Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 97

بحرنا الداخلي
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

بحرنا الداخلي

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تدحرجت عينا تاليس وهو يفكر (هل هذا سرٌّ آخر لا أعلمه؟)

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كان الآرشيدوق مرتديًا رداءً سميكًا مُبطّنًا بدرعٍ ثقيل من السلاسل، يمتطي جوادًا شماليًّا قويًّا وصحيح البنية. وخلفه فرسانٌ يحملون راياتٍ منقوشًا عليها شعارُ قبضةٍ حديديةٍ تمثّل آل لامبارد. ووراءهم معسكراتٌ عسكريةٌ متكاثفة، يُغادرها بين الفينة والأخرى فرسانُ استطلاعٍ صغار الرتبة أو فرقُ مشاةٍ يجتازون الحدود بلامبالاة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

تعثّر لسان تاليس للحظة.

Arisu-san

قالت بصوتٍ خافت، “تعلم، ربما نستطيع حقًا أن نصبح حلفاء.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“ولا تنسَ بحرنا الداخلي.”

الفصل 97: بحرُنا الداخلي

وفي اللحظة التالية، اختفت ملكة الليل ورفاقها عن ناظريه مع التابوت الأسود.

….

كاترينا، التي قوطعت بطريقة أربكتها، تجمّدت للحظة، وشفاهها المفترقة لم تستطع أن تنغلق في الوقت المناسب.

بُني حصنُ التِّنين المحطم في السهول الشماليّة، عند نقطة الالتقاء بين مملكة الكوكبة ومملكة إكستيدت. كان الجسدُ الرئيسيّ للحصن قائمًا على أرضٍ مرتفعة، ولم يَبْعُد سوى بضع مئات من الأمتار عن الحدود الفاصلة بين المملكتين التي حدّدتها “معاهدة الحصن”.

(حبكِ الأول… لا بد أن ذلك الرجل قد عانى كثيرًا، حقًا.)

لقد أنشأت حربُ شبه الجزيرة الثالثة، قبل أكثر من ثلاثمائة عام، أسطورة الأبطال الثلاثة بين الغربيين — شارا، وكابلان، وميدير. غير أنّ صداقةَ شارا البطل من إكستيدت، وميدير حافظ العهد من الكوكبة، انهارت بعد نهاية الحرب، وانتهت أخوّتهما، الأمر الذي جعل عددًا لا يُحصى من المؤرخين والشعراء يُبدون الحسرةَ والأسى. كما أنَّ انقضاء تلك الأخوّة أدّى إلى انهيار التحالف بين التنّين العظيم والكوكبة.

اتسعت عينا تاليس بدهشة، ونظر إليها باستفهام.

ومن ثَمَّ، أُقيم حصنُ التنين المحطم عند حدود المملكتين، جامعًا بين الأهمية السياسية والغاية العسكرية. وهنا تحديدًا وُقّعت “معاهدة الحصن” الشهيرة بين الكوكبة وإكستيدت قبل اثني عشر عامًا.

ومن ثَمَّ، أُقيم حصنُ التنين المحطم عند حدود المملكتين، جامعًا بين الأهمية السياسية والغاية العسكرية. وهنا تحديدًا وُقّعت “معاهدة الحصن” الشهيرة بين الكوكبة وإكستيدت قبل اثني عشر عامًا.

كانت السهولُ الشمالية الممتدّة على مدى أميالٍ عديدة المكانَ الوحيد بين المملكتين الذي يُمكن فيه حشد أعدادٍ كبيرة من الجنود دون الاضطرار لاجتياز الغابة الثلجية الهائلة. غير أنّ حُمَاةَ حصن التنين المحطم كانوا قادرين على رؤية أيّ مجموعةٍ تتجاوز عشرة أشخاص تصعد من جهة إكستيدت. أما من ناحية الكوكبة، فقد كان قصرُ آل آروند المسمّى “القلعة الباردة”، ومدينةُ آل زيمونتو المراقبة، إلى الجنوب الغربي من الحصن، في حين وُجد برجُ آل فريس القديم المنعزل في الشمال، وجميعُهم قادرون على مؤازرة الحصن في أيّ لحظة. وإن تعرّض أحدُ تلك القصور للحصار، فإنّ حصن التنين المحطم يستطيع تحذيرهم في الوقت المناسب.

قالت كاترينا ببطء، “حين مددتَ عنقك نحوي… كانت خطتي الأصلية أن أمتص دمك حتى آخر قطرة.”

لم يكن الحصنُ قلعةً وحيدة، بل كان يتكوّن من الجسد الرئيسيّ النّجميّ الشكل — وهو أكبر وأرسخُ الأبنية على المرتفع — تحيط به ثمانية حصونٍ متوسّطة الحجم تُراقب الأطراف وتحرس بعضها بعضًا، وإلى أبعد من ذلك اثنتا عشرة نقطة حراسةٍ بسيطة.

الفصل 97: بحرُنا الداخلي

وللظَّفر بحصن التنين المحطم، لا بُدّ من اقتحام خنادقَ لا تُحصى وتحطيم حواجزَ الحصون، ثم إسكات تهديد الأقواس في الحصون الثمانية واحدًا تلو الآخر. بعدئذٍ فقط يمكن بلوغ الجسد الرئيسي عبر المنحدرات الثلاثة الضيّقة الوحيدة التي تؤدّي إليه، وحينها، وفي ظلّ تضييق التضاريس، لا بدّ من شنّ حصارٍ على جدارٍ يتجاوز ارتفاعُه عشرة أمتار، مع التعرّض لنيران بنادق الصوفيّين المنصوبة على الجدران النجمية المحدّبة.

أجاب الفيكونت كينتفيدا بانحناءة: “لقد وصل مبعوثُ الملك نوڤين، ولا نستطيع كبحه طويلًا، فكما تعلم، نحن نحشد القوات بذريعة الثأر للأمير موريا. ثمّ سمعتُ أنَّ أمير الكوكبة في طريقه وسيصل قريبًا.”

ولو التفّت القوّاتُ الرئيسيّة حول الحصن وتوجّهت مباشرةً جنوبًا نحو المدن الهامّة في الكوكبة، لصار هذا الحصنُ — الذي يسعُ عشرة آلاف مقاتل ومؤنًا وافرة، وتَرابط في قاعدته قوّاتٌ قادرة على شنّ هجومٍ في أيّ لحظة — خطرًا داهمًا في خاصرتهم.

حين رفع آرشيدوق الرمال السوداء في إكستيدت، تشابمان لامبارد ذو الواحد والأربعين عامًا، بصرَه إلى هذا العملاق من الجهة الشمالية للحصن تحت ضوء القمر، شعر بتهديدٍ بالغٍ صادرٍ عن حصن التنين المحطم، إذ كان يسهلُ الدفاعُ عنه ويصعبُ الهجومُ عليه.

“هذا تذكار عائلة كورليوني، أنياب الدم…” قالت الملكة كاترينا بوجهٍ جاد. “إن غيّرت رأيك يومًا ما… فتعال إليّ وأحضر هذا معك.”

منذ أن خاض مبارزةً عادلةً مع أخيه الأكبر أمام أبيه والعائلة بأسرها قبل اثني عشر عامًا، وانتزع حقَّ وراثة إقليم الرمال السوداء بأن اخترق قلبَ أخيه بسيفه، أخذ طموحُ تشابمان لامبارد يجنحُ نحو الغلوّ بلا كابح، فحلم بأن يرفع مجدَ آل لامبارد إلى مقام الملوك المنتخبين، وأن يجعل مدينة الرمال السوداء عاصمةَ إكستيدت، وأن يضمَّ الإقليمَ الشماليّ من الكوكبة إلى سلطته، فيُعيد توحيد أرض الشمال القديمة التي انقسمت بين المملكتين.

(هذا… أهو مثل حكاية المزارع والأفعى في خرافات إيسوب؟)

كان الآرشيدوق مرتديًا رداءً سميكًا مُبطّنًا بدرعٍ ثقيل من السلاسل، يمتطي جوادًا شماليًّا قويًّا وصحيح البنية. وخلفه فرسانٌ يحملون راياتٍ منقوشًا عليها شعارُ قبضةٍ حديديةٍ تمثّل آل لامبارد. ووراءهم معسكراتٌ عسكريةٌ متكاثفة، يُغادرها بين الفينة والأخرى فرسانُ استطلاعٍ صغار الرتبة أو فرقُ مشاةٍ يجتازون الحدود بلامبالاة.

كان تاليس يرقب سونيا وآيدا عن بُعد وهما تتفحّصان المكان بيقظة، ثم التفت إلى كاترينا، التي أحاط بها نخبةُ محاربي الحصن، وإلى المحاربان من عشيرة الدم الواقفين خلفها اللذين لم يُعثر عليهما إلا بعد المعركة.

اندفع من الأمام فارسٌ قويّ الجسد، صارمُ الطلعة، يعتمر خوذةً رمادية — إنّه أحد “قادة الحرب الخمسة” في إكستيدت، اللورد توليا — فأمسك لجامَ حصانه أمام لامبارد وانحنى باحترام. أومأ لامبارد دون أن يغيّر ملامحه.

رفع الآرشيدوق لامبارد يده ببطءٍ وأوقف جدالَ مرؤوسيه الثلاثة.

قال توليا بصوتٍ أجشّ, “سواءٌ كانت قوافل أو صيادين أو إمداداتٍ أو فرقَ استطلاعٍ معادية، فقد أزلناهم جميعًا من الطريق ونشرنا حرسنا المتنقّل هناك. إن قدِمَت القلعةُ الباردة لآل آروند أو العائلتان الأخريان لنجدتهم، فسنعلَم في اللحظة الأولى… هل نحن حقًّا نهاجم؟”

“لا، من فضلك اعتبر صدقي معك دليلًا على إخلاصي في السعي للتحالف. لم أخفِ عنك شيئًا، ولن أخفي بعد الآن. هذا أمرٌ لا تقدر عليه سيرينا التي تمضي حياتها في التمثيل.”

أجابه فارسٌ يرتدي درعًا من الصفائح يقف خلف الآرشيدوق، “بالطبع! لدينا أكثر من ثلاثة عشر ألف جندي. لدينا فرسانُ استطلاعٍ خفاف، وفرسانٌ مدرّعون، وجلادون مختارون بعناية ومزودون بتجهيزات خفيفة، ومرتزقة، وعددٌ كافٍ من الرماة. كما أعددنا بنادق الصوفيّين والمنجنيقات وسائر أدوات الحصار. نحن متفوّقون عددًا ونوعًا، والانتصارُ عليهم أيسرُ من قلب الكفّ!”

“لكن عقد تحالفٍ مع الخالدين ليس أمرًا محمودًا بين البشر… لذا قبل أن تحسم أمرك، أبقه سرًّا. أنصحك أن تحتفظ بهذا التذكار بنفسك.”

كان المتكلّم هو الدَّاعم الأوّل للآرشيدوق وتابعه الأقرب، الكونت ليفان.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

هزّ توليا رأسه وقال، “ذلك في الحرب المكشوفة، أمّا إن تحصّنوا داخل حصن التنين المحطم فسيصعب علينا النصر بسهولة. منذ أن سقط الحصن في أيدينا آخر مرة، زادوا تحصيناته. أظنّ أنّهم زوّدوه بنصف بنادق الصوفيّين ومقاليع الدفاع في المملكة… إنّ حصارَه بالقوة لن يجرّ إلا إلى خسائر جسيمة.”

“كلّ ما عليك أن تعرفه هو أنّ ظهور الصوفيين علنًا دائمًا ما يكون مجازفةً منهم، وبعدها يختفون زمنًا طويلًا في صمت. والمعدات الأسطورية ليست الخطرَ الوحيد الذي يُهددهم.”

وفكّر توليا في نفسه, (ما دام هذان الاثنان داخل حصن التنين المحطم، فحتى لو واجهنا جموعًا فوضوية، علينا أن نكون على أقصى درجات الحذر.)

انطلقت نظراتها البنفسجية نحوه كالسهام.

رفع الكونت ليفان رأسه بثبات وقال بعزم, “لقد حرّكنا هذا العدد الهائل من الجنود، فلا يُعقل أن نعود بخُفيّ حُنين… إن استطعنا انتزاع حصن التنين المحطم، فبعضُ الخسائر أمرٌ يمكن احتماله.”

بعد برهةٍ طويلة، أطلق الآرشيدوق لامبارد زفرةً ثقيلة، وألقى ببصره نحو حصن التنين المحطم المقابل، وتنهد قائلًا:

قال صوتٌ خلفهم, “عدوُّنا ليس الحصن وحده، بل الطقس أيضًا…”

حين رفع آرشيدوق الرمال السوداء في إكستيدت، تشابمان لامبارد ذو الواحد والأربعين عامًا، بصرَه إلى هذا العملاق من الجهة الشمالية للحصن تحت ضوء القمر، شعر بتهديدٍ بالغٍ صادرٍ عن حصن التنين المحطم، إذ كان يسهلُ الدفاعُ عنه ويصعبُ الهجومُ عليه.

التفتوا فرأوا الجنرال الحكيم ومستشار الآرشيدوق، الفيكونت كينتفيدا، يمتطي جوادَه خلفهم. قال: “سيحلُّ اليومُ السابق للشتاء القارس أبكرَ من الأعوام السابقة، وهذه ليست ساعةَ تقدمٍ مواتية. إنّ نقلَ الإمدادات في مثل هذه الظروف بالغُ الصعوبة، وإن طال الحصارُ أو تعثّر، فإنّ انتظارَ الربيع يمنحنا فرصةً أعظم للاستيلاء على الحصن.”

قال توليا بصوتٍ أجشّ, “سواءٌ كانت قوافل أو صيادين أو إمداداتٍ أو فرقَ استطلاعٍ معادية، فقد أزلناهم جميعًا من الطريق ونشرنا حرسنا المتنقّل هناك. إن قدِمَت القلعةُ الباردة لآل آروند أو العائلتان الأخريان لنجدتهم، فسنعلَم في اللحظة الأولى… هل نحن حقًّا نهاجم؟”

لكنّ الكونت ليفان أصرّ وقال بعزمٍ، “بل بسبب قلّة الإمدادات يجب أن نتحرّك سريعًا! إنّ القتالَ في الشتاء لصالِحنا، فالبردُ القارسُ سيضرب الكوكبة بشدّة. قبل اثني عشر عامًا استولينا على الحصن في مثل هذا الوقت.”

“كما أنّ هناك بضعَة آلافٍ من قوّات التابعين يتّجهون إلى هنا تباعًا. ورغم أن سجن آروند أدّى إلى انقسام الجنود في الحصن وانسحاب معظمهم، فإنّ ابنة آروند الوحيدة ما تزال في الحصن. ووفقًا لاستطلاعات الكشّافة، فقد بقي هناك ما لا يقلّ عن خمسمائة منهم.”

هزّ توليا رأسه، “لكن ذلك كان أدفأ شتاءٍ منذ عقود! وفي تلك الحقبة، كانوا منشغلين بأوضاعهم الداخليّة، ولم تصلهم إمداداتُ الشمال. أمّا نحن يومها فكان لدينا الجيوش السبعة التابعة للآرشيدوقات السبعة. كما أنّنا تمكّنا من تجديد مؤننا بعد كسر الحصن والتوجّه جنوبًا.”

كانت الدهشة والذهول بادية على وجهه.

رفع الآرشيدوق لامبارد يده ببطءٍ وأوقف جدالَ مرؤوسيه الثلاثة.

(ينظر إلى شفتيها، ولسببٍ ما، يخطر بباله طعمُهما.)

سأل بصوتٍ غليظٍ خافتٍ يحمل رهبةً تُخرس الألسنة: “كيف هو الوضع في المؤخرة؟”

تغيّر وجه تاليس مراتٍ عدة. شعر بضعف جسده، ولمس موضعي الثقبين في عنقه اللذين التأما، ثم رفع رأسه ونظر إلى كاترينا بعينين مندهشتين غاضبتين.

أجاب الفيكونت كينتفيدا بانحناءة: “لقد وصل مبعوثُ الملك نوڤين، ولا نستطيع كبحه طويلًا، فكما تعلم، نحن نحشد القوات بذريعة الثأر للأمير موريا. ثمّ سمعتُ أنَّ أمير الكوكبة في طريقه وسيصل قريبًا.”

قطّب تاليس حاجبيه.

تأمّل لامبارد لحظةً ثمّ سأل، “أسرتا أُولسيوس من إقليم الاوركيد المرموقة، وترينتيدا من برج الإصلاح، ألم تُجيبا بعد؟ بصفتهما آرشيدوقين من جنوب إكستيدت، فلابدّ أن لديهما سببًا كافيًا لإرسال جنودهما.”

كان النابان يبدوان شرسين بدائيين، تغشاهما خطوطٌ دقيقة بلون الدم.

ردّ كينتفيدا بجدّية، “بالتأكيد وصلهما خبر الزيارة الدبلوماسية لأمير الكوكبة. ورغم أنّهما قد يجنيان مكاسبَ من انتزاع الإقليم الشمالي، إلا أنّ ترددهما لا يقلّ عن سائر الآرشيدوقات.

ملكة الليل، التي حافظت دائمًا على ملامح صارمة، أرخَت زوايا شفتيها فجأة بابتسامة خفيفة.

نحن… أخشى أننا سنضطر للاعتماد على أنفسنا.”

قالت بصوتٍ خافت، “تعلم، ربما نستطيع حقًا أن نصبح حلفاء.”

بعد برهةٍ طويلة، أطلق الآرشيدوق لامبارد زفرةً ثقيلة، وألقى ببصره نحو حصن التنين المحطم المقابل، وتنهد قائلًا:

(بغضّ النظر عن الكراهية… ربما هذه الملكة تشبه أختها الكبرى أكثر مما تظن.)

“الاعتماد على أنفسنا…؟”

كان المتكلّم هو الدَّاعم الأوّل للآرشيدوق وتابعه الأقرب، الكونت ليفان.

“ساسيري، تلك المرأة لا تملك سوى أكثر من ثمانمائة رجل. غير أنّ ما لا يقلّ عن ثلاثمائة منهم من المحاربين المخضرمين في كتيبة ضوء النجوم. إنهم ليسوا فرسانًا ماهرين في الركوب فحسب، بل مقاتلون أشدّاء في الهجوم والدفاع. وقد قاتلتَها من قبل، فلا بدّ أنكم جميعًا تدركون هذا جيدًا.”

“القبلة الأولى؟ يا للسخف!”

“أمّا مورك، فقد وصل بأكثر من ألفَي رجل. ورغم أن معظمهم جنودُ حراسة لم يَروا الدم من قبل، إلا أن ذلك الرجل مخيفٌ للغاية. فبخمسمائة مقاتلٍ مخلصٍ وجسورٍ من حملة السيوف والدروع وحدهم، يستطيع أن يُحدث فوضى عظيمة في ساحة المعركة.”

بعد برهةٍ طويلة، أطلق الآرشيدوق لامبارد زفرةً ثقيلة، وألقى ببصره نحو حصن التنين المحطم المقابل، وتنهد قائلًا:

“كما أنّ هناك بضعَة آلافٍ من قوّات التابعين يتّجهون إلى هنا تباعًا. ورغم أن سجن آروند أدّى إلى انقسام الجنود في الحصن وانسحاب معظمهم، فإنّ ابنة آروند الوحيدة ما تزال في الحصن. ووفقًا لاستطلاعات الكشّافة، فقد بقي هناك ما لا يقلّ عن خمسمائة منهم.”

لكن حين لمح الجنود والمقاتلين النخبويين من حوله، شعر ببعض الطمأنينة.

“من دون قوّة العَسكر التابعة للآرشيدوقات الآخرين، سنُضطرّ إلى قتالٍ مريرٍ إن أردنا الاستيلاء على حصن التنين المحطم.”

قال صوتٌ خلفهم, “عدوُّنا ليس الحصن وحده، بل الطقس أيضًا…”

أورثت كلمات الآرشيدوق لامبارد الصمتَ بين الرجال الثلاثة.

“كلّ ما عليك أن تعرفه هو أنّ ظهور الصوفيين علنًا دائمًا ما يكون مجازفةً منهم، وبعدها يختفون زمنًا طويلًا في صمت. والمعدات الأسطورية ليست الخطرَ الوحيد الذي يُهددهم.”

تحدث الكونت ليفان مقطبًا حاجبَيه٫ “أن يُحشر ثلاثةُ آلاف رجلٍ داخل حصنٍ واحد… ومع مؤن الشمال الشحيحة، إلى متى يمكنهم الصمود؟”

لكن حين لمح الجنود والمقاتلين النخبويين من حوله، شعر ببعض الطمأنينة.

هزّ الفيكونت كينتفيدا رأسه. “لقد بُني ذلك الحصن ليستوعب عشرةَ آلاف رجل. وفيه احتياطاتٌ كافية تكفيهم حتى اليوم السابق للشتاء القارس.”

وكان حصنُ التنين المحطم شاخصًا أمامهم، يمكن تمييزُ شكله النجميّ المهيب بوضوحٍ تحت ضوء القمر.

ثمّ أضاف بلهجةٍ واقعية، “اعذرني على صراحتي، لكن بما أننا الطرف المحاصر، فإنّ ضغط الإمدادات علينا أعظم بكثير من ضغطهم. قبل اثني عشر عامًا كانت إكستيدت بأسرها خلفنا. أمّا الآن، وبسبب ذلك الأمير الميت الذي جاء ليعتذر… فنحن معزولون وضعفاء كإقليم الشمال نفسه.”

كانت ملامح كاترينا جامدةً كالعادة، فأومأت برأسها نفيًا، “هذا هو الوقت الأمثل للمغادرة. على الأقل، لن تجرؤ صوفيّة الدم على التسلل قريبًا من هذا المكان.”

قال توليا مؤيدًا كلمات المستشار الحكيم، “سيحلّ اليومُ السابق للشتاء القارس في أقلّ من أسبوعين. وإن لم نظفر بفرصةٍ مواتية، فلا أنصح بأن نهاجم قسرًا.”

لقد ارتفع القمر.

زمجر الكونت ليفان بغضب، “وحين يصل ذلك الأمير، سيغدو إرسالُ الجيوش أمرًا مستحيلًا! وبعد عشرة أعوام أخرى، ستتعافى الكوكبة تدريجيًا من ضعفها، كما ستتخلّص الممالك الأخرى من مشكلاتها. وفوق ذلك…”

(واو… حتى ملكة الجليد هذه كان لها حبٌّ أول؟)

توقّف لحظة.

“ثِق بي، ما دامت قد أظهرت نفسها وأحدث فوضى كهذه، فسيكون هناك من يراقب تحركاتها ونيّتها… كقسم الاستخبارات السرية في مملكتك مثلًا. ورغم أن الصوفيين مرعبين، إلا أنّ في هذا العالم قوى قادرةً على كبحهم.”

“إن لم يعش نوڤين السابع حتى ذلك الحين… فربما يُعقد اختيارُ ملكٍ جديدٍ في إكستيدت.”

تنهد تاليس ونظر إلى الظلام حيث اختفت كاترينا..

قال الكونت ليفان بنبرةٍ تنضح بالحقد. “كيف يمكننا أن نُهدر مثل هذه الفرصة؟”

تنهد تاليس، وشعر بشيءٍ من الشجن، ثم همّ بالرحيل.

لم ينطق الثلاثة الآخرون بكلمة.

(هذا… أهو مثل حكاية المزارع والأفعى في خرافات إيسوب؟)

قال تشابمان لامبارد وهو يزفر ببطءٍ فتخرج من فمه سحابةُ بخارٍ بيضاء، عاقدًا ناظرَه على الحصن المقابل: “كلا. نحن أبناءُ الشمال.”

ردّ كينتفيدا بجدّية، “بالتأكيد وصلهما خبر الزيارة الدبلوماسية لأمير الكوكبة. ورغم أنّهما قد يجنيان مكاسبَ من انتزاع الإقليم الشمالي، إلا أنّ ترددهما لا يقلّ عن سائر الآرشيدوقات.

تذكّر لامبارد أخاه الأكبر… كيف قبض على سيفه ويداه ملطّختان بالدم، ونظرتَه الأخيرة حين مات وهو يضحك ضحكةَ بطلٍ محتضر.

لكن عندها دوّى في أذنه صوتٌ خافت — تواصلٌ ذهنيّ سريّ لا يسمعه إلا أبناء عشيرة الدم.

“أبناءُ الشمال لا ينتظرون الفرص، ولا يتخلّون عنها.”

قالت كاترينا: “بعد أن نُقيم التحالف، يمكننا استمالةُ زعيم حوريات جزر الضباب. بذلك نطردُ هانبول وصيّادي الحيتان من اتحاد التجارة، ولن يكون من المستحيل أن نجعل بحر الإبادة الجنوبي بحرَنا الداخليّ.

ثمّ استدار الآرشيدوق، وفي ملامحه قسوةٌ أشدُّ من برد الطقس، وقال:

قطّب تاليس حاجبيه.

“نحن نَصنع الفرص.”

بعد برهةٍ طويلة، أطلق الآرشيدوق لامبارد زفرةً ثقيلة، وألقى ببصره نحو حصن التنين المحطم المقابل، وتنهد قائلًا:

…..

(سأتخلص منه حالما أعود.)

لقد ارتفع القمر.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

وكان حصنُ التنين المحطم شاخصًا أمامهم، يمكن تمييزُ شكله النجميّ المهيب بوضوحٍ تحت ضوء القمر.

“أعتقد أنك ناضجٌ بما يكفي لتُميز إن كنتُ صادقة أم لا.” قالت كاترينا بنبرة هادئة، “أنت تعلم أنني لا أتعامل معك كطفل.”

كان تاليس يرقب سونيا وآيدا عن بُعد وهما تتفحّصان المكان بيقظة، ثم التفت إلى كاترينا، التي أحاط بها نخبةُ محاربي الحصن، وإلى المحاربان من عشيرة الدم الواقفين خلفها اللذين لم يُعثر عليهما إلا بعد المعركة.

قال تاليس متنهّدًا، “حسنًا، ما دمتِ مُصرّة، عليك أن تعلمي أن جميع الفئات الفائقة إلى جانبك قد ماتت في المعركة، وسيرينا ربما ما زالت مختبئةً في الظلام بانتظار فرصةٍ لتضرب، وفوق ذلك أنتِ تحملين وتحرسين قطعةً أسطورية مضادةً للصوفيين.”

قطّب تاليس حاجبيه وقال مخاطبًا كاترينا التي أمامه، “هل أنتِ واثقةٌ من رغبتك في الرحيل الآن؟ ربما تكون صوفيّة الدم متربصة على الطريق الذي ستسلكينه عائدةً.”

كانت الدهشة والذهول بادية على وجهه.

كانت ملامح كاترينا جامدةً كالعادة، فأومأت برأسها نفيًا، “هذا هو الوقت الأمثل للمغادرة. على الأقل، لن تجرؤ صوفيّة الدم على التسلل قريبًا من هذا المكان.”

تنهد تاليس ونظر إلى الظلام حيث اختفت كاترينا..

قال تاليس بجدية، “هذا خطرٌ بالغ. أنتِ تعلمين أن الصوفيّة الدمويّة جاءت من أجل التابوت الأسود…”

تأمل تاليس وقال، “أتقصدين المعداتَ الأسطورية المضادّة للصوفيين؟ لكنها نادرةٌ للغاية، فعددها قليل…”

“ثِق بي، ما دامت قد أظهرت نفسها وأحدث فوضى كهذه، فسيكون هناك من يراقب تحركاتها ونيّتها… كقسم الاستخبارات السرية في مملكتك مثلًا. ورغم أن الصوفيين مرعبين، إلا أنّ في هذا العالم قوى قادرةً على كبحهم.”

لكنّ الكونت ليفان أصرّ وقال بعزمٍ، “بل بسبب قلّة الإمدادات يجب أن نتحرّك سريعًا! إنّ القتالَ في الشتاء لصالِحنا، فالبردُ القارسُ سيضرب الكوكبة بشدّة. قبل اثني عشر عامًا استولينا على الحصن في مثل هذا الوقت.”

تأمل تاليس وقال، “أتقصدين المعداتَ الأسطورية المضادّة للصوفيين؟ لكنها نادرةٌ للغاية، فعددها قليل…”

“ألا ترين أن هناك خللًا ما في هذا المنطق؟” قال بسخرية.

جعلته كلماتُ كاترينا يحكّ رأسه وهو يقول، “ما زلتُ صغيرًا ولا أعلم الكثير من الأسرار.”

ارتجف تاليس بعنف. “ماذا؟!”

“كلّ ما عليك أن تعرفه هو أنّ ظهور الصوفيين علنًا دائمًا ما يكون مجازفةً منهم، وبعدها يختفون زمنًا طويلًا في صمت. والمعدات الأسطورية ليست الخطرَ الوحيد الذي يُهددهم.”

حكّ رأسه بخجل. “كنتُ أقول… اريسو سان يريد معرفة ذلك، أحم، لا… أقصد أن كثيرين في شبه الجزيرة الشرقية يهتمون بهذا الأمر، لذلك أردت أن أعرف إن كنتُ قد أسأتُ إليكِ في شيءٍ ما، حتى أعتذر…”

تلاقى نظرُهما لحظةً قصيرة.

كان المتكلّم هو الدَّاعم الأوّل للآرشيدوق وتابعه الأقرب، الكونت ليفان.

قال تاليس متنهّدًا، “حسنًا، ما دمتِ مُصرّة، عليك أن تعلمي أن جميع الفئات الفائقة إلى جانبك قد ماتت في المعركة، وسيرينا ربما ما زالت مختبئةً في الظلام بانتظار فرصةٍ لتضرب، وفوق ذلك أنتِ تحملين وتحرسين قطعةً أسطورية مضادةً للصوفيين.”

كانت السهولُ الشمالية الممتدّة على مدى أميالٍ عديدة المكانَ الوحيد بين المملكتين الذي يُمكن فيه حشد أعدادٍ كبيرة من الجنود دون الاضطرار لاجتياز الغابة الثلجية الهائلة. غير أنّ حُمَاةَ حصن التنين المحطم كانوا قادرين على رؤية أيّ مجموعةٍ تتجاوز عشرة أشخاص تصعد من جهة إكستيدت. أما من ناحية الكوكبة، فقد كان قصرُ آل آروند المسمّى “القلعة الباردة”، ومدينةُ آل زيمونتو المراقبة، إلى الجنوب الغربي من الحصن، في حين وُجد برجُ آل فريس القديم المنعزل في الشمال، وجميعُهم قادرون على مؤازرة الحصن في أيّ لحظة. وإن تعرّض أحدُ تلك القصور للحصار، فإنّ حصن التنين المحطم يستطيع تحذيرهم في الوقت المناسب.

أظلمت نظراتُ كاترينا لحظةً وهي تتذكّر هيستاد وسايمون، ثمّ رفعت رأسها وقالت بعزم، “أتوق إلى ظهور سيرينا.” وانعكس في عيني “ملكة الليل” بريقُ حقدٍ دامٍ. “أمّا التابوت الأسود لليل المظلم، فربما هو قطعةٌ أسطورية يرغب كثيرٌ من ذوي النفوذ في امتلاكها، لكن لا تقلق، فباستثناء الصوفيين المرعبين، لن يجرؤ أحدٌ آخر على لمسها.”

“ساسيري، تلك المرأة لا تملك سوى أكثر من ثمانمائة رجل. غير أنّ ما لا يقلّ عن ثلاثمائة منهم من المحاربين المخضرمين في كتيبة ضوء النجوم. إنهم ليسوا فرسانًا ماهرين في الركوب فحسب، بل مقاتلون أشدّاء في الهجوم والدفاع. وقد قاتلتَها من قبل، فلا بدّ أنكم جميعًا تدركون هذا جيدًا.”

“لا…” فكّرت كاترينا. “ربما باستثناء أقاربي أولئك في تَلّ الوليمة الكبرى. فبعد كلّ شيء، إنّه نذرُ عشيرة الدم بأسرها أن تحرس تابوت الليل المظلم.”

“لقد عشتُ أطول من مجموع أعمار أسلافك أجمعين!”

تدحرجت عينا تاليس وهو يفكر (هل هذا سرٌّ آخر لا أعلمه؟)

كاترينا، التي قوطعت بطريقة أربكتها، تجمّدت للحظة، وشفاهها المفترقة لم تستطع أن تنغلق في الوقت المناسب.

ثم أومأ وقال، “رغم أنه يمكن القول إنّ سوء حظّنا اليوم سببه بعضُنا بعضًا، بالديون الدموية والعداوات والجمائل التي بيننا، فإني أرجو ألّا نصبح أعداءً. بل في الحقيقة، أرجو ألّا نلتقي ثانية.”

بدا كذكرى من حياةٍ سابقة.

حدّقت كاترينا فيه بتمعّنٍ بضع ثوانٍ طويلة حتى رفع حاجبَيه بدهشة.

تخيّل كلَّ ذلك الزيت الأبديّ الذي تبتلعه هانبول واتحادُ التجارة سويًّا…”

قالت بصوتٍ خافت، “تعلم، ربما نستطيع حقًا أن نصبح حلفاء.”

“حسنًا إذن.” تنهد تاليس، ثم رفع رأسه وقال بجدية: “أتمنى لكِ التوفيق.”

اتّسعت عينا تاليس دهشةً.

“اعتنِ بنفسك، أيها الأمير الصغير تاليس.” أومأت كاترينا بوجهٍ خالٍ من التعابير، ثم استدارت ومضت نحو أتباعها والتابوت الأسود.

قالت ملكةُ الليل ببرود، “لقد سمعتُ كلامَ سيرينا. لقد تغيّر وضعُ شبه الجزر. أنتم لكم صِلاتٌ بسلالة الفجر والظلام، وإكستيدت على وفاقٍ مع هانبول. وبما أن الكوكبة قد كُتب عليها أن تكون عدوّةً لهانبول، فلدينا عدوٌّ مشترك.”

…..

قطّب تاليس حاجبيه.

كان الآرشيدوق مرتديًا رداءً سميكًا مُبطّنًا بدرعٍ ثقيل من السلاسل، يمتطي جوادًا شماليًّا قويًّا وصحيح البنية. وخلفه فرسانٌ يحملون راياتٍ منقوشًا عليها شعارُ قبضةٍ حديديةٍ تمثّل آل لامبارد. ووراءهم معسكراتٌ عسكريةٌ متكاثفة، يُغادرها بين الفينة والأخرى فرسانُ استطلاعٍ صغار الرتبة أو فرقُ مشاةٍ يجتازون الحدود بلامبالاة.

“كِدتُ أنسى… إنّها ملكة.”

ردّ كينتفيدا بجدّية، “بالتأكيد وصلهما خبر الزيارة الدبلوماسية لأمير الكوكبة. ورغم أنّهما قد يجنيان مكاسبَ من انتزاع الإقليم الشمالي، إلا أنّ ترددهما لا يقلّ عن سائر الآرشيدوقات.

قالت كاترينا: “بعد أن نُقيم التحالف، يمكننا استمالةُ زعيم حوريات جزر الضباب. بذلك نطردُ هانبول وصيّادي الحيتان من اتحاد التجارة، ولن يكون من المستحيل أن نجعل بحر الإبادة الجنوبي بحرَنا الداخليّ.

قال صوتٌ خلفهم, “عدوُّنا ليس الحصن وحده، بل الطقس أيضًا…”

تخيّل كلَّ ذلك الزيت الأبديّ الذي تبتلعه هانبول واتحادُ التجارة سويًّا…”

“القبلة الأولى؟ يا للسخف!”

“أوه، بالله عليكِ، هذا بفضل أختكِ العزيزة الكبرى.” تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه، والخوف لا يزال عالقًا في قلبه. “الآن، لدي خوفٌ عميقٌ للغاية من كلمة ’حليف‘.”

تحت وهج تلك النظرة القاتلة، شعر تاليس ببرودةٍ تجتاح جسده.

“من أجلكِ، ومن أجلي أيضًا، لنتحدث في هذا حين أكبر قليلًا، حسنًا؟”

قطّب تاليس حاجبيه. “على ماذا تعتذرين؟”

كاترينا، التي قوطعت بطريقة أربكتها، تجمّدت للحظة، وشفاهها المفترقة لم تستطع أن تنغلق في الوقت المناسب.

“أنتِ تخبرينني بأنكِ حاولتِ قتلي،” قال وهو يقطّب حاجبيه، “ثم تقولين إن هذا دليل إخلاصٍ منكِ لتكسبي ثقتي؟

(ينظر إلى شفتيها، ولسببٍ ما، يخطر بباله طعمُهما.)

“لا…” فكّرت كاترينا. “ربما باستثناء أقاربي أولئك في تَلّ الوليمة الكبرى. فبعد كلّ شيء، إنّه نذرُ عشيرة الدم بأسرها أن تحرس تابوت الليل المظلم.”

(أحم.)

(سأتخلص منه حالما أعود.)

طرق تاليس رأسه برفق، طاردًا تلك الأفكار الغريبة.

لقد كانت لديه من المتاعب ما يكفيه أصلًا.

لقد كانت لديه من المتاعب ما يكفيه أصلًا.

….

ملكة الليل، التي حافظت دائمًا على ملامح صارمة، أرخَت زوايا شفتيها فجأة بابتسامة خفيفة.

أورثت كلمات الآرشيدوق لامبارد الصمتَ بين الرجال الثلاثة.

أصيب تاليس بالدهشة قليلًا؛ فهذه أول مرة يرى فيها كاترينا الجليدية تبتسم.

تجمّد وجهها في لحظة، وقالت بصوتٍ كالسيف، “ماذا قلت؟”

“آسفة.”

أجاب الفيكونت كينتفيدا بانحناءة: “لقد وصل مبعوثُ الملك نوڤين، ولا نستطيع كبحه طويلًا، فكما تعلم، نحن نحشد القوات بذريعة الثأر للأمير موريا. ثمّ سمعتُ أنَّ أمير الكوكبة في طريقه وسيصل قريبًا.”

قطّب تاليس حاجبيه. “على ماذا تعتذرين؟”

رفع الكونت ليفان رأسه بثبات وقال بعزم, “لقد حرّكنا هذا العدد الهائل من الجنود، فلا يُعقل أن نعود بخُفيّ حُنين… إن استطعنا انتزاع حصن التنين المحطم، فبعضُ الخسائر أمرٌ يمكن احتماله.”

قالت كاترينا ببطء، “حين مددتَ عنقك نحوي… كانت خطتي الأصلية أن أمتص دمك حتى آخر قطرة.”

قالت ملكةُ الليل ببرود، “لقد سمعتُ كلامَ سيرينا. لقد تغيّر وضعُ شبه الجزر. أنتم لكم صِلاتٌ بسلالة الفجر والظلام، وإكستيدت على وفاقٍ مع هانبول. وبما أن الكوكبة قد كُتب عليها أن تكون عدوّةً لهانبول، فلدينا عدوٌّ مشترك.”

ارتجف تاليس بعنف. “ماذا؟!”

…..

“على أية حال، كان بيننا بالفعل كرهٌ منذ المعركة السابقة.” تابعت كاترينا حديثها بذلك الوجه الجليدي من جديد.

“كوني بخيرٍ في طريقك.” قال بهدوء.

“لو أنني قضيت على سيرينا، ومحوت جميع أتباعك الآخرين، ثم أزلت كل الآثار، لما عرف أحدٌ — عدا كوڤندير — حقيقة موت أمير الكوكبة.”

لكن كاترينا نظرت إليه بنظرةٍ بعيدةٍ يغشاها التعقيد.

شعر تاليس بقشعريرة تسري في عموده الفقري وهو يراها تتحدث عن امتصاص دمه بذلك البرود.

بُني حصنُ التِّنين المحطم في السهول الشماليّة، عند نقطة الالتقاء بين مملكة الكوكبة ومملكة إكستيدت. كان الجسدُ الرئيسيّ للحصن قائمًا على أرضٍ مرتفعة، ولم يَبْعُد سوى بضع مئات من الأمتار عن الحدود الفاصلة بين المملكتين التي حدّدتها “معاهدة الحصن”.

كانت الدهشة والذهول بادية على وجهه.

“من دون قوّة العَسكر التابعة للآرشيدوقات الآخرين، سنُضطرّ إلى قتالٍ مريرٍ إن أردنا الاستيلاء على حصن التنين المحطم.”

(هذا… أهو مثل حكاية المزارع والأفعى في خرافات إيسوب؟)

قال توليا مؤيدًا كلمات المستشار الحكيم، “سيحلّ اليومُ السابق للشتاء القارس في أقلّ من أسبوعين. وإن لم نظفر بفرصةٍ مواتية، فلا أنصح بأن نهاجم قسرًا.”

“لكن يبدو أن لديك حيويةً عنيدة، ولم تمت من فقدان الدم كما توقعت.”

(سأتخلص منه حالما أعود.)

قالت كاترينا ببرودٍ قاتل، “إذن، محاولتي لقتلك باءت بالفشل. وأظن أنك تملك الحق في أن تعرف ذلك.”

التفتوا فرأوا الجنرال الحكيم ومستشار الآرشيدوق، الفيكونت كينتفيدا، يمتطي جوادَه خلفهم. قال: “سيحلُّ اليومُ السابق للشتاء القارس أبكرَ من الأعوام السابقة، وهذه ليست ساعةَ تقدمٍ مواتية. إنّ نقلَ الإمدادات في مثل هذه الظروف بالغُ الصعوبة، وإن طال الحصارُ أو تعثّر، فإنّ انتظارَ الربيع يمنحنا فرصةً أعظم للاستيلاء على الحصن.”

تغيّر وجه تاليس مراتٍ عدة. شعر بضعف جسده، ولمس موضعي الثقبين في عنقه اللذين التأما، ثم رفع رأسه ونظر إلى كاترينا بعينين مندهشتين غاضبتين.

لقد أنشأت حربُ شبه الجزيرة الثالثة، قبل أكثر من ثلاثمائة عام، أسطورة الأبطال الثلاثة بين الغربيين — شارا، وكابلان، وميدير. غير أنّ صداقةَ شارا البطل من إكستيدت، وميدير حافظ العهد من الكوكبة، انهارت بعد نهاية الحرب، وانتهت أخوّتهما، الأمر الذي جعل عددًا لا يُحصى من المؤرخين والشعراء يُبدون الحسرةَ والأسى. كما أنَّ انقضاء تلك الأخوّة أدّى إلى انهيار التحالف بين التنّين العظيم والكوكبة.

“أنتِ…” عقد حاجبيه وقال بغضب، “وأختكِ سيرينا… أنتما حقًا أختان رائعتان!”

اتّسعت عينا تاليس دهشةً.

لكن كاترينا نظرت إليه بنظرةٍ بعيدةٍ يغشاها التعقيد.

“ألا ترين أن هناك خللًا ما في هذا المنطق؟” قال بسخرية.

“لا، من فضلك اعتبر صدقي معك دليلًا على إخلاصي في السعي للتحالف. لم أخفِ عنك شيئًا، ولن أخفي بعد الآن. هذا أمرٌ لا تقدر عليه سيرينا التي تمضي حياتها في التمثيل.”

“لا…” فكّرت كاترينا. “ربما باستثناء أقاربي أولئك في تَلّ الوليمة الكبرى. فبعد كلّ شيء، إنّه نذرُ عشيرة الدم بأسرها أن تحرس تابوت الليل المظلم.”

أومأت الملكة قليلًا. “ينبغي أن يكون هذا كافيًا لإزالة ريبتك، وبناء أساسٍ من الثقة لتحالفنا المحتمل في المستقبل.”

أجاب الفيكونت كينتفيدا بانحناءة: “لقد وصل مبعوثُ الملك نوڤين، ولا نستطيع كبحه طويلًا، فكما تعلم، نحن نحشد القوات بذريعة الثأر للأمير موريا. ثمّ سمعتُ أنَّ أمير الكوكبة في طريقه وسيصل قريبًا.”

تجمّد تاليس من الدهشة، ولم يجد ما يقول.

“ثِق بي، ما دامت قد أظهرت نفسها وأحدث فوضى كهذه، فسيكون هناك من يراقب تحركاتها ونيّتها… كقسم الاستخبارات السرية في مملكتك مثلًا. ورغم أن الصوفيين مرعبين، إلا أنّ في هذا العالم قوى قادرةً على كبحهم.”

“أنتِ تخبرينني بأنكِ حاولتِ قتلي،” قال وهو يقطّب حاجبيه، “ثم تقولين إن هذا دليل إخلاصٍ منكِ لتكسبي ثقتي؟

“لكن عقد تحالفٍ مع الخالدين ليس أمرًا محمودًا بين البشر… لذا قبل أن تحسم أمرك، أبقه سرًّا. أنصحك أن تحتفظ بهذا التذكار بنفسك.”

“ألا ترين أن هناك خللًا ما في هذا المنطق؟” قال بسخرية.

…..

“أعتقد أنك ناضجٌ بما يكفي لتُميز إن كنتُ صادقة أم لا.” قالت كاترينا بنبرة هادئة، “أنت تعلم أنني لا أتعامل معك كطفل.”

ثمّ أضاف بلهجةٍ واقعية، “اعذرني على صراحتي، لكن بما أننا الطرف المحاصر، فإنّ ضغط الإمدادات علينا أعظم بكثير من ضغطهم. قبل اثني عشر عامًا كانت إكستيدت بأسرها خلفنا. أمّا الآن، وبسبب ذلك الأمير الميت الذي جاء ليعتذر… فنحن معزولون وضعفاء كإقليم الشمال نفسه.”

تعثّر لسان تاليس للحظة.

تدحرجت عينا تاليس وهو يفكر (هل هذا سرٌّ آخر لا أعلمه؟)

لكن حين تذكّر تجربة اقترابه من الموت على يديها، لم يستطع كبح انزعاجه.

“أوه، بالله عليكِ، هذا بفضل أختكِ العزيزة الكبرى.” تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه، والخوف لا يزال عالقًا في قلبه. “الآن، لدي خوفٌ عميقٌ للغاية من كلمة ’حليف‘.”

“أوه، وبالمناسبة،” قال تاليس بنبرة انتقامية ساخرة، “هل كانت تلك أول قبلةٍ لكِ؟”

كان المتكلّم هو الدَّاعم الأوّل للآرشيدوق وتابعه الأقرب، الكونت ليفان.

اتسعت حدقتا كاترينا فجأة.

قالت كاترينا ببطء، “حين مددتَ عنقك نحوي… كانت خطتي الأصلية أن أمتص دمك حتى آخر قطرة.”

تجمّد وجهها في لحظة، وقالت بصوتٍ كالسيف، “ماذا قلت؟”

لكن كاترينا نظرت إليه بنظرةٍ بعيدةٍ يغشاها التعقيد.

انطلقت نظراتها البنفسجية نحوه كالسهام.

(هذا… أهو مثل حكاية المزارع والأفعى في خرافات إيسوب؟)

تحت وهج تلك النظرة القاتلة، شعر تاليس ببرودةٍ تجتاح جسده.

“آسفة.”

لكن حين لمح الجنود والمقاتلين النخبويين من حوله، شعر ببعض الطمأنينة.

لكن حين لمح الجنود والمقاتلين النخبويين من حوله، شعر ببعض الطمأنينة.

حكّ رأسه بخجل. “كنتُ أقول… اريسو سان يريد معرفة ذلك، أحم، لا… أقصد أن كثيرين في شبه الجزيرة الشرقية يهتمون بهذا الأمر، لذلك أردت أن أعرف إن كنتُ قد أسأتُ إليكِ في شيءٍ ما، حتى أعتذر…”

“أعتقد أنك ناضجٌ بما يكفي لتُميز إن كنتُ صادقة أم لا.” قالت كاترينا بنبرة هادئة، “أنت تعلم أنني لا أتعامل معك كطفل.”

“لا، بالطبع لا.” قالت كاترينا ببرود. “هل تظنني فتاةً مراهقةً لم تبلغ بعد؟

….

“القبلة الأولى؟ يا للسخف!”

تنهد تاليس ونظر إلى الظلام حيث اختفت كاترينا..

“لقد عشتُ أطول من مجموع أعمار أسلافك أجمعين!”

وللظَّفر بحصن التنين المحطم، لا بُدّ من اقتحام خنادقَ لا تُحصى وتحطيم حواجزَ الحصون، ثم إسكات تهديد الأقواس في الحصون الثمانية واحدًا تلو الآخر. بعدئذٍ فقط يمكن بلوغ الجسد الرئيسي عبر المنحدرات الثلاثة الضيّقة الوحيدة التي تؤدّي إليه، وحينها، وفي ظلّ تضييق التضاريس، لا بدّ من شنّ حصارٍ على جدارٍ يتجاوز ارتفاعُه عشرة أمتار، مع التعرّض لنيران بنادق الصوفيّين المنصوبة على الجدران النجمية المحدّبة.

(هذه العبارة… تبدو مألوفة.)

حين رفع آرشيدوق الرمال السوداء في إكستيدت، تشابمان لامبارد ذو الواحد والأربعين عامًا، بصرَه إلى هذا العملاق من الجهة الشمالية للحصن تحت ضوء القمر، شعر بتهديدٍ بالغٍ صادرٍ عن حصن التنين المحطم، إذ كان يسهلُ الدفاعُ عنه ويصعبُ الهجومُ عليه.

هزّ تاليس كتفيه، وحكّ رأسه بإحراجٍ خفيف.

الفصل 97: بحرُنا الداخلي

(واو… حتى ملكة الجليد هذه كان لها حبٌّ أول؟)

“أوه، بالله عليكِ، هذا بفضل أختكِ العزيزة الكبرى.” تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه، والخوف لا يزال عالقًا في قلبه. “الآن، لدي خوفٌ عميقٌ للغاية من كلمة ’حليف‘.”

ألقى نظرة على وجهها البارد ككتلةٍ من الجليد، وأخرج لسانه بتسليةٍ خفيفة.

“القبلة الأولى؟ يا للسخف!”

(حبكِ الأول… لا بد أن ذلك الرجل قد عانى كثيرًا، حقًا.)

“من أجلكِ، ومن أجلي أيضًا، لنتحدث في هذا حين أكبر قليلًا، حسنًا؟”

“حسنًا إذن.” تنهد تاليس، ثم رفع رأسه وقال بجدية: “أتمنى لكِ التوفيق.”

وللظَّفر بحصن التنين المحطم، لا بُدّ من اقتحام خنادقَ لا تُحصى وتحطيم حواجزَ الحصون، ثم إسكات تهديد الأقواس في الحصون الثمانية واحدًا تلو الآخر. بعدئذٍ فقط يمكن بلوغ الجسد الرئيسي عبر المنحدرات الثلاثة الضيّقة الوحيدة التي تؤدّي إليه، وحينها، وفي ظلّ تضييق التضاريس، لا بدّ من شنّ حصارٍ على جدارٍ يتجاوز ارتفاعُه عشرة أمتار، مع التعرّض لنيران بنادق الصوفيّين المنصوبة على الجدران النجمية المحدّبة.

(ولعلنا لا نلتقي مجددًا.) أضاف في قلبه.

تذكّر لامبارد أخاه الأكبر… كيف قبض على سيفه ويداه ملطّختان بالدم، ونظرتَه الأخيرة حين مات وهو يضحك ضحكةَ بطلٍ محتضر.

حدّقت كاترينا به صامتة، ثم مدت يدها نحوه وقدّمت له سوارًا يتدلّى منه نابان صغيران.

“ساسيري، تلك المرأة لا تملك سوى أكثر من ثمانمائة رجل. غير أنّ ما لا يقلّ عن ثلاثمائة منهم من المحاربين المخضرمين في كتيبة ضوء النجوم. إنهم ليسوا فرسانًا ماهرين في الركوب فحسب، بل مقاتلون أشدّاء في الهجوم والدفاع. وقد قاتلتَها من قبل، فلا بدّ أنكم جميعًا تدركون هذا جيدًا.”

كان النابان يبدوان شرسين بدائيين، تغشاهما خطوطٌ دقيقة بلون الدم.

التفتوا فرأوا الجنرال الحكيم ومستشار الآرشيدوق، الفيكونت كينتفيدا، يمتطي جوادَه خلفهم. قال: “سيحلُّ اليومُ السابق للشتاء القارس أبكرَ من الأعوام السابقة، وهذه ليست ساعةَ تقدمٍ مواتية. إنّ نقلَ الإمدادات في مثل هذه الظروف بالغُ الصعوبة، وإن طال الحصارُ أو تعثّر، فإنّ انتظارَ الربيع يمنحنا فرصةً أعظم للاستيلاء على الحصن.”

بدا كذكرى من حياةٍ سابقة.

أومأت الملكة قليلًا. “ينبغي أن يكون هذا كافيًا لإزالة ريبتك، وبناء أساسٍ من الثقة لتحالفنا المحتمل في المستقبل.”

اتسعت عينا تاليس بدهشة، ونظر إليها باستفهام.

حدّقت كاترينا به صامتة، ثم مدت يدها نحوه وقدّمت له سوارًا يتدلّى منه نابان صغيران.

“هذا تذكار عائلة كورليوني، أنياب الدم…” قالت الملكة كاترينا بوجهٍ جاد. “إن غيّرت رأيك يومًا ما… فتعال إليّ وأحضر هذا معك.”

(هذا… أهو مثل حكاية المزارع والأفعى في خرافات إيسوب؟)

“لكن عقد تحالفٍ مع الخالدين ليس أمرًا محمودًا بين البشر… لذا قبل أن تحسم أمرك، أبقه سرًّا. أنصحك أن تحتفظ بهذا التذكار بنفسك.”

Arisu-san

قطّب تاليس حاجبيه، ثم زفر بتعب، وأخذ السوار ذي الأنياب ببساطة.

(أحم.)

(سأتخلص منه حالما أعود.)

لم يكن الحصنُ قلعةً وحيدة، بل كان يتكوّن من الجسد الرئيسيّ النّجميّ الشكل — وهو أكبر وأرسخُ الأبنية على المرتفع — تحيط به ثمانية حصونٍ متوسّطة الحجم تُراقب الأطراف وتحرس بعضها بعضًا، وإلى أبعد من ذلك اثنتا عشرة نقطة حراسةٍ بسيطة.

فكر تاليس في نفسه.

“حسنًا إذن.” تنهد تاليس، ثم رفع رأسه وقال بجدية: “أتمنى لكِ التوفيق.”

“كوني بخيرٍ في طريقك.” قال بهدوء.

تدحرجت عينا تاليس وهو يفكر (هل هذا سرٌّ آخر لا أعلمه؟)

“اعتنِ بنفسك، أيها الأمير الصغير تاليس.” أومأت كاترينا بوجهٍ خالٍ من التعابير، ثم استدارت ومضت نحو أتباعها والتابوت الأسود.

رفع الآرشيدوق لامبارد يده ببطءٍ وأوقف جدالَ مرؤوسيه الثلاثة.

“ولا تنسَ بحرنا الداخلي.”

قالت بصوتٍ خافت، “تعلم، ربما نستطيع حقًا أن نصبح حلفاء.”

دحرج تاليس عينيه خلفها.

ملكة الليل، التي حافظت دائمًا على ملامح صارمة، أرخَت زوايا شفتيها فجأة بابتسامة خفيفة.

وفي اللحظة التالية، اختفت ملكة الليل ورفاقها عن ناظريه مع التابوت الأسود.

قال صوتٌ خلفهم, “عدوُّنا ليس الحصن وحده، بل الطقس أيضًا…”

تنهد تاليس، وشعر بشيءٍ من الشجن، ثم همّ بالرحيل.

“لا، بالطبع لا.” قالت كاترينا ببرود. “هل تظنني فتاةً مراهقةً لم تبلغ بعد؟

لكن عندها دوّى في أذنه صوتٌ خافت — تواصلٌ ذهنيّ سريّ لا يسمعه إلا أبناء عشيرة الدم.

أصيب تاليس بالدهشة قليلًا؛ فهذه أول مرة يرى فيها كاترينا الجليدية تبتسم.

“لكنها كانت فعلًا… قبلتي الأولى مع شخصٍ من الجنس الآخر.”

(ولعلنا لا نلتقي مجددًا.) أضاف في قلبه.

ارتجف تاليس بعنف، ثم تعثّر بخطاه!

انطلقت نظراتها البنفسجية نحوه كالسهام.

أفزع ذلك وايّا الذي كان بجانبه، فسارع لإسناده.

“أنتِ…” عقد حاجبيه وقال بغضب، “وأختكِ سيرينا… أنتما حقًا أختان رائعتان!”

(كنتُ أظن أننا اتفقنا أن هذا العالم ليس روايةً ذات حبكةٍ سخيفة!)

شعر تاليس بقشعريرة تسري في عموده الفقري وهو يراها تتحدث عن امتصاص دمه بذلك البرود.

تنهد تاليس ونظر إلى الظلام حيث اختفت كاترينا..

ولو التفّت القوّاتُ الرئيسيّة حول الحصن وتوجّهت مباشرةً جنوبًا نحو المدن الهامّة في الكوكبة، لصار هذا الحصنُ — الذي يسعُ عشرة آلاف مقاتل ومؤنًا وافرة، وتَرابط في قاعدته قوّاتٌ قادرة على شنّ هجومٍ في أيّ لحظة — خطرًا داهمًا في خاصرتهم.

(بغضّ النظر عن الكراهية… ربما هذه الملكة تشبه أختها الكبرى أكثر مما تظن.)

تدحرجت عينا تاليس وهو يفكر (هل هذا سرٌّ آخر لا أعلمه؟)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ارتجف تاليس بعنف، ثم تعثّر بخطاه!

لا تنس بحرنا الداخلي بمعنى لا تنسى الامور المشتركة بيينا وهو رمز لتحالف محتمل

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“لكنها كانت فعلًا… قبلتي الأولى مع شخصٍ من الجنس الآخر.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط