بالتأكيد لن أدعك تعاني
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لماذا؟” ضحكت غيزا بخفوت. “أتظنّ أن الأمر غريب؟ لِمَ لم يؤثّر العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين عليّ؟”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تحت حماية مجسّين اثنين، ظهرت غيزا ستريلمان أمامهما مجددًا، في هيئة عذراء عاريةٍ مغطّاةٍ بالدماء، وابتسامةٌ مريبةٌ تزيّن وجهها.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
Arisu-san
ثمّ ضحكت ضحكةً باردةً تُجمّد الدم في العروق.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.
الفصل 96: بالتأكيد لن أدعك تعاني
طرقت سونيا الدرع الاسمى بخفة. “ربما لم تري هذا من قبل. في أواخر معركة الإبادة، حين بدأتم بالفرار يائسين، صُنع هذا الدرع، مع السيف الاسمى. لذا لن تفهمي قدرته.”
…
ارتجف تاليس، بينما رفعت سونيا درعها بثباتٍ وتقدّمت خطوةً إلى الأمام، إحتمى تاليس خلفها، وقد عقدت حاجبيها بعمق.
وثب تاليس من فوق التابوت الأسود، وحدّق أمامه مذهولًا.
“القائدة!”
كلّ الرماد المتطاير تلاشى، ولم تبقى بقعة دمٍ ولا قطعة لحم. الأطراف المبتورة التي غطّت الأرض أخذت تذبل شيئًا فشيئًا، تتحوّل إلى رمادٍ وتذوب في الأرض المغطّاة بالثلوج تحت ضوء القمر.
“لن أدعك تتألّم.”
(أانتهى كلّ شيء؟ غيزا، صوفية الدم، تلك المجنونة… اختفت هكذا فحسب؟)
ارتعش جينارد بقوة، واستقام فورًا، يتنفس بعمقٍ وينظر مباشرةً إليها.
ارتخت أذرع الهيدرا وتيبّست، فسقط كل من كاترينا وسيرينا على الأرض، تسعلان بعنف.
تفتّتت مجسّات غيزا إلى رمادٍ طائر.
وبينما كانت آيدا تُساند رالف الشاحب كالميّت، خرجت من بين الأدغال قرب تاليس.
“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”
“كان هناك ما لا يقلّ عن مئةٍ من تلك الأغصان الشجرية،” قالت آيدا بذهولٍ ما زال بادٍ على ملامحها، “لماذا ذبلت فجأة كلّها…؟” لكنها جفلت فجأة، وأشارت إلى المحاربة الواقفة بحركاتٍ مبالغٍ فيها، وهتفت، “آه، أيتها الغريبة، لقد أتيتِ!”
رمقته سونيا طويلًا، ثم لكمت على كتفه لكمةً خفيفة، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة، “عد إلينا إذًا.”
أعادت المحاربة درعها إلى ظهرها وضحكت، “لم أركِ منذ سنين، يا آيدا الناسيّة!”
اتّسعت عينا تاليس دهشة. (لا يمكن ختمها؟ إذن… أليست عصيّةً على السيطرة؟ فكيف إذًا انتصروا في معركة الإبادة؟)
فاسودّ وجه آيدا على الفور. أما المحاربة، فقد سحبت سيفها العظيم ولوّحت به مراتٍ عدّة، كأنّه لا يزن شيئًا.
الليل… قد انقضى مجددًا.
ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.
بوووم!
تاليس بدوره نظر إليها بفضول، نحو هذه التي ظهرت فجأة لتنقذه من الموت. (إنّها جنديّة بلا شكّ.)
“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”
كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.
ارتعش جسد تاليس كلّه. لم يفهم معظم المصطلحات التي نطقت بها، لكنه شعر بأنها معرفةٌ لا بدّ أن يتعلّمها يومًا ما. (حتى إن لم أصبح صوفيًّا، فعلى الأقل لأجل نفسي…)
شعرها القصير ذو اللون الأشقر المائل إلى البني بدا أنيقًا. لم تكن تحتاج إلى أوصافٍ كثيرة، فمجرد ظهورها كفيلٌ بأن يجعل من يراها ينسى وجهها ولا يرى فيها سوى مقاتلةٍ مخضرمة.
حدّق تاليس بالمجسّ الممدود أمام عينيه مذهولًا. (أليست غيزا قد…)
تلاقَت أعينهما لبضع ثوانٍ، ثمّ ابتسمت المحاربة فجأة، وغرست سيفها العظيم في الأرض، وجثت على ركبةٍ واحدة.
بووم!
“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”
كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.
“نعم. أنا تاليس جيدستار.” ابتسم تاليس قائلًا، “شكرًا لكِ…”
ارتجف جسده، فحاول ترك ذراع سونيا، لكنّها لم تتأثّر إطلاقًا. شدّت ذراعها أكثر وضمّته إليها بقوة!
شعر تاليس بشيءٍ غريب عن هؤلاء الذين ركعوا له من قبل، كانت ركعة غيلبرت مفعمةً بالاحترام، وركعة يودل حاملةً لثقةٍ دفينة، أمّا هذه المحاربة، فقد كان في ركوعها شيءٌ من البساطة الممزوجة بالأناقة.
وأكّد له ذلك ما فعلته تاليًا، إذ رفعت يديها الملطّختين بالدم، والمغلفتين بقفّازٍ حديديّ، وعبثت بشعر الأمير الصغير عبثًا شديدًا!
وأكّد له ذلك ما فعلته تاليًا، إذ رفعت يديها الملطّختين بالدم، والمغلفتين بقفّازٍ حديديّ، وعبثت بشعر الأمير الصغير عبثًا شديدًا!
أردفت بهدوء، “ليبرا، إيريك، بل حتى (إخوة الحقيقة)، جميعهم يرعبهم ذلك السلاح. ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. هكذا خُتِم ليبرا.”
“أحسنت يا فتى!” ضحكت بصوتٍ عالٍ، قويٍّ حادّ. “كثيرٌ من المجنّدين الجدد عندي كانوا ليتقيّأون رعبًا منذ اللحظة الأولى لو واجهوا ما واجهت!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تطايرت الشرارات أمام عيني تاليس من شدّة العبث بشعره، وشعر بملمس الدم على يديها، فقال بخجلٍ: “آه، سيّدتي—”
فعلى الرغم من الخسائر الفادحة في العام الدموي، إلا أنّ المملكة أنجبت من رحم تلك الكارثة رجالًا ونساءً عظامًا في شتّى المجالات: في الإدارة، والدبلوماسية، والعسكرية.
قاطعته وهي تضحك، “أنا سونيا ساسيري، مجرّد سيّدةٍ من عامة الناس.” نطقت عبارتها بثقةٍ لا تعرف ما تعنيه كلمة مجرّد. بل إنها، وفي مزاجٍ رائق، لكمت كتف تاليس بقبضتها الحديدية، فاختنق الأمير المسكين سعالًا.
“انظر إليّ، أيها الجندي!” صاحت بقوة.
“وأنا أتولّى مؤقّتًا حراسة حصن التنّين المحطم، الحدود بين المملكتين!”
“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”
تجمّد تاليس مذهولًا. “آه! أأنتِ… أنتِ زهرة الحصن!؟”
بعد العام الدموي، زاد الملك كيسل من عدد الجنود النظاميين التابعين للتاج، وضمّ بينهم كثيرًا من الشبان والعامة الذين صقلتهم الحرب وجرّبتهم المعارك.
رغم أنّه كان قد تهيّأ لذلك منذ انطلاقه في هذه المهمّة الدبلوماسية، إلّا أنّ رؤيتها وجهًا لوجهٍ جعلت قلبه يقفز حماسًا.
زفر تاليس بعمق.
زهرة الحصن.
ألم تقل له سيرينا إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين قادرٌ على قتالهم؟
في قاعة مينديس، كان غيلبرت يشرح له أحيانًا أوضاع مملكة الكوكبة، ويذكر ضمنها من يُلقّبون بـ”قادة المملكة الثلاثة”.
قطّب تاليس حاجبيه. (اثنان فقط لا يخافان القتال القريب؟ من الآخر إذن؟ هل هنالك فروقٌ شاسعة بين الصوفيين؟)
فعلى الرغم من الخسائر الفادحة في العام الدموي، إلا أنّ المملكة أنجبت من رحم تلك الكارثة رجالًا ونساءً عظامًا في شتّى المجالات: في الإدارة، والدبلوماسية، والعسكرية.
“اختيارٌ موفّق.” قالت غيزا وهي تميل برأسها بابتسامةٍ ملتوية. “ليس غريبًا أن أشعر بوجود كثيرٍ من البشر على بعد مئات الأمتار. تركتِ قوّاتكِ هناك وجئتِ وحدكِ إذن؟”
ومن بين أولئك الذين ارتقوا من صفوف المجهولين إلى أعمدة المملكة: الثعلب الماكر غيلبرت.
حرّكت سونيا معصميها بحذر. “الأسطورة الثانية عنكِ كانت شبهَ خرافةٍ بالنسبة لي… إلى أن رأيتُكِ اليوم.”
وفي أتون المعارك ضد إكستيدت، وضد الأورك، وضد قبائل العظام القاحلة في الصحارى الغربية، وثورات الجنوب الغربي، برز من عامة الشعب قادةٌ نالوا النبل بجدارتهم.
ضحكت المحاربة بفرحٍ حادّ: “اسم قوّته هي… «الصيد».”
بعد العام الدموي، زاد الملك كيسل من عدد الجنود النظاميين التابعين للتاج، وضمّ بينهم كثيرًا من الشبان والعامة الذين صقلتهم الحرب وجرّبتهم المعارك.
طرقت سونيا الدرع الاسمى بخفة. “ربما لم تري هذا من قبل. في أواخر معركة الإبادة، حين بدأتم بالفرار يائسين، صُنع هذا الدرع، مع السيف الاسمى. لذا لن تفهمي قدرته.”
ومع مرور اثنتي عشرة سنة، تباينت مصائر هؤلاء، غير أنّ ثلاثةً منهم ظلّوا شامخين، لم تهزّهم الأيام، فصاروا يُعرفون باسم قادة المملكة الثلاثة، وشهرتهم تضجّ بها الكوكبة.
تابعت غيزا بابتسامةٍ ماكرة.
أطلق الناس عليهم ألقابًا طغت على أسمائهم الحقيقيّة:
تقلّصت حدقتا تاليس. فأومأت سونيا بصرامةٍ وقالت،
سخط المملكة.
“هذا مستحيل!” صاحت كاترينا. “العتاد الأسطوريّ هو عدوّ الصوفيين الأزليّ، هكذا تعلّمنا منذ الأزل!”
جناح الأسطورة.
كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.
زهرة الحصن.
ثم استدارت سونيا نحو تاليس، الذي كان وايا يفحص جراحه بعناية، وقالت بصرامة،
ومن بينهم، زهرة الحصن، السيّدة سونيا ساسيري، قد خُلِّد اسمها في تاريخ الكوكبة حين سارت مع الدوق جون في حملته ضدّ المتمرّدين جنوبًا.
“السيدة ساسيري،” قال بجدّية، “ماذا حدث؟”
ومنذ انتهاء العام الدموي، قادت سونيا كتيبةً من جنود الملك النظاميين في الشمال القارس، تراقب تنفّس تنين الشمال العظيم.
بعضها انكمش عائدًا إلى مكانه—إلى التابوت الأسود!
كان كثيرٌ من مواطني المملكة يؤمنون أنّه ما دامت زهرة الحصن متفتّحةً في حصن التنين المحطم، فلن ينهار شمال الكوكبة أبدًا.
هبطت سونيا بثباتٍ على الأرض، وقد حطّمت هجوم صوفية الدم تمامًا بهجمةٍ مرتدّةٍ كاملةٍ متقنة.
لكن نساء العاصمة كنّ يتهكّمن سرًّا، “كلّ حركاتها كرجل، وتستحقّ أن تبقى بلا زواجٍ، تلك المجنونة بعالم السيوف والحروب!”
كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.
والآن، ها هي زهرة الحصن الأسطورية تقف أمام تاليس بنفسها.
ثم أدرك فجأة. (ذلك الخنجر والدرع الرمادي في يد سونيا… لونهما متشابه!)
“هاه! سيكون آراكّا نادمًا لأنه لم يأتِ بقواته لنجدتك!” قالت سونيا بثقة، وهي تربّت على درعها. “أنا أول من يختم صوفيًا بيننا الثلاثة…”
بعضها انكمش عائدًا إلى مكانه—إلى التابوت الأسود!
لكن في اللحظة التالية، تغيّر وجه سونيا فجأة!
“أولاهما تقول: كلّما ازداد أعداء الصوفية الدموية، ازدادت قوّتها التدميرية وحيويّتها، لأنّ خصومها يصبحون غذاءها. أعظم خطأٍ يرتكبه من يقاتلكِ هو الظنّ أنّ (العدد يصنع القوة)، بينما في الحقيقة، كلّما كثروا، ازدَدْتِ قوّةً وانتعاشًا. أفضلُ طريقةٍ لمواجهتكِ هي أن يتقدّم محاربٌ من الفئة الفائقة، سريعٌ رشيق، يحمل عتادًا أسطوريًّا مضادًّا للصوفيين، يقاتلكِ وحده في أرضٍ مقفرةٍ بلا حياة.”
“ما الأمر؟” سألها تاليس بدهشة.
وبينما كانت آيدا تُساند رالف الشاحب كالميّت، خرجت من بين الأدغال قرب تاليس.
“ثمة خطب!” قبضت سونيا قبضتها ورفعت درعها متأهّبةً، تمسح المكان بعينيها الحذرتين. “لم تُختَم بعد!”
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
بوووم!
رمقته سونيا طويلًا، ثم لكمت على كتفه لكمةً خفيفة، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة، “عد إلينا إذًا.”
قبل أن يفهم تاليس ما يجري، خطفته سونيا من الأرض وقفزت به جانبًا، لتتفادى مجسًّا دمويًّا اخترق الأرض نحوهم!
ومن بين أولئك الذين ارتقوا من صفوف المجهولين إلى أعمدة المملكة: الثعلب الماكر غيلبرت.
حدّق تاليس بالمجسّ الممدود أمام عينيه مذهولًا. (أليست غيزا قد…)
شحُب وجهه، وأحسّ باضطرابٍ في صدره. (لن تدعني أتألّم… اللعنة. انتظر… الصوفية الدموية… هل فزعت؟)
انقسم المجسّ فجأة إلى عشرات المجسّات الصغيرة. وشعر تاليس في اللحظة التي انقسم فيها، كأنّ جسده كلّه قد خَدِر، وكأنّ مخدّرًا سُكِب في عروقه!
“المنطقة الشمالية… لم تَعُد آمنة.”
(أهذا… إحساسُ أن يُسيطر أحدهم على جسدك؟)
ومن بينهم، زهرة الحصن، السيّدة سونيا ساسيري، قد خُلِّد اسمها في تاريخ الكوكبة حين سارت مع الدوق جون في حملته ضدّ المتمرّدين جنوبًا.
ارتجف جسده، فحاول ترك ذراع سونيا، لكنّها لم تتأثّر إطلاقًا. شدّت ذراعها أكثر وضمّته إليها بقوة!
ارتعش جينارد بقوة، واستقام فورًا، يتنفس بعمقٍ وينظر مباشرةً إليها.
زمّت سونيا أسنانها، وصاحت غاضبة، وسحبت سيفها العظيم من ظهرها. أضاء السيفُ نورًا ساطعًا، وحين لوّحت به بيدٍ واحدةٍ في حركةٍ دائرية، انبثق قوسٌ لامعٌ من ضيائه، قاطعًا عشرات المجسّات الصغيرة.
حتى إنّ تاليس كان يظنّ أنه فهم شيئًا من نقاط ضعف الصوفيين… لكن غيزا أمامه الآن…
بعضها انكمش عائدًا إلى مكانه—إلى التابوت الأسود!
تجمّد تاليس من الدهشة. (أيمكن أن تكون سونيا هي فعلًا «قائدة الكوكبة» لأنها تحمل درعًا؟)
ذبلت مجسّاتٌ كثيرة وتحوّلت إلى رمادٍ متطايرٍ ما إن لامست التابوت، كما حدث حين مسّت الدرع الأسمى! غير أنّ عددًا أكبر التفّ حول التابوت الأسود، كأنّها لا تهاب الموت. وبينما تذبل وتتشابك، تماسكت أمام تآكل المعدن الأسطوري، ورفعت التابوت عاليًا!
في قاعة مينديس، كان غيلبرت يشرح له أحيانًا أوضاع مملكة الكوكبة، ويذكر ضمنها من يُلقّبون بـ”قادة المملكة الثلاثة”.
“التابوت الأسود!” صاحت كاترينا من بعيدٍ بقلقٍ بالغ، “لا يمكن أن ندعها تأخذه!”
ومن بينهم، زهرة الحصن، السيّدة سونيا ساسيري، قد خُلِّد اسمها في تاريخ الكوكبة حين سارت مع الدوق جون في حملته ضدّ المتمرّدين جنوبًا.
سونيا ظلّت هادئةً كعادتها، تتحرّك بخفّةٍ وسرعة. حاملةً تاليس بيدٍ واحدة، قذفت بسيفها العظيم بيدها اليمنى كما يُقذَف البوميرانغ!¹
ارتجف جسده، فحاول ترك ذراع سونيا، لكنّها لم تتأثّر إطلاقًا. شدّت ذراعها أكثر وضمّته إليها بقوة!
شقّ!
(هل أغضبتها؟) فرك رأسه متحيّرًا.
قطع السيفُ المجسّاتِ التي كانت تلتفّ حول التابوت الأسود.
“لن أدعك تتألّم.”
ارتطام!
“كان هناك ما لا يقلّ عن مئةٍ من تلك الأغصان الشجرية،” قالت آيدا بذهولٍ ما زال بادٍ على ملامحها، “لماذا ذبلت فجأة كلّها…؟” لكنها جفلت فجأة، وأشارت إلى المحاربة الواقفة بحركاتٍ مبالغٍ فيها، وهتفت، “آه، أيتها الغريبة، لقد أتيتِ!”
سقط التابوت مجددًا على الأرض. بخفّةٍ ورشاقة، قفزت سونيا فوقه، وضعت تاليس برفقٍ، ثم أزالت درعها، تراقب بيقظةٍ مجسّين يمتدّان من الظلام أمامها.
تلاشى شيءٌ من ابتسامة غيزا. (قسمُ الاستخبارات الملكيّ… ما زال مزعجًا كما كان قبل مئات السنين.)
“مستحيل!” صاح تاليس مذهولًا بعد أن أبصر المشهد بوضوح.
الفصل 96: بالتأكيد لن أدعك تعاني
تحت حماية مجسّين اثنين، ظهرت غيزا ستريلمان أمامهما مجددًا، في هيئة عذراء عاريةٍ مغطّاةٍ بالدماء، وابتسامةٌ مريبةٌ تزيّن وجهها.
تذكّر كيف أنّ يودل حين ختم آسدا سابقًا، لم يطعن ظهره إلا مرةً واحدةً على حين غرّة، فاندلع من جسده ضوءٌ أبيض قبل أن يختفي دون أثر.
ارتجف تاليس، بينما رفعت سونيا درعها بثباتٍ وتقدّمت خطوةً إلى الأمام، إحتمى تاليس خلفها، وقد عقدت حاجبيها بعمق.
“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”
في المقابل، اتّسعت عينا تاليس، وفغَر فاهه. (كيف… كيف يمكن أن تكون بخيرٍ تمامًا؟)
قاطعته وهي تضحك، “أنا سونيا ساسيري، مجرّد سيّدةٍ من عامة الناس.” نطقت عبارتها بثقةٍ لا تعرف ما تعنيه كلمة مجرّد. بل إنها، وفي مزاجٍ رائق، لكمت كتف تاليس بقبضتها الحديدية، فاختنق الأمير المسكين سعالًا.
ألم تقل له سيرينا إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين قادرٌ على قتالهم؟
ارتجّ جسد سونيا كله، واستدارت نحو المنادي.
تذكّر كيف أنّ يودل حين ختم آسدا سابقًا، لم يطعن ظهره إلا مرةً واحدةً على حين غرّة، فاندلع من جسده ضوءٌ أبيض قبل أن يختفي دون أثر.
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
حتى إنّ تاليس كان يظنّ أنه فهم شيئًا من نقاط ضعف الصوفيين… لكن غيزا أمامه الآن…
لكن في اللحظة التالية، تغيّر وجه سونيا فجأة!
(لماذا؟)
“تُعرف الآن باسم (قوّة الإبادة)،” أجابتها سونيا بسخرية، “تكريمًا للحقيقة التي تقول إنّنا أبَدْناكم حتّى بللتم سراويلكم خوفًا.”
“لماذا؟” ضحكت غيزا بخفوت. “أتظنّ أن الأمر غريب؟ لِمَ لم يؤثّر العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين عليّ؟”
“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”
رفعت سونيا يدها فجأة، لتوقف آيدا وكاترينا اللتين كانتا تهمّان بالاندفاع.
“السيدة ساسيري،” قال بجدّية، “ماذا حدث؟”
“تراجعا!” أمرت بصوتٍ جهوريّ حاسم، يحمل سطوةَ من اعتاد أن يُطاع.
سخط المملكة.
فتوقّفتا على الفور. وثبّتت سونيا نظراتها الجادّة على غيزا. “سمعتُ عنكِ أسطورتين من قسم الاستخبارات السرّية للمملكة.” قالتها بثباتٍ لا يلين.
تردّد صهيلُ الخيول في الهواء. ظهر بيوتراي، ووايا، وجينارد، برفقة وحدةٍ من الفرسان.
“أولاهما تقول: كلّما ازداد أعداء الصوفية الدموية، ازدادت قوّتها التدميرية وحيويّتها، لأنّ خصومها يصبحون غذاءها. أعظم خطأٍ يرتكبه من يقاتلكِ هو الظنّ أنّ (العدد يصنع القوة)، بينما في الحقيقة، كلّما كثروا، ازدَدْتِ قوّةً وانتعاشًا. أفضلُ طريقةٍ لمواجهتكِ هي أن يتقدّم محاربٌ من الفئة الفائقة، سريعٌ رشيق، يحمل عتادًا أسطوريًّا مضادًّا للصوفيين، يقاتلكِ وحده في أرضٍ مقفرةٍ بلا حياة.”
وتحت أنظار الجميع المدهوشة، تحولت المجسات الضخمة فجأة إلى دماءٍ وأطرافٍ مبتورة، ثم تبخّرت في الهواء.
تلاشى شيءٌ من ابتسامة غيزا. (قسمُ الاستخبارات الملكيّ… ما زال مزعجًا كما كان قبل مئات السنين.)
كلّ الرماد المتطاير تلاشى، ولم تبقى بقعة دمٍ ولا قطعة لحم. الأطراف المبتورة التي غطّت الأرض أخذت تذبل شيئًا فشيئًا، تتحوّل إلى رمادٍ وتذوب في الأرض المغطّاة بالثلوج تحت ضوء القمر.
“اختيارٌ موفّق.” قالت غيزا وهي تميل برأسها بابتسامةٍ ملتوية. “ليس غريبًا أن أشعر بوجود كثيرٍ من البشر على بعد مئات الأمتار. تركتِ قوّاتكِ هناك وجئتِ وحدكِ إذن؟”
لكن في اللحظة التالية، تغيّر وجه سونيا فجأة!
أطلقت سونيا شخيرًا ساخرًا. “ويبدو أيضًا أنّ قدراتكِ الاستطلاعية لا يُستهان بها.”
ارتجف تاليس بعنف. كلماتها حملت برودةً تقشعر لها الأبدان.
فما لبثت المجسّات أن امتدّت فجأةً نحو سونيا! وفي الوقت نفسه، اندفعت أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ من باطن الأرض نحوها ونحو تاليس!
كلّ الرماد المتطاير تلاشى، ولم تبقى بقعة دمٍ ولا قطعة لحم. الأطراف المبتورة التي غطّت الأرض أخذت تذبل شيئًا فشيئًا، تتحوّل إلى رمادٍ وتذوب في الأرض المغطّاة بالثلوج تحت ضوء القمر.
هجومٌ شاملٌ من كلّ الجهات، لا مهرب منه.
“تُعرف الآن باسم (قوّة الإبادة)،” أجابتها سونيا بسخرية، “تكريمًا للحقيقة التي تقول إنّنا أبَدْناكم حتّى بللتم سراويلكم خوفًا.”
عاد الاضطراب يتدفّق في أطراف تاليس، فاستعدّ لتفاديه، لكنّه أحسّ بطاقةٍ أخرى تتفجّر من جسد سونيا!
رؤيتهم جعلت تاليس يشعر ببعض الارتياح. (لكن يبدو أنّ جنود عائلة جيدستار القلائل هم من بقوا أحياء…)
استدارت، مستغلّةً قصوى زخم جسدها، ودفعت بدرعها في وجه المجسّات بكلّ عنف!
ابتسمت غيزا بهدوء، فيما أعادت سونيا ذكرها ببطءٍ واضح: “يُقال إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين… لا يمكنه خَتْم صوفية الدم.”
بووم!
هوووش! شينغ!
تفتّتت مجسّات غيزا إلى رمادٍ طائر.
قطّب تاليس حاجبيه. (اثنان فقط لا يخافان القتال القريب؟ من الآخر إذن؟ هل هنالك فروقٌ شاسعة بين الصوفيين؟)
وبينما دارت المحاربة حول نفسها، أفلتت الدرع، لتقبض بحِذقٍ على حافّته في الهواء، وتلوّح به كأنّه نصلٌ حادّ، فتدور مجددًا بزخمها، وتقطع بجرأةٍ أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ صاعدةٍ من تحت قدميها إلى أشلاء.
لم يفهم تاليس تمامًا ما عنته، لكنه أومأ. وحده بيوتراي، الدبلوماسي المخضرم خلفه، تغيّر وجهه وهو يضغط على جرحه.
هوووش! شينغ!
كانت هذه أوّل مرةٍ يستخدم فيها رؤيته المتذبذبة لمشاهدة إنسانٍ عاديّ، لا صوفيّ ولا من عشيرة الدم.
هبطت سونيا بثباتٍ على الأرض، وقد حطّمت هجوم صوفية الدم تمامًا بهجمةٍ مرتدّةٍ كاملةٍ متقنة.
لم يفهم تاليس تمامًا ما عنته، لكنه أومأ. وحده بيوتراي، الدبلوماسي المخضرم خلفه، تغيّر وجهه وهو يضغط على جرحه.
بُهِت تاليس، يحدّق بها مدهوشًا. كانت التموجات التي تغلي في جسده قد بلغت عينيه، فصار يرى طاقةً هائلةً عديمة اللون تملأ جسد سونيا كلّه، تختلف تمامًا عن الضوء الصاخب في جسد الصوفيين، وعن الحيوية الدموية في أجساد اعضاء عشيرة الدم.
“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”
كانت هذه أوّل مرةٍ يستخدم فيها رؤيته المتذبذبة لمشاهدة إنسانٍ عاديّ، لا صوفيّ ولا من عشيرة الدم.
“ما الأمر؟” سألها تاليس بدهشة.
“ردّة فعلٍ ممتازة.” قالت غيزا بإعجابٍ بارد. “نادراً ما نراها حتى بين محاربي الفئة الفائقة. ولديكِ أيضًا قوّةٌ مألوفة… إحدى القوى الأصلية الأربعة، (انصهار الجليد)، المشهورة باستغلال حركة الخصم وضربه بالمقابل، أليس كذلك؟”
“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”
“تُعرف الآن باسم (قوّة الإبادة)،” أجابتها سونيا بسخرية، “تكريمًا للحقيقة التي تقول إنّنا أبَدْناكم حتّى بللتم سراويلكم خوفًا.”
تفتّتت مجسّات غيزا إلى رمادٍ طائر.
أدرك تاليس فجأة. (إذن، تلك الطاقة عديمة اللون في جسدها… كانت قوّة الإبادة؟)
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
“لم أكن أعلم أنّ بإمكانكِ التحكّم بالنباتات أيضًا.” قالت سونيا وهي تزفر بحذر، تراقب محيطها. “تُفاجئينني كثيرًا.”
“أحقًّا ما تقولين؟”
“ولِمَ العجب؟” ضحكت غيزا. “ألأنّكِ تظنّين أنّ الدم هو السائل الأحمر في عروق الحيوانات فقط؟”
تجمّد تاليس من الدهشة. (أيمكن أن تكون سونيا هي فعلًا «قائدة الكوكبة» لأنها تحمل درعًا؟)
حرّكت سونيا معصميها بحذر. “الأسطورة الثانية عنكِ كانت شبهَ خرافةٍ بالنسبة لي… إلى أن رأيتُكِ اليوم.”
وتحت أنظار الجميع المدهوشة، تحولت المجسات الضخمة فجأة إلى دماءٍ وأطرافٍ مبتورة، ثم تبخّرت في الهواء.
ابتسمت غيزا بهدوء، فيما أعادت سونيا ذكرها ببطءٍ واضح: “يُقال إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين… لا يمكنه خَتْم صوفية الدم.”
“أولاهما تقول: كلّما ازداد أعداء الصوفية الدموية، ازدادت قوّتها التدميرية وحيويّتها، لأنّ خصومها يصبحون غذاءها. أعظم خطأٍ يرتكبه من يقاتلكِ هو الظنّ أنّ (العدد يصنع القوة)، بينما في الحقيقة، كلّما كثروا، ازدَدْتِ قوّةً وانتعاشًا. أفضلُ طريقةٍ لمواجهتكِ هي أن يتقدّم محاربٌ من الفئة الفائقة، سريعٌ رشيق، يحمل عتادًا أسطوريًّا مضادًّا للصوفيين، يقاتلكِ وحده في أرضٍ مقفرةٍ بلا حياة.”
اتّسعت عينا تاليس دهشة. (لا يمكن ختمها؟ إذن… أليست عصيّةً على السيطرة؟ فكيف إذًا انتصروا في معركة الإبادة؟)
كان الخوف والفضول تجاههم يمزّقانه تمزيقًا، ويغرس في صدره تردّدًا عميقًا.
“هذا مستحيل!” صاحت كاترينا. “العتاد الأسطوريّ هو عدوّ الصوفيين الأزليّ، هكذا تعلّمنا منذ الأزل!”
تحت أنظار الجميع المندهشة، ترجّل جينارد، المحارب المخضرم ذو الثلاثين عامًا، من على جواده بخطواتٍ مرتجفة، واقترب ببطءٍ من سونيا، وعيناه متقدتان بالحماس والخجل والرهبة.
ساد الصمت لحظة. ثمّ ابتسمت غيزا أولًا، وتنهدت قائلةً بنبرةٍ ساكنة،
(أهذا… إحساسُ أن يُسيطر أحدهم على جسدك؟)
“العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين هو نهاية الصوفيين، وعدوّ الكوارث، ولمسةٌ واحدةٌ منه تقودنا إلى الهلاك الأبدي… أليس كذلك؟”
رغم أنّه كان قد تهيّأ لذلك منذ انطلاقه في هذه المهمّة الدبلوماسية، إلّا أنّ رؤيتها وجهًا لوجهٍ جعلت قلبه يقفز حماسًا.
أردفت بهدوء، “ليبرا، إيريك، بل حتى (إخوة الحقيقة)، جميعهم يرعبهم ذلك السلاح. ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. هكذا خُتِم ليبرا.”
ارتجف تاليس بعنف. كلماتها حملت برودةً تقشعر لها الأبدان.
ثمّ ضحكت ضحكةً باردةً تُجمّد الدم في العروق.
(لماذا؟)
“لكنّي… الاستثناء الوحيد. أنا صوفيةٌ تعتمد على (جسدٍ ماديٍّ) في القتال.”
أردفت بهدوء، “ليبرا، إيريك، بل حتى (إخوة الحقيقة)، جميعهم يرعبهم ذلك السلاح. ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. هكذا خُتِم ليبرا.”
ارتعش جسد تاليس كلّه. لم يفهم معظم المصطلحات التي نطقت بها، لكنه شعر بأنها معرفةٌ لا بدّ أن يتعلّمها يومًا ما. (حتى إن لم أصبح صوفيًّا، فعلى الأقل لأجل نفسي…)
شعرها القصير ذو اللون الأشقر المائل إلى البني بدا أنيقًا. لم تكن تحتاج إلى أوصافٍ كثيرة، فمجرد ظهورها كفيلٌ بأن يجعل من يراها ينسى وجهها ولا يرى فيها سوى مقاتلةٍ مخضرمة.
تابعت غيزا بابتسامةٍ ماكرة.
“ردّة فعلٍ ممتازة.” قالت غيزا بإعجابٍ بارد. “نادراً ما نراها حتى بين محاربي الفئة الفائقة. ولديكِ أيضًا قوّةٌ مألوفة… إحدى القوى الأصلية الأربعة، (انصهار الجليد)، المشهورة باستغلال حركة الخصم وضربه بالمقابل، أليس كذلك؟”
“أنا أيضًا واحدةٌ من صوفيَّيْن فقط لا يخشيان القتال القريب ضدّ العتاد الأسطوريّ. فحتى حين يقترب الخطر من جسدي، لا أرفضه… بل في الغالب، من يقترب منّي… يقترب من موته.”
أعادت المحاربة درعها إلى ظهرها وضحكت، “لم أركِ منذ سنين، يا آيدا الناسيّة!”
قطّب تاليس حاجبيه. (اثنان فقط لا يخافان القتال القريب؟ من الآخر إذن؟ هل هنالك فروقٌ شاسعة بين الصوفيين؟)
“اختيارٌ موفّق.” قالت غيزا وهي تميل برأسها بابتسامةٍ ملتوية. “ليس غريبًا أن أشعر بوجود كثيرٍ من البشر على بعد مئات الأمتار. تركتِ قوّاتكِ هناك وجئتِ وحدكِ إذن؟”
كان الخوف والفضول تجاههم يمزّقانه تمزيقًا، ويغرس في صدره تردّدًا عميقًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ابتسمت غيزا وقالت،
“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”
“حتى لو لامس العتاد الأسطوريّ جسدي الماديّ، فلن يُصيب سوى لحمي ودمي، ولا قيمة لذلك. لن يكون بإمكانه ختمي أبدًا.”
ضحكت المحاربة بفرحٍ حادّ: “اسم قوّته هي… «الصيد».”
انعقد حاجبا تاليس أكثر. (لا… ثمة خطأ… في مكانٍ ما.)
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
كان مشوَّش الفكر، عاجزًا عن إدراك الخلل، إلى أن رفعت سونيا حاجبها وقالت بسخريةٍ خافتة.
لكن نساء العاصمة كنّ يتهكّمن سرًّا، “كلّ حركاتها كرجل، وتستحقّ أن تبقى بلا زواجٍ، تلك المجنونة بعالم السيوف والحروب!”
“أحقًّا ما تقولين؟”
كلّ الرماد المتطاير تلاشى، ولم تبقى بقعة دمٍ ولا قطعة لحم. الأطراف المبتورة التي غطّت الأرض أخذت تذبل شيئًا فشيئًا، تتحوّل إلى رمادٍ وتذوب في الأرض المغطّاة بالثلوج تحت ضوء القمر.
خطت سونيا خطوةً إلى الأمام، وكأنها اكتشفت موضع ضعف العدوّ، ورفعت الدرع الأسمى في وجه الصوفيّة.
“مستحيل!” صاح تاليس مذهولًا بعد أن أبصر المشهد بوضوح.
“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”
ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.
تبدّل تعبير غيزا، وقد أدرك تاليس ما يجري.
ارتعش جسد تاليس كلّه. لم يفهم معظم المصطلحات التي نطقت بها، لكنه شعر بأنها معرفةٌ لا بدّ أن يتعلّمها يومًا ما. (حتى إن لم أصبح صوفيًّا، فعلى الأقل لأجل نفسي…)
(نعم، الدرع أثّر في جسد غيزا من قبل. بعد أن تحوّلت إلى رمادٍ لأول مرة، احتاجت وقتًا لتعود. خلال تلك الفترة، سواء كانت تشفى، أو تتعافى، أو تختبئ… فذلك لا يمكن أن يعني إلا شيئًا واحدًا — أنّها ليست بلا ضعف!)
قطّب تاليس حاجبيه. (اثنان فقط لا يخافان القتال القريب؟ من الآخر إذن؟ هل هنالك فروقٌ شاسعة بين الصوفيين؟)
قالت سونيا بثبات، “المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين نادرة وثمينة، تتنازعها الممالك جميعًا، ليس فقط لأنها قادرة على ختم الصوفيين، بل لأنّ لكلٍّ منها قدرةً فريدةً وعظيمة، تمكّن حاملها من أن يولد من جديدٍ ويتحوّل كليًا في أثناء القتال.”
كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.
شهق تاليس. (المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين… قدرات فريدة؟)
ابتسمت غيزا بهدوء، فيما أعادت سونيا ذكرها ببطءٍ واضح: “يُقال إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين… لا يمكنه خَتْم صوفية الدم.”
نظر إلى التابوت الأسود تحت قدميه، وتذكّر الخنجر الرمادي القصير ليودل. (ما هي قوّة ذلك الخنجر إذن؟)
فما لبثت المجسّات أن امتدّت فجأةً نحو سونيا! وفي الوقت نفسه، اندفعت أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ من باطن الأرض نحوها ونحو تاليس!
ثم أدرك فجأة. (ذلك الخنجر والدرع الرمادي في يد سونيا… لونهما متشابه!)
شقّ!
ضغطت غيزا شفتيها، وبدأت المجسات تحت جسدها ترتجف باضطراب.
ارتجف تاليس، بينما رفعت سونيا درعها بثباتٍ وتقدّمت خطوةً إلى الأمام، إحتمى تاليس خلفها، وقد عقدت حاجبيها بعمق.
طرقت سونيا الدرع الاسمى بخفة. “ربما لم تري هذا من قبل. في أواخر معركة الإبادة، حين بدأتم بالفرار يائسين، صُنع هذا الدرع، مع السيف الاسمى. لذا لن تفهمي قدرته.”
رفعت سونيا يدها فجأة، لتوقف آيدا وكاترينا اللتين كانتا تهمّان بالاندفاع.
تبدّل وجه غيزا ثانيةً.
في المقابل، اتّسعت عينا تاليس، وفغَر فاهه. (كيف… كيف يمكن أن تكون بخيرٍ تمامًا؟)
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
شحُب وجهه، وأحسّ باضطرابٍ في صدره. (لن تدعني أتألّم… اللعنة. انتظر… الصوفية الدموية… هل فزعت؟)
ازدادت ملامح الصوفية الدمويّة صرامة، وشعر تاليس أنّ سونيا قد أمسكت بنقطة ضعفها.
دوّى صوتٌ أشبه بطوفانٍ يجتاح الهواء!
ضحكت المحاربة بفرحٍ حادّ: “اسم قوّته هي… «الصيد».”
تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”
وفجأة، كما لو أنها تذكّرت أمرًا مرعبًا، تغيّر وجه غيزا إلى صلابةٍ جليديّة، ولوّحت بيدها بعنف!
رمقته سونيا طويلًا، ثم لكمت على كتفه لكمةً خفيفة، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة، “عد إلينا إذًا.”
بوووم!
اتّسعت عينا تاليس دهشة. (لا يمكن ختمها؟ إذن… أليست عصيّةً على السيطرة؟ فكيف إذًا انتصروا في معركة الإبادة؟)
دوّى صوتٌ أشبه بطوفانٍ يجتاح الهواء!
تبدّل وجه غيزا ثانيةً.
وتحت أنظار الجميع المدهوشة، تحولت المجسات الضخمة فجأة إلى دماءٍ وأطرافٍ مبتورة، ثم تبخّرت في الهواء.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اختبأت غيزا في الظلام، وألقت على تاليس نظرةً عميقة.
الفصل 96: بالتأكيد لن أدعك تعاني
وتركت له جملةً خافتةً كالريح، “سنلتقي مجددًا.”
“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”
ارتجف تاليس بعنف. كلماتها حملت برودةً تقشعر لها الأبدان.
هجومٌ شاملٌ من كلّ الجهات، لا مهرب منه.
“لن أدعك تتألّم.”
“انظر إليّ، أيها الجندي!” صاحت بقوة.
شحُب وجهه، وأحسّ باضطرابٍ في صدره. (لن تدعني أتألّم… اللعنة. انتظر… الصوفية الدموية… هل فزعت؟)
ثم استدارت سونيا نحو تاليس، الذي كان وايا يفحص جراحه بعناية، وقالت بصرامة،
“لقد رحلت. يا للأسف، كنت أودّ مطاردتها.” وطرقت درعها بخفة.
بووم!
زفر تاليس بعمق.
الليل… قد انقضى مجددًا.
“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”
نظرت إليه سونيا بنظرةٍ معقّدة. “جينارد.”
تردّد صهيلُ الخيول في الهواء. ظهر بيوتراي، ووايا، وجينارد، برفقة وحدةٍ من الفرسان.
بوووم!
رؤيتهم جعلت تاليس يشعر ببعض الارتياح. (لكن يبدو أنّ جنود عائلة جيدستار القلائل هم من بقوا أحياء…)
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
الليل… قد انقضى مجددًا.
أطلقت سونيا شخيرًا ساخرًا. “ويبدو أيضًا أنّ قدراتكِ الاستطلاعية لا يُستهان بها.”
تقدّم الفرسان وحيّوا سونيا بانحناءةٍ عسكرية. تتقدّمهم فارسةٌ صارمة الملامح، وما إن مرّت نظرتها الباردة على تاليس حتى شعر بقشعريرةٍ تسري في جسده.
انقسم المجسّ فجأة إلى عشرات المجسّات الصغيرة. وشعر تاليس في اللحظة التي انقسم فيها، كأنّ جسده كلّه قد خَدِر، وكأنّ مخدّرًا سُكِب في عروقه!
(هل أغضبتها؟) فرك رأسه متحيّرًا.
كان كثيرٌ من مواطني المملكة يؤمنون أنّه ما دامت زهرة الحصن متفتّحةً في حصن التنين المحطم، فلن ينهار شمال الكوكبة أبدًا.
وفجأة، ارتفع صوتٌ تختلط فيه المشاعر المتناقضة.
“نعم. أنا تاليس جيدستار.” ابتسم تاليس قائلًا، “شكرًا لكِ…”
“القائدة!”
تردّد صهيلُ الخيول في الهواء. ظهر بيوتراي، ووايا، وجينارد، برفقة وحدةٍ من الفرسان.
ارتجّ جسد سونيا كله، واستدارت نحو المنادي.
“اختيارٌ موفّق.” قالت غيزا وهي تميل برأسها بابتسامةٍ ملتوية. “ليس غريبًا أن أشعر بوجود كثيرٍ من البشر على بعد مئات الأمتار. تركتِ قوّاتكِ هناك وجئتِ وحدكِ إذن؟”
تجمّد تاليس من الدهشة. (أيمكن أن تكون سونيا هي فعلًا «قائدة الكوكبة» لأنها تحمل درعًا؟)
ومنذ انتهاء العام الدموي، قادت سونيا كتيبةً من جنود الملك النظاميين في الشمال القارس، تراقب تنفّس تنين الشمال العظيم.
تحت أنظار الجميع المندهشة، ترجّل جينارد، المحارب المخضرم ذو الثلاثين عامًا، من على جواده بخطواتٍ مرتجفة، واقترب ببطءٍ من سونيا، وعيناه متقدتان بالحماس والخجل والرهبة.
“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”
“قائدتي…” ارتجفت شفتاه، ولم يقوى على النطق. “أنا…” ثم خفض رأسه بشدّة، يقضم أسنانه ألمًا. “أنا…”
تبدّل وجه غيزا ثانيةً.
نظرت إليه سونيا بنظرةٍ معقّدة. “جينارد.”
شحُب وجهه، وأحسّ باضطرابٍ في صدره. (لن تدعني أتألّم… اللعنة. انتظر… الصوفية الدموية… هل فزعت؟)
لكنها تنفّست بعمق، ورفعت بصرها بصرامةٍ عسكرية.
هبطت سونيا بثباتٍ على الأرض، وقد حطّمت هجوم صوفية الدم تمامًا بهجمةٍ مرتدّةٍ كاملةٍ متقنة.
“انظر إليّ، أيها الجندي!” صاحت بقوة.
هوووش! شينغ!
ارتعش جينارد بقوة، واستقام فورًا، يتنفس بعمقٍ وينظر مباشرةً إليها.
زهرة الحصن.
بعد لحظاتٍ قليلة، ابتلع ريقه وقال بثبات، “لقد عدت.”
قبل أن يفهم تاليس ما يجري، خطفته سونيا من الأرض وقفزت به جانبًا، لتتفادى مجسًّا دمويًّا اخترق الأرض نحوهم!
رمقته سونيا طويلًا، ثم لكمت على كتفه لكمةً خفيفة، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة، “عد إلينا إذًا.”
“تراجعا!” أمرت بصوتٍ جهوريّ حاسم، يحمل سطوةَ من اعتاد أن يُطاع.
اهتزّ جسده كله، وعضّ على أسنانه، يحبس دموعه وهو يصيح بكل قوته، “نعم!”
“مستحيل!” صاح تاليس مذهولًا بعد أن أبصر المشهد بوضوح.
ثم استدارت سونيا نحو تاليس، الذي كان وايا يفحص جراحه بعناية، وقالت بصرامة،
زهرة الحصن.
“اعذرني يا صاحب السمو، مع كل ما مررتَ به اليوم، عليك أن تتوجّه إلى قلعة التنين المحطم في أسرع وقت.”
“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”
لم يفهم تاليس تمامًا ما عنته، لكنه أومأ. وحده بيوتراي، الدبلوماسي المخضرم خلفه، تغيّر وجهه وهو يضغط على جرحه.
كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.
“السيدة ساسيري،” قال بجدّية، “ماذا حدث؟”
قبل أن يفهم تاليس ما يجري، خطفته سونيا من الأرض وقفزت به جانبًا، لتتفادى مجسًّا دمويًّا اخترق الأرض نحوهم!
ساد الصمت لحظة. عبست سونيا بشدّة، ثم نظرت مباشرةً إلى تاليس.
تجمّد تاليس مذهولًا. “آه! أأنتِ… أنتِ زهرة الحصن!؟”
“آرشيدوق الرمال السوداء في إكستيدت، تشابمان لامبارد… أرسل بالفعل وحداتٍ صغيرةً تجاوزت حدود المملكتين دون ترددٍ منذ يومٍ مضى.”
“قائدتي…” ارتجفت شفتاه، ولم يقوى على النطق. “أنا…” ثم خفض رأسه بشدّة، يقضم أسنانه ألمًا. “أنا…”
كانت ملامح سونيا جامدة، لكن نظراتها مهيبة. “لقد بدأوا بتطهير أطراف قلعة التنين المحطم، خاصةً خطوط الاتصال الممتدة نحو القلعة الباردة والبرج القديم المنعزل.”
“تراجعا!” أمرت بصوتٍ جهوريّ حاسم، يحمل سطوةَ من اعتاد أن يُطاع.
تقلّصت حدقتا تاليس. فأومأت سونيا بصرامةٍ وقالت،
كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.
“المنطقة الشمالية… لم تَعُد آمنة.”
ومن بين أولئك الذين ارتقوا من صفوف المجهولين إلى أعمدة المملكة: الثعلب الماكر غيلبرت.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.
“العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين هو نهاية الصوفيين، وعدوّ الكوارث، ولمسةٌ واحدةٌ منه تقودنا إلى الهلاك الأبدي… أليس كذلك؟”
