Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 96

بالتأكيد لن أدعك تعاني

بالتأكيد لن أدعك تعاني

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تاليس بدوره نظر إليها بفضول، نحو هذه التي ظهرت فجأة لتنقذه من الموت. (إنّها جنديّة بلا شكّ.)

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

جناح الأسطورة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

قبل أن يفهم تاليس ما يجري، خطفته سونيا من الأرض وقفزت به جانبًا، لتتفادى مجسًّا دمويًّا اخترق الأرض نحوهم!

Arisu-san

نظر إلى التابوت الأسود تحت قدميه، وتذكّر الخنجر الرمادي القصير ليودل. (ما هي قوّة ذلك الخنجر إذن؟)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لكن في اللحظة التالية، تغيّر وجه سونيا فجأة!

الفصل 96: بالتأكيد لن أدعك تعاني

Arisu-san

“لم أكن أعلم أنّ بإمكانكِ التحكّم بالنباتات أيضًا.” قالت سونيا وهي تزفر بحذر، تراقب محيطها. “تُفاجئينني كثيرًا.”

وثب تاليس من فوق التابوت الأسود، وحدّق أمامه مذهولًا.

رغم أنّه كان قد تهيّأ لذلك منذ انطلاقه في هذه المهمّة الدبلوماسية، إلّا أنّ رؤيتها وجهًا لوجهٍ جعلت قلبه يقفز حماسًا.

كلّ الرماد المتطاير تلاشى، ولم تبقى بقعة دمٍ ولا قطعة لحم. الأطراف المبتورة التي غطّت الأرض أخذت تذبل شيئًا فشيئًا، تتحوّل إلى رمادٍ وتذوب في الأرض المغطّاة بالثلوج تحت ضوء القمر.

زهرة الحصن.

(أانتهى كلّ شيء؟ غيزا، صوفية الدم، تلك المجنونة… اختفت هكذا فحسب؟)

وتركت له جملةً خافتةً كالريح، “سنلتقي مجددًا.”

ارتخت أذرع الهيدرا وتيبّست، فسقط كل من كاترينا وسيرينا على الأرض، تسعلان بعنف.

تبدّل تعبير غيزا، وقد أدرك تاليس ما يجري.

وبينما كانت آيدا تُساند رالف الشاحب كالميّت، خرجت من بين الأدغال قرب تاليس.

في قاعة مينديس، كان غيلبرت يشرح له أحيانًا أوضاع مملكة الكوكبة، ويذكر ضمنها من يُلقّبون بـ”قادة المملكة الثلاثة”.

“كان هناك ما لا يقلّ عن مئةٍ من تلك الأغصان الشجرية،” قالت آيدا بذهولٍ ما زال بادٍ على ملامحها، “لماذا ذبلت فجأة كلّها…؟” لكنها جفلت فجأة، وأشارت إلى المحاربة الواقفة بحركاتٍ مبالغٍ فيها، وهتفت، “آه، أيتها الغريبة، لقد أتيتِ!”

كانت هذه أوّل مرةٍ يستخدم فيها رؤيته المتذبذبة لمشاهدة إنسانٍ عاديّ، لا صوفيّ ولا من عشيرة الدم.

أعادت المحاربة درعها إلى ظهرها وضحكت، “لم أركِ منذ سنين، يا آيدا الناسيّة!”

اتّسعت عينا تاليس دهشة. (لا يمكن ختمها؟ إذن… أليست عصيّةً على السيطرة؟ فكيف إذًا انتصروا في معركة الإبادة؟)

فاسودّ وجه آيدا على الفور. أما المحاربة، فقد سحبت سيفها العظيم ولوّحت به مراتٍ عدّة، كأنّه لا يزن شيئًا.

حدّق تاليس بالمجسّ الممدود أمام عينيه مذهولًا. (أليست غيزا قد…)

ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.

ومن بين أولئك الذين ارتقوا من صفوف المجهولين إلى أعمدة المملكة: الثعلب الماكر غيلبرت.

تاليس بدوره نظر إليها بفضول، نحو هذه التي ظهرت فجأة لتنقذه من الموت. (إنّها جنديّة بلا شكّ.)

وبينما دارت المحاربة حول نفسها، أفلتت الدرع، لتقبض بحِذقٍ على حافّته في الهواء، وتلوّح به كأنّه نصلٌ حادّ، فتدور مجددًا بزخمها، وتقطع بجرأةٍ أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ صاعدةٍ من تحت قدميها إلى أشلاء.

كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.

“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”

شعرها القصير ذو اللون الأشقر المائل إلى البني بدا أنيقًا. لم تكن تحتاج إلى أوصافٍ كثيرة، فمجرد ظهورها كفيلٌ بأن يجعل من يراها ينسى وجهها ولا يرى فيها سوى مقاتلةٍ مخضرمة.

“التابوت الأسود!” صاحت كاترينا من بعيدٍ بقلقٍ بالغ، “لا يمكن أن ندعها تأخذه!”

تلاقَت أعينهما لبضع ثوانٍ، ثمّ ابتسمت المحاربة فجأة، وغرست سيفها العظيم في الأرض، وجثت على ركبةٍ واحدة.

قطّب تاليس حاجبيه. (اثنان فقط لا يخافان القتال القريب؟ من الآخر إذن؟ هل هنالك فروقٌ شاسعة بين الصوفيين؟)

“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”

تحت أنظار الجميع المندهشة، ترجّل جينارد، المحارب المخضرم ذو الثلاثين عامًا، من على جواده بخطواتٍ مرتجفة، واقترب ببطءٍ من سونيا، وعيناه متقدتان بالحماس والخجل والرهبة.

“نعم. أنا تاليس جيدستار.” ابتسم تاليس قائلًا، “شكرًا لكِ…”

ساد الصمت لحظة. ثمّ ابتسمت غيزا أولًا، وتنهدت قائلةً بنبرةٍ ساكنة،

شعر تاليس بشيءٍ غريب عن هؤلاء الذين ركعوا له من قبل، كانت ركعة غيلبرت مفعمةً بالاحترام، وركعة يودل حاملةً لثقةٍ دفينة، أمّا هذه المحاربة، فقد كان في ركوعها شيءٌ من البساطة الممزوجة بالأناقة.

أردفت بهدوء، “ليبرا، إيريك، بل حتى (إخوة الحقيقة)، جميعهم يرعبهم ذلك السلاح. ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. هكذا خُتِم ليبرا.”

وأكّد له ذلك ما فعلته تاليًا، إذ رفعت يديها الملطّختين بالدم، والمغلفتين بقفّازٍ حديديّ، وعبثت بشعر الأمير الصغير عبثًا شديدًا!

في المقابل، اتّسعت عينا تاليس، وفغَر فاهه. (كيف… كيف يمكن أن تكون بخيرٍ تمامًا؟)

“أحسنت يا فتى!” ضحكت بصوتٍ عالٍ، قويٍّ حادّ. “كثيرٌ من المجنّدين الجدد عندي كانوا ليتقيّأون رعبًا منذ اللحظة الأولى لو واجهوا ما واجهت!”

فتوقّفتا على الفور. وثبّتت سونيا نظراتها الجادّة على غيزا. “سمعتُ عنكِ أسطورتين من قسم الاستخبارات السرّية للمملكة.” قالتها بثباتٍ لا يلين.

تطايرت الشرارات أمام عيني تاليس من شدّة العبث بشعره، وشعر بملمس الدم على يديها، فقال بخجلٍ: “آه، سيّدتي—”

“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”

قاطعته وهي تضحك، “أنا سونيا ساسيري، مجرّد سيّدةٍ من عامة الناس.” نطقت عبارتها بثقةٍ لا تعرف ما تعنيه كلمة مجرّد. بل إنها، وفي مزاجٍ رائق، لكمت كتف تاليس بقبضتها الحديدية، فاختنق الأمير المسكين سعالًا.

بعضها انكمش عائدًا إلى مكانه—إلى التابوت الأسود!

“وأنا أتولّى مؤقّتًا حراسة حصن التنّين المحطم، الحدود بين المملكتين!”

“التابوت الأسود!” صاحت كاترينا من بعيدٍ بقلقٍ بالغ، “لا يمكن أن ندعها تأخذه!”

تجمّد تاليس مذهولًا. “آه! أأنتِ… أنتِ زهرة الحصن!؟”

“لقد رحلت. يا للأسف، كنت أودّ مطاردتها.” وطرقت درعها بخفة.

رغم أنّه كان قد تهيّأ لذلك منذ انطلاقه في هذه المهمّة الدبلوماسية، إلّا أنّ رؤيتها وجهًا لوجهٍ جعلت قلبه يقفز حماسًا.

حرّكت سونيا معصميها بحذر. “الأسطورة الثانية عنكِ كانت شبهَ خرافةٍ بالنسبة لي… إلى أن رأيتُكِ اليوم.”

زهرة الحصن.

والآن، ها هي زهرة الحصن الأسطورية تقف أمام تاليس بنفسها.

في قاعة مينديس، كان غيلبرت يشرح له أحيانًا أوضاع مملكة الكوكبة، ويذكر ضمنها من يُلقّبون بـ”قادة المملكة الثلاثة”.

“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”

فعلى الرغم من الخسائر الفادحة في العام الدموي، إلا أنّ المملكة أنجبت من رحم تلك الكارثة رجالًا ونساءً عظامًا في شتّى المجالات: في الإدارة، والدبلوماسية، والعسكرية.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ومن بين أولئك الذين ارتقوا من صفوف المجهولين إلى أعمدة المملكة: الثعلب الماكر غيلبرت.

تبدّل وجه غيزا ثانيةً.

وفي أتون المعارك ضد إكستيدت، وضد الأورك، وضد قبائل العظام القاحلة في الصحارى الغربية، وثورات الجنوب الغربي، برز من عامة الشعب قادةٌ نالوا النبل بجدارتهم.

جناح الأسطورة.

بعد العام الدموي، زاد الملك كيسل من عدد الجنود النظاميين التابعين للتاج، وضمّ بينهم كثيرًا من الشبان والعامة الذين صقلتهم الحرب وجرّبتهم المعارك.

شعر تاليس بشيءٍ غريب عن هؤلاء الذين ركعوا له من قبل، كانت ركعة غيلبرت مفعمةً بالاحترام، وركعة يودل حاملةً لثقةٍ دفينة، أمّا هذه المحاربة، فقد كان في ركوعها شيءٌ من البساطة الممزوجة بالأناقة.

ومع مرور اثنتي عشرة سنة، تباينت مصائر هؤلاء، غير أنّ ثلاثةً منهم ظلّوا شامخين، لم تهزّهم الأيام، فصاروا يُعرفون باسم قادة المملكة الثلاثة، وشهرتهم تضجّ بها الكوكبة.

هجومٌ شاملٌ من كلّ الجهات، لا مهرب منه.

أطلق الناس عليهم ألقابًا طغت على أسمائهم الحقيقيّة:

“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”

سخط المملكة.

(أانتهى كلّ شيء؟ غيزا، صوفية الدم، تلك المجنونة… اختفت هكذا فحسب؟)

جناح الأسطورة.

ثم استدارت سونيا نحو تاليس، الذي كان وايا يفحص جراحه بعناية، وقالت بصرامة،

زهرة الحصن.

“قائدتي…” ارتجفت شفتاه، ولم يقوى على النطق. “أنا…” ثم خفض رأسه بشدّة، يقضم أسنانه ألمًا. “أنا…”

ومن بينهم، زهرة الحصن، السيّدة سونيا ساسيري، قد خُلِّد اسمها في تاريخ الكوكبة حين سارت مع الدوق جون في حملته ضدّ المتمرّدين جنوبًا.

ساد الصمت لحظة. ثمّ ابتسمت غيزا أولًا، وتنهدت قائلةً بنبرةٍ ساكنة،

ومنذ انتهاء العام الدموي، قادت سونيا كتيبةً من جنود الملك النظاميين في الشمال القارس، تراقب تنفّس تنين الشمال العظيم.

Arisu-san

كان كثيرٌ من مواطني المملكة يؤمنون أنّه ما دامت زهرة الحصن متفتّحةً في حصن التنين المحطم، فلن ينهار شمال الكوكبة أبدًا.

“العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين هو نهاية الصوفيين، وعدوّ الكوارث، ولمسةٌ واحدةٌ منه تقودنا إلى الهلاك الأبدي… أليس كذلك؟”

لكن نساء العاصمة كنّ يتهكّمن سرًّا، “كلّ حركاتها كرجل، وتستحقّ أن تبقى بلا زواجٍ، تلك المجنونة بعالم السيوف والحروب!”

تردّد صهيلُ الخيول في الهواء. ظهر بيوتراي، ووايا، وجينارد، برفقة وحدةٍ من الفرسان.

والآن، ها هي زهرة الحصن الأسطورية تقف أمام تاليس بنفسها.

“هاه! سيكون آراكّا نادمًا لأنه لم يأتِ بقواته لنجدتك!” قالت سونيا بثقة، وهي تربّت على درعها. “أنا أول من يختم صوفيًا بيننا الثلاثة…”

الليل… قد انقضى مجددًا.

لكن في اللحظة التالية، تغيّر وجه سونيا فجأة!

استدارت، مستغلّةً قصوى زخم جسدها، ودفعت بدرعها في وجه المجسّات بكلّ عنف!

“ما الأمر؟” سألها تاليس بدهشة.

تلاشى شيءٌ من ابتسامة غيزا. (قسمُ الاستخبارات الملكيّ… ما زال مزعجًا كما كان قبل مئات السنين.)

“ثمة خطب!” قبضت سونيا قبضتها ورفعت درعها متأهّبةً، تمسح المكان بعينيها الحذرتين. “لم تُختَم بعد!”

تجمّد تاليس مذهولًا. “آه! أأنتِ… أنتِ زهرة الحصن!؟”

بوووم!

“اعذرني يا صاحب السمو، مع كل ما مررتَ به اليوم، عليك أن تتوجّه إلى قلعة التنين المحطم في أسرع وقت.”

قبل أن يفهم تاليس ما يجري، خطفته سونيا من الأرض وقفزت به جانبًا، لتتفادى مجسًّا دمويًّا اخترق الأرض نحوهم!

“لم أكن أعلم أنّ بإمكانكِ التحكّم بالنباتات أيضًا.” قالت سونيا وهي تزفر بحذر، تراقب محيطها. “تُفاجئينني كثيرًا.”

حدّق تاليس بالمجسّ الممدود أمام عينيه مذهولًا. (أليست غيزا قد…)

“ولِمَ العجب؟” ضحكت غيزا. “ألأنّكِ تظنّين أنّ الدم هو السائل الأحمر في عروق الحيوانات فقط؟”

انقسم المجسّ فجأة إلى عشرات المجسّات الصغيرة. وشعر تاليس في اللحظة التي انقسم فيها، كأنّ جسده كلّه قد خَدِر، وكأنّ مخدّرًا سُكِب في عروقه!

“التابوت الأسود!” صاحت كاترينا من بعيدٍ بقلقٍ بالغ، “لا يمكن أن ندعها تأخذه!”

(أهذا… إحساسُ أن يُسيطر أحدهم على جسدك؟)

جناح الأسطورة.

ارتجف جسده، فحاول ترك ذراع سونيا، لكنّها لم تتأثّر إطلاقًا. شدّت ذراعها أكثر وضمّته إليها بقوة!

تابعت غيزا بابتسامةٍ ماكرة.

زمّت سونيا أسنانها، وصاحت غاضبة، وسحبت سيفها العظيم من ظهرها. أضاء السيفُ نورًا ساطعًا، وحين لوّحت به بيدٍ واحدةٍ في حركةٍ دائرية، انبثق قوسٌ لامعٌ من ضيائه، قاطعًا عشرات المجسّات الصغيرة.

لم يفهم تاليس تمامًا ما عنته، لكنه أومأ. وحده بيوتراي، الدبلوماسي المخضرم خلفه، تغيّر وجهه وهو يضغط على جرحه.

بعضها انكمش عائدًا إلى مكانه—إلى التابوت الأسود!

تحت حماية مجسّين اثنين، ظهرت غيزا ستريلمان أمامهما مجددًا، في هيئة عذراء عاريةٍ مغطّاةٍ بالدماء، وابتسامةٌ مريبةٌ تزيّن وجهها.

ذبلت مجسّاتٌ كثيرة وتحوّلت إلى رمادٍ متطايرٍ ما إن لامست التابوت، كما حدث حين مسّت الدرع الأسمى! غير أنّ عددًا أكبر التفّ حول التابوت الأسود، كأنّها لا تهاب الموت. وبينما تذبل وتتشابك، تماسكت أمام تآكل المعدن الأسطوري، ورفعت التابوت عاليًا!

“لماذا؟” ضحكت غيزا بخفوت. “أتظنّ أن الأمر غريب؟ لِمَ لم يؤثّر العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين عليّ؟”

“التابوت الأسود!” صاحت كاترينا من بعيدٍ بقلقٍ بالغ، “لا يمكن أن ندعها تأخذه!”

حرّكت سونيا معصميها بحذر. “الأسطورة الثانية عنكِ كانت شبهَ خرافةٍ بالنسبة لي… إلى أن رأيتُكِ اليوم.”

سونيا ظلّت هادئةً كعادتها، تتحرّك بخفّةٍ وسرعة. حاملةً تاليس بيدٍ واحدة، قذفت بسيفها العظيم بيدها اليمنى كما يُقذَف البوميرانغ!¹

تلاقَت أعينهما لبضع ثوانٍ، ثمّ ابتسمت المحاربة فجأة، وغرست سيفها العظيم في الأرض، وجثت على ركبةٍ واحدة.

شقّ!

تلاشى شيءٌ من ابتسامة غيزا. (قسمُ الاستخبارات الملكيّ… ما زال مزعجًا كما كان قبل مئات السنين.)

قطع السيفُ المجسّاتِ التي كانت تلتفّ حول التابوت الأسود.

هجومٌ شاملٌ من كلّ الجهات، لا مهرب منه.

ارتطام!

(نعم، الدرع أثّر في جسد غيزا من قبل. بعد أن تحوّلت إلى رمادٍ لأول مرة، احتاجت وقتًا لتعود. خلال تلك الفترة، سواء كانت تشفى، أو تتعافى، أو تختبئ… فذلك لا يمكن أن يعني إلا شيئًا واحدًا — أنّها ليست بلا ضعف!)

سقط التابوت مجددًا على الأرض. بخفّةٍ ورشاقة، قفزت سونيا فوقه، وضعت تاليس برفقٍ، ثم أزالت درعها، تراقب بيقظةٍ مجسّين يمتدّان من الظلام أمامها.

فعلى الرغم من الخسائر الفادحة في العام الدموي، إلا أنّ المملكة أنجبت من رحم تلك الكارثة رجالًا ونساءً عظامًا في شتّى المجالات: في الإدارة، والدبلوماسية، والعسكرية.

“مستحيل!” صاح تاليس مذهولًا بعد أن أبصر المشهد بوضوح.

تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”

تحت حماية مجسّين اثنين، ظهرت غيزا ستريلمان أمامهما مجددًا، في هيئة عذراء عاريةٍ مغطّاةٍ بالدماء، وابتسامةٌ مريبةٌ تزيّن وجهها.

حرّكت سونيا معصميها بحذر. “الأسطورة الثانية عنكِ كانت شبهَ خرافةٍ بالنسبة لي… إلى أن رأيتُكِ اليوم.”

ارتجف تاليس، بينما رفعت سونيا درعها بثباتٍ وتقدّمت خطوةً إلى الأمام، إحتمى تاليس خلفها، وقد عقدت حاجبيها بعمق.

تجمّد تاليس من الدهشة. (أيمكن أن تكون سونيا هي فعلًا «قائدة الكوكبة» لأنها تحمل درعًا؟)

في المقابل، اتّسعت عينا تاليس، وفغَر فاهه. (كيف… كيف يمكن أن تكون بخيرٍ تمامًا؟)

“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”

ألم تقل له سيرينا إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين قادرٌ على قتالهم؟

تجمّد تاليس من الدهشة. (أيمكن أن تكون سونيا هي فعلًا «قائدة الكوكبة» لأنها تحمل درعًا؟)

تذكّر كيف أنّ يودل حين ختم آسدا سابقًا، لم يطعن ظهره إلا مرةً واحدةً على حين غرّة، فاندلع من جسده ضوءٌ أبيض قبل أن يختفي دون أثر.

قاطعته وهي تضحك، “أنا سونيا ساسيري، مجرّد سيّدةٍ من عامة الناس.” نطقت عبارتها بثقةٍ لا تعرف ما تعنيه كلمة مجرّد. بل إنها، وفي مزاجٍ رائق، لكمت كتف تاليس بقبضتها الحديدية، فاختنق الأمير المسكين سعالًا.

كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.

ارتعش جينارد بقوة، واستقام فورًا، يتنفس بعمقٍ وينظر مباشرةً إليها.

حتى إنّ تاليس كان يظنّ أنه فهم شيئًا من نقاط ضعف الصوفيين… لكن غيزا أمامه الآن…

كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.

(لماذا؟)

كلّ من يودل ومورات سمّيا ذلك “الخَتْم”.

“لماذا؟” ضحكت غيزا بخفوت. “أتظنّ أن الأمر غريب؟ لِمَ لم يؤثّر العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين عليّ؟”

بعد لحظاتٍ قليلة، ابتلع ريقه وقال بثبات، “لقد عدت.”

رفعت سونيا يدها فجأة، لتوقف آيدا وكاترينا اللتين كانتا تهمّان بالاندفاع.

تحت أنظار الجميع المندهشة، ترجّل جينارد، المحارب المخضرم ذو الثلاثين عامًا، من على جواده بخطواتٍ مرتجفة، واقترب ببطءٍ من سونيا، وعيناه متقدتان بالحماس والخجل والرهبة.

“تراجعا!” أمرت بصوتٍ جهوريّ حاسم، يحمل سطوةَ من اعتاد أن يُطاع.

حدّق تاليس بالمجسّ الممدود أمام عينيه مذهولًا. (أليست غيزا قد…)

فتوقّفتا على الفور. وثبّتت سونيا نظراتها الجادّة على غيزا. “سمعتُ عنكِ أسطورتين من قسم الاستخبارات السرّية للمملكة.” قالتها بثباتٍ لا يلين.

لم يفهم تاليس تمامًا ما عنته، لكنه أومأ. وحده بيوتراي، الدبلوماسي المخضرم خلفه، تغيّر وجهه وهو يضغط على جرحه.

“أولاهما تقول: كلّما ازداد أعداء الصوفية الدموية، ازدادت قوّتها التدميرية وحيويّتها، لأنّ خصومها يصبحون غذاءها. أعظم خطأٍ يرتكبه من يقاتلكِ هو الظنّ أنّ (العدد يصنع القوة)، بينما في الحقيقة، كلّما كثروا، ازدَدْتِ قوّةً وانتعاشًا. أفضلُ طريقةٍ لمواجهتكِ هي أن يتقدّم محاربٌ من الفئة الفائقة، سريعٌ رشيق، يحمل عتادًا أسطوريًّا مضادًّا للصوفيين، يقاتلكِ وحده في أرضٍ مقفرةٍ بلا حياة.”

رفعت سونيا يدها فجأة، لتوقف آيدا وكاترينا اللتين كانتا تهمّان بالاندفاع.

تلاشى شيءٌ من ابتسامة غيزا. (قسمُ الاستخبارات الملكيّ… ما زال مزعجًا كما كان قبل مئات السنين.)

كانت هذه أوّل مرةٍ يستخدم فيها رؤيته المتذبذبة لمشاهدة إنسانٍ عاديّ، لا صوفيّ ولا من عشيرة الدم.

“اختيارٌ موفّق.” قالت غيزا وهي تميل برأسها بابتسامةٍ ملتوية. “ليس غريبًا أن أشعر بوجود كثيرٍ من البشر على بعد مئات الأمتار. تركتِ قوّاتكِ هناك وجئتِ وحدكِ إذن؟”

بوووم!

أطلقت سونيا شخيرًا ساخرًا. “ويبدو أيضًا أنّ قدراتكِ الاستطلاعية لا يُستهان بها.”

“لن أدعك تتألّم.”

فما لبثت المجسّات أن امتدّت فجأةً نحو سونيا! وفي الوقت نفسه، اندفعت أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ من باطن الأرض نحوها ونحو تاليس!

هجومٌ شاملٌ من كلّ الجهات، لا مهرب منه.

هجومٌ شاملٌ من كلّ الجهات، لا مهرب منه.

ساد الصمت لحظة. ثمّ ابتسمت غيزا أولًا، وتنهدت قائلةً بنبرةٍ ساكنة،

عاد الاضطراب يتدفّق في أطراف تاليس، فاستعدّ لتفاديه، لكنّه أحسّ بطاقةٍ أخرى تتفجّر من جسد سونيا!

تقلّصت حدقتا تاليس. فأومأت سونيا بصرامةٍ وقالت،

استدارت، مستغلّةً قصوى زخم جسدها، ودفعت بدرعها في وجه المجسّات بكلّ عنف!

اهتزّ جسده كله، وعضّ على أسنانه، يحبس دموعه وهو يصيح بكل قوته، “نعم!”

بووم!

“وأنا أتولّى مؤقّتًا حراسة حصن التنّين المحطم، الحدود بين المملكتين!”

تفتّتت مجسّات غيزا إلى رمادٍ طائر.

“ردّة فعلٍ ممتازة.” قالت غيزا بإعجابٍ بارد. “نادراً ما نراها حتى بين محاربي الفئة الفائقة. ولديكِ أيضًا قوّةٌ مألوفة… إحدى القوى الأصلية الأربعة، (انصهار الجليد)، المشهورة باستغلال حركة الخصم وضربه بالمقابل، أليس كذلك؟”

وبينما دارت المحاربة حول نفسها، أفلتت الدرع، لتقبض بحِذقٍ على حافّته في الهواء، وتلوّح به كأنّه نصلٌ حادّ، فتدور مجددًا بزخمها، وتقطع بجرأةٍ أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ صاعدةٍ من تحت قدميها إلى أشلاء.

لكن نساء العاصمة كنّ يتهكّمن سرًّا، “كلّ حركاتها كرجل، وتستحقّ أن تبقى بلا زواجٍ، تلك المجنونة بعالم السيوف والحروب!”

هوووش! شينغ!

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هبطت سونيا بثباتٍ على الأرض، وقد حطّمت هجوم صوفية الدم تمامًا بهجمةٍ مرتدّةٍ كاملةٍ متقنة.

ضغطت غيزا شفتيها، وبدأت المجسات تحت جسدها ترتجف باضطراب.

بُهِت تاليس، يحدّق بها مدهوشًا. كانت التموجات التي تغلي في جسده قد بلغت عينيه، فصار يرى طاقةً هائلةً عديمة اللون تملأ جسد سونيا كلّه، تختلف تمامًا عن الضوء الصاخب في جسد الصوفيين، وعن الحيوية الدموية في أجساد اعضاء عشيرة الدم.

ارتجف جسده، فحاول ترك ذراع سونيا، لكنّها لم تتأثّر إطلاقًا. شدّت ذراعها أكثر وضمّته إليها بقوة!

كانت هذه أوّل مرةٍ يستخدم فيها رؤيته المتذبذبة لمشاهدة إنسانٍ عاديّ، لا صوفيّ ولا من عشيرة الدم.

رمقته سونيا طويلًا، ثم لكمت على كتفه لكمةً خفيفة، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة، “عد إلينا إذًا.”

“ردّة فعلٍ ممتازة.” قالت غيزا بإعجابٍ بارد. “نادراً ما نراها حتى بين محاربي الفئة الفائقة. ولديكِ أيضًا قوّةٌ مألوفة… إحدى القوى الأصلية الأربعة، (انصهار الجليد)، المشهورة باستغلال حركة الخصم وضربه بالمقابل، أليس كذلك؟”

ازدادت ملامح الصوفية الدمويّة صرامة، وشعر تاليس أنّ سونيا قد أمسكت بنقطة ضعفها.

“تُعرف الآن باسم (قوّة الإبادة)،” أجابتها سونيا بسخرية، “تكريمًا للحقيقة التي تقول إنّنا أبَدْناكم حتّى بللتم سراويلكم خوفًا.”

ثمّ ضحكت ضحكةً باردةً تُجمّد الدم في العروق.

أدرك تاليس فجأة. (إذن، تلك الطاقة عديمة اللون في جسدها… كانت قوّة الإبادة؟)

شهق تاليس. (المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين… قدرات فريدة؟)

“لم أكن أعلم أنّ بإمكانكِ التحكّم بالنباتات أيضًا.” قالت سونيا وهي تزفر بحذر، تراقب محيطها. “تُفاجئينني كثيرًا.”

“اعذرني يا صاحب السمو، مع كل ما مررتَ به اليوم، عليك أن تتوجّه إلى قلعة التنين المحطم في أسرع وقت.”

“ولِمَ العجب؟” ضحكت غيزا. “ألأنّكِ تظنّين أنّ الدم هو السائل الأحمر في عروق الحيوانات فقط؟”

سونيا ظلّت هادئةً كعادتها، تتحرّك بخفّةٍ وسرعة. حاملةً تاليس بيدٍ واحدة، قذفت بسيفها العظيم بيدها اليمنى كما يُقذَف البوميرانغ!¹

حرّكت سونيا معصميها بحذر. “الأسطورة الثانية عنكِ كانت شبهَ خرافةٍ بالنسبة لي… إلى أن رأيتُكِ اليوم.”

شعر تاليس بشيءٍ غريب عن هؤلاء الذين ركعوا له من قبل، كانت ركعة غيلبرت مفعمةً بالاحترام، وركعة يودل حاملةً لثقةٍ دفينة، أمّا هذه المحاربة، فقد كان في ركوعها شيءٌ من البساطة الممزوجة بالأناقة.

ابتسمت غيزا بهدوء، فيما أعادت سونيا ذكرها ببطءٍ واضح: “يُقال إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين… لا يمكنه خَتْم صوفية الدم.”

“ما الأمر؟” سألها تاليس بدهشة.

اتّسعت عينا تاليس دهشة. (لا يمكن ختمها؟ إذن… أليست عصيّةً على السيطرة؟ فكيف إذًا انتصروا في معركة الإبادة؟)

سونيا ظلّت هادئةً كعادتها، تتحرّك بخفّةٍ وسرعة. حاملةً تاليس بيدٍ واحدة، قذفت بسيفها العظيم بيدها اليمنى كما يُقذَف البوميرانغ!¹

“هذا مستحيل!” صاحت كاترينا. “العتاد الأسطوريّ هو عدوّ الصوفيين الأزليّ، هكذا تعلّمنا منذ الأزل!”

قطع السيفُ المجسّاتِ التي كانت تلتفّ حول التابوت الأسود.

ساد الصمت لحظة. ثمّ ابتسمت غيزا أولًا، وتنهدت قائلةً بنبرةٍ ساكنة،

استدارت، مستغلّةً قصوى زخم جسدها، ودفعت بدرعها في وجه المجسّات بكلّ عنف!

“العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين هو نهاية الصوفيين، وعدوّ الكوارث، ولمسةٌ واحدةٌ منه تقودنا إلى الهلاك الأبدي… أليس كذلك؟”

ذبلت مجسّاتٌ كثيرة وتحوّلت إلى رمادٍ متطايرٍ ما إن لامست التابوت، كما حدث حين مسّت الدرع الأسمى! غير أنّ عددًا أكبر التفّ حول التابوت الأسود، كأنّها لا تهاب الموت. وبينما تذبل وتتشابك، تماسكت أمام تآكل المعدن الأسطوري، ورفعت التابوت عاليًا!

أردفت بهدوء، “ليبرا، إيريك، بل حتى (إخوة الحقيقة)، جميعهم يرعبهم ذلك السلاح. ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. هكذا خُتِم ليبرا.”

“لقد رحلت. يا للأسف، كنت أودّ مطاردتها.” وطرقت درعها بخفة.

ثمّ ضحكت ضحكةً باردةً تُجمّد الدم في العروق.

في قاعة مينديس، كان غيلبرت يشرح له أحيانًا أوضاع مملكة الكوكبة، ويذكر ضمنها من يُلقّبون بـ”قادة المملكة الثلاثة”.

“لكنّي… الاستثناء الوحيد. أنا صوفيةٌ تعتمد على (جسدٍ ماديٍّ) في القتال.”

تاليس بدوره نظر إليها بفضول، نحو هذه التي ظهرت فجأة لتنقذه من الموت. (إنّها جنديّة بلا شكّ.)

ارتعش جسد تاليس كلّه. لم يفهم معظم المصطلحات التي نطقت بها، لكنه شعر بأنها معرفةٌ لا بدّ أن يتعلّمها يومًا ما. (حتى إن لم أصبح صوفيًّا، فعلى الأقل لأجل نفسي…)

ساد الصمت لحظة. ثمّ ابتسمت غيزا أولًا، وتنهدت قائلةً بنبرةٍ ساكنة،

تابعت غيزا بابتسامةٍ ماكرة.

سقط التابوت مجددًا على الأرض. بخفّةٍ ورشاقة، قفزت سونيا فوقه، وضعت تاليس برفقٍ، ثم أزالت درعها، تراقب بيقظةٍ مجسّين يمتدّان من الظلام أمامها.

“أنا أيضًا واحدةٌ من صوفيَّيْن فقط لا يخشيان القتال القريب ضدّ العتاد الأسطوريّ. فحتى حين يقترب الخطر من جسدي، لا أرفضه… بل في الغالب، من يقترب منّي… يقترب من موته.”

أعادت المحاربة درعها إلى ظهرها وضحكت، “لم أركِ منذ سنين، يا آيدا الناسيّة!”

قطّب تاليس حاجبيه. (اثنان فقط لا يخافان القتال القريب؟ من الآخر إذن؟ هل هنالك فروقٌ شاسعة بين الصوفيين؟)

“لم أكن أعلم أنّ بإمكانكِ التحكّم بالنباتات أيضًا.” قالت سونيا وهي تزفر بحذر، تراقب محيطها. “تُفاجئينني كثيرًا.”

كان الخوف والفضول تجاههم يمزّقانه تمزيقًا، ويغرس في صدره تردّدًا عميقًا.

جناح الأسطورة.

ابتسمت غيزا وقالت،

ارتجّ جسد سونيا كله، واستدارت نحو المنادي.

“حتى لو لامس العتاد الأسطوريّ جسدي الماديّ، فلن يُصيب سوى لحمي ودمي، ولا قيمة لذلك. لن يكون بإمكانه ختمي أبدًا.”

“أنا أيضًا واحدةٌ من صوفيَّيْن فقط لا يخشيان القتال القريب ضدّ العتاد الأسطوريّ. فحتى حين يقترب الخطر من جسدي، لا أرفضه… بل في الغالب، من يقترب منّي… يقترب من موته.”

انعقد حاجبا تاليس أكثر. (لا… ثمة خطأ… في مكانٍ ما.)

أعادت المحاربة درعها إلى ظهرها وضحكت، “لم أركِ منذ سنين، يا آيدا الناسيّة!”

كان مشوَّش الفكر، عاجزًا عن إدراك الخلل، إلى أن رفعت سونيا حاجبها وقالت بسخريةٍ خافتة.

جناح الأسطورة.

“أحقًّا ما تقولين؟”

“لكنّي… الاستثناء الوحيد. أنا صوفيةٌ تعتمد على (جسدٍ ماديٍّ) في القتال.”

خطت سونيا خطوةً إلى الأمام، وكأنها اكتشفت موضع ضعف العدوّ، ورفعت الدرع الأسمى في وجه الصوفيّة.

انقسم المجسّ فجأة إلى عشرات المجسّات الصغيرة. وشعر تاليس في اللحظة التي انقسم فيها، كأنّ جسده كلّه قد خَدِر، وكأنّ مخدّرًا سُكِب في عروقه!

“إذًا، لِمَ كنتِ تهربين قبل قليل؟ أم أنّكِ… كنتِ تُخفين شيئًا أثناء اختفائك؟”

“حتى لو لامس العتاد الأسطوريّ جسدي الماديّ، فلن يُصيب سوى لحمي ودمي، ولا قيمة لذلك. لن يكون بإمكانه ختمي أبدًا.”

تبدّل تعبير غيزا، وقد أدرك تاليس ما يجري.

“وأنا أتولّى مؤقّتًا حراسة حصن التنّين المحطم، الحدود بين المملكتين!”

(نعم، الدرع أثّر في جسد غيزا من قبل. بعد أن تحوّلت إلى رمادٍ لأول مرة، احتاجت وقتًا لتعود. خلال تلك الفترة، سواء كانت تشفى، أو تتعافى، أو تختبئ… فذلك لا يمكن أن يعني إلا شيئًا واحدًا — أنّها ليست بلا ضعف!)

رغم أنّه كان قد تهيّأ لذلك منذ انطلاقه في هذه المهمّة الدبلوماسية، إلّا أنّ رؤيتها وجهًا لوجهٍ جعلت قلبه يقفز حماسًا.

قالت سونيا بثبات، “المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين نادرة وثمينة، تتنازعها الممالك جميعًا، ليس فقط لأنها قادرة على ختم الصوفيين، بل لأنّ لكلٍّ منها قدرةً فريدةً وعظيمة، تمكّن حاملها من أن يولد من جديدٍ ويتحوّل كليًا في أثناء القتال.”

رؤيتهم جعلت تاليس يشعر ببعض الارتياح. (لكن يبدو أنّ جنود عائلة جيدستار القلائل هم من بقوا أحياء…)

شهق تاليس. (المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين… قدرات فريدة؟)

Arisu-san

نظر إلى التابوت الأسود تحت قدميه، وتذكّر الخنجر الرمادي القصير ليودل. (ما هي قوّة ذلك الخنجر إذن؟)

الفصل 96: بالتأكيد لن أدعك تعاني

ثم أدرك فجأة. (ذلك الخنجر والدرع الرمادي في يد سونيا… لونهما متشابه!)

“إذن، أيها الطفل، أنت تاليس… أميري؟”

ضغطت غيزا شفتيها، وبدأت المجسات تحت جسدها ترتجف باضطراب.

طرقت سونيا الدرع الاسمى بخفة. “ربما لم تري هذا من قبل. في أواخر معركة الإبادة، حين بدأتم بالفرار يائسين، صُنع هذا الدرع، مع السيف الاسمى. لذا لن تفهمي قدرته.”

تقلّصت حدقتا تاليس. فأومأت سونيا بصرامةٍ وقالت،

تبدّل وجه غيزا ثانيةً.

هبطت سونيا بثباتٍ على الأرض، وقد حطّمت هجوم صوفية الدم تمامًا بهجمةٍ مرتدّةٍ كاملةٍ متقنة.

تابعت سونيا وهي تزفر باستهزاءٍ خفيف، “حين استلمتُ الدرع، قالوا لي إنّ اسم قوّته يجسّد شخصية الإمبراطورة هيلين.”

رؤيتهم جعلت تاليس يشعر ببعض الارتياح. (لكن يبدو أنّ جنود عائلة جيدستار القلائل هم من بقوا أحياء…)

ازدادت ملامح الصوفية الدمويّة صرامة، وشعر تاليس أنّ سونيا قد أمسكت بنقطة ضعفها.

كان درعها مغطّى بدماء الصوفية، غير أنّها كانت تبعث من نفسها هالةً ثابتةً مهيبة، تجعلها تبدو شامخة لا مثيرة للشفقة. هيبةٌ تتقدّم جمالها، وجِدٌّ عسكريّ يطغى على ملامحها.

ضحكت المحاربة بفرحٍ حادّ: “اسم قوّته هي… «الصيد».”

انعقد حاجبا تاليس أكثر. (لا… ثمة خطأ… في مكانٍ ما.)

وفجأة، كما لو أنها تذكّرت أمرًا مرعبًا، تغيّر وجه غيزا إلى صلابةٍ جليديّة، ولوّحت بيدها بعنف!

بووم!

بوووم!

ومنذ انتهاء العام الدموي، قادت سونيا كتيبةً من جنود الملك النظاميين في الشمال القارس، تراقب تنفّس تنين الشمال العظيم.

دوّى صوتٌ أشبه بطوفانٍ يجتاح الهواء!

“أحقًّا ما تقولين؟”

وتحت أنظار الجميع المدهوشة، تحولت المجسات الضخمة فجأة إلى دماءٍ وأطرافٍ مبتورة، ثم تبخّرت في الهواء.

جناح الأسطورة.

اختبأت غيزا في الظلام، وألقت على تاليس نظرةً عميقة.

“لن أدعك تتألّم.”

وتركت له جملةً خافتةً كالريح، “سنلتقي مجددًا.”

“ثمة خطب!” قبضت سونيا قبضتها ورفعت درعها متأهّبةً، تمسح المكان بعينيها الحذرتين. “لم تُختَم بعد!”

ارتجف تاليس بعنف. كلماتها حملت برودةً تقشعر لها الأبدان.

ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.

“لن أدعك تتألّم.”

تابعت غيزا بابتسامةٍ ماكرة.

شحُب وجهه، وأحسّ باضطرابٍ في صدره. (لن تدعني أتألّم… اللعنة. انتظر… الصوفية الدموية… هل فزعت؟)

استدارت، مستغلّةً قصوى زخم جسدها، ودفعت بدرعها في وجه المجسّات بكلّ عنف!

“لقد رحلت. يا للأسف، كنت أودّ مطاردتها.” وطرقت درعها بخفة.

“نعم. أنا تاليس جيدستار.” ابتسم تاليس قائلًا، “شكرًا لكِ…”

زفر تاليس بعمق.

وفجأة، ارتفع صوتٌ تختلط فيه المشاعر المتناقضة.

“سيرينا!” التفت، فرأى كاترينا تعضّ على أسنانها، تحدّق في زاويةٍ فارغة. “لقد هربت!”

“السيدة ساسيري،” قال بجدّية، “ماذا حدث؟”

تردّد صهيلُ الخيول في الهواء. ظهر بيوتراي، ووايا، وجينارد، برفقة وحدةٍ من الفرسان.

سخط المملكة.

رؤيتهم جعلت تاليس يشعر ببعض الارتياح. (لكن يبدو أنّ جنود عائلة جيدستار القلائل هم من بقوا أحياء…)

أدرك تاليس فجأة. (إذن، تلك الطاقة عديمة اللون في جسدها… كانت قوّة الإبادة؟)

الليل… قد انقضى مجددًا.

(لماذا؟)

تقدّم الفرسان وحيّوا سونيا بانحناءةٍ عسكرية. تتقدّمهم فارسةٌ صارمة الملامح، وما إن مرّت نظرتها الباردة على تاليس حتى شعر بقشعريرةٍ تسري في جسده.

ابتسمت غيزا بهدوء، فيما أعادت سونيا ذكرها ببطءٍ واضح: “يُقال إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين… لا يمكنه خَتْم صوفية الدم.”

(هل أغضبتها؟) فرك رأسه متحيّرًا.

سقط التابوت مجددًا على الأرض. بخفّةٍ ورشاقة، قفزت سونيا فوقه، وضعت تاليس برفقٍ، ثم أزالت درعها، تراقب بيقظةٍ مجسّين يمتدّان من الظلام أمامها.

وفجأة، ارتفع صوتٌ تختلط فيه المشاعر المتناقضة.

“العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين هو نهاية الصوفيين، وعدوّ الكوارث، ولمسةٌ واحدةٌ منه تقودنا إلى الهلاك الأبدي… أليس كذلك؟”

“القائدة!”

كلّ الرماد المتطاير تلاشى، ولم تبقى بقعة دمٍ ولا قطعة لحم. الأطراف المبتورة التي غطّت الأرض أخذت تذبل شيئًا فشيئًا، تتحوّل إلى رمادٍ وتذوب في الأرض المغطّاة بالثلوج تحت ضوء القمر.

ارتجّ جسد سونيا كله، واستدارت نحو المنادي.

أردفت بهدوء، “ليبرا، إيريك، بل حتى (إخوة الحقيقة)، جميعهم يرعبهم ذلك السلاح. ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. هكذا خُتِم ليبرا.”

تجمّد تاليس من الدهشة. (أيمكن أن تكون سونيا هي فعلًا «قائدة الكوكبة» لأنها تحمل درعًا؟)

زمّت سونيا أسنانها، وصاحت غاضبة، وسحبت سيفها العظيم من ظهرها. أضاء السيفُ نورًا ساطعًا، وحين لوّحت به بيدٍ واحدةٍ في حركةٍ دائرية، انبثق قوسٌ لامعٌ من ضيائه، قاطعًا عشرات المجسّات الصغيرة.

تحت أنظار الجميع المندهشة، ترجّل جينارد، المحارب المخضرم ذو الثلاثين عامًا، من على جواده بخطواتٍ مرتجفة، واقترب ببطءٍ من سونيا، وعيناه متقدتان بالحماس والخجل والرهبة.

خطت سونيا خطوةً إلى الأمام، وكأنها اكتشفت موضع ضعف العدوّ، ورفعت الدرع الأسمى في وجه الصوفيّة.

“قائدتي…” ارتجفت شفتاه، ولم يقوى على النطق. “أنا…” ثم خفض رأسه بشدّة، يقضم أسنانه ألمًا. “أنا…”

عاد الاضطراب يتدفّق في أطراف تاليس، فاستعدّ لتفاديه، لكنّه أحسّ بطاقةٍ أخرى تتفجّر من جسد سونيا!

نظرت إليه سونيا بنظرةٍ معقّدة. “جينارد.”

وبينما دارت المحاربة حول نفسها، أفلتت الدرع، لتقبض بحِذقٍ على حافّته في الهواء، وتلوّح به كأنّه نصلٌ حادّ، فتدور مجددًا بزخمها، وتقطع بجرأةٍ أكثر من عشرة جذورٍ شجريةٍ صاعدةٍ من تحت قدميها إلى أشلاء.

لكنها تنفّست بعمق، ورفعت بصرها بصرامةٍ عسكرية.

وتركت له جملةً خافتةً كالريح، “سنلتقي مجددًا.”

“انظر إليّ، أيها الجندي!” صاحت بقوة.

ألم تقل له سيرينا إنّ العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيين قادرٌ على قتالهم؟

ارتعش جينارد بقوة، واستقام فورًا، يتنفس بعمقٍ وينظر مباشرةً إليها.

“أولاهما تقول: كلّما ازداد أعداء الصوفية الدموية، ازدادت قوّتها التدميرية وحيويّتها، لأنّ خصومها يصبحون غذاءها. أعظم خطأٍ يرتكبه من يقاتلكِ هو الظنّ أنّ (العدد يصنع القوة)، بينما في الحقيقة، كلّما كثروا، ازدَدْتِ قوّةً وانتعاشًا. أفضلُ طريقةٍ لمواجهتكِ هي أن يتقدّم محاربٌ من الفئة الفائقة، سريعٌ رشيق، يحمل عتادًا أسطوريًّا مضادًّا للصوفيين، يقاتلكِ وحده في أرضٍ مقفرةٍ بلا حياة.”

بعد لحظاتٍ قليلة، ابتلع ريقه وقال بثبات، “لقد عدت.”

زهرة الحصن.

رمقته سونيا طويلًا، ثم لكمت على كتفه لكمةً خفيفة، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة، “عد إلينا إذًا.”

“تراجعا!” أمرت بصوتٍ جهوريّ حاسم، يحمل سطوةَ من اعتاد أن يُطاع.

اهتزّ جسده كله، وعضّ على أسنانه، يحبس دموعه وهو يصيح بكل قوته، “نعم!”

طرقت سونيا الدرع الاسمى بخفة. “ربما لم تري هذا من قبل. في أواخر معركة الإبادة، حين بدأتم بالفرار يائسين، صُنع هذا الدرع، مع السيف الاسمى. لذا لن تفهمي قدرته.”

ثم استدارت سونيا نحو تاليس، الذي كان وايا يفحص جراحه بعناية، وقالت بصرامة،

خطت سونيا خطوةً إلى الأمام، وكأنها اكتشفت موضع ضعف العدوّ، ورفعت الدرع الأسمى في وجه الصوفيّة.

“اعذرني يا صاحب السمو، مع كل ما مررتَ به اليوم، عليك أن تتوجّه إلى قلعة التنين المحطم في أسرع وقت.”

أعادت المحاربة درعها إلى ظهرها وضحكت، “لم أركِ منذ سنين، يا آيدا الناسيّة!”

لم يفهم تاليس تمامًا ما عنته، لكنه أومأ. وحده بيوتراي، الدبلوماسي المخضرم خلفه، تغيّر وجهه وهو يضغط على جرحه.

ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.

“السيدة ساسيري،” قال بجدّية، “ماذا حدث؟”

شهق تاليس. (المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين… قدرات فريدة؟)

ساد الصمت لحظة. عبست سونيا بشدّة، ثم نظرت مباشرةً إلى تاليس.

في المقابل، اتّسعت عينا تاليس، وفغَر فاهه. (كيف… كيف يمكن أن تكون بخيرٍ تمامًا؟)

“آرشيدوق الرمال السوداء في إكستيدت، تشابمان لامبارد… أرسل بالفعل وحداتٍ صغيرةً تجاوزت حدود المملكتين دون ترددٍ منذ يومٍ مضى.”

هوووش! شينغ!

كانت ملامح سونيا جامدة، لكن نظراتها مهيبة. “لقد بدأوا بتطهير أطراف قلعة التنين المحطم، خاصةً خطوط الاتصال الممتدة نحو القلعة الباردة والبرج القديم المنعزل.”

سونيا ظلّت هادئةً كعادتها، تتحرّك بخفّةٍ وسرعة. حاملةً تاليس بيدٍ واحدة، قذفت بسيفها العظيم بيدها اليمنى كما يُقذَف البوميرانغ!¹

تقلّصت حدقتا تاليس. فأومأت سونيا بصرامةٍ وقالت،

“القائدة!”

“المنطقة الشمالية… لم تَعُد آمنة.”

قالت سونيا بثبات، “المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين نادرة وثمينة، تتنازعها الممالك جميعًا، ليس فقط لأنها قادرة على ختم الصوفيين، بل لأنّ لكلٍّ منها قدرةً فريدةً وعظيمة، تمكّن حاملها من أن يولد من جديدٍ ويتحوّل كليًا في أثناء القتال.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

بووم!

ثمّ لوّحت بنصلها لتتخلّص من الدم العالق به. ورغم هدوء ملامحها، إلا أنّ نظراتها كانت حادّة. ثمّ التفتت نحو تاليس.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط