبتلع اي مفهوم للوقت ذاته.
وكانت “أم كاميليا” و”كاميليا” بانتظاره.
ولأستحق أن أكون فارسها بحق.”
نظر إلى انعكاسه في الجليد.
مجرد فراغٍ أسود يمتد بلا حدود، كأن الكون اختُزل إلى لحظة نسيان.
ثم استدار مغادرًا، قائلًا بهدوء:
كان وجهه… غريبًا.
تابعت بابتسامةٍ هادئة:
شعره المتسخ التصق برأسه، طويلًا ومشعثًا، كأنه لم يُغسل منذ أشهر.
شعره الأسود انساب كنهرٍ من ليلٍ كثيف، وعيناه الحمراوان تشعّان بجمودٍ مطلق، مثل قمرين مسجونين في ليلٍ لا فجر له.
ثم… نظر في عينيه.
كلمات “المنسي” لم تكن مجرد نبوءة. كانت الحقيقة.
لا جدران.
العينان اللتان كانتا تلمعان يومًا ما، اختفى بريقهما تمامًا.
ركضت إليه الأم، ضمّته بقوة، تبكي وتقول:
صارتا سوداويتين بعمق مخيف… كأن طبقات من الظلام تراكمت داخل بؤرة عينيه حتى ابتلعت أي ضوء بقي فيه.
وقع أرضًا، يحدّق في اللاشيء.
وجوده وحده… جعل الهواء ثقيلاً.
لم يعد يرى “لين”…
رائحتها كرمادٍ محترق.
بل شيئًا آخر يتكوّن.
مجرد فراغٍ أسود يمتد بلا حدود، كأن الكون اختُزل إلى لحظة نسيان.
حتى البكاء لم يعد ممكنًا.
فُتح…
لقد صار فارغ من داخله في تلك اللحظة.
صمتت البطريكة لوهلة، ثم قالت:
تمتم أخيرًا، بصوتٍ خافت:
“أيها النظام…”
ثم أضافت، بصوتٍ صارم:
لكن النظام لم يُجب.
“أيها النظام…”
انحنى “لين” باحترام، جسده منحنٍ، لكن عينيه ثابتتان.
حينها فقط، فهم.
وكانت “أم كاميليا” و”كاميليا” بانتظاره.
كلمات “المنسي” لم تكن مجرد نبوءة. كانت الحقيقة.
رجلٌ جلس فوق عرشٍ حجري. لم يتحرك. لم يتنفس.
كل تلك الطاعة، المهام، الأوامر… انتهت إلى لا شيء.
حدّق “لين” فيها للحظة، ثم قال:
لقد عاد لنقطة الصفر.
الخوف.
شعر بلحظة راحةٍ مريرة.
لقد تخلّص أخيرًا من النظام الطفيلي.
لكن فكرةً واحدة بقيت تنهش عقله:
كل تلك الطاعة، المهام، الأوامر… انتهت إلى لا شيء.
“حتى النظام… لم يستطع إنقاذه من تلك اللعنة.”
زحف نحو باب الزنزانة.
ولأستحق أن أكون فارسها بحق.”
رغم الجثث المجمدة، لم تكن هناك جثته.
لقد عاد من الجحيم نفسه.
تمتم أخيرًا، بصوتٍ خافت:
طرق الباب ببطء.
اهتزّ الفراغ.
فُتح…
رجلٌ جلس فوق عرشٍ حجري. لم يتحرك. لم يتنفس.
وكانت “أم كاميليا” و”كاميليا” بانتظاره.
ركضت إليه الأم، ضمّته بقوة، تبكي وتقول:
ارتدّ صوته في الفراغ، مكسورًا، كأن طفلًا يهمس في قبر حاكم.
“ابني… ماذا حصل لك؟!”
وسألت كاميليا، بقلقٍ يملأ صوتها:
“أعتقد أنني لست مؤهلًا بعد… لأكون الفارس الخاص بالسيدة فروسيتا.”
“ماذا فعلت لتُغضب البطريكة؟!”
لكنه لم يكن يسمع.
رجلٌ جلس فوق عرشٍ حجري. لم يتحرك. لم يتنفس.
كان غارقًا في متاهةٍ لا صوت فيها إلا صوت “المنسي”.
وفي الطرف الآخر… وقفت “فروسيتا”.
عيناها تشي بالحزن.
تكلم الظلام نيابةً عنه.
رؤيتها له – بثيابه الممزقة، وجسده المغطى بالدماء السوداء – كسرت شيئًا في داخلها.
بقي صامتًا، لكنه لم يكن غائبًا. عيناه اخترقتا “لين” كما لو كانتا تبحثان في داخله، تكشفانه طبقةً طبقة.
أرادت أن تحتضنه.
توقفت ابتسامتها.
لكنها… تراجعت.
ظهر الحارس، بصوته الجاف:
“حان وقت مقابلتك للبطريكة.”
صمت.
“حسنًا، سأذهب لتغيير ملابسي أولًا.”
حينها فقط، فهم.
—-
“لكن يمكنك أن تناديني بـ المنسي.”
أمام غرفة البطريكة.
“أعتقد أنني لست مؤهلًا بعد… لأكون الفارس الخاص بالسيدة فروسيتا.”
انحنى “لين” باحترام، جسده منحنٍ، لكن عينيه ثابتتان.
فوق أرضٍ حجريةٍ باردة، استفاق “لين”.
قالت البطريكة، بصوتها الرزين:
كان وجهه… غريبًا.
“كيف كانت الزنزانة؟”
لقد صار فارغ من داخله في تلك اللحظة.
صمت.
وفي الطرف الآخر… وقفت “فروسيتا”.
تابعت بابتسامةٍ هادئة:
الكائن لم يتحرك. لم يُجب.
“يبدو أن شكلك قد تغيّر… تبدو أوسم الآن، لكن هناك هالةً غريبة تنبعث منك.”
“لقد كان درسًا صغيرًا… لتتعلّم.”
اقتربت منه خطوة، ثم قالت:
“ما المكافأة التي تريدها يا لين؟”
كلُّ نفسٍ يسحبه كان كمن يحاول الشرب من رماد. الزفير تحوّل إلى ضبابٍ باهت، يتبدد في هواءٍ
“أريد إذنًا بدخول المكتبة الخاصة بالعائلة سيدتي.”
“.وأنا… من أوقف لعنة المهول لبعض الوقت فقط”
رفعت حاجبها، ثم قالت:
“حسنًا.”
ثم تابعت، بنبرةٍ هادئة لكن تحمل أمرًا لا يُرد:
“أعدّ نفسك لعقد الفروسية الخاص بابنتي.”
“عُلم، سيدتي.”
حدّق “لين” فيها للحظة، ثم قال:
“أنت… ما زلت غير مؤهل بعد، جين.”
“أعتقد أنني لست مؤهلًا بعد… لأكون الفارس الخاص بالسيدة فروسيتا.”
—-
توقفت ابتسامتها.
“ألست أنت من فاز بالبطولة؟
كنت أراقب تدريباتك طوال الشهر، وأعلم أنك أقوى من لونا.
بل شيئًا آخر يتكوّن.
أنا أستشعر مانا هائلة منك، يا لين.”
كلُّ نفسٍ يسحبه كان كمن يحاول الشرب من رماد. الزفير تحوّل إلى ضبابٍ باهت، يتبدد في هواءٍ
“ليس الأمر هكذا سيدتي، فقط أعطني بعض الوقت.
ابتسامةٌ باهتة ارتسمت على وجه الكائن.
بعد أن أنهي رحلتي الاستكشافية، سأعود وأقوم بالعهد.
حتى أُظهر ما يُثبت جدارتي… وحتى لا يُثير الأمر القلق داخل العائلة.”
“وهل يجرؤ أحد على الاعتراض على أمري، أنا البطريكة؟”
كلامك أوامر مطلقة.
“بالطبع لا، سيدتي.
صمت.
كلامك أوامر مطلقة.
لكنني فقط أرغب في تحسين سمعتي، حتى لا يجرؤ أحد على الحديث خلف ظهر سيدتي.
ولأستحق أن أكون فارسها بحق.”
صمتت البطريكة لوهلة، ثم قالت:
لقد عاد لنقطة الصفر.
“حسنًا… يمكنك الذهاب.”
ظهر الحارس، بصوته الجاف:
ثم أضافت، بصوتٍ صارم:
قلبه ينبض بجنون، صدره يعلو ويهبط كأنما نجا من الغرق في بحرٍ من الثلج.
“وأمرٌ آخر…
ابتعد عن ذلكما القذرين.”
لم يكن بحاجة لذلك.
“عُلم، سيدتي.”
“سأستأذن الآن… للذهاب إلى المكتبة.”
“لقد أصبحوا أعدائي من الآن فصاعدا.”
“كيف كانت الزنزانة؟”
ثم استدار مغادرًا، قائلًا بهدوء:
استفاق “لين” فجأةً، كمن خرج من كابوس… أو من لعنة.
“سأستأذن الآن… للذهاب إلى المكتبة.”
“.لقد دُمّر النظام”
أجوف، بعيد. كأنه تردُّد من فجوةٍ لا زمن فيها:
وهمس الجحيم باسمه.
“يبدو أن شكلك قد تغيّر… تبدو أوسم الآن، لكن هناك هالةً غريبة تنبعث منك.”
