سِحر ذلك الدرع
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وفي اللحظة التالية، مدّت الصوفيّة يديها ومسحت على وجهيهما بابتسامة هادئة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه باستسلام.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
حدّقت الفتاة المراهقة فيه بجمود.
Arisu-san
وما إن أنهت كلماتها، حتى هوَت بقبضتها على مركز الدرع الفضيّ أمام عيني غيزا المذعورتين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكن ملامحه تبدّلت فجأة، وارتسمت عليه الجدية، ثم أطلق سراح وايا واختفى بغتةً!
الفصل الخامس والتسعون: سِحر ذلك الدرع
حدّقت به الفتاة بعدم تصديق.
…
ارتجف وهو يسألها بعدم تصديق.
شعر كريس، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بمخالب الهيدرا كيليكا العديدة التي تجاهل دمه الآكل وهي تلتفّ حول جسده بإحكام، بل وتندمج معه أثناء ذوبانها. وفي الوقت نفسه، حدّق بسايمون الواقف قبالته متنهّدًا.
“أنا… أنا أعرف آسدا ساكيرن، صوفيّ الهواء!” قال تاليس بسرعة وهو يشعر بحرارة الدم على وجهه.
“كيف عجزت عن تفادي ذلك رغم سرعتك؟!”
طَنين! طَنين!
“لا أدري.” كان سايمون يختلج بعنف، لكن أطرافه لم تُطع أوامره. “شعرت وكأنني فقدت السيطرة على جسدي كلّه… كأنني سلّمت نفسي تمامًا…”
“إن قتلتِني، سيقلّ دعمكِ في هذا العالم!”
حملت المجسّات الاثنين نحو سيّدتها. ودوّى صوت صوفية الدم وهي تتنهّد.
“كيف عجزت عن تفادي ذلك رغم سرعتك؟!”
“أشكركما على توقّفكما عن التقلّب والركض… يمكنني أخيرًا تناول وجبة طيبة مجددًا.”
…
ارتجف كريس وسايمون بدهشة خافتة.
“السيدة ساسيري ستتولى الأمر.”
“تعلمان،” ابتسمت صوفية الدم وهي تتكلّم، “منذ أن أصابتني تلك المدفعية اللعينة من الأقزام، وأنا أشعر بضعفٍ ما.”
لكن لم يعد لديه القوّة ليتأملها.
تحت أنظار كريس وسايمون المذعورة، أنهت الصوفيّة حديثها بنعومة مريبة.
كانت محاربةٌ مضرّجة بالدماء ترتدي درعًا فولاذيًا، تمسك بسيفٍ ثنائيّ اليدين يبلغ نصف قامة الإنسان، تتقدّم بشجاعةٍ وسط الدماء المتطايرة.
“أحتاج إلى بعض التعويض.”
“أأنتَ تابعُ ذلك النذل الصغير؟ يعلم الاله كم أكرهه.”
وفي اللحظة التالية، مدّت الصوفيّة يديها ومسحت على وجهيهما بابتسامة هادئة.
(الدم؟)
…
تحرّك المجسّ، بينما اقترب وجه الصوفيّة الملطّخ بالدماء من وجهه ببطء.
“قطعًا لا!” بدا وجه كاترينا متجهّمًا. “هذا التابوت الأسود سُمّي تيمّنًا بلقب تجسيد الليل المظلم. ما الذي يجعلك تظنّ أن مجرمًا سجنه تجسيد سيكون أكثر أمانًا من صوفية الدم؟”
دوّى صوت اندفاعٍ عنيفٍ قادمٍ من الجهة التي نظرت إليها!
ردّت سيرينا بسخرية حادّة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“طبعًا، تحويل أكثر من عشرة قطعٍ لزجة تتحرك هنا وهناك، يبدو خيارًا آمنًا جدًا.”
تجمّد تاليس في مكانه. (ما زلت أجهل الكثير عن الطاقة الصوفية.)
خفض تاليس رأسه مفكرًا في موازنة المنافع والمخاطر. لكن فجأةً، انبعث صوت من خلفه.
فتح تاليس عينيه ببطء ونطق بالحقيقة التي أرّقته أكثر من أي شيء.
“إذن، من الذي يكذب حقًا في هذه المسألة؟” جاء الصوت ناعمًا.
“أنا… أنا أعرف آسدا ساكيرن، صوفيّ الهواء!” قال تاليس بسرعة وهو يشعر بحرارة الدم على وجهه.
ارتعد الثلاثة معًا واستداروا فورًا.
استدارت السيّافة وساعدته على النهوض.
كانت صوفية الدم واقفةً فوق إحدى مجسّاتها المصنوعة من أطرافٍ مكسورةٍ ودماء، تحدّق إليهم بابتسامة متّزنة.
“انتظري لحظة!” صاح تاليس.
حاول تاليس جاهدًا ألا ينظر إلى تلك الأطراف المرتعشة والأحشاء المقزّزة، لكنه شعر على الفور بجسدي الأختين إلى جواره يتحركان!
انبثقت فكرة مذهلة في ذهنه.
“هيه!” لم يتمكّن تاليس إلا من لفظ كلمةٍ واحدة وهو يراهم يبتعدون.
“طبعًا، تحويل أكثر من عشرة قطعٍ لزجة تتحرك هنا وهناك، يبدو خيارًا آمنًا جدًا.”
لكن ما أثار دهشته أنّ كاترينا وسيرينا بدأتا بالارتجاف في الوقت نفسه، وقد فقدتا السيطرة على جسديهما، وقفزتا عن التابوت الأسود وسارتا نحو المجسّ السفلي تحت قدمي الصوفيّة.
“أأنتِ حقًا… تصدقينني؟” سأل مترددًا.
“ما الذي يحدث؟! ماذا فعلتِ بي؟!”
“لا تقلق.” قطعت ميراندا كلامه ببرود.
كانت كاترينا ترتجف وهي تخطو خطوة تلو أخرى نحو الهاوية الدموية التي صنعتها المجسّات، الغضب والرعب يتنازعان وجهها. “أين سايمون؟”
حدّقت غيزا في الدرع بعنادٍ وقالت بغلٍّ:
“يا للغباء، أليس هذا واضحًا بما يكفي؟”
تحرّك المجسّ، بينما اقترب وجه الصوفيّة الملطّخ بالدماء من وجهه ببطء.
كانت سيرينا بدورها ترتجف وهي تتحرّك، وقد شدّ المجسّ جسدها، فقبضت على أسنانها وقالت بصوتٍ متقطّع:
(اللعـــنة!)
“إنها تتحكّم بأجسادنا!”
(اللعنة، ومن قال إنني أريد أن أصبح صوفيًا؟
ضحكت صوفية الدم بخفّة وهي تُغلف الأختين داخل مجسّها المكوّن من الأطراف المهشّمة.
“على الأقل، فكّري قليلًا بمستقبل الصوفيين!”
“لقد استعَدتُ بعض قوتي فحسب… لم أستخدمها منذ زمن طويل، لذا لا أزال غير متمكنةٍ تمامًا منها. لا تقلقا، سأحتاج إلى دمائكما لاحقًا…”
“لماذا؟” قطعت حديثه قبل أن تبتسم وتسأله.
ثم استدارت الفتاة نحو تاليس.
خفض تاليس رأسه وبسط يديه بتبريرٍ خافت.
شعر الأمير الثاني بقشعريرة تسري في جلده، لكنه واجه نظرات الصوفيّة بثبات.
“أمم، آنسة غيزا…” قال بحذر، “لديّ بعض الأصدقاء الذين—”
(دقّ قلبه بعنفٍ مجددًا.)
“ستموت بهدوء، بلا حركة، بلا ألمٍ أو معاناة.”
(هذا الموقف… حدث من قبل… في غرفة الشطرنج بسوق الشارع الأحمر.)
ابتسمت غيزا ابتسامةً باهتة دون أن تُجيب.
تحرّك المجسّ، بينما اقترب وجه الصوفيّة الملطّخ بالدماء من وجهه ببطء.
ثم ضحكت صوفية الدم فجأة وقالت،
“أنت.”
قاطعته الفتاة فجأة.
كانت الفتاة تتأمّله بعناية.
“أنت لا تعرف شيئًا… كيف أصبحت إذًا (الصوفيّ المولود حديثًا) الذي تحدّث عنه آسدا؟” تنهدت الصوفيّة بعمق.
تنفّست صوفية الدم بعمق.
خفض تاليس رأسه وبسط يديه بتبريرٍ خافت.
“الدم الذي يجري في عروقك يحمل إحساسًا مألوفًا لا يُوصف.”
“هاه؟” اتّسعت ملامح تاليس حيرةً.
(الدم؟)
“أيّ الفصائل ستختار؟ المتطرفون، الغامضون، أم المعتدلون، أم الإمبراطورة السحرية؟”
اهتزّ جسد تاليس في تلك اللحظة.
“هاه؟” توقّفت غيزا عن الحركة، واستقامت تنظر خلفها.
(صحيح. لا يزال لديّ حركتي الأخيرة.)
حدّقت به الفتاة بعدم تصديق.
تنحنح قليلًا.
(ماذا؟!)
“رغم أنني لا أذكر الكثير، لكن من أجل هذا الدم، لن أدعك تتعذّب.” قالت الفتاة الحمراء وهي تمدّ راحة يدها نحوه مبتسمة.
ثمّ رأى مشهدًا لن ينساه ما دام حيًّا.
“انتظري لحظة!” صاح تاليس.
هذا من أجل مصلحتك…”
“أمم… آنسة… صوفيّة الدماء؟”
طَنين! طَنين!
“أنا…” أغمض تاليس عينيه مترددًا للحظة قبل أن يتكلم بصعوبة:
لكن ميراندا تجاهلته، وضغطت عليه ببرود ليجلس تحت الشجرة.
“أنا أيضًا صوفيّ.”
صرخ في أعماق قلبه.
تجمّد تعبير الصوفيّة لبرهة.
في اللحظة التالية، ضغطت صوفية الدم، غيزا، كفّها على وجهه مجددًا!
فتح تاليس عينيه ببطء ونطق بالحقيقة التي أرّقته أكثر من أي شيء.
(جيد جدًا… زال عداؤها.)
“نحن من النوع نفسه.”
ظلت الصوفيّة ساكنة وهي تهمس بكلمة واحدة.
“احذري!” صرخ تاليس بصوتٍ مرتجف. “إنها قادرةٌ على التجدد!”
“كاذب.”
“آه.” هزّت غيزا رأسها وضحكت بخفوت.
وضعت كفّها على وجهه.
دمدمة!
“انتظري!”
تمدّد بيوتراي بدوره على الأرض بلا حراك، يرمق إسترون بعجزٍ وهو يرفع وايا المشلول بسهولةٍ تامة.
“أنا… أنا أعرف آسدا ساكيرن، صوفيّ الهواء!” قال تاليس بسرعة وهو يشعر بحرارة الدم على وجهه.
شعر تاليس بالهدوء يعود إليه.
“بحسب قوله، أنا صوفيّ جديد وُلد بعد معركة الإبادة!”
تمدّد بيوتراي بدوره على الأرض بلا حراك، يرمق إسترون بعجزٍ وهو يرفع وايا المشلول بسهولةٍ تامة.
داعبت الصوفيّة وجهه بكفّها المضرّجة بالدماء.
(اللعنة، ومن قال إنني أريد أن أصبح صوفيًا؟
“آسدا؟ صوفيّ مولود حديثًا؟”
“أمم… آنسة… صوفيّة الدماء؟”
“يا لك من ذكيّ، اخترت ذلك الأحمق المختوم ليشهد لك.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أنا أقول الحقيقة!” صرخ تاليس وهو يرفع يده، وقد كاد الخوف يقتلع روحه من جسده.
“آسدا حاول قتلي، لكن قوتي ظهرت وقطعته… حدث انفجار… قال إن الطاقة الصوفية وحدها تعترض طريق الأخرى…” عقد حاجبيه.
“بإمكاني إثبات ذلك! من خلال حالة (الخروج عن السيطرة) تلك!”
تغيّر وجه غيزا لأول مرة.
ابتسمت الفتاة الحمراء، لكن نبرتها تغيّرت.
“إنها تتحكّم بأجسادنا!”
“(خروج عن السيطرة؟)” قالت بهدوء.
“هاه؟” بدت الحيرة على وجه تاليس.
“وكيف فقدت السيطرة؟”
وضعت كفّها على وجهه.
تجمّد تاليس في مكانه. (ما زلت أجهل الكثير عن الطاقة الصوفية.)
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
حاول استرجاع ما حدث في تلك الليلة بسوق الشارع الأحمر.
تبدّل وجهُ إسترون.
“آسدا حاول قتلي، لكن قوتي ظهرت وقطعته… حدث انفجار… قال إن الطاقة الصوفية وحدها تعترض طريق الأخرى…” عقد حاجبيه.
(السيدة ساسيري؟)
“قال أيضًا إنني أول من يظهر منذ ألف عام… وإنه سيقودني…”
ارتجف وهو يسألها بعدم تصديق.
“إن كنتِ تريدين الدليل—”
كان وايا كاسو يصارع النهوض وهو يضغط أسنانه قائلاً: “تلك قوّة الإبادة التي تُجبر الخصم على الرقص وفقَ إيقاعها… موسيقى الحصان المجنّح!”
لكنه لم يُكمل.
(ذلك الأسلوب في الضربة، وذلك الزاوية… أهي أيضًا من أولئك الذين أتقنوا قوّة الإبادة؟)
“كفى.” رمقته الفتاة بصرامة.
“ستموت بهدوء، بلا حركة، بلا ألمٍ أو معاناة.”
“إذن الأمر حقيقي. أنت صوفيّ.”
انفجر مجسٌّ إلى جوار غيزا فجأة!
اتّسعت عينا تاليس.
“إنها تتحكّم بأجسادنا!”
(بهذه السهولة… صدّقتني؟)
“انتظري لحظة!” صاح تاليس.
(أليس ذلك أسرع مما ينبغي؟)
فوجئ بإحساسٍ حادٍّ معدنيٍّ باردٍ يهجم عليه مباشرةً في وجهه!
لكن الفتاة تنبّهت لحيرته.
(لكن بالطبع، لا يمكنني أن أدعكِ تعرفين ذلك.)
“دمك وقوة حياتك يخبرانني… أنك لا تكذب.”
سقط وايا على الأرض واهنًا، عاجزًا عن رفع سيفه مجددًا.
(دم؟ قوة حياة؟)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تذكّر تاليس سيطرة آسدا على الهواء، وتملّكه الفضول.
“لا تستطيع أن تنفصل عن ماضيك، أليس كذلك؟”
“أأنتِ حقًا… تصدقينني؟” سأل مترددًا.
(جيد جدًا… زال عداؤها.)
لكن الفتاة تجاهلته.
“أمم… آنسة… صوفيّة الدماء؟”
“إذن، أنت شخص يملك قابلية أن يصبح صوفيًا… أول من يظهر منذ ألف عام؟”
انبثقت فكرة مذهلة في ذهنه.
تنفّس تاليس الصعداء.
“إن كنتِ تريدين الدليل—”
(يبدو أن حياتي أُنقذت مجددًا.)
شقّ!
“هكذا قال آسدا، كما أنه قال—”
(اللعنة، ومن قال إنني أريد أن أصبح صوفيًا؟
قاطعته الفتاة فجأة.
“لماذا؟!” صرخ بغضب.
“إذن، آسدا هو من عثر عليك.”
“إنها تتحكّم بأجسادنا!”
لم يجد تاليس سوى أن يغلق فمه ويهزّ رأسه.
“إذن الأمر حقيقي. أنت صوفيّ.”
رمقته الصوفيّة بنظرة حذرة وسألت.
“أمم، آنسة غيزا…” قال بحذر، “لديّ بعض الأصدقاء الذين—”
“أيّ الفصائل ستختار؟ المتطرفون، الغامضون، أم المعتدلون، أم الإمبراطورة السحرية؟”
ردّت سيرينا بسخرية حادّة.
“هاه؟” اتّسعت ملامح تاليس حيرةً.
اسودّ وجه الصوفية الدموية غيزا تحت الدرع، وكأنّ لحمها يُشوَى بنارٍ حارقة، فبدأت فقاعاتٌ تتكوّن على وجهها، قبل أن يتقشّر ويتحوّل رمادًا.
قطّبت الفتاة حاجبيها.
حاول تاليس جاهدًا ألا ينظر إلى تلك الأطراف المرتعشة والأحشاء المقزّزة، لكنه شعر على الفور بجسدي الأختين إلى جواره يتحركان!
“أما أخبرك آسدا بتاريخ الصوفيين؟ حروبهم الأهلية الثلاث ومعاهداتهم الثلاث الكبرى؟”
وفي تلك اللحظة، جمع الأمير الثاني كل الغضب والمرارة اللذين حملهما في حياتيه معًا، وكان في أعماقه يصرخ بكامل روحه،
هزّ تاليس رأسه، إذ لم يكن يدري شيئًا عن ذلك، وغمره الارتباك أكثر فأكثر.
“لقد استعَدتُ بعض قوتي فحسب… لم أستخدمها منذ زمن طويل، لذا لا أزال غير متمكنةٍ تمامًا منها. لا تقلقا، سأحتاج إلى دمائكما لاحقًا…”
“الحروب الأهلية للصوفيين؟ أليسوا خالدين؟ لِمَ يخوضون حربًا فيما بينهم؟”
“كفى.” رمقته الفتاة بصرامة.
حدّقت الفتاة المراهقة فيه بجمود.
أخفض تاليس رأسه خجلًا وهزّ رأسه ثانية.
“أولم يشرح لك أيضًا قاعدة (الوفيات الثلاث والتحريم الواحد) بين الصوفيين؟”
وما إن اقتربت مجسّات غيزا الصغيرة من الدرع حتى اسودّت، وذبلت، وتحوّلت إلى رمادٍ متناثر!
اتّسعت عينا تاليس مجددًا وهزّ رأسه نفيًا.
“تعلمان،” ابتسمت صوفية الدم وهي تتكلّم، “منذ أن أصابتني تلك المدفعية اللعينة من الأقزام، وأنا أشعر بضعفٍ ما.”
ازداد عبوس الفتاة حمرةً وغضبًا.
دمدمة!
“هل أخبرك آسدا عن الفرق بين (المادة) و(المفهوم) والعلاقة بين (الفوضى) و(النقاء)؟”
“هدفك هو إنقاذ الصوفيّ داخل هذا التابوت، أليس كذلك؟”
تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه باستسلام.
ظلت الصوفيّة ساكنة وهي تهمس بكلمة واحدة.
“إذن، في أي مرحلة أنت من المراحل الأربع للصوفيين؟ لا بد أنك تعرف هذا على الأقل، أليس كذلك؟”
غطّت غيزا وجهه براحة يدها برفقٍ قاتل.
أخفض تاليس رأسه خجلًا وهزّ رأسه ثانية.
لكنّه بالطبع لم يجرؤ أن يقولها.
حدّقت به الصوفيّة بشدة، وكأنها تريد أن تقتلع قطعة من وجهه.
غطّى إسترون قلبه المثقوب، وسقط أرضًا بلا صوت.
شعر تاليس بالضغط يزداد كل ثانية.
كانت كاترينا ترتجف وهي تخطو خطوة تلو أخرى نحو الهاوية الدموية التي صنعتها المجسّات، الغضب والرعب يتنازعان وجهها. “أين سايمون؟”
“إذن، أيّ معرفة من برج السحر ورثتها؟” نطقت بعد ثوانٍ بكلماتٍ كان قد قرأها في الكتب من قبل، لكنه لم يفهم معناها قطّ.
وما إن اقتربت مجسّات غيزا الصغيرة من الدرع حتى اسودّت، وذبلت، وتحوّلت إلى رمادٍ متناثر!
“برج الكيمياء؟ برج الأرواح؟ أم برج الزهد؟ أم لعلك وريثٌ مستقلّ تائهٌ في العالم الخارجي؟”
لكن ما أثار دهشته أنّ كاترينا وسيرينا بدأتا بالارتجاف في الوقت نفسه، وقد فقدتا السيطرة على جسديهما، وقفزتا عن التابوت الأسود وسارتا نحو المجسّ السفلي تحت قدمي الصوفيّة.
(ما… ما هذا بحق الجحيم؟)
ثم استدارت الفتاة نحو تاليس.
ارتجف وجه تاليس، وقد شُلّ إحساسه من كثرة المصطلحات التي انهالت عليه.
(يبدو أن حياتي أُنقذت مجددًا.)
هزّ الأمير الثاني رأسه بجمودٍ شديد.
ارتجف وجه تاليس، وقد شُلّ إحساسه من كثرة المصطلحات التي انهالت عليه.
حدّقت به الفتاة بعدم تصديق.
…
“إذن، أنت لا تعرف حتى العلاقة بين الطاقة الصوفية والسحر؟ ولا الفرق بين الصوفيين والسحرة والساحرات؟ انتظر، أتعرف ما هم السحرة أصلًا؟”
(اللعنة، ومن قال إنني أريد أن أصبح صوفيًا؟
حدّق بها تاليس بعينين بريئتين خاليتين من الفهم.
تنفّست صوفية الدم بعمق.
“أنت لا تعرف شيئًا… كيف أصبحت إذًا (الصوفيّ المولود حديثًا) الذي تحدّث عنه آسدا؟” تنهدت الصوفيّة بعمق.
أدارت المحاربة سيفها في قوسٍ واسعٍ، فقطعت المجسّ الثاني إربًا.
خفض تاليس رأسه وبسط يديه بتبريرٍ خافت.
(ما… ما هذا بحق الجحيم؟)
(لا معلم… لا تعليم… ليس ذنبي.)
سادت بينهما لحظة صمتٍ ثقيلة.
“أنت لا تختلف عن إنسانٍ عاديّ الآن.” قالت الصوفيّة بصوتٍ خافت.
تبدّل وجهُ إسترون.
لم يعرف تاليس ما يجيب به.
هزّ تاليس رأسه، إذ لم يكن يدري شيئًا عن ذلك، وغمره الارتباك أكثر فأكثر.
ساد الصمت للحظة.
هزّ الأمير الثاني رأسه بجمودٍ شديد.
ثم ضحكت صوفية الدم فجأة وقالت،
“في الواقع، لا أظن ذلك. لقد كان لقاؤنا مصادفة.”
“هل أنت السبب الذي جعل ذلك الأحمق، آسدا، يذهب إلى العاصمة؟”
لكن الفتاة تجاهلته.
حكّ تاليس رأسه.
“ستموت بهدوء، بلا حركة، بلا ألمٍ أو معاناة.”
“في الواقع، لا أظن ذلك. لقد كان لقاؤنا مصادفة.”
“إذن، أنت شخص يملك قابلية أن يصبح صوفيًا… أول من يظهر منذ ألف عام؟”
(لكن في الحقيقة، أنا السبب في أنه خُتم…)
تذكّر تاليس سيطرة آسدا على الهواء، وتملّكه الفضول.
(لكن بالطبع، لا يمكنني أن أدعكِ تعرفين ذلك.)
(إنها…
قالت الفتاة فجأة بنبرةٍ رخيمة:
(سأتخلّص منها، ثم…)
“غيزا.”
لم يعرف تاليس ما يجيب به.
تجمّد ذهن تاليس لوهلة قبل أن يرفع رأسه.
صرخ في أعماق قلبه.
“ماذا؟”
“هيه!” لم يتمكّن تاليس إلا من لفظ كلمةٍ واحدة وهو يراهم يبتعدون.
رفعت الصوفيّة عينيها وقالت:
ساد الصمت للحظة.
“غيزا ستريلمان، هذا اسمي. إن كنتَ أيضًا صوفيًا، أو حتى مرشّحًا لتصبح صوفيًا، فلك الحقّ أن تعرف اسمي.”
قهقه إسترون قهقهةً خبيثة، كاشفًا أنيابه باتجاه عنق وايا.
سادت بينهما لحظة صمتٍ ثقيلة.
ظلت الصوفيّة ساكنة وهي تهمس بكلمة واحدة.
(جيد جدًا… زال عداؤها.)
“هل أنت السبب الذي جعل ذلك الأحمق، آسدا، يذهب إلى العاصمة؟”
شعر تاليس بالهدوء يعود إليه.
قطّبت الفتاة حاجبيها.
(والآن، الخطوة التالية…)
“الحروب الأهلية للصوفيين؟ أليسوا خالدين؟ لِمَ يخوضون حربًا فيما بينهم؟”
“أمم، آنسة غيزا…” قال بحذر، “لديّ بعض الأصدقاء الذين—”
غطّى إسترون قلبه المثقوب، وسقط أرضًا بلا صوت.
“لماذا؟” قطعت حديثه قبل أن تبتسم وتسأله.
غطّى إسترون قلبه المثقوب، وسقط أرضًا بلا صوت.
“هاه؟” بدت الحيرة على وجه تاليس.
أكدت أحداث اليوم لتاليس قناعته بأن أفضل وصفٍ يمكن أن يُطلق على الصوفيين هو: “مجانين.”
نظرت إليه غيزا نظرةً عميقة.
“رغم أنني لا أذكر الكثير، لكن من أجل هذا الدم، لن أدعك تتعذّب.” قالت الفتاة الحمراء وهي تمدّ راحة يدها نحوه مبتسمة.
“إن كنت مصمّمًا على أن تصبح صوفيًا، فلماذا ما زلت تختلط بالبشر والجان وأبناء عشيرة الدم؟”
قهقهت غيزا بازدراء، ورفعت يديها، فانطلقت من جسدها عشرات المجسّات الصغيرة نحو المحاربة.
(اللعنة، ومن قال إنني أريد أن أصبح صوفيًا؟
“إذن، أنت لا تعرف حتى العلاقة بين الطاقة الصوفية والسحر؟ ولا الفرق بين الصوفيين والسحرة والساحرات؟ انتظر، أتعرف ما هم السحرة أصلًا؟”
صوفيّ منبوذ أينما وُجد؟)
كانت ضربةٌ بتلك السرعة أشبه بلعبةٍ طفولية بالنسبة له.
لكنّه بالطبع لم يجرؤ أن يقولها.
(ما… ما هذا بحق الجحيم؟)
حكّ رأسه مجددًا وقال بتردّد.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“حسنًا… في النهاية، لقد وُلدت بينهم…”
شقّ!
“آه.” هزّت غيزا رأسها وضحكت بخفوت.
“حسنًا… في النهاية، لقد وُلدت بينهم…”
“لا تستطيع أن تنفصل عن ماضيك، أليس كذلك؟”
“أنا…” أغمض تاليس عينيه مترددًا للحظة قبل أن يتكلم بصعوبة:
لكن قبل أن يتمكّن تاليس من التفكير بكيفية الردّ، حدث ما لم يتوقعه.
(دم؟ قوة حياة؟)
في اللحظة التالية، ضغطت صوفية الدم، غيزا، كفّها على وجهه مجددًا!
النصل اخترق قلبَ إسترون مباشرةً.
“آه!” صرخ تاليس بدهشة، “أنتِ…”
ارتفعت معنويات بيوتراي فجأة، إذ تعرّف على الصوت، كان صوت المخضرم “جينارد”!
“لا تقلق، سأكون سريعة.” قالت غيزا ببرودٍ يبعث الرعب.
“هل أخبرك آسدا عن الفرق بين (المادة) و(المفهوم) والعلاقة بين (الفوضى) و(النقاء)؟”
“ستموت بهدوء، بلا حركة، بلا ألمٍ أو معاناة.”
ارتجف وجه تاليس، وقد شُلّ إحساسه من كثرة المصطلحات التي انهالت عليه.
تقلّصت حدقتا تاليس فجأة حتى صارتا خطّين ضيّقين!
“من أنتِ؟!”
“انتظري!”
“هاه؟” بدت الحيرة على وجه تاليس.
“لماذا؟!” صرخ بغضب.
أكدت أحداث اليوم لتاليس قناعته بأن أفضل وصفٍ يمكن أن يُطلق على الصوفيين هو: “مجانين.”
“لماذا تريدين قتلي مجددًا؟!”
تحرّك المجسّ، بينما اقترب وجه الصوفيّة الملطّخ بالدماء من وجهه ببطء.
“ألَسنا من النوع نفسه؟!” صاح في ذهولٍ وغضب.
“آه.” هزّت غيزا رأسها وضحكت بخفوت.
“هدفك هو إنقاذ الصوفيّ داخل هذا التابوت، أليس كذلك؟”
(جيد جدًا… زال عداؤها.)
“إن كنتِ تريدين إنقاذه، فلماذا تقتلينني؟!”
(اللعنة.)
نظرت غيزا إلى وجهه المشوّه بالغضب، ثم بدأت تمسح وجنته برفقٍ وابتسامةٍ وديعة تعلو محيّاها، قبل أن تُلقي نظرة نحو التابوت الأسود وهمست:
ضحكت غيزا. كانت ضحكتها هذه المرة أكثر سعادة من ذي قبل، لكنها حملت في طيّاتها ألمًا أعمق.
“ومن قال لك إنني جئتُ لأُنقذ الصوفيّ داخل هذا التابوت؟”
ضيّق إسترون عينيه.
ارتعد جسد تاليس بالكامل!
(يبدو أن حياتي أُنقذت مجددًا.)
(مستحيل… لم تأتِ لإنقاذه؟ إذًا لماذا فعلت كل هذا؟…)
تبدّل وجهُ إسترون.
انبثقت فكرة مذهلة في ذهنه.
…
ارتجف وهو يسألها بعدم تصديق.
حاول استرجاع ما حدث في تلك الليلة بسوق الشارع الأحمر.
“هل هذا جزء من الحرب الأهلية بين الصوفيين التي ذكرتِها قبل قليل؟”
“هاه؟” توقّفت غيزا عن الحركة، واستقامت تنظر خلفها.
ابتسمت غيزا ابتسامةً باهتة دون أن تُجيب.
“أنتَ من أتيتَ إليه.”
“أنتِ… نحن بالفعل ضد العالم بأسره، ووضعنا في غاية السوء!” حاول تاليس كبح الذعر في صدره وهو يرتّب كلماته.
“غيزا.”
“فلماذا ما زلتم تقتلون بعضكم البعض؟!”
صرخ في أعماق قلبه.
“إن قتلتِني، سيقلّ دعمكِ في هذا العالم!”
“مستقبل الصوفيين؟” أغمضت عينيها وهزّت رأسها ببطء.
“على الأقل، فكّري قليلًا بمستقبل الصوفيين!”
“آه.” هزّت غيزا رأسها وضحكت بخفوت.
ضحكت غيزا. كانت ضحكتها هذه المرة أكثر سعادة من ذي قبل، لكنها حملت في طيّاتها ألمًا أعمق.
“رغم أنني لا أذكر الكثير، لكن من أجل هذا الدم، لن أدعك تتعذّب.” قالت الفتاة الحمراء وهي تمدّ راحة يدها نحوه مبتسمة.
“مستقبل الصوفيين؟” أغمضت عينيها وهزّت رأسها ببطء.
حاول استرجاع ما حدث في تلك الليلة بسوق الشارع الأحمر.
“ربما ما زال آسدا وتيّار المعتدلين الذين ينتمي إليهم يظنون أن الصوفيين سيستعيدون مستقبلهم يومًا ما…”
“انتظري!”
لاحظ تاليس بدهشة أنّ اللون الدموي بدأ يتلاشى عن وجه غيزا، كاشفًا ملامحها الرقيقة الأصلية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكن لم يعد لديه القوّة ليتأملها.
“أنا… أنا أعرف آسدا ساكيرن، صوفيّ الهواء!” قال تاليس بسرعة وهو يشعر بحرارة الدم على وجهه.
“أما أنا… فقد تخلّيت عن ذلك منذ زمنٍ بعيد.” ارتجفت غيزا وهي تضحك، وكانت ضحكتها أقرب إلى البكاء في سمع تاليس.
“أيّ الفصائل ستختار؟ المتطرفون، الغامضون، أم المعتدلون، أم الإمبراطورة السحرية؟”
“من الأفضل… أن يقلّ أمثالنا في هذا العالم!”
قاطعته الفتاة فجأة.
(ماذا؟!)
تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه باستسلام.
“الألم الذي نحمله في أجسادنا… والألم الذي نُنزله على الآخرين… كلاهما كافٍ. فلماذا نحتاج إلى مبتدئٍ آخرٍ مثلَك ليتحمّل هذا العذاب؟”
ارتجف كريس وسايمون بدهشة خافتة.
(هذا…) ارتجفت عينا تاليس وهو يحدّق في غيزا، وقد غمر قلبه الذعر.
تحت أنظار كريس وسايمون المذعورة، أنهت الصوفيّة حديثها بنعومة مريبة.
غطّت غيزا وجهه براحة يدها برفقٍ قاتل.
حدّقت غيزا في الدرع بعنادٍ وقالت بغلٍّ:
فاشتعل دمه كلّه، وكأنه يتمرّد داخل عروقه.
“انتظري لحظة!” صاح تاليس.
“لا تقلق، يا صغيري… ستموت بسلامٍ هنا.” نظرت إليه غيزا بعطفٍ غريب وهي تمسّد شعره بخفّة.
(إنهم حفنةٌ من المجانين!)
“لن تصبح صوفيًا أبدًا… ولن أسمح لك بأن تحمل… ألم الكارثة.
ارتجف وجه تاليس، وقد شُلّ إحساسه من كثرة المصطلحات التي انهالت عليه.
هذا من أجل مصلحتك…”
لكن لم تتح له فرصةُ التفكير أكثر.
وفي تلك اللحظة، جمع الأمير الثاني كل الغضب والمرارة اللذين حملهما في حياتيه معًا، وكان في أعماقه يصرخ بكامل روحه،
رفعت الصوفيّة عينيها وقالت:
(اللعـــنة!)
“إذن، آسدا هو من عثر عليك.”
طَخ!
طَخ!
…
“أنا أقول الحقيقة!” صرخ تاليس وهو يرفع يده، وقد كاد الخوف يقتلع روحه من جسده.
سقط وايا على الأرض واهنًا، عاجزًا عن رفع سيفه مجددًا.
خفض تاليس رأسه مفكرًا في موازنة المنافع والمخاطر. لكن فجأةً، انبعث صوت من خلفه.
تمدّد بيوتراي بدوره على الأرض بلا حراك، يرمق إسترون بعجزٍ وهو يرفع وايا المشلول بسهولةٍ تامة.
حدّقت به الصوفيّة بشدة، وكأنها تريد أن تقتلع قطعة من وجهه.
(اللعنة.)
(جيد جدًا… زال عداؤها.)
“أأنتَ تابعُ ذلك النذل الصغير؟ يعلم الاله كم أكرهه.”
“سيدي!” اقترب جينارد من بيوتراي بقلق.
قهقه إسترون قهقهةً خبيثة، كاشفًا أنيابه باتجاه عنق وايا.
زمجر إسترون بغضبٍ وهو يتراجع ثلاث خطوات بعد أن تفادى الشعاع.
لكن ملامحه تبدّلت فجأة، وارتسمت عليه الجدية، ثم أطلق سراح وايا واختفى بغتةً!
وضعت كفّها على وجهه.
طَنين! طَنين!
(سأتخلّص منها، ثم…)
تلاقت مخالبٌ حادّة وشعاعُ سيفٍ في الهواء، وتناثرت الشرارات في كلّ اتجاه!
تناثر الدم على درعها ووجهها، لكنها لم تُعره اهتمامًا، واستمرّت في هجومها بحماسٍ مشتعل!
“من أنتِ؟!”
رفع وايا رأسه بتعب، فرأى صقرًا أبيض الظهر ممسكًا بغصنٍ في منقاره مطرّزًا على قفّازيها الأسودين.
زمجر إسترون بغضبٍ وهو يتراجع ثلاث خطوات بعد أن تفادى الشعاع.
استدارت السيّافة وساعدته على النهوض.
وقفت أمامه سيّافةٌ شابّة ذات شعرٍ أسود، تحدّق به ببرود، ملامحها شامخةٌ مهيبة تُلقي في النفس مهابةً لا تُخطئها العين.
(دقّ قلبه بعنفٍ مجددًا.)
كانت ترتدي قفّازين أسودين سميكين، وتقبض بيدها على سيفٍ متصالب الشكل نحيف النصل.
لكن ميراندا تجاهلته، وضغطت عليه ببرود ليجلس تحت الشجرة.
ضيّق إسترون عينيه.
“إذن، أنت شخص يملك قابلية أن يصبح صوفيًا… أول من يظهر منذ ألف عام؟”
(ذلك الأسلوب في الضربة، وذلك الزاوية… أهي أيضًا من أولئك الذين أتقنوا قوّة الإبادة؟)
“لماذا تريدين قتلي مجددًا؟!”
دَقْدَقْ…
“اذهب وابحث عن الأمير!” نهض بيوتراي بصعوبة بمساعدة جينارد. “الأمير تاليس، إنّه—”
تناهى صوتُ عشراتِ الخيول المندفعة من وراء الأشجار!
هذا من أجل مصلحتك…”
“إنهم أمامنا مباشرةً!”
شقّ!
ارتفعت معنويات بيوتراي فجأة، إذ تعرّف على الصوت، كان صوت المخضرم “جينارد”!
“انتظري!”
تبدّل وجهُ إسترون.
تنفّست صوفية الدم بعمق.
(تعزيزات؟)
اتّسعت عينا تاليس.
وبينما كان غارقًا في تفكيره، انقضَّ شعاعُ السيف نحوَه من جديد.
“من الأفضل… أن يقلّ أمثالنا في هذا العالم!”
تحرّك إسترون بسرعةٍ خاطفة لا يُجاريها بشر، وتفادى الهجمة في لحظة.
شعر تاليس بالضغط يزداد كل ثانية.
كانت ضربةٌ بتلك السرعة أشبه بلعبةٍ طفولية بالنسبة له.
لكن الفتاة تجاهلته.
انحرف نحو جانب السيّافة!
وبينما كان غارقًا في تفكيره، انقضَّ شعاعُ السيف نحوَه من جديد.
(سأتخلّص منها، ثم…)
هزّ تاليس رأسه، إذ لم يكن يدري شيئًا عن ذلك، وغمره الارتباك أكثر فأكثر.
لكن لم تتح له فرصةُ التفكير أكثر.
تحرّك إسترون بسرعةٍ خاطفة لا يُجاريها بشر، وتفادى الهجمة في لحظة.
فوجئ بإحساسٍ حادٍّ معدنيٍّ باردٍ يهجم عليه مباشرةً في وجهه!
ارتجف وهو يسألها بعدم تصديق.
تمزّق!
حاول تاليس جاهدًا ألا ينظر إلى تلك الأطراف المرتعشة والأحشاء المقزّزة، لكنه شعر على الفور بجسدي الأختين إلى جواره يتحركان!
توقّف إسترون في مكانه.
“لماذا تريدين قتلي مجددًا؟!”
خفض رأسه ونظر إلى صدره.
ثمّ بحركةٍ رشيقة، أمسكت المحاربة بجانبي الدرع وضربت به غيزا ثانيةً، ساحقةً جسدها الغريب تحت وطأة المعدن.
كانت السيّافة تمسك سيفها بالعكس، دون أن تلتفت وراءها، وقد غرست نصلها من تحت إبطها.
“طبعًا، تحويل أكثر من عشرة قطعٍ لزجة تتحرك هنا وهناك، يبدو خيارًا آمنًا جدًا.”
النصل اخترق قلبَ إسترون مباشرةً.
ارتجف وجه تاليس، وقد شُلّ إحساسه من كثرة المصطلحات التي انهالت عليه.
ارتجف إسترون وهو يمدّ يده نحو النصل.
ثمّ بحركةٍ رشيقة، أمسكت المحاربة بجانبي الدرع وضربت به غيزا ثانيةً، ساحقةً جسدها الغريب تحت وطأة المعدن.
“متى وجهتِ ضربتكِ؟” سأل بذهول.
(اللعـــنة!)
“لم أفعل.” قالت السيّافة ببرود، وسحبت السيف بيدها اليمنى المغلّفة بالقفّاز الأسود.
اقتربت من غيزا.
“أنتَ من أتيتَ إليه.”
لكن جسده لم يعد يطيعه، والدم يغلي في عروقه.
غطّى إسترون قلبه المثقوب، وسقط أرضًا بلا صوت.
“قطعًا لا!” بدا وجه كاترينا متجهّمًا. “هذا التابوت الأسود سُمّي تيمّنًا بلقب تجسيد الليل المظلم. ما الذي يجعلك تظنّ أن مجرمًا سجنه تجسيد سيكون أكثر أمانًا من صوفية الدم؟”
كان وايا كاسو يصارع النهوض وهو يضغط أسنانه قائلاً: “تلك قوّة الإبادة التي تُجبر الخصم على الرقص وفقَ إيقاعها… موسيقى الحصان المجنّح!”
“ستموت بهدوء، بلا حركة، بلا ألمٍ أو معاناة.”
استدارت السيّافة وساعدته على النهوض.
طعنة!
رفع وايا رأسه بتعب، فرأى صقرًا أبيض الظهر ممسكًا بغصنٍ في منقاره مطرّزًا على قفّازيها الأسودين.
صرخت غيزا صرخةً مروّعة، وانفجرت إلى عددٍ لا يُحصى من قطع اللحم وبرك الدماء، التي ما لبثت أن تبخّرت وتحولت رمادًا متطايرًا أمامهما.
“الصقر الأبيض الظهر؟ أنتِ…” تلعثم بدهشة.
“إن كنت مصمّمًا على أن تصبح صوفيًا، فلماذا ما زلت تختلط بالبشر والجان وأبناء عشيرة الدم؟”
“أنتِ ميراندا آروند… البذرة من الدفعة السابقة في برج الإبادة!” صاح بصوتٍ عالٍ.
تجمّد وايا في مكانه حين سمع الاسم!
لكن ميراندا تجاهلته، وضغطت عليه ببرود ليجلس تحت الشجرة.
“كيف عجزت عن تفادي ذلك رغم سرعتك؟!”
خرج أكثر من عشرة فرسانٍ من خلف الأشجار، يحملون راية النجمتين المتصالبتين وراية الضوء النجمي الغريب، ثم ترجّلوا أمام ميراندا ووايا.
(سأتخلّص منها، ثم…)
“سيدي!” اقترب جينارد من بيوتراي بقلق.
“أنت لا تعرف شيئًا… كيف أصبحت إذًا (الصوفيّ المولود حديثًا) الذي تحدّث عنه آسدا؟” تنهدت الصوفيّة بعمق.
“اذهب وابحث عن الأمير!” نهض بيوتراي بصعوبة بمساعدة جينارد. “الأمير تاليس، إنّه—”
رفع وايا رأسه بتعب، فرأى صقرًا أبيض الظهر ممسكًا بغصنٍ في منقاره مطرّزًا على قفّازيها الأسودين.
“لا تقلق.” قطعت ميراندا كلامه ببرود.
سُحقت غيزا أرضًا!
“السيدة ساسيري ستتولى الأمر.”
(إنهم حفنةٌ من المجانين!)
تجمّد وايا في مكانه حين سمع الاسم!
لكنّه بالطبع لم يجرؤ أن يقولها.
(السيدة ساسيري؟)
“أنا أقول الحقيقة!” صرخ تاليس وهو يرفع يده، وقد كاد الخوف يقتلع روحه من جسده.
رفع نظره نحو ميراندا وقد اجتمعت في وجهه الدهشة والبِشرى. “أتقصدين أنّها جاءت بنفسها؟ صاحبة السمو… زهرة الحصن؟”
“مستقبل الصوفيين؟” أغمضت عينيها وهزّت رأسها ببطء.
…
اهتزّ جسد تاليس في تلك اللحظة.
أكدت أحداث اليوم لتاليس قناعته بأن أفضل وصفٍ يمكن أن يُطلق على الصوفيين هو: “مجانين.”
“إنها تتحكّم بأجسادنا!”
(إنهم حفنةٌ من المجانين!)
(سأتخلّص منها، ثم…)
صرخ في أعماق قلبه.
“دمك وقوة حياتك يخبرانني… أنك لا تكذب.”
لكن جسده لم يعد يطيعه، والدم يغلي في عروقه.
ثم استدارت الفتاة نحو تاليس.
لم يكن أمامه سوى أن يُغمض عينيه ويستسلم لمصيره.
داعبت الصوفيّة وجهه بكفّها المضرّجة بالدماء.
وفي تلك اللحظة—
Arisu-san
“هاه؟” توقّفت غيزا عن الحركة، واستقامت تنظر خلفها.
كانت كاترينا ترتجف وهي تخطو خطوة تلو أخرى نحو الهاوية الدموية التي صنعتها المجسّات، الغضب والرعب يتنازعان وجهها. “أين سايمون؟”
هووووش!
(يبدو أن حياتي أُنقذت مجددًا.)
دوّى صوت اندفاعٍ عنيفٍ قادمٍ من الجهة التي نظرت إليها!
“الألم الذي نحمله في أجسادنا… والألم الذي نُنزله على الآخرين… كلاهما كافٍ. فلماذا نحتاج إلى مبتدئٍ آخرٍ مثلَك ليتحمّل هذا العذاب؟”
تنفّس تاليس الصعداء وفتح عينيه رغمًا عنه.
شعر تاليس بالضغط يزداد كل ثانية.
انفجار!
قطّبت الفتاة حاجبيها.
انفجر مجسٌّ إلى جوار غيزا فجأة!
خفض رأسه ونظر إلى صدره.
“آااه!”
“نحن من النوع نفسه.”
ارتفع صراخٌ غاضبٌ في الهواء.
(صحيح. لا يزال لديّ حركتي الأخيرة.)
كانت محاربةٌ مضرّجة بالدماء ترتدي درعًا فولاذيًا، تمسك بسيفٍ ثنائيّ اليدين يبلغ نصف قامة الإنسان، تتقدّم بشجاعةٍ وسط الدماء المتطايرة.
“لماذا تريدين قتلي مجددًا؟!”
تأجّج الغضب في عيني غيزا، فامتدّ منها مجسٌّ آخر ليهاجم المرأة.
زمجر إسترون بغضبٍ وهو يتراجع ثلاث خطوات بعد أن تفادى الشعاع.
تألّق بريقٌ فضيّ على نصْل السيف.
تجمّد تعبير الصوفيّة لبرهة.
شقّ!
“لا تقلق، يا صغيري… ستموت بسلامٍ هنا.” نظرت إليه غيزا بعطفٍ غريب وهي تمسّد شعره بخفّة.
أدارت المحاربة سيفها في قوسٍ واسعٍ، فقطعت المجسّ الثاني إربًا.
(دم؟ قوة حياة؟)
تناثر الدم على درعها ووجهها، لكنها لم تُعره اهتمامًا، واستمرّت في هجومها بحماسٍ مشتعل!
(السيدة ساسيري؟)
اقتربت من غيزا.
(صحيح. لا يزال لديّ حركتي الأخيرة.)
قهقهت غيزا بازدراء، ورفعت يديها، فانطلقت من جسدها عشرات المجسّات الصغيرة نحو المحاربة.
“أنا… أنا أعرف آسدا ساكيرن، صوفيّ الهواء!” قال تاليس بسرعة وهو يشعر بحرارة الدم على وجهه.
“احذري!” صرخ تاليس بصوتٍ مرتجف. “إنها قادرةٌ على التجدد!”
شعر تاليس بالضغط يزداد كل ثانية.
ثمّ رأى مشهدًا لن ينساه ما دام حيًّا.
تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه باستسلام.
ألقت المحاربة بسيفها الثقيل دون تردّد، وبسرعة البرق سحبت من ظهرها درعًا رماديًا معدنيًّا على شكل معيّنٍ هندسيّ.
“أنت.”
وما إن اقتربت مجسّات غيزا الصغيرة من الدرع حتى اسودّت، وذبلت، وتحوّلت إلى رمادٍ متناثر!
“كفى.” رمقته الفتاة بصرامة.
تغيّر وجه غيزا لأول مرة.
“أيّ الفصائل ستختار؟ المتطرفون، الغامضون، أم المعتدلون، أم الإمبراطورة السحرية؟”
زأرت المحاربة وهي تمسك مقبض الدرع وتهوي به بقوّةٍ خارقة!
حكّ رأسه مجددًا وقال بتردّد.
دمدمة!
“هل أنت السبب الذي جعل ذلك الأحمق، آسدا، يذهب إلى العاصمة؟”
سُحقت غيزا أرضًا!
(صحيح. لا يزال لديّ حركتي الأخيرة.)
ثمّ بحركةٍ رشيقة، أمسكت المحاربة بجانبي الدرع وضربت به غيزا ثانيةً، ساحقةً جسدها الغريب تحت وطأة المعدن.
قالت الفتاة فجأة بنبرةٍ رخيمة:
تجمّد تاليس في مكانه من الدهشة.
“دمك وقوة حياتك يخبرانني… أنك لا تكذب.”
(إنها…
ثم ضحكت صوفية الدم فجأة وقالت،
كابتن أمريكا—لا… إنها كابتن الكوكبة!)
استدارت السيّافة وساعدته على النهوض.
“أنا سونيا ساسيري.” امتلأ وجه المحاربة بنار القتال.
“هكذا قال آسدا، كما أنه قال—”
“وقد جئتُكِ بهدية، صاحبة السمو.”
“يا للغباء، أليس هذا واضحًا بما يكفي؟”
اسودّ وجه الصوفية الدموية غيزا تحت الدرع، وكأنّ لحمها يُشوَى بنارٍ حارقة، فبدأت فقاعاتٌ تتكوّن على وجهها، قبل أن يتقشّر ويتحوّل رمادًا.
طَخ!
حدّقت غيزا في الدرع بعنادٍ وقالت بغلٍّ:
حدّق بها تاليس بعينين بريئتين خاليتين من الفهم.
“لا! هذا…”
“لا تقلق.” قطعت ميراندا كلامه ببرود.
“بلى!” قالت سونيا بابتسامةٍ باسلة، وهي تضغط بكفّها اليسرى على الدرع. “اسمحي لي أن أقدّم لكِ… العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين.”
“آااه!”
رفعت سونيا يدها اليمنى، قبضتها تُغلّفها القوّة، وضحكت قائلةً:
“آه!” صرخ تاليس بدهشة، “أنتِ…”
“الدرعُ الأسمى!”
“غيزا ستريلمان، هذا اسمي. إن كنتَ أيضًا صوفيًا، أو حتى مرشّحًا لتصبح صوفيًا، فلك الحقّ أن تعرف اسمي.”
وما إن أنهت كلماتها، حتى هوَت بقبضتها على مركز الدرع الفضيّ أمام عيني غيزا المذعورتين.
“هل أخبرك آسدا عن الفرق بين (المادة) و(المفهوم) والعلاقة بين (الفوضى) و(النقاء)؟”
طعنة!
لكن قبل أن يتمكّن تاليس من التفكير بكيفية الردّ، حدث ما لم يتوقعه.
صرخت غيزا صرخةً مروّعة، وانفجرت إلى عددٍ لا يُحصى من قطع اللحم وبرك الدماء، التي ما لبثت أن تبخّرت وتحولت رمادًا متطايرًا أمامهما.
شعر كريس، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بمخالب الهيدرا كيليكا العديدة التي تجاهل دمه الآكل وهي تلتفّ حول جسده بإحكام، بل وتندمج معه أثناء ذوبانها. وفي الوقت نفسه، حدّق بسايمون الواقف قبالته متنهّدًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
شعر تاليس بالهدوء يعود إليه.
أكدت أحداث اليوم لتاليس قناعته بأن أفضل وصفٍ يمكن أن يُطلق على الصوفيين هو: “مجانين.”
