كلّ دمٍ في هذا العالم ملكي
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
جثا على ركبتيه فجأةً مغمض العينين، وجناحاه الهيكليان يرتجفان بلا انقطاع، كأنما يُعذّب بعذابٍ لا يُحتمل.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
غطّى تاليس فمه بيده وهو يقاوم رغبةً عارمة في التقيّؤ.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تبدّل وجه تاليس بأسى، وحدّق بقلقٍ في سيرينا التي هوت من السماء، ثم تنفّس بعمقٍ، “أهي أنتِ مجددًا؟”
Arisu-san
“أيًّا يكن هذا الفعل الغريب، أظن أننا يجب أن نغادر أوّلًا—” لم يُكمل جملته—
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 94: كلّ دمٍ في هذا العالم ملكي
الفصل 94: كلّ دمٍ في هذا العالم ملكي
(ما هذا المخلوق؟) تبادل كريس وسايمون النظرات في ذهول.
…
قال سايمون بصوتٍ خافت: “لقد اشتقتُ حقًا لتلك الأيام القديمة.” وشعر أنّ ارتجافه وقلقه بدأ يتلاشى.
خلف بوّابة القصر المظلم.
“خيرٌ لنا أن ننزف من أجل الحريّة، من أن نخضعَ خوفًا! إن أشعّة الجمهوريّة المشرقة قد أضاءت أجساد أسلافنا، ولم تستطع حتى الإمبراطوريّة الجبّارة محوَها!”
عدّل سايمون تور درعَ السلاسل الثقيل خاصته، وقبض على رمحه بقوّةٍ — كان قد صُقِل حتى غدا لامعًا وبراقًا. وقف خلف سيّده وابنِ عمّه، إنريكي تور، الأكبر منه بسبعة عشر عامًا. حاول سايمون أن يُنظّم أنفاسه.
“افتحوا بوابات المدينة!” أمر إنريكي بصوتٍ جهوري.
كان هناك عددٌ لا يُحصى من الفرسان والمحاربين إلى جانبه وخلفه. اصطفّوا متقاربين خلف بوّابة القصر الضخمة. بدت على وجوه الجميع تعابير مختلفة؛ بعضهم كان يرتجف من شدّة التوتّر، وآخرون كانت نظراتهم حازمة لا تهاب الموت، فيما بدا آخرون بوجوهٍ جامدةٍ وعيونٍ خاوية. وكان عددٌ منهم يهمس لبعضه البعض. سمع سايمون بوضوحٍ كلماتٍ مثل “وحش” و”إبادة كاملة”.
(ما الذي قصده ابنُ عمي؟)
أومأ ابنُ عمّه، إنريكي الفارس، للرجلِ المتوسّط العمر الواقف بجانبه مرتديًا رداءً أرجوانيًا. استدار الأخير وغادر. تعرّف سايمون عليه — كان جيري، الساحر الذي أتى من برج الأرواح والمستشار السحري الحالي لمدينة بحيرة السيف.
لكن سيرينا لم تستطع الرد، لأن أشجار البتولا نفسها قد “دبّت فيها الحياة”!
(لكن لماذا يغادر؟) تساءل سايمون بحيرةٍ، (لقد دُمّر برج الأرواح بالفعل، إلى أين يمكنه أن يذهب؟)
اقتربت الأرض البيضاء بسرعةٍ من عيني تاليس، فما كان منه إلا أن أغمضهما بإحكام…
امتطى إنريكي الفارس جواده الحربي ورفع خوذته، ثم رمق سايمون بنظرةٍ يملأُها القلق. فحاول سايمون أن يقف أكثر استقامةً ما استطاع.
عادت أفكارُ الماركيز من عشيرة الدم إلى الحاضر بعد أن كان غارقًا في ذكريات مرافق فارسٍ عاش قبل أكثر من ستمئة عام، إلى الواقع — إلى غابة أشجار البتولا التي لا توجد إلا في الإقليم الشمالي من الكوكبة.
(أنا في نهاية الأمر مرافقُ فارسٍ…) فكر سايمون بتوتّر، (يجب ألا أجلب العار في أول معركةٍ أُرافق فيها ابنَ عمي.)
تحت ذلك الهجوم الوحشيّ الدمويّ، تحطّم جسدُ الفتاة في لحظةٍ إلى ثلاثة أجزاء، وتناثرت الدماء في كلّ اتجاه.
لم ينظر إنريكي إلى ابنِ عمّه مجددًا، بل رفع رأسه بتعبيرٍ حازم، وأدار فرسه متطلّعًا إلى الجموع الكثيفة من الفرسان والجنود أمامه.
أومأ ابنُ عمّه، إنريكي الفارس، للرجلِ المتوسّط العمر الواقف بجانبه مرتديًا رداءً أرجوانيًا. استدار الأخير وغادر. تعرّف سايمون عليه — كان جيري، الساحر الذي أتى من برج الأرواح والمستشار السحري الحالي لمدينة بحيرة السيف.
“إنهم خارج البوابة مباشرة!”
لكنّ الصوفيّة لم تُعرها اهتمامًا، بل نظرت إلى التابوت الأسود البعيد مبتسمةً. “كيف أفتحه؟”
قال بصوتٍ مرتفع: “أولئك الأتباع المخزيّون — الرودوليان، والنيدانيان، والكالونسيّان، وأهل الشمال، والشرقيّون البعيدون. وربّما أيضًا أعراقٌ أخرى ملعونةٌ من ألوانٍ وهيئاتٍ شتّى. منهم الكثير!”
تجمّد تاليس لحظةً، ثم حكّ رأسه وسأل: “حبسهم؟ أليس ذلك كافيًا؟ تلك المخلوقة المقززة…”
“لكنّي لا أبالي!” اجتاحت عينا إنريكي الحازمتان كلَّ فردٍ في الصفوف، ثم سحب سيفه الطويل من سرجه وصاح بأقصى ما يملك من قوّة: “لأن بينهم قاسِمًا واحدًا! لن يعيشوا طويلًا!”
“اللعنة!” صرخت كاترينا بغضبٍ وهي تدفع سايمون بعيدًا عنها. لكنّ ما حدث بعدها كان أغرب بكثير.
رفع معظم الفرسان والمحاربين أسلحتهم. بعضهم قرع سلاحه بدرعه، وبعضهم رفعه عاليًا في الهواء. وبين أصوات الحديد المتصادمة وبحر الرماح والسيوف، أطلق كلّ رجلٍ من رجال القادة صيحةَ غضبٍ غريزية:
كلها، كعبيدٍ يُستدعون إلى سيّدهم، كانت تتّحد بفرحٍ وحماسٍ في تلك الكرة القرمزية!
“وووآه!!”
تعالت صرخاتُ المحاربين الثلاثة من عشيرة الدم، وازدادت فظاعةً حتى غدت كأنها صراخ من الجحيم. ظهر بجانبهم اثنان من رفاقهم القلقين، يتفحصانهم بترقّبٍ شديد.
كان سايمون بينهم، يصرخ بكل ما في صدره من قوّة. وقد منحه ذلك ثقةً كبيرة في دخوله ساحة القتال لأول مرّة.
انقضّ سايمون في لمح البصر نحو ظهر الصوفية، وكان على وشك الهجوم حين رأى ما أمامه فتجمّد من الرعب.
“لقد أثبت نصرُ أهل الشمال أن أولئك الوحوش — أولئك الكوارث — ليسوا لا يُقهَرون!” صاح إنريكي، “وما نواجهه الآن… ليس سوى بقايا جيشهم!”
قال كريس بهدوءٍ وهو يُبعد من قلبه تلك الظلال الثقيلة التي كانت تلوح له في الماضي: “كنتم ثلاثة فقط.”
قبض كثيرٌ منهم على أسلحتهم بإحكام.
قال كريس بهدوءٍ وهو يُبعد من قلبه تلك الظلال الثقيلة التي كانت تلوح له في الماضي: “كنتم ثلاثة فقط.”
“سنسحقهم إربًا!”
دوّى انفجارٌ هائل كالرعد وشقَّ عنان السماء. أطبق تاليس عينيه غريزيًا وسدَّ أذنيه.
“وووآه!”
أدار الجنود على الأسوار العجلاتِ الحديديّة، وبدأت بوّابات القصر ترتفع ببطء.
“افتحوا بوابات المدينة!” أمر إنريكي بصوتٍ جهوري.
ثم التفت، “يا لك من عجوزٍ مخيّبٍ للآمال.” عضَّ على أسنانه، كاظمًا الرعب الذي يشتعل في صدره.
أدار الجنود على الأسوار العجلاتِ الحديديّة، وبدأت بوّابات القصر ترتفع ببطء.
كانت سيرينا قد تلقّته بذراعٍ واحدة، فسقطت معه على الأرض المتجمّدة وتدحرجت مرتين. وهي تلهث، رفعت تاليس ممسكة به، فحدّقا ببعضهما وتبادلا شخير الامتعاض.
تقدّم إنريكي الفارس، قائدُ الطليعة، إلى المقدّمة. وسرعان ما تبعه سايمون حاملًا رمحه.
وفي اللحظة التالية، انقلب المشهد رأسًا على عقب.
“بعد أن تُفتح البوابة، مهما رأيتم أمامكم، تذكّروا هذا.” رفع القائد إنريكي سيفه الطويل ذا اللون الحديدي، ذلك الذي ورثه من قاعة الفرسان، وانتشر صوته القوي في آذان كلّ محاربٍ هناك. “نحن أبناءُ وبنات سورينلان، محاربو أرض الأشواك، وحُمَاة الأرض الجنوبيّة الغربيّة!”
أما الرفيقان القريبان فقد أصابهما الانفجار، فسقطا أرضًا بلا قوّة، وبعد أن ارتجفت أجسادهما لحظاتٍ قليلة، شرعا يصرخان أيضًا بأصواتٍ بائسةٍ تؤلم القلب.
“وووآه!”
رأى الرماة يُطلقون وابلين من السهام، فيسقط مطرٌ من الحديد على رؤوس الأعداء، وردّ الأعداء بالمثل. رفع درعه بكل ما يملك من قوّة، شعر بالاهتزاز يدوّي فيه، وسقط كثيرٌ من زملائه في صفوف المشاة تحت ذلك المطر المميت من السهام.
“خيرٌ لنا أن ننزف من أجل الحريّة، من أن نخضعَ خوفًا! إن أشعّة الجمهوريّة المشرقة قد أضاءت أجساد أسلافنا، ولم تستطع حتى الإمبراطوريّة الجبّارة محوَها!”
“ثَمّة ممرٌّ سرّي تحت البوّابة الجنوبيّة للمدينة، في المجرى إلى اليسار.” أنهى ابنُ عمّه جملته الأخيرة.
“وووآه!”
تغيّر وجه رالف مجددًا، وهذه المرّة استجمع كل ما تبقّى من قوّته كتابع للرياح الشبحية، وألقى بتاليس نحو الأرض الخالية خارج الغابة!
“لا التنانين، ولا الجان، ولا الأورك، ولا الإمبراطوريّة الشيطانيّة يمكنها أن تُجبرنا على الركوع. إن أبناء الأشواك وُلدوا جميعًا ليتمرّدوا!”
أما رالف وسيرينا فكانا يتسلّقان أشجار البتولا العالية بأقصى جهدهما.
“وووآه!”
زفرت الأختان ببرودٍ وأدارتا وجهيهما في اتجاهين متعاكسين.
“ستحمي أشعّةُ إيرول المشرقة مدينةَ بحيرة النجم إلى الأبد! أبناء الأشواك، إلى الأمام!”
“آه، آه، آه، آه — لا—”
“وووآه!”
وقبل أن يتمكّن المحاربون الخمسة من الاقتراب منها، ارتجفت أجسادهم بأكملها، ثم أخذوا يتلوّون وسقطوا جميعًا على الأرض بجانب الصوفية، يتأوّهون من الألم.
ارتفعت البوّابة أخيرًا حتى بلغت أعلاها.
وفي اللحظة التالية، انكمشت حدقاتُ جميع من شاهد المعركة، بمن فيهم كاترينا وتاليس.
وقف سايمون بجانب ابنِ عمّه، ونظر إلى الدرع المعلّق على سرج فرسه — كان عليه نقشُ سيفٍ رفيعٍ ملفوفٍ بالأشواك.
تغيّر وجه رالف مجددًا، وهذه المرّة استجمع كل ما تبقّى من قوّته كتابع للرياح الشبحية، وألقى بتاليس نحو الأرض الخالية خارج الغابة!
(أنا من عائلة تور.) قبض على رمحه بإحكامٍ ونظر إلى الخارج من خلال البوّابة.
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
كان هناك جيشٌ متعطّش للدماء، لكنّه بدا مرهقًا وجريحًا بوضوح، كما أنه كان أصغرَ عددًا من جيشهم.
قبض على مخالبه المتبقية بقوة، وأغمض عينيه وقال وهو يصك أسنانه: “نعم، أنا خائف، لكن هنالك كراهية أيضًا.”
“أهؤلاء هم أنصار تلك الكوارث وأتباعهم؟”
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
هزّ سايمون رأسه وطرد الأفكار المشتّتة من ذهنه.
ثم بدأ الدخانُ الدمويّ يتصاعد من جسده بأسره!
(لقد حمت عائلتُنا مدينةَ بحيرة النجم لأجيال. أنا ابنُ الأشواك. لن أستسلم أبدًا.)
“آآآآآه!”
أنزل إنريكي سيفه الطويل، ثم أخذ الرمح من يد سايمون الذي كان يقبض عليه بقوّة.
“أيتها القبيحة الجريئة، أتجرئين على العودة؟!” صاحت كاترينا بغضبٍ عارم وقد استعادت هيئتها البشرية، وهبطت على الأرض بعنف. “وأنت أيها الفتى… أتتوق إلى الموت؟”
“ابقَ قريبًا من التشكيل يا سايمون.” بدا على إنريكي التردّد، وصارع نفسه لبرهةٍ قبل أن يعبس ويقول بصوتٍ منخفض: “إن لم تَسرِ المعركةُ على ما يُرام…”
قال بصوتٍ مرتفع: “أولئك الأتباع المخزيّون — الرودوليان، والنيدانيان، والكالونسيّان، وأهل الشمال، والشرقيّون البعيدون. وربّما أيضًا أعراقٌ أخرى ملعونةٌ من ألوانٍ وهيئاتٍ شتّى. منهم الكثير!”
اتّسعت عينا سايمون بدهشة.
“أرأيت؟ دمك يغلي.” قالت الصوفيّة التي فقدت ذراعيها بابتسامةٍ باردة. “وحياتك… تشتعل.”
“ثَمّة ممرٌّ سرّي تحت البوّابة الجنوبيّة للمدينة، في المجرى إلى اليسار.” أنهى ابنُ عمّه جملته الأخيرة.
حتى أحاطت به ذراعٌ وضمّته إلى صدرها.
(ممرٌّ سرّي؟)
زأرت الجنية بشراسةٍ، وسيفها يلمع وهي تصدّ الضربات القادمة من كل صوب.
وقبل أن يتمكّن سايمون من استيعاب كلامه، رفع إنريكي الفارس رمحه، وانطلقت قوّته الخارقة في ذراعه، ودفع جواده إلى الأمام.
كان هناك جيشٌ متعطّش للدماء، لكنّه بدا مرهقًا وجريحًا بوضوح، كما أنه كان أصغرَ عددًا من جيشهم.
(ما الذي قصده ابنُ عمي؟)
قال سايمون بوجهٍ شاحب: “هل هذا هو ذلك الشيء؟”
استلّ سايمون سيفه من خصره، وجسده كله يرتجف بلا تحكّم، بينما خرج من البوّابة مع الكتيبة. رأى كيف انتظم الجيش في تشكيلٍ قتاليٍّ في وقتٍ وجيز؛ الفرسان في المقدّمة، والمشاة على الجانبين، والرماة في المؤخّرة.
وبين نظراتهما المذعورة، خرج من تحت الأرض المغطاة بالثلج مخلوقٌ يشبه أخطبوطًا ضخمًا قرمزيّ اللون، تسلّق حتى ارتفع في الهواء، وكان بعلوّ عدة رجالٍ، وقد تكوّن جسده من عددٍ لا يُحصى من الأطراف المبتورة.
رأى ابنَ عمّه يزأر غاضبًا، ويركل جواده فينطلق بأقصى سرعته، والفرسان من حوله يتبعونه بشجاعةٍ لا تعرف التردّد.
غطّى تاليس فمه بيده وهو يقاوم رغبةً عارمة في التقيّؤ.
رأى قائد المشاة يسلّ سيفه الطويل، ويرفع درعه إشارةً للتقدّم.
اندلعت المعركة فجأةً بلا إنذار.
رأى الرماة يُطلقون وابلين من السهام، فيسقط مطرٌ من الحديد على رؤوس الأعداء، وردّ الأعداء بالمثل. رفع درعه بكل ما يملك من قوّة، شعر بالاهتزاز يدوّي فيه، وسقط كثيرٌ من زملائه في صفوف المشاة تحت ذلك المطر المميت من السهام.
أما رالف وسيرينا فكانا يتسلّقان أشجار البتولا العالية بأقصى جهدهما.
ثم رأى الفرسان يزأرون بصوتٍ واحد، ممسكين برماحهم أفقيًا، منقضّين صفًّا واحدًا نحو العدو. ظهرت قوى خارقة شتّى على الفرسان، ورأى القوّة التي تُدرَّس في قاعة الفرسان تتجلّى أيضًا في يد ابن عمّه. لوّح إنريكي برمحه، وأمسكه أفقيًا موجّهًا إياه نحو العدو. رأى نفسه يرفع سيفه الطويل عاليًا، ويزأر غاضبًا بينما يتقدّم مع صفوف المشاة.
كانت كاترينا على وشك الاقتراب لتفقّد أحوالهم، لكن قبل أن تتمكّن من التحرّك، ظهر بجانبها ظلٌّ خاطف أسرع من الضوء نفسه، وسحبها بعيدًا في لمح البصر.
ثم… رأى أن أمام ابنِ عمّه مباشرةً… ظهرت فجأةً شابة.
بوووم!
رفع ابنُ عمّه رمحه وطعنها بلا أدنى تردّد.
(ما الذي يحدث؟)
…..
وقبل أن يتمكّن سايمون من استيعاب كلامه، رفع إنريكي الفارس رمحه، وانطلقت قوّته الخارقة في ذراعه، ودفع جواده إلى الأمام.
استفاق سايمون كورليوني فجأةً من أفكاره. عاد صفاءُ ذهنه.
ابتسمت الصوفية، فاهتزّ الدم الحمضي الذي يملأ الهواء، ثم تماوج حتى عاد كلّه إلى داخل جسدها.
عادت أفكارُ الماركيز من عشيرة الدم إلى الحاضر بعد أن كان غارقًا في ذكريات مرافق فارسٍ عاش قبل أكثر من ستمئة عام، إلى الواقع — إلى غابة أشجار البتولا التي لا توجد إلا في الإقليم الشمالي من الكوكبة.
وفي اللحظة التالية، انقلب المشهد رأسًا على عقب.
حدّق أمامه بخوف. لقد كانت تلك الفتاة نفسها.
“وووآه!”
اندلعت المعركة فجأةً بلا إنذار.
سندت سيرينا جسدها بيدٍ على شجرة البتولا ونهضت بصعوبة، ثم رمقَتهم بنظرةٍ حادّة.
“اهجموا.” ارتفع صوت كاترينا بالأمر ببرودٍ قاتل.
قطّب تاليس حاجبيه وصاح، “أمتأكدةٌ أنها صوفية الدم وليست صوفية الشجر؟!”
“موتوا!”
“وووآه!!”
ظهر محاربان من عشيرة الدم من جيش الدم المقدّس، أحدهما أمام الفتاة الغريبة والآخر خلفها، بينما اندفع ثالثٌ من السماء مهاجمًا من الأعلى!
قفزت سيرينا وهي تحمل تاليس لتعتلي التابوت الأسود، متجنّبةً جذرين ضخمين انقضا نحوهما.
رفعت الفتاة رأسها برفق وابتسمت. مدّ سايمون يده نحو ملكة الليل الجليلة كاترينا وصاح بذعرٍ، “لا!”
“يا وحش!”
وبجانبه، كان الصبيّ الصغير تاليس، الذي لم يتجاوز السابعة أو الثامنة من عمره، يتذمّر موجّهًا كلامه لمن بجانبه.
اقتربت الأرض البيضاء بسرعةٍ من عيني تاليس، فما كان منه إلا أن أغمضهما بإحكام…
“لماذا بدأوا القتال فجأةً هكذا؟”
“توقّف! لا! آآه—!”
وبينما كان يتحدّث، كان المحاربون الثلاثة من جيش الدم المقدّس قد مدّوا مخالبهم — تلك التي تضاهي في صلابتها أسلحةً فولاذيّة — دون رحمة.
“لا أدري…” تمتمت آيدا وقد جمدت ملامحها رعبًا. “لكنّي… لا أريد أن أموت بهذه الطريقة…”
عقدت كاترينا حاجبيها بشدّة وهي تحدّق في الفتاة، بينما ظلّت مبتسمة، غير آبهةٍ بالخطر الذي يحدق بها، ولم تُبدِ أيّ مقاومة.
عوى المحاربان بصوتٍ مزلزلٍ للأرض، وسرعان ما تحوّلت صرخاتهما إلى أنينٍ بائسٍ مؤلم.
وفي اللحظة التالية، انكمشت حدقاتُ جميع من شاهد المعركة، بمن فيهم كاترينا وتاليس.
في رمشة عين، كان المحاربون الثلاثة من عشيرة الدم قد قضَوا على خصمهم. كان الأمر سهلًا على نحوٍ غريب، حتى إنّهم تبادلوا النظرات في حيرة. ومع ذلك، عادوا بخشوعٍ إلى جانب الملكة، ورفعوا إليها رأس الفتاة باحترام.
(ما الذي يحدث؟)
تحرّكت الأشجار بوعيٍ غريب، وأحدها لوّح بغصنٍ ضخم فصدمهم بعنف، وأعادهم إلى طريقهم السابق!
تمزيق!
وحين التقت نظرات الأختين، تدفّق في قلبيهما في آنٍ واحد مزيجٌ من الكراهية والاشمئزاز، فزأرتا بصوتٍ واحد.
غرز مقاتلُ الدم الذي في المقدّمة مخالبه في صدر الفتاة واقتلع قلبًا متفجّرًا بالدماء.
“موتوا!”
شّق!
قالت سيرينا ببرودٍ وهي تلتفت نحوه، “سنضطرّ للاعتماد على حيلك الآن، أيها الصغير، فبعد كلّ شيء، لك علاقةٌ مشبوهةٌ بالصوفيين…”
شقّ مقاتلُ الدم الذي خلفها جسدَها نصفين من الخصر، ولم تُبدِ أيّ ردّة فعل.
“سنسحقهم إربًا!”
تمزيق!
سندت سيرينا جسدها بيدٍ على شجرة البتولا ونهضت بصعوبة، ثم رمقَتهم بنظرةٍ حادّة.
أما المحارب الثالث، فقبض على رأسها وأداره بعنف، فاقتلع رأسها من عنقها الهزيل وهي لا تزال على قيد الحياة، وسحب جزءًا من عمودها الفقري معه. تدفّق الدم من شرايينها كنافورةٍ هائجة.
قالت سيرينا ببرودٍ وهي تلتفت نحوه، “سنضطرّ للاعتماد على حيلك الآن، أيها الصغير، فبعد كلّ شيء، لك علاقةٌ مشبوهةٌ بالصوفيين…”
تحت ذلك الهجوم الوحشيّ الدمويّ، تحطّم جسدُ الفتاة في لحظةٍ إلى ثلاثة أجزاء، وتناثرت الدماء في كلّ اتجاه.
ارتفعت البوّابة أخيرًا حتى بلغت أعلاها.
كتم تاليس غثيانه بصعوبة، وعقد حاجبيه قليلًا. رأى أن سيرينا ما تزال تحمل على وجهها نظرةَ يأس، بينما وقف بجانبها كريس كورليوني عابسًا بوجهٍ شديد التوتّر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في رمشة عين، كان المحاربون الثلاثة من عشيرة الدم قد قضَوا على خصمهم. كان الأمر سهلًا على نحوٍ غريب، حتى إنّهم تبادلوا النظرات في حيرة. ومع ذلك، عادوا بخشوعٍ إلى جانب الملكة، ورفعوا إليها رأس الفتاة باحترام.
“لماذا بدأوا القتال فجأةً هكذا؟”
نظرت كاترينا إلى رأس الفتاة المبتسمة، وإلى تلك الابتسامة التي لم تختفِ حتى بعد موتها، فأطلقت هديرًا منخفضًا.
شدّ سايمون قبضته وقال: “كم من الوقت نظنّ أننا قادرون على كسبه؟”
(بهذه البساطة؟! هذا سهلٌ أكثر من اللازم… أهذا هو دعمُ سيرينا؟)
قطع يد صوفية الدم بضربةٍ واحدة! ثم، وتحت نظراتها المذهولة، استدار وجذب سيرينا اليائسة وقذفها بعيدًا لمسافةٍ جاوزت العشرة أمتار!
أمّا سيرينا نفسها، المحاصَرة بين الأعداء، فقد كانت تحدّق بعينين شاردتين وتضحك ضحكةً غريبة.
كان الثلاثة يضعون أيديهم على صدورهم وبطونهم وهم ينحنون من شدّة الألم. وسقط أحدهم أرضًا متلوّيًا.
شعر الجميع بجوٍّ مريبٍ يسود المكان.
رأى ابنَ عمّه يزأر غاضبًا، ويركل جواده فينطلق بأقصى سرعته، والفرسان من حوله يتبعونه بشجاعةٍ لا تعرف التردّد.
في تلك اللحظة، فتحت آيدا عينيها فجأةً وصاحت. “هناك خطبٌ ما!”
امتطى إنريكي الفارس جواده الحربي ورفع خوذته، ثم رمق سايمون بنظرةٍ يملأُها القلق. فحاول سايمون أن يقف أكثر استقامةً ما استطاع.
التفت جميعُ المتشكّكين منذ البداية نحو جثمان الفتاة الملقى على الأرض. لكنّ الجثّة المقطوعة إلى قسمين والرأس المبتور لم تتحرّك قيد أنملة.
دوونغ!
وفي اللحظة التالية، انقلب المشهد رأسًا على عقب.
“كريس…” همست.
“آآآه!” ارتفعت فجأةً صرخاتٌ حادّةٌ مؤلمة!
(فبالمقارنة مع هذا الموت، أن أُشكَّل في كرة لحمٍ بشريّة يبدو معاملة كبار الشخصيات!)
كان الصارخون هم المحاربين الثلاثة من عشيرة الدم الذين شاركوا في قتل الفتاة!
استعاد تاليس ذكرى السيف القصير الرمادي الذي يحمله يودل، وما حدث حين اخترق صدر آسدا. ثم التفت نحو الأختين. “حسب كلامكما، إنّه احد الاسلحة الفريدة القادرة على مواجهة الصوفيين…”
كان الثلاثة يضعون أيديهم على صدورهم وبطونهم وهم ينحنون من شدّة الألم. وسقط أحدهم أرضًا متلوّيًا.
تراءى أمامه وجه ابن عمّه في لحظاته الأخيرة.
“جلالتك!” صرخ وهو يخدش صدره وبطنه، وملامحه إلتوت كما لو أنه يتعذّب بأبشع أنواع العذاب في العالم.
(ممرٌّ سرّي؟)
راقبت كاترينا المشهد في ذهولٍ وغضبٍ عارم، غير مصدّقة ما تراه من حال رجالها.
“كريس…” همست.
(هل كان ذلك سُمًّا؟)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رفع تاليس رأسه، فرأى الاضطراب يتدفّق إلى عينيه، ثم فتح فمه من الدهشة.
مدّ أحد مجسّاته الهائلة ورفع صوفية الدم نحو الأعلى.
انفجر من أجساد المقاتلين الثلاثة ضوءٌ دمويّ أكثر سطوعًا من أيّ شيءٍ آخر في المكان!
تمزيق!
كانت كاترينا على وشك الاقتراب لتفقّد أحوالهم، لكن قبل أن تتمكّن من التحرّك، ظهر بجانبها ظلٌّ خاطف أسرع من الضوء نفسه، وسحبها بعيدًا في لمح البصر.
مدّت صوفية الدم يدها الوحيدة الباقية بخفّة، وقال الرأس بصوتٍ عالٍ: “كلّ دماء هذا العالم… ملكي أنا.”
قبل أن تدرك ما يجري، كان سايمون قد ظهر بهيئته الحقيقية، ممسكًا بها بقوّة وهو يجرّها إلى الوراء قائلاً بانفعال: “لا يا جلالتك! يجب أن ننسحب فورًا!”
رفعت الفتاة رأسها، ومسحت الدم عن عينيها كاشفةً عن بشرتها ونظرتها، ثم نظرت إلى كاترينا مبتسمة، “ألستِ أنتِ الملكة؟ ما الأمر؟ ألم يُخبروكِ حين تُوّجتِ؟”
“آه، آه، آه، آه — لا—”
اقتربت الأرض البيضاء بسرعةٍ من عيني تاليس، فما كان منه إلا أن أغمضهما بإحكام…
“حارٌّ جدًّا—”
“لكنّي لا أبالي!” اجتاحت عينا إنريكي الحازمتان كلَّ فردٍ في الصفوف، ثم سحب سيفه الطويل من سرجه وصاح بأقصى ما يملك من قوّة: “لأن بينهم قاسِمًا واحدًا! لن يعيشوا طويلًا!”
“شيءٌ ما—شيءٌ ما هناك!”
“آآآه!” ارتفعت فجأةً صرخاتٌ حادّةٌ مؤلمة!
تعالت صرخاتُ المحاربين الثلاثة من عشيرة الدم، وازدادت فظاعةً حتى غدت كأنها صراخ من الجحيم. ظهر بجانبهم اثنان من رفاقهم القلقين، يتفحصانهم بترقّبٍ شديد.
“جلالتك!” صرخ وهو يخدش صدره وبطنه، وملامحه إلتوت كما لو أنه يتعذّب بأبشع أنواع العذاب في العالم.
ومن خلال الرؤية الغريبة التي منحته إياها تلك التموجات العجيبة، كان تاليس يراقب المشهد مذهولًا.
قال سايمون بوجهٍ شاحب: “هل هذا هو ذلك الشيء؟”
“أيًّا يكن هذا الفعل الغريب، أظن أننا يجب أن نغادر أوّلًا—” لم يُكمل جملته—
عقد تاليس حاجبيه باشمئزاز، (أقسم أني لم أرَ مشهدًا مقززًا كهذا في حياتي كلها…)
بوووم!
قفزت سيرينا وهي تحمل تاليس لتعتلي التابوت الأسود، متجنّبةً جذرين ضخمين انقضا نحوهما.
دوّى انفجارٌ هائل كالرعد وشقَّ عنان السماء. أطبق تاليس عينيه غريزيًا وسدَّ أذنيه.
الفصل 94: كلّ دمٍ في هذا العالم ملكي
حدّق الجميع بعيونٍ متسعة وأفواهٍ فاغرة وهم يرون المحاربين الثلاثة من جيش الدم المقدّس ينفجرون كالبالونات الممزقة!
وقبل أن يتمكّن سايمون من استيعاب كلامه، رفع إنريكي الفارس رمحه، وانطلقت قوّته الخارقة في ذراعه، ودفع جواده إلى الأمام.
تناثرت أطرافهم المبتورة وأشلاؤهم إلى عددٍ لا يُحصى، وتطايرت آلاف القطرات القرمزية في كل اتجاه.
تحت ذلك الهجوم الوحشيّ الدمويّ، تحطّم جسدُ الفتاة في لحظةٍ إلى ثلاثة أجزاء، وتناثرت الدماء في كلّ اتجاه.
أما الرفيقان القريبان فقد أصابهما الانفجار، فسقطا أرضًا بلا قوّة، وبعد أن ارتجفت أجسادهما لحظاتٍ قليلة، شرعا يصرخان أيضًا بأصواتٍ بائسةٍ تؤلم القلب.
استفاق سايمون كورليوني فجأةً من أفكاره. عاد صفاءُ ذهنه.
“اللعنة!” صرخت كاترينا بغضبٍ وهي تدفع سايمون بعيدًا عنها. لكنّ ما حدث بعدها كان أغرب بكثير.
ررررومبل…
فالدماء والأشلاء المبعثرة على الأرض بدأت تتحرّك كأنها كائنات حيّة! راحت تتجمّع من كل صوبٍ نحو نقطةٍ واحدة.
دوونغ!
تدفّقت الدماء المنتشرة على الأرض في سعادةٍ مجنونة، متماسكةً حتى كوّنت كرةً دمويةً قانية!
(دماء، بعثُ نفسها، أشلاءُ موتى… والآن الأشجار أيضًا. يا إلهي، ماذا بعد؟)
عقد تاليس حاجبيه باشمئزاز، (أقسم أني لم أرَ مشهدًا مقززًا كهذا في حياتي كلها…)
…..
رأى يدًا مقطوعةً تعود لواحدٍ من مقاتلي الدم تزحف على الأرض مستخدمةً أصابعها، تتقدّم نحو تلك الكرة الدموية، ثم قفزت أصابعها الخمس دفعةً واحدة لتغوص داخلها!
ثم بدأ الدخانُ الدمويّ يتصاعد من جسده بأسره!
ولم تكن اليد وحدها التي تتحرك بنفسها؛ بل الأرجل تتدحرج، والشفاه تتفتح وتنغلق متقدّمةً نحو تلك الكرة، والكبد ينبض ويتمدد، والأعضاء الداخلية تتلوّى حيةً، والعيون تتدحرج، والدماغ يتكور متثاقلًا، فيما الزوائد العصبية تزحف كالأفاعي!
“موتوا!”
كلها، كعبيدٍ يُستدعون إلى سيّدهم، كانت تتّحد بفرحٍ وحماسٍ في تلك الكرة القرمزية!
خلفه، أكثر من عشرة أغصانٍ أخرى اندفعت نحوهما كالسياط!
بوووم!
خفقت الأجنحة الهيكلية للمحاربين بقوةٍ وهما يحاولان تفادي المجسّات الهائلة.
كما انفجر أيضًا اثنان من رجال عشيرة الدم الذين كانوا يصرخون بشكل بائس أثناء استلقائهم على الأرض إلى شظايا أطراف دموية تتناثر في جميع الاتجاهات.
غرز مقاتلُ الدم الذي في المقدّمة مخالبه في صدر الفتاة واقتلع قلبًا متفجّرًا بالدماء.
كما أن دمائهم وأطرافهم المقطوعة “عادت إلى الحياة” في غمضة عين وتجمعت في تلك الكرة الضخمة التي توسعت إلى ارتفاع شخص!
(فبالمقارنة مع هذا الموت، أن أُشكَّل في كرة لحمٍ بشريّة يبدو معاملة كبار الشخصيات!)
حدّقت كاترينا بالمشهد المريع أمامها، وقد جاوزَ إدراكها حدود الفهم.
رأى ابنَ عمّه يزأر غاضبًا، ويركل جواده فينطلق بأقصى سرعته، والفرسان من حوله يتبعونه بشجاعةٍ لا تعرف التردّد.
تبادل اعضاء عشيرة الدم النظرات بقلقٍ وفزع، بينما ظلّ سايمون يحدّق في الكرة متجمّدًا، مسترجعًا في ذهنه أفظع الذكريات التي طُبعت في ذاكرته إلى الأبد.
مدّت صوفية الدم يدها الوحيدة الباقية بخفّة، وقال الرأس بصوتٍ عالٍ: “كلّ دماء هذا العالم… ملكي أنا.”
“أيتها الحقيرة المقزّزة! ماذا فعلتِ؟!” صرخت الملكة بغضبٍ عارم موجّهةً كلامها إلى سيرينا.
في تلك اللحظة، توقّفت الكرة عن التمدد، وبدأت تنكمش ببطءٍ غريب. ثم امتدّت يدٌ بشريةٌ من داخلها!
لكنّ سيرينا ضحكت بخفوتٍ، “طالما نموت جميعًا هنا… فسنُحرَّر من لعنته!”
ومن طرف عينه لمح سيرينا إلى جانبه.
أطلق كريس من جانبها تنهيدةً ثقيلة.
رمق سايمون يده المبتورة وهي تتحرّك على الأرض، ثم نظر إلى جسده المرتجف. (أتعرف ما هي؟ أكثر من ذلك بكثير.)
غطّى تاليس فمه بيده وهو يقاوم رغبةً عارمة في التقيّؤ.
كان رالف يحمل تاليس، وبصحبتهما آيدا، فتسلّل الثلاثة بحذرٍ لأكثر من عشرين خطوة.
“ما هذا بحقّ الجحيم؟” أشار تاليس إلى الكرة الدموية والأشلاء التي ترقص حولها بمرحٍ مجنون، متمتمًا بذهولٍ لا يصدّق ما يراه.
“آه—لا!” كان ذلك المحارب أصلبهم عزيمة، لكنه الآن، وهو يرى الذراع الغريبة ترتعش فوق صدره، أطلق صرخةً متقطّعة يكاد يبكي معها: “أنقذوني!”
“لا أدري…” تمتمت آيدا وقد جمدت ملامحها رعبًا. “لكنّي… لا أريد أن أموت بهذه الطريقة…”
“يا وحش! مت! مت!”
بينما بدا الرعب جليًا على وجه رالف، وقد أشار بيديه مذعورًا، «مرعب!»
تجمّد تاليس لحظةً، ثم حكّ رأسه وسأل: “حبسهم؟ أليس ذلك كافيًا؟ تلك المخلوقة المقززة…”
في تلك اللحظة، توقّفت الكرة عن التمدد، وبدأت تنكمش ببطءٍ غريب. ثم امتدّت يدٌ بشريةٌ من داخلها!
توسّعت عينا كاترينا صدمةً ورعبًا.
لقد كان إنسانًا.
“أما الباقون، فاحملوا التابوت الأسود وانسحبوا فورًا!”
جميع من في المكان شهِدوا بأعينٍ مدهوشةٍ الفتاة الغريبة نفسها تخرج من تلك الكرة، عاريةً، يتقاطر من شعرها وجسدها الدم الأحمر القاني. أغمضت عينيها، وابتسمت قائلةً: “ألم أقل لكم… سيكون مؤلمًا؟”
“توقّف! لا! آآه—!”
عضّت كاترينا على أسنانها بشدّة وصاحت بغضبٍ، “ما الذي تكونينَه بحقّ السماء؟!”
ثم رأى الفرسان يزأرون بصوتٍ واحد، ممسكين برماحهم أفقيًا، منقضّين صفًّا واحدًا نحو العدو. ظهرت قوى خارقة شتّى على الفرسان، ورأى القوّة التي تُدرَّس في قاعة الفرسان تتجلّى أيضًا في يد ابن عمّه. لوّح إنريكي برمحه، وأمسكه أفقيًا موجّهًا إياه نحو العدو. رأى نفسه يرفع سيفه الطويل عاليًا، ويزأر غاضبًا بينما يتقدّم مع صفوف المشاة.
رفعت الفتاة رأسها، ومسحت الدم عن عينيها كاشفةً عن بشرتها ونظرتها، ثم نظرت إلى كاترينا مبتسمة، “ألستِ أنتِ الملكة؟ ما الأمر؟ ألم يُخبروكِ حين تُوّجتِ؟”
قال بصوتٍ مرتفع: “أولئك الأتباع المخزيّون — الرودوليان، والنيدانيان، والكالونسيّان، وأهل الشمال، والشرقيّون البعيدون. وربّما أيضًا أعراقٌ أخرى ملعونةٌ من ألوانٍ وهيئاتٍ شتّى. منهم الكثير!”
بدت الحيرة على وجه كاترينا.
“يا وحش!”
“آه… يبدو أنكِ لم ترثي العرش بالطريقة المعتادة.” ابتسمت الفتاة ابتسامةً لطيفة، ثم هزّت رأسها وقد تحوّلت ملامحها إلى الغرابة. “أو لعلّ تلك الـعاهرة (الشوكة الدموية)… قد تخلّت عنكم بالفعل؟”
قال كريس متنهّدًا وهو ينهض مترنّحًا، “ظننتُ أنّك كنت خائفًا من الهجوم.” ثم تابع، “أنت تعرف ما هي، أليس كذلك؟”
توسّعت عينا كاترينا صدمةً ورعبًا.
“أما الباقون، فاحملوا التابوت الأسود وانسحبوا فورًا!”
(الشوكة الدموية… هذا الاسم مرةً أخرى… وهذه الفتاة… لعلّها ليست ما أظنه…) قبض تاليس على أسنانه محاولًا تجاهل ما يحدث وهو يعقد العزم على الهرب.
الفصل 94: كلّ دمٍ في هذا العالم ملكي
تقدّمت الفتاة خطوةً واحدة، فتوتر الجميع وتراجعوا غريزيًا إلى الخلف.
ارتفعت البوّابة أخيرًا حتى بلغت أعلاها.
لكنّ شخصًا واحدًا فقط سار نحوها ببطءٍ يائسٍ تحت أنظارهم جميعًا — كانت سيرينا. خلفها، بدا على كريس التردّد والحسرة.
توسّعت عينا كاترينا صدمةً ورعبًا.
“وفقًا للوعد… لقد جلبتُ لكِ التابوت الأسود لليل المظلم…”
في اللحظة التالية، اندفع سايمون كورليوني نحوها بسرعةٍ لا تُرى بالعين، والجرأة تتفجّر في عينيه، فمدّ يده وسلّ سيفه القاطع، وقطع رأس الفتاة الدموية الحيّة، فطار الرأس بعيدًا في الهواء!
راقب تاليس، مندهشًا ومتحيرًا، بينما خفضت سيرينا رأسها بوجه شاحب وركعت ترتجف.
“آآآه!” ارتفعت فجأةً صرخاتٌ حادّةٌ مؤلمة!
“صوفي الدم الموقر.”
لكن في اللحظة التالية، نبت رأسٌ جديد من صدر الجثمان الدامي للفتاة الغريبة بطريقة شاذّة! لم ينبُت من العنق، بل شقَّ صدرها وخرج من بين نهديها.
ساد الصمت المكان.
أطلق كريس من جانبها تنهيدةً ثقيلة.
فتح تاليس فاهه مذهولًا ووضع يده على وجهه. (جينكس.)
ومن طرف عينه لمح سيرينا إلى جانبه.
استدار نحو رالف: “هل تلك… رئيستك السابقة؟”
استفاق سايمون كورليوني فجأةً من أفكاره. عاد صفاءُ ذهنه.
لكنّ وجه رالف كان شاحبًا كالموت، وقد أشار بيديه بعنف «لم أرَها قط!»
“يبدو أنّ قوّتي لا تؤثّر عليها إطلاقًا.”
أشار تاليس مجيبًا بامتعاض، “حسنًا، إذًا اهرب بسرعة!”
“فلنعقد صفقة—خذني معك،” قالت ببرود، “ولن أمنعك من الرحيل.”
شدّ رالف الأطراف الفولاذية في ساقيه، وحمل تاليس بثباتٍ دون أن يفقد رباطة جأشه.
بووم!
“حقًا.” ابتسمت صوفية الدم ابتسامةً صغيرةً فاتنة. “وعدٌ تحقّق بعد مئتي عامٍ من التأخّر.”
تجمّد تاليس في مكانه، ثم تدفّق الغضب إلى صدره. (تلك الساحرة الشمطاء!)
قالت سيرينا بأسى عميق، “أعتذرُ بصدقٍ يا سيدتي… حين تصرّفتُ…”
بووم!
لكنّ الصوفيّة لم تُعرها اهتمامًا، بل نظرت إلى التابوت الأسود البعيد مبتسمةً. “كيف أفتحه؟”
(فبالمقارنة مع هذا الموت، أن أُشكَّل في كرة لحمٍ بشريّة يبدو معاملة كبار الشخصيات!)
تغيّر وجه كاترينا، غير أنّ سيرينا لم تلتفت إليها. أغلقت عينيها وقالت بصوتٍ خافتٍ يائس، “بمفتاحِ الحاكم… وبدمائي.”
“آآآه!” ارتفعت فجأةً صرخاتٌ حادّةٌ مؤلمة!
“حسنًا جدًا.” أعادت الصوفيّة بابتسامةٍ وادعة. “بدمكِ إذًا.”
لكنّ سيرينا ضحكت بخفوتٍ، “طالما نموت جميعًا هنا… فسنُحرَّر من لعنته!”
مدّت يدها بلطفٍ ولمست وجه سيرينا، لكنّ الألم ارتسم فجأةً على ملامح الأخيرة.
وقبل أن يتمكّن المحاربون الخمسة من الاقتراب منها، ارتجفت أجسادهم بأكملها، ثم أخذوا يتلوّون وسقطوا جميعًا على الأرض بجانب الصوفية، يتأوّهون من الألم.
وفي تلك اللحظة، اندفع شخصٌ غير متوقّعٍ نحوها دون تردّدٍ وهو يزمجر!
“بلا طموحٍ على الإطلاق.” هزّ سايمون رأسه بازدراء، وعيناه تتابعان العذراء القرمزية بصرامة. “يجب أن تكون… على الأقل خمسَ دقائق.”
“آه!” تحوّل كريس كورليوني إلى هيئته الحقيقية، نافخًا جناحيه الهيكليين بغضبٍ عارم.
ومن خلال الرؤية الغريبة التي منحته إياها تلك التموجات العجيبة، كان تاليس يراقب المشهد مذهولًا.
تمزيق!
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
قطع يد صوفية الدم بضربةٍ واحدة! ثم، وتحت نظراتها المذهولة، استدار وجذب سيرينا اليائسة وقذفها بعيدًا لمسافةٍ جاوزت العشرة أمتار!
وفي تلك اللحظة، اندفع شخصٌ غير متوقّعٍ نحوها دون تردّدٍ وهو يزمجر!
(ما هذا…؟) صُدمت سيرينا وهي تطالع كبير خدمها العجوز من الهواء.
نظر تاليس إلى الجذور الضخمة التي كانت تتحرّك حولهم بعنفٍ وهو واقفٌ بين الأختين، ثم رفع بصره نحو الأخطبوط الدموي العملاق البعيد، ووضع يده على صدره الصغير المرتجف وقال بيأس، “استراحة! بعد أن ننجو من هذا الكابوس، يمكنكما أن تجدا مكانًا هادئًا وتمزّقا بعضكما إربًا، ولن يشتكي أحد، حسنًا؟!”
“كريس…” همست.
لكنّ الصوفيّة لم تُعرها اهتمامًا، بل نظرت إلى التابوت الأسود البعيد مبتسمةً. “كيف أفتحه؟”
“يا سموّك!” صاح كريس كورليوني وهو يقطع يد الصوفيّة الأخرى بمخالبه زاجرًا. “لا يمكنكِ الاستسلام! ما السبب الذي جعلكِ تسلكين هذا الطريق أصلًا؟!”
حدّق الجميع بعيونٍ متسعة وأفواهٍ فاغرة وهم يرون المحاربين الثلاثة من جيش الدم المقدّس ينفجرون كالبالونات الممزقة!
ارتجف جسد سيرينا، وعضّت على أسنانها بقوةٍ وهي تسقط أرضًا بقعقعةٍ هائلة. لكنّ يد الصوفيّة المبتورة التصقت بجسد كريس، فصرخ من الألم: “آآآه—!”
حدّق الجميع بعيونٍ متسعة وأفواهٍ فاغرة وهم يرون المحاربين الثلاثة من جيش الدم المقدّس ينفجرون كالبالونات الممزقة!
جثا على ركبتيه فجأةً مغمض العينين، وجناحاه الهيكليان يرتجفان بلا انقطاع، كأنما يُعذّب بعذابٍ لا يُحتمل.
تناثر الدم في كلّ مكان.
ثم بدأ الدخانُ الدمويّ يتصاعد من جسده بأسره!
كان سايمون بينهم، يصرخ بكل ما في صدره من قوّة. وقد منحه ذلك ثقةً كبيرة في دخوله ساحة القتال لأول مرّة.
“أرأيت؟ دمك يغلي.” قالت الصوفيّة التي فقدت ذراعيها بابتسامةٍ باردة. “وحياتك… تشتعل.”
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
شّق!
شّق!
في اللحظة التالية، اندفع سايمون كورليوني نحوها بسرعةٍ لا تُرى بالعين، والجرأة تتفجّر في عينيه، فمدّ يده وسلّ سيفه القاطع، وقطع رأس الفتاة الدموية الحيّة، فطار الرأس بعيدًا في الهواء!
انخفض جسد سيرينا وهي تستعدّ لهجومٍ مباغت. “آه، على الأقل لن أقع في أيديكم أيها الأغبياء—”
ثم التفت، “يا لك من عجوزٍ مخيّبٍ للآمال.” عضَّ على أسنانه، كاظمًا الرعب الذي يشتعل في صدره.
لكنّ الأختين ذواتي الشعر الفضي لم تفعلا سوى التحديق في بعضهما بشراسة.
استرخى كريس حينها، شاحب الوجه، يلهث بأنفاسٍ متقطعة.
طارت كاترينا مبتعدةً بسرعةٍ خاطفة، وهي تشاهد بعينين خاويتين وغضبٍ طافحٍ المحاربَين اللذين كانا يحملان التابوت، وقد التفّت حولهما الجذور بإحكام.
“ههه…” ابتسم بمرارةٍ وقال: “لم أتوقّع أنّك ستكون من يُنقذني… يا سايمون.”
قفزت سيرينا وهي تحمل تاليس لتعتلي التابوت الأسود، متجنّبةً جذرين ضخمين انقضا نحوهما.
“اخرس، أيها العجوز.” كان في نظرات سايمون مزيجٌ من الخوف والكراهية وهو يبتعد عن جثمان صوفية الدم المقطوع الرأس، مندفعًا نحو كريس. “من بينكم أنتم الثلاثة، أنت أكثر من أكرهه.”
“آه—لا!” كان ذلك المحارب أصلبهم عزيمة، لكنه الآن، وهو يرى الذراع الغريبة ترتعش فوق صدره، أطلق صرخةً متقطّعة يكاد يبكي معها: “أنقذوني!”
قالت كاترينا في الوقت ذاته، “خَمسة يتولّون الحراسة الخلفيّة لتغطية انسحابنا!”، ثمّ ارتفعت في الهواء صارخة بالأمر بجنون.
أما الرفيقان القريبان فقد أصابهما الانفجار، فسقطا أرضًا بلا قوّة، وبعد أن ارتجفت أجسادهما لحظاتٍ قليلة، شرعا يصرخان أيضًا بأصواتٍ بائسةٍ تؤلم القلب.
“أما الباقون، فاحملوا التابوت الأسود وانسحبوا فورًا!”
جميع من في المكان شهِدوا بأعينٍ مدهوشةٍ الفتاة الغريبة نفسها تخرج من تلك الكرة، عاريةً، يتقاطر من شعرها وجسدها الدم الأحمر القاني. أغمضت عينيها، وابتسمت قائلةً: “ألم أقل لكم… سيكون مؤلمًا؟”
لم يتردّد جيش الدم المقدّس لحظةً واحدة، فاندفع اثنان من بين السبع المتبقّين من محاربي عشيرة الدم نحو التابوت الأسود، أحدهما أمامه والآخر خلفه، ثم رفعاه معًا.
فتح تاليس فاهه مذهولًا ووضع يده على وجهه. (جينكس.)
لكن في اللحظة التالية، نبت رأسٌ جديد من صدر الجثمان الدامي للفتاة الغريبة بطريقة شاذّة! لم ينبُت من العنق، بل شقَّ صدرها وخرج من بين نهديها.
لكن ضحكة صوفية الدم تردّدت في الأرجاء بخفوت. “لن يفرَّ أحدٌ منكم، أليس كذلك؟”
(ما هذا المخلوق؟) تبادل كريس وسايمون النظرات في ذهول.
أطلق كريس من جانبها تنهيدةً ثقيلة.
“لن يفرَّ أحدٌ منكم، مفهوم؟” قال الرأس الذي في صدرها بابتسامةٍ مرِحة وسط نظراتهما المذعورة. “إن علِمَ أولئك بذلك، فسأقع في ورطة كبيرة. لن يفرَّ أحد منكم، أليس كذلك؟”
(ابن عمّي… وكلّ مدينة بحيرة النجم… لقد كانت على يد مخلوقةٍ كهذه…)
مدّت صوفية الدم يدها الوحيدة الباقية بخفّة، وقال الرأس بصوتٍ عالٍ: “كلّ دماء هذا العالم… ملكي أنا.”
“أيتها القبيحة الجريئة، أتجرئين على العودة؟!” صاحت كاترينا بغضبٍ عارم وقد استعادت هيئتها البشرية، وهبطت على الأرض بعنف. “وأنت أيها الفتى… أتتوق إلى الموت؟”
وفي اللحظة التالية، دوّى هديرٌ مرعب من أعماق الأرض.
“آه، أتستخدم الدمّ للقتال ضدّي؟”
ررررومبل…
تغيّر وجه رالف، ولم يجد سبيلًا للمراوغة، فاستجمع كل ما لديه من قوّةٍ واستدعى رياحًا عاتية صدّ بها الغصن.
تبادَلَ كريس وسايمون النظرات بدهشةٍ وحيرة.
…..
(ما هذا؟)
كان تاليس يحدّق مذهولًا في ذلك الأخطبوط الهائل ذي اللون الدموي الذي خرج من باطن الأرض. ولحسن الحظ أنّه لم يتأمل المنظر عن قرب، وإلا لأوشك أن يتقيّأ من رؤية الأطراف المبتورة التي تتلوّى داخله.
…..
سندت سيرينا جسدها بيدٍ على شجرة البتولا ونهضت بصعوبة، ثم رمقَتهم بنظرةٍ حادّة.
كان رالف يحمل تاليس، وبصحبتهما آيدا، فتسلّل الثلاثة بحذرٍ لأكثر من عشرين خطوة.
وفي اللحظة التالية، دوّى هديرٌ مرعب من أعماق الأرض.
ثم—
استعاد تاليس ذكرى السيف القصير الرمادي الذي يحمله يودل، وما حدث حين اخترق صدر آسدا. ثم التفت نحو الأختين. “حسب كلامكما، إنّه احد الاسلحة الفريدة القادرة على مواجهة الصوفيين…”
بووم- دوونغ!
“أهؤلاء هم أنصار تلك الكوارث وأتباعهم؟”
سقط جسدٌ من السماء محدثًا دويًا هائلًا على الأرض المغطاة بالثلج أمامهم مباشرةً.
(هل تعمّد كريس أن يرميني هنا؟ هل لا يزال يظن أن لدى هذا الفتى حلًّا ما؟)
تبدّل وجه تاليس بأسى، وحدّق بقلقٍ في سيرينا التي هوت من السماء، ثم تنفّس بعمقٍ، “أهي أنتِ مجددًا؟”
(لقد حمت عائلتُنا مدينةَ بحيرة النجم لأجيال. أنا ابنُ الأشواك. لن أستسلم أبدًا.)
سندت سيرينا جسدها بيدٍ على شجرة البتولا ونهضت بصعوبة، ثم رمقَتهم بنظرةٍ حادّة.
“ستحمي أشعّةُ إيرول المشرقة مدينةَ بحيرة النجم إلى الأبد! أبناء الأشواك، إلى الأمام!”
(هل تعمّد كريس أن يرميني هنا؟ هل لا يزال يظن أن لدى هذا الفتى حلًّا ما؟)
“أيًّا يكن هذا الفعل الغريب، أظن أننا يجب أن نغادر أوّلًا—” لم يُكمل جملته—
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
ثم… رأى أن أمام ابنِ عمّه مباشرةً… ظهرت فجأةً شابة.
“فلنعقد صفقة—خذني معك،” قالت ببرود، “ولن أمنعك من الرحيل.”
كانت سيرينا قد تلقّته بذراعٍ واحدة، فسقطت معه على الأرض المتجمّدة وتدحرجت مرتين. وهي تلهث، رفعت تاليس ممسكة به، فحدّقا ببعضهما وتبادلا شخير الامتعاض.
تجمّد تاليس في مكانه، ثم تدفّق الغضب إلى صدره. (تلك الساحرة الشمطاء!)
كان هناك جيشٌ متعطّش للدماء، لكنّه بدا مرهقًا وجريحًا بوضوح، كما أنه كان أصغرَ عددًا من جيشهم.
لكن ضحكة صوفية الدم تردّدت في الأرجاء بخفوت. “لن يفرَّ أحدٌ منكم، أليس كذلك؟”
(ممرٌّ سرّي؟)
اهتزّت الأرض من تحتهم.
خفقت الأجنحة الهيكلية للمحاربين بقوةٍ وهما يحاولان تفادي المجسّات الهائلة.
وفي اللحظة التالية، زأرت آيدا بغضبٍ عارم ودَفعت رالف وتاليس بعيدًا، فأطاحت بهما مع سيرينا التي طارت بدورها مذهولة.
كلها، كعبيدٍ يُستدعون إلى سيّدهم، كانت تتّحد بفرحٍ وحماسٍ في تلك الكرة القرمزية!
كلانغ!
“اذهب به أولًا!” صرخت آيدا وهي تدور مجددًا لتقطع جذرًا آخر يحاول مطاردة تاليس.
استدارت الجنية، ولوّحت بسيفها القاطع لتفصل جزءًا من جذرٍ ضخم خرج من الأرض!
استدارت الجنية، ولوّحت بسيفها القاطع لتفصل جزءًا من جذرٍ ضخم خرج من الأرض!
“اذهب به أولًا!” صرخت آيدا وهي تدور مجددًا لتقطع جذرًا آخر يحاول مطاردة تاليس.
ابتسمت الصوفية، فاهتزّ الدم الحمضي الذي يملأ الهواء، ثم تماوج حتى عاد كلّه إلى داخل جسدها.
لكن جذورًا أخرى—واحدًا، اثنين، ثلاثة—انفجرت من الأرض بصوتٍ مدوٍّ، وانقضّت عليها من كل اتجاه!
ثم قالت موجّهةً حديثها إليه، “إن أردنا أن نحجز صوفية الدم… فعلينا أولًا أن نُطلِق سراح من هو محبوسٌ بداخله.”
زأرت الجنية بشراسةٍ، وسيفها يلمع وهي تصدّ الضربات القادمة من كل صوب.
“حارٌّ جدًّا—”
أما رالف وسيرينا فكانا يتسلّقان أشجار البتولا العالية بأقصى جهدهما.
حدّق الجميع بعيونٍ متسعة وأفواهٍ فاغرة وهم يرون المحاربين الثلاثة من جيش الدم المقدّس ينفجرون كالبالونات الممزقة!
(اللعنة…) حدّق تاليس في الجذور مذهولًا. (أيُّ قوّةٍ هذه؟)
رفع معظم الفرسان والمحاربين أسلحتهم. بعضهم قرع سلاحه بدرعه، وبعضهم رفعه عاليًا في الهواء. وبين أصوات الحديد المتصادمة وبحر الرماح والسيوف، أطلق كلّ رجلٍ من رجال القادة صيحةَ غضبٍ غريزية:
ومن طرف عينه لمح سيرينا إلى جانبه.
أمّا سيرينا نفسها، المحاصَرة بين الأعداء، فقد كانت تحدّق بعينين شاردتين وتضحك ضحكةً غريبة.
“أنتِ من جرّ علينا هذه الفوضى النتنة!” صاح وهو يتشبّث بعنق رالف، “لماذا عليّ أنا أن أنظّفها؟!”
وفي اللحظة التالية، دوّى هديرٌ مرعب من أعماق الأرض.
لكن سيرينا لم تستطع الرد، لأن أشجار البتولا نفسها قد “دبّت فيها الحياة”!
(ما هذا المخلوق؟) تبادل كريس وسايمون النظرات في ذهول.
بووم!
(ابن عمّي… وكلّ مدينة بحيرة النجم… لقد كانت على يد مخلوقةٍ كهذه…)
تحرّكت الأشجار بوعيٍ غريب، وأحدها لوّح بغصنٍ ضخم فصدمهم بعنف، وأعادهم إلى طريقهم السابق!
لكنّ كريس وسايمون اللذين كانا في الهواء تجمّدا فجأةً في مكانهما، وخفقت أجنحتهما الهيكلية إلى الخلف، ثم اندفعا نحو الهيدرا بدلًا من الابتعاد عنها!
تغيّر وجه رالف، ولم يجد سبيلًا للمراوغة، فاستجمع كل ما لديه من قوّةٍ واستدعى رياحًا عاتية صدّ بها الغصن.
قفزت سيرينا وهي تحمل تاليس لتعتلي التابوت الأسود، متجنّبةً جذرين ضخمين انقضا نحوهما.
بووم!
وقبل أن يتمكّن سايمون من استيعاب كلامه، رفع إنريكي الفارس رمحه، وانطلقت قوّته الخارقة في ذراعه، ودفع جواده إلى الأمام.
خلفه، أكثر من عشرة أغصانٍ أخرى اندفعت نحوهما كالسياط!
“أيًّا يكن هذا الفعل الغريب، أظن أننا يجب أن نغادر أوّلًا—” لم يُكمل جملته—
تغيّر وجه رالف مجددًا، وهذه المرّة استجمع كل ما تبقّى من قوّته كتابع للرياح الشبحية، وألقى بتاليس نحو الأرض الخالية خارج الغابة!
(ما الذي يحدث؟)
بووم!
“سنسحقهم إربًا!”
وفي اللحظة التالية، انهالَت عليه الأغصان من كل الجهات، فهَوى نحو الأرض الثلجية حيث كانت آيدا تقاتل.
“روووع!” أطلق المخلوق ذو المجسّات القرمزية صرخةً مدوّية، ثم امتدّ من جسده مجسّان آخران ضخمان هاجما عضوي عشيرة الدم من الفئة الفائقة.
(لا…)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اقتربت الأرض البيضاء بسرعةٍ من عيني تاليس، فما كان منه إلا أن أغمضهما بإحكام…
ومن طرف عينه لمح سيرينا إلى جانبه.
حتى أحاطت به ذراعٌ وضمّته إلى صدرها.
“تبيعين عائلتنا لصوفية؟! أحمقاءٌ أنتِ؟!” كشّرت كاترينا عن أنيابها الحادّة.
دوونغ!
زأرت الجنية بشراسةٍ، وسيفها يلمع وهي تصدّ الضربات القادمة من كل صوب.
كانت سيرينا قد تلقّته بذراعٍ واحدة، فسقطت معه على الأرض المتجمّدة وتدحرجت مرتين. وهي تلهث، رفعت تاليس ممسكة به، فحدّقا ببعضهما وتبادلا شخير الامتعاض.
“وووآه!”
“أنقذتُ حياتك للتوّ، لذا بالطبع يمكنني استعادتها… من أجل حياتك…” قالت سيرينا بصرامةٍ لاهثة، “خُذني معك بسرعة. أنا متأكدة أنّ لديك حيلةً ما. كما قال مورَات، علاقاتك بالصوفيين مشبوهة—”
سقط جسدٌ من السماء محدثًا دويًا هائلًا على الأرض المغطاة بالثلج أمامهم مباشرةً.
“هراء!”
لم ينظر إنريكي إلى ابنِ عمّه مجددًا، بل رفع رأسه بتعبيرٍ حازم، وأدار فرسه متطلّعًا إلى الجموع الكثيفة من الفرسان والجنود أمامه.
كان مزاج تاليس في أسوأ حالاته، فأمسك بعنقها في هيئةٍ مضطربة دون أن يخطر بباله لينُ صدرها. وقاطعها بشتائم غليظة، “أنتِ من علاقاتك مشبوهة بالصوفيين! عائلتكِ كلّها وصوفيوكم…”
ضحك كريس بمرارة، وبسط جناحيه الهيكليان وهو يحدّق بالكرة الدموية التي عادت لترتفع مجددًا.
لكن فجأةً وجدا أنفسهما أمام مجموعةٍ من الوجوه المألوفة.
تجمّدت تعابير وجهي السَيّافين الدمويين في مكانها.
“أيتها القبيحة الجريئة، أتجرئين على العودة؟!” صاحت كاترينا بغضبٍ عارم وقد استعادت هيئتها البشرية، وهبطت على الأرض بعنف. “وأنت أيها الفتى… أتتوق إلى الموت؟”
(هل كان ذلك سُمًّا؟)
خلفها، ظهر محاربان من عشيرة الدم يحملان التابوت الأسود بسرعةٍ خاطفة.
ضحك كريس بمرارة، وبسط جناحيه الهيكليان وهو يحدّق بالكرة الدموية التي عادت لترتفع مجددًا.
“وأنا لا أرغب بذلك أيضًا.” تمتم تاليس بأسنانه، “وكلّ الفضل يعود إلى أختكِ الكبرى!”
تدفّقت الدماء المنتشرة على الأرض في سعادةٍ مجنونة، متماسكةً حتى كوّنت كرةً دمويةً قانية!
بووم!
كلها، كعبيدٍ يُستدعون إلى سيّدهم، كانت تتّحد بفرحٍ وحماسٍ في تلك الكرة القرمزية!
وفي اللحظة التالية، خرجت بضعة جذورٍ من باطن الأرض!
كاترينا أيضًا قفزت فوق التابوت الأسود.
“احذروا!” صرخ تاليس في فزع.
قبض كثيرٌ منهم على أسلحتهم بإحكام.
طارت كاترينا مبتعدةً بسرعةٍ خاطفة، وهي تشاهد بعينين خاويتين وغضبٍ طافحٍ المحاربَين اللذين كانا يحملان التابوت، وقد التفّت حولهما الجذور بإحكام.
ضحك كريس بمرارة، وبسط جناحيه الهيكليان وهو يحدّق بالكرة الدموية التي عادت لترتفع مجددًا.
“آآآآآه!”
ساد الصمت المكان.
عوى المحاربان بصوتٍ مزلزلٍ للأرض، وسرعان ما تحوّلت صرخاتهما إلى أنينٍ بائسٍ مؤلم.
تدفّقت الدماء المنتشرة على الأرض في سعادةٍ مجنونة، متماسكةً حتى كوّنت كرةً دمويةً قانية!
تقلّبت سيرينا وتاليس في الهواء وهما يهربان، وراقبا المشهد المروّع. جذور الأشجار أفرزت خيوطًا دقيقةً اخترقت جِلد المحاربَين، وبدأ جسديهما يجفّان ويتقلّصان حتى اكتسبا لون الجذور نفسها، ثمّ اندمجا معها وغاصا في الأرض.
لكنّ الأختين ذواتي الشعر الفضي لم تفعلا سوى التحديق في بعضهما بشراسة.
قطّب تاليس حاجبيه وصاح، “أمتأكدةٌ أنها صوفية الدم وليست صوفية الشجر؟!”
بينما بدا الرعب جليًا على وجه رالف، وقد أشار بيديه مذعورًا، «مرعب!»
(على عكس قوّة آسدا، صوفي الهواء الذي رأيته من قبل، لا أفهم إطلاقًا ما هي طبيعة قوى صوفية الدم.)
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
(دماء، بعثُ نفسها، أشلاءُ موتى… والآن الأشجار أيضًا. يا إلهي، ماذا بعد؟)
حدّقت كاترينا بالمشهد المريع أمامها، وقد جاوزَ إدراكها حدود الفهم.
تنفّس تاليس بعمقٍ ثقيل، وشعر بصدقٍ أنّه بالمقارنة مع تلك الصوفية…
رأى قائد المشاة يسلّ سيفه الطويل، ويرفع درعه إشارةً للتقدّم.
فآسدا كان حقًّا رجلًا صالحًا.
حتى أحاطت به ذراعٌ وضمّته إلى صدرها.
(فبالمقارنة مع هذا الموت، أن أُشكَّل في كرة لحمٍ بشريّة يبدو معاملة كبار الشخصيات!)
وفي اللحظة التالية، انقلب المشهد رأسًا على عقب.
قفزت سيرينا وهي تحمل تاليس لتعتلي التابوت الأسود، متجنّبةً جذرين ضخمين انقضا نحوهما.
ارتفعت البوّابة أخيرًا حتى بلغت أعلاها.
“لا أعلم!” قالت من بين أسنانها وهي تلهث، “لستُ نبيّة!”
شدّ رالف الأطراف الفولاذية في ساقيه، وحمل تاليس بثباتٍ دون أن يفقد رباطة جأشه.
بدت الجذور وكأنها تخشى التابوت الأسود، فلم تجرؤ على الاقتراب منه، بل أخذت تدور من حوله، مترصّدةً فريستها بصبرٍ وذكاء.
نظر تاليس إلى الجذور الضخمة التي كانت تتحرّك حولهم بعنفٍ وهو واقفٌ بين الأختين، ثم رفع بصره نحو الأخطبوط الدموي العملاق البعيد، ووضع يده على صدره الصغير المرتجف وقال بيأس، “استراحة! بعد أن ننجو من هذا الكابوس، يمكنكما أن تجدا مكانًا هادئًا وتمزّقا بعضكما إربًا، ولن يشتكي أحد، حسنًا؟!”
كاترينا أيضًا قفزت فوق التابوت الأسود.
فآسدا كان حقًّا رجلًا صالحًا.
وحين التقت نظرات الأختين، تدفّق في قلبيهما في آنٍ واحد مزيجٌ من الكراهية والاشمئزاز، فزأرتا بصوتٍ واحد.
تمزيق!
“يا مُنتَحِبة!”
عدّل سايمون تور درعَ السلاسل الثقيل خاصته، وقبض على رمحه بقوّةٍ — كان قد صُقِل حتى غدا لامعًا وبراقًا. وقف خلف سيّده وابنِ عمّه، إنريكي تور، الأكبر منه بسبعة عشر عامًا. حاول سايمون أن يُنظّم أنفاسه.
“يا قبيحة الوجه!”
اندفع كريس إلى الأمام وهو يزأر بغضبٍ عارم. سال دمه الحمضيّ شديد التآكل، فأذاب نصف جسد صوفية الدم في طرفة عين!
…..
“آه، آه، آه، آه — لا—”
اندفع خمسة من محاربي عشيرة الدم في ومضةٍ خاطفة.
لكنّ كريس وسايمون اللذين كانا في الهواء تجمّدا فجأةً في مكانهما، وخفقت أجنحتهما الهيكلية إلى الخلف، ثم اندفعا نحو الهيدرا بدلًا من الابتعاد عنها!
أما صوفية الدم ذات الشكل الغريب فأطلقت سلسلةً طويلة من الضحكات المتقطعة.
تقدّم إنريكي الفارس، قائدُ الطليعة، إلى المقدّمة. وسرعان ما تبعه سايمون حاملًا رمحه.
رفعت يدها المبتورة.
غرز مقاتلُ الدم الذي في المقدّمة مخالبه في صدر الفتاة واقتلع قلبًا متفجّرًا بالدماء.
وقبل أن يتمكّن المحاربون الخمسة من الاقتراب منها، ارتجفت أجسادهم بأكملها، ثم أخذوا يتلوّون وسقطوا جميعًا على الأرض بجانب الصوفية، يتأوّهون من الألم.
في تلك اللحظة، فتحت آيدا عينيها فجأةً وصاحت. “هناك خطبٌ ما!”
“يا وحش!”
ومن طرف عينه لمح سيرينا إلى جانبه.
اندفع كريس إلى الأمام وهو يزأر بغضبٍ عارم. سال دمه الحمضيّ شديد التآكل، فأذاب نصف جسد صوفية الدم في طرفة عين!
“سمعتُ أنّ… هذا التابوت المحطّم هو عتاد اسطوري مضادٌ للصوفيين؟”
“آه، أتستخدم الدمّ للقتال ضدّي؟”
كان هناك عددٌ لا يُحصى من الفرسان والمحاربين إلى جانبه وخلفه. اصطفّوا متقاربين خلف بوّابة القصر الضخمة. بدت على وجوه الجميع تعابير مختلفة؛ بعضهم كان يرتجف من شدّة التوتّر، وآخرون كانت نظراتهم حازمة لا تهاب الموت، فيما بدا آخرون بوجوهٍ جامدةٍ وعيونٍ خاوية. وكان عددٌ منهم يهمس لبعضه البعض. سمع سايمون بوضوحٍ كلماتٍ مثل “وحش” و”إبادة كاملة”.
ابتسمت الصوفية، فاهتزّ الدم الحمضي الذي يملأ الهواء، ثم تماوج حتى عاد كلّه إلى داخل جسدها.
استلّ سايمون سيفه من خصره، وجسده كله يرتجف بلا تحكّم، بينما خرج من البوّابة مع الكتيبة. رأى كيف انتظم الجيش في تشكيلٍ قتاليٍّ في وقتٍ وجيز؛ الفرسان في المقدّمة، والمشاة على الجانبين، والرماة في المؤخّرة.
تجمّد كريس في مكانه من الدهشة والذهول، وهو يرى الصوفية تمتصّ دمه. (كأنّها تناولت لتوّها عقاقير من أنقى أنواع السموم وأغلاها). فتحت فمها بتنهيدة إعجابٍ مبالغٍ فيها، ثم بكلّ بساطةٍ انتزعت رأسها الذي نما في موضعٍ خاطئ—
بووم!
وأعادته إلى عنقها.
وحين التقت نظرات الأختين، تدفّق في قلبيهما في آنٍ واحد مزيجٌ من الكراهية والاشمئزاز، فزأرتا بصوتٍ واحد.
“وحش؟ لا تقل ذلك…” ضحكت. “ألستم أنتم أيضًا تتحولون إلى وحوشٍ شيئًا فشيئًا…؟”
عدّل سايمون تور درعَ السلاسل الثقيل خاصته، وقبض على رمحه بقوّةٍ — كان قد صُقِل حتى غدا لامعًا وبراقًا. وقف خلف سيّده وابنِ عمّه، إنريكي تور، الأكبر منه بسبعة عشر عامًا. حاول سايمون أن يُنظّم أنفاسه.
انقضّ سايمون في لمح البصر نحو ظهر الصوفية، وكان على وشك الهجوم حين رأى ما أمامه فتجمّد من الرعب.
سندت سيرينا جسدها بيدٍ على شجرة البتولا ونهضت بصعوبة، ثم رمقَتهم بنظرةٍ حادّة.
المحاربون الخمسة من عشيرة الدم الذين كانوا راكعين ومتألمين فجأةً بدأوا يصرخون بصوتٍ يخلع القلوب.
وقبل أن يتمكّن سايمون من استيعاب كلامه، رفع إنريكي الفارس رمحه، وانطلقت قوّته الخارقة في ذراعه، ودفع جواده إلى الأمام.
كان أحدهم يحدّق في ذعرٍ حين انفجرت سحابة من ضباب الدم من صدره، لتخرج من تلك الفتحة يدٌ حمراء دموية أخذت تتلوّى بلا توقّف! وكان لون تلك اليد كأنّه لونُ طفلٍ وُلد للتوّ.
قبل أن تدرك ما يجري، كان سايمون قد ظهر بهيئته الحقيقية، ممسكًا بها بقوّة وهو يجرّها إلى الوراء قائلاً بانفعال: “لا يا جلالتك! يجب أن ننسحب فورًا!”
“آه—لا!” كان ذلك المحارب أصلبهم عزيمة، لكنه الآن، وهو يرى الذراع الغريبة ترتعش فوق صدره، أطلق صرخةً متقطّعة يكاد يبكي معها: “أنقذوني!”
تغيّر وجه رالف مجددًا، وهذه المرّة استجمع كل ما تبقّى من قوّته كتابع للرياح الشبحية، وألقى بتاليس نحو الأرض الخالية خارج الغابة!
فُتح فجأةً على ظهر تلك اليد عينٌ غريبة، ثمّ كما لو أنّها اكتسبت وعيًا، قبضت على رأس المحارب، وانتزعته منه وهو حيّ!
“أنتِ من جرّ علينا هذه الفوضى النتنة!” صاح وهو يتشبّث بعنق رالف، “لماذا عليّ أنا أن أنظّفها؟!”
تمزّق!
تقلّبت سيرينا وتاليس في الهواء وهما يهربان، وراقبا المشهد المروّع. جذور الأشجار أفرزت خيوطًا دقيقةً اخترقت جِلد المحاربَين، وبدأ جسديهما يجفّان ويتقلّصان حتى اكتسبا لون الجذور نفسها، ثمّ اندمجا معها وغاصا في الأرض.
تناثر الدم في كلّ مكان.
دوّى انفجارٌ هائل كالرعد وشقَّ عنان السماء. أطبق تاليس عينيه غريزيًا وسدَّ أذنيه.
تجمّد كريس وسايمون يحدّقان في المشهد مذهولين، بينما لقي الأربعة الآخرون المصير ذاته.
كان رالف يحمل تاليس، وبصحبتهما آيدا، فتسلّل الثلاثة بحذرٍ لأكثر من عشرين خطوة.
نبت مجسّ غريب من عين أحدهم فغرس نفسه في صدره واقتلع قلبه، ونما الشعر فجأةً من رأس آخر بسرعةٍ هائلة واخترق جسده ليُمزّق عموده الفقري إلى عشرات القطع.
ظهر محاربان من عشيرة الدم من جيش الدم المقدّس، أحدهما أمام الفتاة الغريبة والآخر خلفها، بينما اندفع ثالثٌ من السماء مهاجمًا من الأعلى!
أما أحدهم، فقد نبت على كتفه رأسٌ آخر مطابقٌ تمامًا لرأسه، وابتسم له ابتسامةً ساخرة. ظلّ الرأس المزدوج يبتسم حتى قطع المحارب رأسه بنفسه، ثم مات في لحظةٍ مبهمةٍ بلا سببٍ مفهوم.
وفي اللحظة التالية، انقلب المشهد رأسًا على عقب.
لكنّ الأكثر رعبًا كان مصير الأخير، إذ نبت فمَان ممتلئان بالأنياب من كفّيه، وانقضا عليه ليأكلاه حيًّا.
“أيتها القبيحة الجريئة، أتجرئين على العودة؟!” صاحت كاترينا بغضبٍ عارم وقد استعادت هيئتها البشرية، وهبطت على الأرض بعنف. “وأنت أيها الفتى… أتتوق إلى الموت؟”
“آه، آه! ما هذا؟!”
“آه—لا!” كان ذلك المحارب أصلبهم عزيمة، لكنه الآن، وهو يرى الذراع الغريبة ترتعش فوق صدره، أطلق صرخةً متقطّعة يكاد يبكي معها: “أنقذوني!”
“لا! لا! أتركني!”
“ثَمّة ممرٌّ سرّي تحت البوّابة الجنوبيّة للمدينة، في المجرى إلى اليسار.” أنهى ابنُ عمّه جملته الأخيرة.
“يا وحش! مت! مت!”
شدّ سايمون قبضته وقال: “كم من الوقت نظنّ أننا قادرون على كسبه؟”
“توقّف! لا! آآه—!”
جثا على ركبتيه فجأةً مغمض العينين، وجناحاه الهيكليان يرتجفان بلا انقطاع، كأنما يُعذّب بعذابٍ لا يُحتمل.
بوووم!
“روووع!” أطلق المخلوق ذو المجسّات القرمزية صرخةً مدوّية، ثم امتدّ من جسده مجسّان آخران ضخمان هاجما عضوي عشيرة الدم من الفئة الفائقة.
لم يحتمل سايمون النظر أكثر، فهاجم بعزمٍ قاطعٍ ومزّق جسد صوفية الدم إلى نصفين مجددًا! ثم التفت لينهي عذاب المحارب الذي كان يُؤكَل بيديه.
شّق!
لكنّ سايمون لم يخرج سالمًا تمامًا.
“ما هذا بحقّ الجحيم؟” أشار تاليس إلى الكرة الدموية والأشلاء التي ترقص حولها بمرحٍ مجنون، متمتمًا بذهولٍ لا يصدّق ما يراه.
إذ بدأ مخلبه الحادّ، الذي تمزّق بفعل الصوفية، يرتعش بلا توقف. وأخذ يتضخّم شيئًا فشيئًا—
رأى الرماة يُطلقون وابلين من السهام، فيسقط مطرٌ من الحديد على رؤوس الأعداء، وردّ الأعداء بالمثل. رفع درعه بكل ما يملك من قوّة، شعر بالاهتزاز يدوّي فيه، وسقط كثيرٌ من زملائه في صفوف المشاة تحت ذلك المطر المميت من السهام.
تمزيق!
“جلالتك!” صرخ وهو يخدش صدره وبطنه، وملامحه إلتوت كما لو أنه يتعذّب بأبشع أنواع العذاب في العالم.
قطّب سايمون حاجبيه وقطع ذراعه دون تردّد!
“لا! لا! أتركني!”
قال كريس متنهّدًا وهو ينهض مترنّحًا، “ظننتُ أنّك كنت خائفًا من الهجوم.” ثم تابع، “أنت تعرف ما هي، أليس كذلك؟”
كان تاليس يحدّق مذهولًا في ذلك الأخطبوط الهائل ذي اللون الدموي الذي خرج من باطن الأرض. ولحسن الحظ أنّه لم يتأمل المنظر عن قرب، وإلا لأوشك أن يتقيّأ من رؤية الأطراف المبتورة التي تتلوّى داخله.
رمق سايمون يده المبتورة وهي تتحرّك على الأرض، ثم نظر إلى جسده المرتجف. (أتعرف ما هي؟ أكثر من ذلك بكثير.)
عضّت كاترينا على أسنانها بشدّة وصاحت بغضبٍ، “ما الذي تكونينَه بحقّ السماء؟!”
تراءى أمامه وجه ابن عمّه في لحظاته الأخيرة.
كان هناك عددٌ لا يُحصى من الفرسان والمحاربين إلى جانبه وخلفه. اصطفّوا متقاربين خلف بوّابة القصر الضخمة. بدت على وجوه الجميع تعابير مختلفة؛ بعضهم كان يرتجف من شدّة التوتّر، وآخرون كانت نظراتهم حازمة لا تهاب الموت، فيما بدا آخرون بوجوهٍ جامدةٍ وعيونٍ خاوية. وكان عددٌ منهم يهمس لبعضه البعض. سمع سايمون بوضوحٍ كلماتٍ مثل “وحش” و”إبادة كاملة”.
قبض على مخالبه المتبقية بقوة، وأغمض عينيه وقال وهو يصك أسنانه: “نعم، أنا خائف، لكن هنالك كراهية أيضًا.”
قطّب سايمون حاجبيه وقطع ذراعه دون تردّد!
(ابن عمّي… وكلّ مدينة بحيرة النجم… لقد كانت على يد مخلوقةٍ كهذه…)
“إنهم خارج البوابة مباشرة!”
ضحك كريس بمرارة، وبسط جناحيه الهيكليان وهو يحدّق بالكرة الدموية التي عادت لترتفع مجددًا.
وفي اللحظة التالية، خرجت بضعة جذورٍ من باطن الأرض!
“يبدو أنّ قوّتي لا تؤثّر عليها إطلاقًا.”
مدّت يدها بلطفٍ ولمست وجه سيرينا، لكنّ الألم ارتسم فجأةً على ملامح الأخيرة.
“هراء، لا يمكن قتلها أصلًا…” زمّ سايمون شفتيه وهو يلهث مرتين، يشحذ مخالبه الحادّة. “إن كنت خائفًا، فالأفضل أن تهرب سريعًا وتتركها لي.”
“أنقذتُ حياتك للتوّ، لذا بالطبع يمكنني استعادتها… من أجل حياتك…” قالت سيرينا بصرامةٍ لاهثة، “خُذني معك بسرعة. أنا متأكدة أنّ لديك حيلةً ما. كما قال مورَات، علاقاتك بالصوفيين مشبوهة—”
أصدر كريس شخيرًا باردًا. “أتعني أن أتركك لها أنت؟”
تحرّكت الأشجار بوعيٍ غريب، وأحدها لوّح بغصنٍ ضخم فصدمهم بعنف، وأعادهم إلى طريقهم السابق!
التقت نظراتهما، ثم انفجرا ضاحكين معًا فجأة.
وأعادته إلى عنقها.
قال سايمون بصوتٍ خافت: “لقد اشتقتُ حقًا لتلك الأيام القديمة.” وشعر أنّ ارتجافه وقلقه بدأ يتلاشى.
“ثلاثُ دقائق؟” كان حاجبا كريس معقودَين بشدة، وهو يراقب صوفية الدم القرمزية تخرج مجددًا من تلك الكرة المتكوّنة من الدم المتجمّع.
قال كريس بهدوءٍ وهو يُبعد من قلبه تلك الظلال الثقيلة التي كانت تلوح له في الماضي: “كنتم ثلاثة فقط.”
“وووآه!!”
شدّ سايمون قبضته وقال: “كم من الوقت نظنّ أننا قادرون على كسبه؟”
“حسنًا جدًا.” أعادت الصوفيّة بابتسامةٍ وادعة. “بدمكِ إذًا.”
“ثلاثُ دقائق؟” كان حاجبا كريس معقودَين بشدة، وهو يراقب صوفية الدم القرمزية تخرج مجددًا من تلك الكرة المتكوّنة من الدم المتجمّع.
قالت سيرينا بأسى عميق، “أعتذرُ بصدقٍ يا سيدتي… حين تصرّفتُ…”
“بلا طموحٍ على الإطلاق.” هزّ سايمون رأسه بازدراء، وعيناه تتابعان العذراء القرمزية بصرامة. “يجب أن تكون… على الأقل خمسَ دقائق.”
تراءى أمامه وجه ابن عمّه في لحظاته الأخيرة.
كانت العذراء الدموية تتقدّم نحوهما بخطواتٍ بطيئة. “لم أحرّك عضلاتي منذ زمنٍ طويل،” ضحكت بخفّة وهي تتابع، “ولا حيواناتي الأليفة كذلك.”
عادت أفكارُ الماركيز من عشيرة الدم إلى الحاضر بعد أن كان غارقًا في ذكريات مرافق فارسٍ عاش قبل أكثر من ستمئة عام، إلى الواقع — إلى غابة أشجار البتولا التي لا توجد إلا في الإقليم الشمالي من الكوكبة.
تجمّدت تعابير وجهي السَيّافين الدمويين في مكانها.
(ما هذا؟)
رعـد!
كانت سيرينا قد تلقّته بذراعٍ واحدة، فسقطت معه على الأرض المتجمّدة وتدحرجت مرتين. وهي تلهث، رفعت تاليس ممسكة به، فحدّقا ببعضهما وتبادلا شخير الامتعاض.
اهتزّ المكان بأكمله بصوتٍ هائل.
رعـد!
وبين نظراتهما المذعورة، خرج من تحت الأرض المغطاة بالثلج مخلوقٌ يشبه أخطبوطًا ضخمًا قرمزيّ اللون، تسلّق حتى ارتفع في الهواء، وكان بعلوّ عدة رجالٍ، وقد تكوّن جسده من عددٍ لا يُحصى من الأطراف المبتورة.
“لن يفرَّ أحدٌ منكم، مفهوم؟” قال الرأس الذي في صدرها بابتسامةٍ مرِحة وسط نظراتهما المذعورة. “إن علِمَ أولئك بذلك، فسأقع في ورطة كبيرة. لن يفرَّ أحد منكم، أليس كذلك؟”
مدّ أحد مجسّاته الهائلة ورفع صوفية الدم نحو الأعلى.
قطّب تاليس حاجبيه وصاح، “أمتأكدةٌ أنها صوفية الدم وليست صوفية الشجر؟!”
“روووع!” أطلق المخلوق ذو المجسّات القرمزية صرخةً مدوّية، ثم امتدّ من جسده مجسّان آخران ضخمان هاجما عضوي عشيرة الدم من الفئة الفائقة.
“لا أدري…” تمتمت آيدا وقد جمدت ملامحها رعبًا. “لكنّي… لا أريد أن أموت بهذه الطريقة…”
قال سايمون بوجهٍ شاحب: “هل هذا هو ذلك الشيء؟”
(ما الذي يحدث؟)
“آه، يبدو أنّه هو.” تنفّس كريس تنهيدةً عميقة واستعدّ لتفادي الهجوم باكرًا—فهو لم يمتلك سرعة سايمون. “بحسب الأسطورة، خصمُ رايكارو في معركة الإبادة… الهيدرا كيليكا…”
كان الثلاثة يضعون أيديهم على صدورهم وبطونهم وهم ينحنون من شدّة الألم. وسقط أحدهم أرضًا متلوّيًا.
خفقت الأجنحة الهيكلية للمحاربين بقوةٍ وهما يحاولان تفادي المجسّات الهائلة.
رفعت يدها المبتورة.
قال كريس ببطءٍ، “لم أتوقّع فقط… أنّه سيكون… حيوان صوفية الدم الأليف.”
لكنّ سيرينا ضحكت بخفوتٍ، “طالما نموت جميعًا هنا… فسنُحرَّر من لعنته!”
لكنّ كريس وسايمون اللذين كانا في الهواء تجمّدا فجأةً في مكانهما، وخفقت أجنحتهما الهيكلية إلى الخلف، ثم اندفعا نحو الهيدرا بدلًا من الابتعاد عنها!
(لكن لماذا يغادر؟) تساءل سايمون بحيرةٍ، (لقد دُمّر برج الأرواح بالفعل، إلى أين يمكنه أن يذهب؟)
“اللعنة!” حدّق كريس في أجنحته التي خفقت رغم إرادته، ثم نظر برعبٍ إلى المجسّ المتضخّم أمام عينيه.
“آآآه!” ارتفعت فجأةً صرخاتٌ حادّةٌ مؤلمة!
انقسمت المجسّات الضخمة إلى عشراتٍ من المجسّات الأصغر، التي التفت فجأةً بقوةٍ هائلة حول رجلي عشيرة الدم الفائقين وأحكمت وثاقهما.
عقد تاليس حاجبيه باشمئزاز، (أقسم أني لم أرَ مشهدًا مقززًا كهذا في حياتي كلها…)
…..
وفي اللحظة التالية، انكمشت حدقاتُ جميع من شاهد المعركة، بمن فيهم كاترينا وتاليس.
بوووم!
“وووآه!!”
كان تاليس يحدّق مذهولًا في ذلك الأخطبوط الهائل ذي اللون الدموي الذي خرج من باطن الأرض. ولحسن الحظ أنّه لم يتأمل المنظر عن قرب، وإلا لأوشك أن يتقيّأ من رؤية الأطراف المبتورة التي تتلوّى داخله.
خلف بوّابة القصر المظلم.
لكنّ الأختين ذواتي الشعر الفضي لم تفعلا سوى التحديق في بعضهما بشراسة.
Arisu-san
“كلّ هذا الخراب بسببكِ!” انطلقت كاترينا بمخالبها الحادّة، وبريقٌ قاتل يلمع في عينيها.
“آه، آه، آه، آه — لا—”
“بسببي؟ لا.” رغم أنّ سيرينا كانت مصابة بجروحٍ خطيرة، أظهرت مخالبها المتبقية دون أن تتراجع. “أنا نفسي مصيبتك، أليس كذلك؟”
“ما هذا بحقّ الجحيم؟” أشار تاليس إلى الكرة الدموية والأشلاء التي ترقص حولها بمرحٍ مجنون، متمتمًا بذهولٍ لا يصدّق ما يراه.
“تبيعين عائلتنا لصوفية؟! أحمقاءٌ أنتِ؟!” كشّرت كاترينا عن أنيابها الحادّة.
أما صوفية الدم ذات الشكل الغريب فأطلقت سلسلةً طويلة من الضحكات المتقطعة.
انخفض جسد سيرينا وهي تستعدّ لهجومٍ مباغت. “آه، على الأقل لن أقع في أيديكم أيها الأغبياء—”
لكنّ وجهيهما تغيّرا فورًا حين رأتا أنّ كلا عضوي عشيرة الدم الفائقين كانا قد أُمسكا كلٌّ منهما بمِجسٍّ ضخم.
“توقّفا!”
(ما هذا المخلوق؟) تبادل كريس وسايمون النظرات في ذهول.
نظر تاليس إلى الجذور الضخمة التي كانت تتحرّك حولهم بعنفٍ وهو واقفٌ بين الأختين، ثم رفع بصره نحو الأخطبوط الدموي العملاق البعيد، ووضع يده على صدره الصغير المرتجف وقال بيأس، “استراحة! بعد أن ننجو من هذا الكابوس، يمكنكما أن تجدا مكانًا هادئًا وتمزّقا بعضكما إربًا، ولن يشتكي أحد، حسنًا؟!”
أطلق كريس من جانبها تنهيدةً ثقيلة.
زفرت الأختان ببرودٍ وأدارتا وجهيهما في اتجاهين متعاكسين.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
بوووم!
“يبدو أنّ قوّتي لا تؤثّر عليها إطلاقًا.”
لكنّ وجهيهما تغيّرا فورًا حين رأتا أنّ كلا عضوي عشيرة الدم الفائقين كانا قد أُمسكا كلٌّ منهما بمِجسٍّ ضخم.
(دماء، بعثُ نفسها، أشلاءُ موتى… والآن الأشجار أيضًا. يا إلهي، ماذا بعد؟)
قالت سيرينا ببرودٍ وهي تلتفت نحوه، “سنضطرّ للاعتماد على حيلك الآن، أيها الصغير، فبعد كلّ شيء، لك علاقةٌ مشبوهةٌ بالصوفيين…”
“وووآه!”
صرخ تاليس غاضبًا: “انظري من يتّهم الآخر! أنتِ من عقد صفقةً مع الصوفية، وأخذتِ التابوت و…”
“يا سموّك!” صاح كريس كورليوني وهو يقطع يد الصوفيّة الأخرى بمخالبه زاجرًا. “لا يمكنكِ الاستسلام! ما السبب الذي جعلكِ تسلكين هذا الطريق أصلًا؟!”
لكنّ فكرةً لمعت في ذهنه فجأة. التفت نحو التابوت الأسود تحت قدميه، ناظرًا إلى الجذور التي كانت تتلوّى بلا انقطاع، لكنها لم تجرؤ على الاقتراب.
اقتربت الأرض البيضاء بسرعةٍ من عيني تاليس، فما كان منه إلا أن أغمضهما بإحكام…
“هيه.” مدّ تاليس يديه الاثنتين ونقر الأختين الواقفتين إلى جانبيه.
“يا سموّك!” صاح كريس كورليوني وهو يقطع يد الصوفيّة الأخرى بمخالبه زاجرًا. “لا يمكنكِ الاستسلام! ما السبب الذي جعلكِ تسلكين هذا الطريق أصلًا؟!”
“سمعتُ أنّ… هذا التابوت المحطّم هو عتاد اسطوري مضادٌ للصوفيين؟”
وفي تلك اللحظة، اندفع شخصٌ غير متوقّعٍ نحوها دون تردّدٍ وهو يزمجر!
استعاد تاليس ذكرى السيف القصير الرمادي الذي يحمله يودل، وما حدث حين اخترق صدر آسدا. ثم التفت نحو الأختين. “حسب كلامكما، إنّه احد الاسلحة الفريدة القادرة على مواجهة الصوفيين…”
كان سايمون بينهم، يصرخ بكل ما في صدره من قوّة. وقد منحه ذلك ثقةً كبيرة في دخوله ساحة القتال لأول مرّة.
حدّقت كاترينا في سيرينا المقابلة لها، وهزّت رأسها ببرود، “لا فائدة… وظيفة التابوت الاسود لليل المظلم الوحيدة هي حبسهم.”
في اللحظة التالية، اندفع سايمون كورليوني نحوها بسرعةٍ لا تُرى بالعين، والجرأة تتفجّر في عينيه، فمدّ يده وسلّ سيفه القاطع، وقطع رأس الفتاة الدموية الحيّة، فطار الرأس بعيدًا في الهواء!
تجمّد تاليس لحظةً، ثم حكّ رأسه وسأل: “حبسهم؟ أليس ذلك كافيًا؟ تلك المخلوقة المقززة…”
تجمّد كريس في مكانه من الدهشة والذهول، وهو يرى الصوفية تمتصّ دمه. (كأنّها تناولت لتوّها عقاقير من أنقى أنواع السموم وأغلاها). فتحت فمها بتنهيدة إعجابٍ مبالغٍ فيها، ثم بكلّ بساطةٍ انتزعت رأسها الذي نما في موضعٍ خاطئ—
“أحمق، ما قصدَته هو أنّ التابوت الأسود قد حبس صوفيًّا واحدًا بالفعل.” تحت نظرات تاليس الحائرة، رمقت سيرينا كاترينا باشمئزاز.
“حقًا.” ابتسمت صوفية الدم ابتسامةً صغيرةً فاتنة. “وعدٌ تحقّق بعد مئتي عامٍ من التأخّر.”
ثم قالت موجّهةً حديثها إليه، “إن أردنا أن نحجز صوفية الدم… فعلينا أولًا أن نُطلِق سراح من هو محبوسٌ بداخله.”
كانت العذراء الدموية تتقدّم نحوهما بخطواتٍ بطيئة. “لم أحرّك عضلاتي منذ زمنٍ طويل،” ضحكت بخفّة وهي تتابع، “ولا حيواناتي الأليفة كذلك.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثم رأى الفرسان يزأرون بصوتٍ واحد، ممسكين برماحهم أفقيًا، منقضّين صفًّا واحدًا نحو العدو. ظهرت قوى خارقة شتّى على الفرسان، ورأى القوّة التي تُدرَّس في قاعة الفرسان تتجلّى أيضًا في يد ابن عمّه. لوّح إنريكي برمحه، وأمسكه أفقيًا موجّهًا إياه نحو العدو. رأى نفسه يرفع سيفه الطويل عاليًا، ويزأر غاضبًا بينما يتقدّم مع صفوف المشاة.
ولم تكن اليد وحدها التي تتحرك بنفسها؛ بل الأرجل تتدحرج، والشفاه تتفتح وتنغلق متقدّمةً نحو تلك الكرة، والكبد ينبض ويتمدد، والأعضاء الداخلية تتلوّى حيةً، والعيون تتدحرج، والدماغ يتكور متثاقلًا، فيما الزوائد العصبية تزحف كالأفاعي!
