رامون (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لا بدّ ألّا أفكّر فيها.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
شحب وجه رامون وتجمّد قلبه بينما ومضت في ذهنه فكرةٌ مرعبة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
الفصل 101: رامون (2)
Arisu-san
تذكّر الرجل الضخم ذا الرداء الأحمر نيكولاي، ومعركته مع إستْرون في قصر الكرمة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(لكنّ هذا الأمر كان سرًّا دفينًا، لا يعرفه سوى قادة الصفّ الأعلى في العصابة…)
الفصل 101: رامون (2)
والشخص الذي ظهر بعد ذلك كان رامون.
…
نعم، كنت أنا من فحص جراحه وعالجها.)
حدّق وايا في بيوتراي بحيرةٍ ظاهرة، لكن الأخير اكتفى بعبوسٍ خافت وهو يومئ بيده بإشارةٍ خفيّة.
توقّف نَفَس رامون دون أن يشعر.
كان رامون يحدّق في أمير الكوكبة، كأنّه لا يستطيع سبر غوره.
أنا…”
(ما الذي يفعله؟)
تنفّس تاليس الصعداء وبسط قبضته اليمنى، حدّق في رامون وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
فركَ تاليس صدغيه وهو يبتسم محدّقًا برامون. “ويلو يقول إنك من العاصمة، أهي مدينة النجم الأبدي؟ لقد قلّبتُ ذات مرّة في سجلّ الأطباء في دار المدينة… لكن لِمَ لم أسمع باسمك قط؟”
حاول جاهدًا تصفية ذهنه، لكن كلمات تاليس كانت تستدرّ الذكريات رغماً عنه.
قطّب بيوتراي حاجبيه وهو واقفٌ إلى جانبه.( منذ أن صار الأمير معترفًا به علنًا، وهو مقيمٌ في قاعة مينديس، فمتى زار دار المدينة؟)
وأدار نظره في أرجاء المعسكر.
(بل ومتى قلّب في سجلّ الأطباء؟)
ضيّق تاليس عينيه.
(يا إلهي، العاصمة بأكملها وضواحيها تعجّ بمئات الأطباء على اختلاف مهاراتهم وسمعتهم!)
“من الأفضل أن تختفي من أمامه حين تراه، أتفهم؟” هكذا قال كوايد وهو يقبض على ياقة صبيٍّ مسكين.
ابتسم رامون ابتسامةً محرجة.
(اسمي الكامل…)
“آه، إنني أعالج بعض الفقراء القلائل فقط، وأتقاضى أجرًا زهيدًا… لذا، ربّما لم يُدرج اسمي في السجلّ…”
إن كشفتها… فستفضح الأخوية… وتفضح ذلك الشخص…
قطّب تاليس قليلًا ثم ما لبث أن ارتسمت على وجهه ابتسامة.
دفن تاليس ذكريات الماضي عميقًا في أعماق عقله.
“الفقراء، أليس كذلك؟” أجابه الأمير الثاني بنبرةٍ صريحة، “إذًا، أظنّ أنّ مكان عملك في مقاطعة المدينة السفلى، أليس كذلك؟”
فبواسطة الرؤية التي منحته إياها الموجة، رأى مشهدًا لا يُصدّق.
ظلّ يرمقه بنظرةٍ حادّة وهو يداعب صدغيه بإصبعه.
بيوتراي، ووايا، ورالف، اتسعت أفواههم ذهولًا وهم يحدّقون في الأمير الثاني.
أومأ رامون بتصلّبٍ واضح. “آه… نعم… يعيش هناك كثيرٌ من الفقراء… لقد ذهبتُ مرّةً إلى المقاطعة السفلى الثانية لـ—”
الآخرون لم يروا شيئًا بسبب الضوء،
لكنّ الأمير الثاني لم يدعه يُكمل.
لقد عالج رامون جراحه المريعة مرارًا بعد معارك طاحنة.
تنفّس تاليس بخفّة. “وقد سمعتُ أيضًا أنّ تلك المنطقة خاضعةٌ لعصابة قوارير الدم، أليس كذلك؟”
غير أن هذا لم يكن أكثر ما أذهل تاليس.
توقّف نَفَس رامون دون أن يشعر.
لا.)
“رغم أن الحديث عن ذلك أمامك غير لائق… إلا أنّ نشاط العصابات حقًا مستشرٍ في المقاطعة السفلى.”
“فقبل أن أمزّق أكاذيبك الغبية وأستخرج كلّ أسرارك القذرة من دماغك… يا دكتور رامون، أخبرني لماذا تصرّ على مرافقتنا إلى الشمال؟
كان رامون يرمق محيطه بحذرٍ بالغ، دون أن ينتبه أنّه صار يُجيب تلقائيًّا عن جميع أسئلة تاليس.
“الفقراء، أليس كذلك؟” أجابه الأمير الثاني بنبرةٍ صريحة، “إذًا، أظنّ أنّ مكان عملك في مقاطعة المدينة السفلى، أليس كذلك؟”
حرّك تاليس أصابعه بخفّة وحدّق في رامون بنظرةٍ تُشعر المرء بعدم الارتياح.
“رغم أن الحديث عن ذلك أمامك غير لائق… إلا أنّ نشاط العصابات حقًا مستشرٍ في المقاطعة السفلى.”
“قل لي إذًا، إن أُصيب أحد أفراد عصابة قوارير الدم أو مرض، أكان يلجأ إليك للعلاج، أيها الطبيب رامون العزيز؟”
تنفّس تاليس الصعداء وبسط قبضته اليمنى، حدّق في رامون وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
وما إن أنهى كلماته حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ نقيّة صافية تليق بطفلٍ في السابعة، وهو يحدّق مباشرةً في رامون.
لحسن الحظ أنه لم يكشف هويتي الحقيقية…
“كيف يكون ذلك؟ نحن لا نجرؤ على مخالطة أولئك المنتمين إلى العصابات.” قال رامون محاولًا تغيير الموضوع بارتباك.
ذلك السرّ القاتل…)
“يا صاحب السمو، اعذرني على صراحتي، إن حالة الرجل الراقد على السرير سيئة… فكيف لو أننا—”
تذكّر الرجل الضخم ذا الرداء الأحمر نيكولاي، ومعركته مع إستْرون في قصر الكرمة.
“آه، أحقًّا؟” قطع تاليس كلامه بابتسامةٍ مفعمة بالمرح.
(كوايد؟ ابن رودا؟
“لكنّك لا تفكّر هكذا في أعماق قلبك.”
ذلك السرّ القاتل…)
جمُد رامون للحظة.
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
أعماق قلبي؟
ومع ذلك، لا تستخفّ بذاكرة الطفل المتسوّل وقدرته على تمييز الناس.
ثم جاءت كلمات تاليس التالية لتُوسّع عينيه دهشةً.
“تذكّر بسرعة، ما اسمه؟ آه، رودا؟”
“يبدو أنّك عالجتَ كثيرًا من أفراد العصابة من قبل.”
تلك الرؤية التي تشبه جهاز استشعار حراري بدت في الواقع مذهلة للغاية…
ضغط تاليس بيده على صدغه بينما حرّك يده الأخرى، كأنّه يحاول جاهدًا استحضار شيءٍ في ذاكرته.
رأى رامون يضغط برفقٍ على جرح تشورا،
“همم، رجلٌ يحمل سكينًا… آه، ذلك الرجل بدا قاسيًا جدًّا، لكنه لم يكن يحبّ الكلام… غير أنّ هذا طبيعي في أوساط العصابات…”
وقد أُصيب في… موضعٍ حسّاس. مسكين… أعنيك أنت أيها الطبيب! فقد اضطررتَ إلى معالجة جراحه!
تبدّل وجه رامون على الفور إلى ملامح غريبة.
(يحمل سكينًا، قاسٍ، قليل الكلام…)
(يحمل سكينًا، قاسٍ، قليل الكلام…)
تجمّد رامون في مكانه وقد خيّم الفراغ على ذهنه وهو يحدّق في تاليس.
ارتسمت صورةٌ تطابق الوصف في ذهنه.
كان موريس يحرص كلّ مرّة على تأمين المكان بنفسه…
(لكن كيف عرف ذلك الوغد الصغير…)
أنزل تاليس إصبعه وتكلم في نفسه.
كان تاليس يرمقه بنشوةٍ خفيّة.
ثم جاءت كلمات تاليس التالية لتُوسّع عينيه دهشةً.
“ما اسمه… لايورك؟
استدار برأسه، فرأى نورًا متوهّجًا يشعّ من أجساد الجميع.
يبدو أنه كان يأتيك كثيرًا لعلاج جراحه. وبناءً على هيئته، أهو قاتل مأجور؟”
“إذًا، لستَ الطبيب السرّي في الأزقّة الخلفية الذي يعالج أفراد الأخوية فحسب، بل أنت أيضًا عضوٌ في أخوية الشارع الأسود الملقّب بالطبيب الغريب… كورب سرْكا رامون.”
تبدّل وجه رامون فجأة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لايورك القاتل.
ومن تلك المرأة الباكية؟ كانت جميلةً جدًّا… اسمها… فيليسيا؟”
القاتل الصامت من الجنرالات الثلاثة عشر للعصابة، الذي يعامل أعداءه بالقسوة ذاتها التي يعامل بها نفسه.
(لحسن الحظ.
لقد عالج رامون جراحه المريعة مرارًا بعد معارك طاحنة.
فانطلقت الرؤية الخاصة مجددًا.
(لكن… كيف علم؟)
انحنى رامون برأسه كئيبًا.
كان بيوتراي والآخرون يتبادلون نظرات الدهشة جانبًا.
رأى رامون يضغط برفقٍ على جرح تشورا،
(ما الذي يحدث؟)
(وتلك الفتاة الباكية فيليسيا…)
“دعني أرى… غرفة نومٍ مزدانة بالسواد، ولوحة طبيعةٍ ساكنة لفاكهةٍ، ومزهريةٌ معلّقة فوق الموقد…”
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
أغمض تاليس عينيه وشدّ أسنانه كمن يستجلب ذكرى بعيدة.
أغمض تاليس عينيه وشدّ أسنانه كمن يستجلب ذكرى بعيدة.
“آه، كم كان الدم كثيرًا. جرحٌ بالسكين في الكتف الأيسر… يا إلهي، كان يتألّم بشدّة حتى كاد يطحن أسنانه من الوجع. كان يمسك بتلابيبك ويتمتم عن ’الإبرة السامّة‘ و’سوط العقرب‘…
“انتظر.”
ومن تلك المرأة الباكية؟ كانت جميلةً جدًّا… اسمها… فيليسيا؟”
انعكست على وجه رامون صراعاته الداخلية، وانبثقت من تعابيره أقصى درجات عدم التصديق.
قبض رامون على أسنانه بإحكام.
أما كوايد، ذاك السكير الذي صار اسمه ذكرى بعيدة حتى كاد تاليس ينساها، فكان يذهب إلى “فحوصات جسدية” بانتظام، لكنّه دومًا يعود تفوح منه رائحة ذلك الطبيب الغريب المميّزة.
(أليس هذا أميرًا عاش مدلّلًا بين جدران القصور؟)
“هاه، إنّه رجلٌ ضخم الجثة؟” قال تاليس بابتسامةٍ بطيئة، “يبدو شرسًا، وقبيح الملامح، وسريع الغضب.
(كيف عرفَ تفاصيل علاجي للايورك منذ عام؟)
بدأ الجميع في المعسكر يدركون ما يجري.
(حين خرج ذاك الأخير لاغتيال هدفه وتعرّض لكمينٍ من عصابة قوارير الدم؟)
لكن آيدا التي كانت واقفة على الجانب، شبكت ذراعيها فوق صدرها، وتبدّت على ملامحها نظرة شك.
(أمن إدارة الاستخبارات السريّة جاءه الخبر؟)
وفي اللحظة التالية، تجمّد في مكانه.
(لا… هذا مستحيل…)
(اسمي الكامل…)
شحب وجه رامون وتجمّد قلبه بينما ومضت في ذهنه فكرةٌ مرعبة.
“انتظر.”
(لقد علم حتى بتفاصيل مقرّ العصابة وغرفة لايورك…)
(مسألةٌ من أشدّ الأسرار كتمانًا…)
(وتلك الفتاة الباكية فيليسيا…)
“أرجو أن تُبقوا هذا سرًّا لأجلي.” ابتسم تاليس ابتسامة باهرة. “لم يُرِد أن يعرف أحدٌ أنه درّبني على استخدام هذه القوة…
“لا تتوقّف، أيها الطبيب.” تابع تاليس فرك صدغه، وفتح عينيه بابتسامةٍ ماكرة.
وقد أُصيب في… موضعٍ حسّاس. مسكين… أعنيك أنت أيها الطبيب! فقد اضطررتَ إلى معالجة جراحه!
“تذكّر سريعًا، مَن من أفراد العصابة عالجت من قبل؟ هل كان بينهم من ذوي المراتب العليا؟ تذكّر… نعم، هذا جيّد…”
ضغط تاليس بيده على صدغه بينما حرّك يده الأخرى، كأنّه يحاول جاهدًا استحضار شيءٍ في ذاكرته.
(العصابة… ذوو المراتب العليا..)
“يبدو أنّ هويتك ليست بهذه البساطة، أليس كذلك؟”
شعر رامون أن جسده بدأ يرتجف قليلًا.
(لكنّ هذا الأمر كان سرًّا دفينًا، لا يعرفه سوى قادة الصفّ الأعلى في العصابة…)
“رجلٌ سمين… ما كنتَ تدعوه؟ موريس؟ لمَ كان يحبّ لقاءك دومًا عند باب الحانة الخلفي؟ كان يأتي أول الأمر ومعه كلبٌ قبيح، ودائم الابتسام. أكان مقرّبًا منك؟”
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
كأنّ رامون سقط في بئرٍ من الجليد.
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
(موريس من الستة الاقواياء؟)
تنفّس تاليس الصعداء وبسط قبضته اليمنى، حدّق في رامون وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
(كان هو صلتي في تلك المسألة فعلًا.
كان الطبيب الغريب دائمًا يظهر بعد وقوع حادثٍ كبيرٍ في الأخوية. حين يأتي، تفوح منه رائحة الدواء، وحين يغادر، تفوح منه رائحة الدم. كان واضحًا أنه يعالج الجرحى.
ومكان اللقاء السرّي كان خلف حانة الغروب…)
…
(لكن… كيف؟
لكن… ما هي بالضبط؟
كان موريس يحرص كلّ مرّة على تأمين المكان بنفسه…
(كيف عرفَ تفاصيل علاجي للايورك منذ عام؟)
إلّا أن…)
كي لا أضطرّ إلى الحفر في عقلك مجددًا بحثًا عن حقائق مملة أخرى…”
لم يشأ التفكير في تلك الاحتماليّة.
هناك أسرار أخرى.
حاول جاهدًا تصفية ذهنه، لكن كلمات تاليس كانت تستدرّ الذكريات رغماً عنه.
إلّا أن…)
“لنلقِ نظرة على بعض الذكريات المثيرة…”
تبدّل وجه رامون على الفور إلى ملامح غريبة.
ذكريات؟
وما إن أنهى كلماته حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ نقيّة صافية تليق بطفلٍ في السابعة، وهو يحدّق مباشرةً في رامون.
“هاه، إنّه رجلٌ ضخم الجثة؟” قال تاليس بابتسامةٍ بطيئة، “يبدو شرسًا، وقبيح الملامح، وسريع الغضب.
أنزل تاليس إصبعه وتكلم في نفسه.
وقد أُصيب في… موضعٍ حسّاس. مسكين… أعنيك أنت أيها الطبيب! فقد اضطررتَ إلى معالجة جراحه!
انبثقت فكرة في ذهن تاليس.
آه، لأن والده كان فظًّا شديد القسوة، أليس كذلك؟”
كان رامون يحدّق في أمير الكوكبة، كأنّه لا يستطيع سبر غوره.
اتّسعت عينا رامون بدهشةٍ مطلقة وهو يحدّق في الأمير الغامض.
تجمّد رامون في مكانه وقد خيّم الفراغ على ذهنه وهو يحدّق في تاليس.
(أيعرف هذا أيضًا؟)
ارتجف رامون قليلًا.
“تذكّر بسرعة، ما اسمه؟ آه، رودا؟”
“وفوق ذلك، إكستيدت والكوكبة على وشك الحرب… إن صادفت جيشًا من أيّ الطرفين وحدي في الخلاء، فلن يكون مصيري أفضل من الوقوع في أيدي عصابة قوارير الدم…”
ضحك تاليس ببطء.
كورب سرْكا رامون.
“أهو أكثر مرضاك إزعاجًا؟
«قراءة الأفكار.»
كوايد رودا؟”
كان رامون غارقًا في العرق البارد، ثم تنفّس بارتياح.
ازداد الارتباك على وجوه بيوتراي ووايا والآخرين.
ضيّق تاليس عينيه.
فتح رامون فاه غريزيًّا، وقد تبلّلت راحتاه عرقًا.
(لا. حتى في مذكّرات برج الأرواح… قراءة الأفكار هي المجال الأكثر عصمةً عن اللمس. ومع ذلك، فهو في السابعة أو الثامنة فقط من عمره، ولديه بالفعل مثل هذه…
(كوايد؟ ابن رودا؟
“أرجو أن تُبقوا هذا سرًّا لأجلي.” ابتسم تاليس ابتسامة باهرة. “لم يُرِد أن يعرف أحدٌ أنه درّبني على استخدام هذه القوة…
نعم، كنت أنا من فحص جراحه وعالجها.)
لماذا يأتي طبيبٌ سرّي يكسب عيشه في العاصمة إلى حدود بلدين؟
(لكنّ هذا الأمر كان سرًّا دفينًا، لا يعرفه سوى قادة الصفّ الأعلى في العصابة…)
“آه، أحقًّا؟” قطع تاليس كلامه بابتسامةٍ مفعمة بالمرح.
(مسألةٌ من أشدّ الأسرار كتمانًا…)
Arisu-san
“كيف علم الأمير بهذا؟”
(كيف عرفَ تفاصيل علاجي للايورك منذ عام؟)
تجمّد رامون في مكانه وهو يحدّق بتاليس.
فمن أجل البقاء، كان عليهم أن يميّزوا هيئة كلّ مارٍّ أو ملامحه، علّهم يظفرون بفرصة ضئيلة للحياة.
تنفّس تاليس الصعداء وبسط قبضته اليمنى، حدّق في رامون وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
كان رامون يرمق محيطه بحذرٍ بالغ، دون أن ينتبه أنّه صار يُجيب تلقائيًّا عن جميع أسئلة تاليس.
“لا تندهش، فهذه قدرتي النفسية.”
بل كان يشعّ بوميضٍ غامضٍ داكنٍ يتردّد بتناسقٍ مع محيطه.
“نعم، يا دكتور رامون.”
ومع ذلك، لا تستخفّ بذاكرة الطفل المتسوّل وقدرته على تمييز الناس.
في اللحظة التالية، ابتسم تاليس وقال بعبارة بسيطة لكنها فعّالة لرَامون المذهول. “إنني أقرأ الأفكار.”
أما رامون، فظلّ مدهوشًا، يحدّق بتاليس بعينين جامدتين.
تجمّد رامون في مكانه وقد خيّم الفراغ على ذهنه وهو يحدّق في تاليس.
بيوتراي، ووايا، ورالف، اتسعت أفواههم ذهولًا وهم يحدّقون في الأمير الثاني.
تابع تاليس بابتسامة مشرقة.
ضحك تاليس ببطء.
“أستطيع أن أقرأ كل أفكارك.”
تبدّل وجه رامون فجأة.
«قراءة الأفكار.»
“آه، كم كان الدم كثيرًا. جرحٌ بالسكين في الكتف الأيسر… يا إلهي، كان يتألّم بشدّة حتى كاد يطحن أسنانه من الوجع. كان يمسك بتلابيبك ويتمتم عن ’الإبرة السامّة‘ و’سوط العقرب‘…
بيوتراي، ووايا، ورالف، اتسعت أفواههم ذهولًا وهم يحدّقون في الأمير الثاني.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005الخال!💎 100
أمّا آيدا، فقد عبست بشدة وهي تحدّق في مؤخرة رأس تاليس.
«قراءة الأفكار.»
«قراءة الأفكار؟»
الكل في الغرفة كان يحدّق في تاليس بدهشة، كأنه وحش من عالمٍ آخر.
انعكست على وجه رامون صراعاته الداخلية، وانبثقت من تعابيره أقصى درجات عدم التصديق.
ومكان اللقاء السرّي كان خلف حانة الغروب…)
(لا. حتى في مذكّرات برج الأرواح… قراءة الأفكار هي المجال الأكثر عصمةً عن اللمس. ومع ذلك، فهو في السابعة أو الثامنة فقط من عمره، ولديه بالفعل مثل هذه…
أومأ رامون باستسلام.
لا.)
فركَ تاليس صدغيه وهو يبتسم محدّقًا برامون. “ويلو يقول إنك من العاصمة، أهي مدينة النجم الأبدي؟ لقد قلّبتُ ذات مرّة في سجلّ الأطباء في دار المدينة… لكن لِمَ لم أسمع باسمك قط؟”
هزّ الطبيب الغريب من الأخوية رأسه بلا وعي.
بدأ رامون يرتجف دون تحكّم.
أدار تاليس رأسه نحو بيوتراي ووايا ورالف والآخرين في المعسكر، كانت وجوههم جميعًا مصدومة.
أنا…”
لكن آيدا التي كانت واقفة على الجانب، شبكت ذراعيها فوق صدرها، وتبدّت على ملامحها نظرة شك.
“إذن، هذه هي هويتك.” فرك تاليس أصابعه على صدغيه وحدّق في رامون المتوتّر الشارد الذهن، ثمّ ابتسم ابتسامة الظفر. “ليس عجيبًا أنني لم أتذكّر اسمك حتى بعد قراءتي لقائمة الأسماء.”
“أرجو أن تُبقوا هذا سرًّا لأجلي.” ابتسم تاليس ابتسامة باهرة. “لم يُرِد أن يعرف أحدٌ أنه درّبني على استخدام هذه القوة…
ارتسمت صورةٌ تطابق الوصف في ذهنه.
لكنني أثق بكم جميعًا.”
ومع ذلك، لا تستخفّ بذاكرة الطفل المتسوّل وقدرته على تمييز الناس.
“درّبك؟” تساءل بيوتراي بعدم تصديق، “من؟”
ومن المؤسف أن “قراءة الأفكار” الغامضة هذه لم تكن نافعة سوى مع رامون.
“من غيره يكون؟” ضحك تاليس بمرح، وأدار رأسه.
معلّم لانس. كابوس كوكبة النجوم طيلة الخمسين عامًا الماضية. الأفعى في ليل الظلام. رئيس جهاز الاستخبارات السرّي.
نظر إلى رامون الذي ارتسم الخوف على وجهه، ونطق بالاسم بلهجة مرحة مطمئنة.
“رجلٌ سمين… ما كنتَ تدعوه؟ موريس؟ لمَ كان يحبّ لقاءك دومًا عند باب الحانة الخلفي؟ كان يأتي أول الأمر ومعه كلبٌ قبيح، ودائم الابتسام. أكان مقرّبًا منك؟”
“مورَات هانسن.”
ضغط تاليس بيده على صدغه بينما حرّك يده الأخرى، كأنّه يحاول جاهدًا استحضار شيءٍ في ذاكرته.
صمتٌ مطبق.
عضّ رامون شفته بألم.
الكل في الغرفة كان يحدّق في تاليس بدهشة، كأنه وحش من عالمٍ آخر.
لكن لحسن الحظ، كانت الورقة التي بيده ليست رديئة.
أما رامون، فظلّ مدهوشًا، يحدّق بتاليس بعينين جامدتين.
لكن لحسن الحظ، كانت الورقة التي بيده ليست رديئة.
(مورَات هانسن.)
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
كان يعرف معنى هذا الاسم.
“كان هناك أحد الأعضاء مصابًا عند الحدود.” قال رامون بصوت خافت ولم يجرؤ على النظر إلى تاليس. “جئت لعلاجه… لكن عصابة قوارير الدم اكتشفتني.”
معلّم لانس. كابوس كوكبة النجوم طيلة الخمسين عامًا الماضية. الأفعى في ليل الظلام. رئيس جهاز الاستخبارات السرّي.
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
(مستحيل. أمير كوكبة النجوم الجديد هو تلميذ النبي الأسود؟)
“أنا…
بالطبع، كان هذا محض مقامرة في قلب تاليس.
كان يعرف معنى هذا الاسم.
(مورَات كان أكثر مهارة في استخدام ما يسمّى “القوة” هذه. كان يستطيع كشف الكذب من ملامح الشخص ليقوده إلى السؤال التالي.)
“إذن، عندما جئنا إلى هنا نبحث عن طبيب، خطرت لك فكرة مفاجئة، فقرّرت أن تغادر حصن التنين المحطّم تحت حمايتنا؟ وسترحل بعد أن نصل إلى إكستيدت؟”
لكن لحسن الحظ، كانت الورقة التي بيده ليست رديئة.
في يومٍ من الأيام، تأخّر تاليس في العودة بعد أن أنهى حفر النفق السرّي. استلقى على بطنه بجانب الطريق، ورأى لايورك يُحمل عائدًا، وعلى كتفه جرحٌ مروّع لا يتوقف نزيفه.
بدأ الجميع في المعسكر يدركون ما يجري.
وراءه، ارتجف رالف غريزيًا.
“لكنّك لم تقل أبدًا…” عقد بيوتراي حاجبيه، “من كان ليتوقّع أنك تتّبع النبي الأسود…”
تغلغلت تلك الجسيمات في الجرح المتقرّح واحدًا تلو الآخر،
“آه.” تنفّس تاليس بخفّة. “تعلمون، في النهاية، قدرةٌ نفسية مثل قدرتي نادرة للغاية.”
“عصابة قوارير الدم؟ نيكولاي وكاثرين؟” عقد تاليس حاجبيه.
“لندخل في صلب الموضوع.” عاد تاليس إلى هيئة الصبي الوديع ذي السبع سنوات، ففرك صدغيه وابتسم قائلًا: “هيا، فكّر مليًّا في هويتك الحقيقية، يا دكتور رامون.
أدار تاليس رأسه نحو بيوتراي ووايا ورالف والآخرين في المعسكر، كانت وجوههم جميعًا مصدومة.
لن تمانع إن أخبرتني بها، أليس كذلك؟”
وقف تاليس بصعوبة، لكن تلك الموجات التي كانت قد ظهرت بعد “موته” الأخير عاد ثانيةً في جسده وبدّد خَدَر ساقيه.
ارتجف رامون قليلًا وهو يحدّق في الأرض بشرود.
كان الطبيب الغريب دائمًا يظهر بعد وقوع حادثٍ كبيرٍ في الأخوية. حين يأتي، تفوح منه رائحة الدواء، وحين يغادر، تفوح منه رائحة الدم. كان واضحًا أنه يعالج الجرحى.
(هويتي؟
“آه، أحقًّا؟” قطع تاليس كلامه بابتسامةٍ مفعمة بالمرح.
لا.
صرخ رامون، فارتعد خوفًا وهلعًا.
هويتي…
الطبيب الغريب رامون.
إن كشفتها… فستفضح الأخوية… وتفضح ذلك الشخص…
فعلى سبيل المثال، كان يستطيع أن يزحف بجسده الضعيف الهزيل عبر جحر الكلاب، ليتنصّت على شجار لايورك وفيليسيا فايريس… أقصد، لاكتشاف الأسرار في غرفتهما، لأن غرفة لايورك كانت عند زاوية المنزل الكبير، وهي أيضًا الغرفة الأبعد نحو الخارج.
لا!
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
لا بدّ ألّا أفكّر فيها.
“من الأفضل أن تختفي من أمامه حين تراه، أتفهم؟” هكذا قال كوايد وهو يقبض على ياقة صبيٍّ مسكين.
لا بدّ ألّا أفكّر فيها!)
هذا مؤكد، فكّر تاليس في نفسه بصمت، أنا لا أعرف سوى اسم رامون ولقبه، ولكن كيف يمكن لرجلٍ يتردّد على الأخوية ويجتمع بكبارها دومًا أن يكون مجرد طبيبٍ بسيط؟
“إذن، هذه هي هويتك.” فرك تاليس أصابعه على صدغيه وحدّق في رامون المتوتّر الشارد الذهن، ثمّ ابتسم ابتسامة الظفر. “ليس عجيبًا أنني لم أتذكّر اسمك حتى بعد قراءتي لقائمة الأسماء.”
“لكنّك لا تفكّر هكذا في أعماق قلبك.”
ضيّق تاليس عينيه.
“لقد طاردوني ستة أو سبعة أيام، ثمّ اختبأت في الحصن… لكن الأمر مسألة وقتٍ قبل أن يعثروا على مكاني. فطالما أنهم يحرُسون الأطراف، فسيمسكون بي في النهاية.”
“إذًا، لستَ الطبيب السرّي في الأزقّة الخلفية الذي يعالج أفراد الأخوية فحسب، بل أنت أيضًا عضوٌ في أخوية الشارع الأسود الملقّب بالطبيب الغريب… كورب سرْكا رامون.”
تذكّر الرجل الضخم ذا الرداء الأحمر نيكولاي، ومعركته مع إستْرون في قصر الكرمة.
تدلّت يدا رامون إلى جانبيه دون أن يشعر.
وقف تاليس بصعوبة، لكن تلك الموجات التي كانت قد ظهرت بعد “موته” الأخير عاد ثانيةً في جسده وبدّد خَدَر ساقيه.
(اسمي الكامل…)
“آه، إنني أعالج بعض الفقراء القلائل فقط، وأتقاضى أجرًا زهيدًا… لذا، ربّما لم يُدرج اسمي في السجلّ…”
أنزل تاليس إصبعه وتكلم في نفسه.
ذلك السرّ القاتل…)
(هذا كل ما أعلمه، آمل أن يكون كافيًا.)
ثم أدار عنقه ببطء وهمس برضا: “من المجرمين… إلى الملك.”
لم يكن أحدٌ ليُلقي بالًا إلى طفلٍ متسوّلٍ يعيش تحت الرقابة الشديدة، يُضطرّ كل يوم إلى التماس الطعام والوسائل للبقاء طيلة أربع سنوات قضاها بين أفراد الأخوية.
نعم، كنت أنا من فحص جراحه وعالجها.)
لذا، فقد كان بوسعه دائمًا أن يكتشف أسرارًا كثيرة دون أن يثير انتباه أحد.
“ما اسمه… لايورك؟
فعلى سبيل المثال، كان يستطيع أن يزحف بجسده الضعيف الهزيل عبر جحر الكلاب، ليتنصّت على شجار لايورك وفيليسيا فايريس… أقصد، لاكتشاف الأسرار في غرفتهما، لأن غرفة لايورك كانت عند زاوية المنزل الكبير، وهي أيضًا الغرفة الأبعد نحو الخارج.
فركَ تاليس صدغيه وهو يبتسم محدّقًا برامون. “ويلو يقول إنك من العاصمة، أهي مدينة النجم الأبدي؟ لقد قلّبتُ ذات مرّة في سجلّ الأطباء في دار المدينة… لكن لِمَ لم أسمع باسمك قط؟”
ومثال آخر: كان ينتظر في الزقاق خلف حانة الغروب، يراقبها طويلًا، فإذا تأكّد أن لا أحد فيها مثل موريس وكلبه الذئبي الغاضب، تسلل إلى الداخل لينبش في قمامتهم اليومية.
(مورَات كان أكثر مهارة في استخدام ما يسمّى “القوة” هذه. كان يستطيع كشف الكذب من ملامح الشخص ليقوده إلى السؤال التالي.)
لكن أكثر من شدّ انتباهه هو الطبيب الغريب ذو الملامح الغريبة الفريدة الذي يقف الآن أمامه.
ابتسم رامون ابتسامةً محرجة.
الطبيب الغريب رامون.
كان يعرف معنى هذا الاسم.
لم يظهر كثيرًا بين أفراد الأخوية، وكان يغطي رأسه كل مرة يظهر فيها.
كان ضوء تشورا الساطع يخبو ويقوى، كوميضٍ آيلٍ للانطفاء في أيّ لحظة.
ومع ذلك، لا تستخفّ بذاكرة الطفل المتسوّل وقدرته على تمييز الناس.
(لكنّ هذا الأمر كان سرًّا دفينًا، لا يعرفه سوى قادة الصفّ الأعلى في العصابة…)
فمن أجل البقاء، كان عليهم أن يميّزوا هيئة كلّ مارٍّ أو ملامحه، علّهم يظفرون بفرصة ضئيلة للحياة.
تنفّس تاليس بعمق وقفز من الكرسي، لكنه شعر فجأة بأنّ ساقيه قد خَدِرتا.
أيّهم فقير، وأيّهم غني، وأيّهم عامل، وأيّهم يعيش برخاء، وأيّهم يُمكن السرقة منه، وأيّهم لا يُمكن سوى الاستجداء منه، وأيّهم خطرٌ لا يمكن الاقتراب منه… ناهيكم عن “التحيات الحارّة” التي يتلقّونها من السفلة… وأيّهم من جماعتهم.
(لقد علم حتى بتفاصيل مقرّ العصابة وغرفة لايورك…)
“من الأفضل أن تختفي من أمامه حين تراه، أتفهم؟” هكذا قال كوايد وهو يقبض على ياقة صبيٍّ مسكين.
وراءه، ارتجف رالف غريزيًا.
كان الطبيب الغريب دائمًا يظهر بعد وقوع حادثٍ كبيرٍ في الأخوية. حين يأتي، تفوح منه رائحة الدواء، وحين يغادر، تفوح منه رائحة الدم. كان واضحًا أنه يعالج الجرحى.
إن كشفتها… فستفضح الأخوية… وتفضح ذلك الشخص…
في يومٍ من الأيام، تأخّر تاليس في العودة بعد أن أنهى حفر النفق السرّي. استلقى على بطنه بجانب الطريق، ورأى لايورك يُحمل عائدًا، وعلى كتفه جرحٌ مروّع لا يتوقف نزيفه.
كان موريس يحرص كلّ مرّة على تأمين المكان بنفسه…
والشخص الذي ظهر بعد ذلك كان رامون.
(لحسن الحظ.
منذ تلك اللحظة، حفظ الطفل المتسوّل تاليس هيئة ذلك الرجل في ذاكرته.
“أيمكن أنّ لديك أسرارًا أخرى؟” سأل بصوت خافت.
والآن، وقد صار أميرًا، ما زال يتذكّرها بوضوح.
“لقد طاردوني ستة أو سبعة أيام، ثمّ اختبأت في الحصن… لكن الأمر مسألة وقتٍ قبل أن يعثروا على مكاني. فطالما أنهم يحرُسون الأطراف، فسيمسكون بي في النهاية.”
أما كوايد، ذاك السكير الذي صار اسمه ذكرى بعيدة حتى كاد تاليس ينساها، فكان يذهب إلى “فحوصات جسدية” بانتظام، لكنّه دومًا يعود تفوح منه رائحة ذلك الطبيب الغريب المميّزة.
“لندخل في صلب الموضوع.” عاد تاليس إلى هيئة الصبي الوديع ذي السبع سنوات، ففرك صدغيه وابتسم قائلًا: “هيا، فكّر مليًّا في هويتك الحقيقية، يا دكتور رامون.
وفي كل مرة يعود فيها من “فحصه”، كان يغضب ويسكر بإفراط، وأثناء ضربه للأطفال المتسوّلين، كان يذكر أحيانًا الاسم الكامل للطبيب الغريب:
كأنّ رامون سقط في بئرٍ من الجليد.
كورب سرْكا رامون.
قطّب تاليس قليلًا ثم ما لبث أن ارتسمت على وجهه ابتسامة.
دفن تاليس ذكريات الماضي عميقًا في أعماق عقله.
كان ضوء تشورا الساطع يخبو ويقوى، كوميضٍ آيلٍ للانطفاء في أيّ لحظة.
ومن المؤسف أن “قراءة الأفكار” الغامضة هذه لم تكن نافعة سوى مع رامون.
“لا تندهش، فهذه قدرتي النفسية.”
كان رامون غارقًا في العرق البارد، ثم تنفّس بارتياح.
“ما اسمه… لايورك؟
(لحسن الحظ.
“تذكّر بسرعة، ما اسمه؟ آه، رودا؟”
لحسن الحظ أنه لم يكشف هويتي الحقيقية…
آه، لأن والده كان فظًّا شديد القسوة، أليس كذلك؟”
ذلك السرّ القاتل…)
نظر إلى رامون الذي ارتسم الخوف على وجهه، ونطق بالاسم بلهجة مرحة مطمئنة.
“انتظر.”
(لا. حتى في مذكّرات برج الأرواح… قراءة الأفكار هي المجال الأكثر عصمةً عن اللمس. ومع ذلك، فهو في السابعة أو الثامنة فقط من عمره، ولديه بالفعل مثل هذه…
راقب تاليس ملامح رامون وهزّ رأسه ببطء.
الآخرون لم يروا شيئًا بسبب الضوء،
“يبدو أنّ هويتك ليست بهذه البساطة، أليس كذلك؟”
“نعم، إنني أختبئ منهما.” أجاب رامون بوجهٍ غامض، وبين يديه زجاجة دواء ومقصّ وضمادات يعالج بها جراح تشورا. ألقى بنظراتٍ حذرة نحو تاليس بين الحين والآخر، وعيناه تحملان ذعراً خفيًّا. “بالطبع، لم تسمع بهذه الأسماء من قبل…”
هذا مؤكد، فكّر تاليس في نفسه بصمت، أنا لا أعرف سوى اسم رامون ولقبه، ولكن كيف يمكن لرجلٍ يتردّد على الأخوية ويجتمع بكبارها دومًا أن يكون مجرد طبيبٍ بسيط؟
لكنّ الأمير الثاني لم يدعه يُكمل.
“أيمكن أنّ لديك أسرارًا أخرى؟” سأل بصوت خافت.
فعلى سبيل المثال، كان يستطيع أن يزحف بجسده الضعيف الهزيل عبر جحر الكلاب، ليتنصّت على شجار لايورك وفيليسيا فايريس… أقصد، لاكتشاف الأسرار في غرفتهما، لأن غرفة لايورك كانت عند زاوية المنزل الكبير، وهي أيضًا الغرفة الأبعد نحو الخارج.
نظر إليه تاليس بنظرةٍ عميقة، ورفع إصبعه ببطء. “هيا، فكّر جيدًا بالأمر.”
وراءه، ارتجف رالف غريزيًا.
بدأ رامون يرتجف دون تحكّم.
“آه، كم كان الدم كثيرًا. جرحٌ بالسكين في الكتف الأيسر… يا إلهي، كان يتألّم بشدّة حتى كاد يطحن أسنانه من الوجع. كان يمسك بتلابيبك ويتمتم عن ’الإبرة السامّة‘ و’سوط العقرب‘…
كان المشهد غريبًا بعض الشيء.
كان لدى آيدا ضوءٌ أبيض ساطع، ووايا يشعّ بضوءٍ رماديٍّ نافذ، أما بيوتراي فكان مغمورًا بضوءٍ بنفسجيٍّ لطيف، ورالف يشعّ بضوءٍ أخضر باهتٍ لا يخبو.
شيخٌ طاعنٌ في السن يرتعد أمام صبيٍّ مجنون.
حاول جاهدًا تصفية ذهنه، لكن كلمات تاليس كانت تستدرّ الذكريات رغماً عنه.
أسرار أخرى… لا.
“الفقراء، أليس كذلك؟” أجابه الأمير الثاني بنبرةٍ صريحة، “إذًا، أظنّ أنّ مكان عملك في مقاطعة المدينة السفلى، أليس كذلك؟”
“لا!”
(أمن إدارة الاستخبارات السريّة جاءه الخبر؟)
صرخ رامون، فارتعد خوفًا وهلعًا.
هناك أسرار أخرى.
لم يجرؤ على مواجهة نظرات تاليس، فانحنى برأسه خائفًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أنا…
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
أرجوك… أرجوك، توقف…
انحنى رامون برأسه كئيبًا.
أنا…”
(موريس من الستة الاقواياء؟)
ضيّق تاليس عينيه.
“كان هناك أحد الأعضاء مصابًا عند الحدود.” قال رامون بصوت خافت ولم يجرؤ على النظر إلى تاليس. “جئت لعلاجه… لكن عصابة قوارير الدم اكتشفتني.”
“لا تندهش كثيرًا، لقد رأيت الكثير من الوجوه التي تحمل هذه الملامح.” مدّ تاليس ذراعيه فوق رأسه.
(العصابة… ذوو المراتب العليا..)
ثم أدار عنقه ببطء وهمس برضا: “من المجرمين… إلى الملك.”
كان تاليس يرمقه بنشوةٍ خفيّة.
عضّ رامون شفته بألم.
(ما الذي يفعله؟)
ثبّت تاليس نظره عليه. “بصراحة، أنا أمير الكوكبة، الوريث الوحيد لهذا البلد، أمّا أنت فلا تتعدّى كونك رجل عصابات.
ارتسمت صورةٌ تطابق الوصف في ذهنه.
أنا لست مهتمًا بك على الإطلاق.
كان موريس يحرص كلّ مرّة على تأمين المكان بنفسه…
ولا تهمّني أسرارك.
…
لكن حين يتعلّق الأمر بأشياء تمسّني…”
كوايد رودا؟”
تابع بصوتٍ منخفض،
كانت جسيمات الضوء التي تتسلّل من جسد تشورا تمرّ بإيقاعٍ عبر يدي رامون ثم تعود إلى جسده لتكمل دورةً متواصلة،
“فقبل أن أمزّق أكاذيبك الغبية وأستخرج كلّ أسرارك القذرة من دماغك… يا دكتور رامون، أخبرني لماذا تصرّ على مرافقتنا إلى الشمال؟
تلك الرؤية التي تشبه جهاز استشعار حراري بدت في الواقع مذهلة للغاية…
كي لا أضطرّ إلى الحفر في عقلك مجددًا بحثًا عن حقائق مملة أخرى…”
وما إن أنهى كلماته حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ نقيّة صافية تليق بطفلٍ في السابعة، وهو يحدّق مباشرةً في رامون.
تجمّد رامون مكانه.
(اسمي الكامل…)
نعم… وكل تلك… الأسرار.
“آه، أحقًّا؟” قطع تاليس كلامه بابتسامةٍ مفعمة بالمرح.
“أفهم، يا صاحب السموّ.” قال رامون متألّمًا، “سأكون صريحًا بشأن هدفي…”
أمّا آيدا، فقد عبست بشدة وهي تحدّق في مؤخرة رأس تاليس.
“شكرًا على تعاونك. في النهاية، من الصعب استخدام هذه القدرة على قراءة الأفكار… لا أستطيع الحفاظ عليها إلا لفترة قصيرة.” تنفّس تاليس بعمق ووضع يده اليمنى جانبًا، وابتسم بخبث، “سيتعيّن عليّ الانتظار حتى الغد قبل أن أتمكّن من استخدامها مجددًا.”
تابع تاليس بابتسامة مشرقة.
ارتجف رامون قليلًا.
لا بدّ ألّا أفكّر فيها!)
“آه، وبالمناسبة، يمكنك البدء بعلاج الجرحى.” أشار تاليس إلى تشورا بابتسامة. “لقد أضعنا وقتًا كافيًا بالفعل.”
(ما الذي يحدث؟)
انحنى رامون برأسه كئيبًا.
ثبّت تاليس نظره عليه. “بصراحة، أنا أمير الكوكبة، الوريث الوحيد لهذا البلد، أمّا أنت فلا تتعدّى كونك رجل عصابات.
بينما كان الآخرون يحدّقون في أميرهم بوجوهٍ مختلفة، كأنهم يرونه للمرة الأولى.
جمُد رامون للحظة.
…
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
“عصابة قوارير الدم؟ نيكولاي وكاثرين؟” عقد تاليس حاجبيه.
وخلالها كلّها كان رامون يردّد ترنيمةً بنغمةٍ ثابتة.
وراءه، ارتجف رالف غريزيًا.
والشخص الذي ظهر بعد ذلك كان رامون.
كاثرين… الأخت الكبرى؟
في يومٍ من الأيام، تأخّر تاليس في العودة بعد أن أنهى حفر النفق السرّي. استلقى على بطنه بجانب الطريق، ورأى لايورك يُحمل عائدًا، وعلى كتفه جرحٌ مروّع لا يتوقف نزيفه.
“نعم، إنني أختبئ منهما.” أجاب رامون بوجهٍ غامض، وبين يديه زجاجة دواء ومقصّ وضمادات يعالج بها جراح تشورا. ألقى بنظراتٍ حذرة نحو تاليس بين الحين والآخر، وعيناه تحملان ذعراً خفيًّا. “بالطبع، لم تسمع بهذه الأسماء من قبل…”
معلّم لانس. كابوس كوكبة النجوم طيلة الخمسين عامًا الماضية. الأفعى في ليل الظلام. رئيس جهاز الاستخبارات السرّي.
انبثقت فكرة في ذهن تاليس.
(بل ومتى قلّب في سجلّ الأطباء؟)
تذكّر الرجل الضخم ذا الرداء الأحمر نيكولاي، ومعركته مع إستْرون في قصر الكرمة.
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
“لقد طاردوني ستة أو سبعة أيام، ثمّ اختبأت في الحصن… لكن الأمر مسألة وقتٍ قبل أن يعثروا على مكاني. فطالما أنهم يحرُسون الأطراف، فسيمسكون بي في النهاية.”
“كيف يكون ذلك؟ نحن لا نجرؤ على مخالطة أولئك المنتمين إلى العصابات.” قال رامون محاولًا تغيير الموضوع بارتباك.
“وفوق ذلك، إكستيدت والكوكبة على وشك الحرب… إن صادفت جيشًا من أيّ الطرفين وحدي في الخلاء، فلن يكون مصيري أفضل من الوقوع في أيدي عصابة قوارير الدم…”
وراءه، ارتجف رالف غريزيًا.
“إذن، عندما جئنا إلى هنا نبحث عن طبيب، خطرت لك فكرة مفاجئة، فقرّرت أن تغادر حصن التنين المحطّم تحت حمايتنا؟ وسترحل بعد أن نصل إلى إكستيدت؟”
وانسابَت خيوطٌ من جسيمات الضوء المرتجفة عبر جرح تشورا لتتجمّع في كفَّي رامون.
أومأ رامون بمرارة.
كان الطبيب الغريب دائمًا يظهر بعد وقوع حادثٍ كبيرٍ في الأخوية. حين يأتي، تفوح منه رائحة الدواء، وحين يغادر، تفوح منه رائحة الدم. كان واضحًا أنه يعالج الجرحى.
هذا مريب جدًا، فكّر تاليس في نفسه.
(وتلك الفتاة الباكية فيليسيا…)
لماذا يأتي طبيبٌ سرّي يكسب عيشه في العاصمة إلى حدود بلدين؟
(يحمل سكينًا، قاسٍ، قليل الكلام…)
“كان هناك أحد الأعضاء مصابًا عند الحدود.” قال رامون بصوت خافت ولم يجرؤ على النظر إلى تاليس. “جئت لعلاجه… لكن عصابة قوارير الدم اكتشفتني.”
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
هذا غير منطقي.
تنفّس تاليس بعمق وقفز من الكرسي، لكنه شعر فجأة بأنّ ساقيه قد خَدِرتا.
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
(بل ومتى قلّب في سجلّ الأطباء؟)
هناك أسرار أخرى.
كانت جسيمات الضوء التي تتسلّل من جسد تشورا تمرّ بإيقاعٍ عبر يدي رامون ثم تعود إلى جسده لتكمل دورةً متواصلة،
(ومن المؤسف أنني قلت له للتو إن قدرتي على قراءة الأفكار لا أستطيع استخدامها مجددًا قبل الغد… وإلا لأخفته أكثر.)
جرّب تاليس رؤيته بفضول.
أومأ تاليس.
قطّب تاليس قليلًا ثم ما لبث أن ارتسمت على وجهه ابتسامة.
“تابع علاجك، ما دمت صادقًا، فربما أعيد النظر في طلبك.”
أسرار أخرى… لا.
أومأ رامون باستسلام.
الطبيب الغريب كان واقفًا في زاوية مظلمة من المعسكر، وشفاهه ترتجف بشكلٍ واضح، وكأنه يتمتم بشيءٍ ما.
تنفّس تاليس بعمق وقفز من الكرسي، لكنه شعر فجأة بأنّ ساقيه قد خَدِرتا.
ضغط تاليس بيده على صدغه بينما حرّك يده الأخرى، كأنّه يحاول جاهدًا استحضار شيءٍ في ذاكرته.
ولحسن الحظ، أمسكه وايا ورالف قبل أن يسقط.
لكنّ الأمير الثاني لم يدعه يُكمل.
(تبًّا، جلست وقتًا طويلًا أثناء تمثيلي ذاك الآن.)
لذا، فقد كان بوسعه دائمًا أن يكتشف أسرارًا كثيرة دون أن يثير انتباه أحد.
وقف تاليس بصعوبة، لكن تلك الموجات التي كانت قد ظهرت بعد “موته” الأخير عاد ثانيةً في جسده وبدّد خَدَر ساقيه.
“ما اسمه… لايورك؟
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
أيّهم فقير، وأيّهم غني، وأيّهم عامل، وأيّهم يعيش برخاء، وأيّهم يُمكن السرقة منه، وأيّهم لا يُمكن سوى الاستجداء منه، وأيّهم خطرٌ لا يمكن الاقتراب منه… ناهيكم عن “التحيات الحارّة” التي يتلقّونها من السفلة… وأيّهم من جماعتهم.
لكن… ما هي بالضبط؟
كان موريس يحرص كلّ مرّة على تأمين المكان بنفسه…
أمعن تاليس في التفكير بقلق.
لكن… ما هي بالضبط؟
تلك الرؤية التي تشبه جهاز استشعار حراري بدت في الواقع مذهلة للغاية…
هويتي…
وجّه تاليس الموجة لتتدفّق نحو منطقة عينيه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
فانطلقت الرؤية الخاصة مجددًا.
(بل ومتى قلّب في سجلّ الأطباء؟)
استدار برأسه، فرأى نورًا متوهّجًا يشعّ من أجساد الجميع.
“أفهم، يا صاحب السموّ.” قال رامون متألّمًا، “سأكون صريحًا بشأن هدفي…”
كان لدى آيدا ضوءٌ أبيض ساطع، ووايا يشعّ بضوءٍ رماديٍّ نافذ، أما بيوتراي فكان مغمورًا بضوءٍ بنفسجيٍّ لطيف، ورالف يشعّ بضوءٍ أخضر باهتٍ لا يخبو.
فركَ تاليس صدغيه وهو يبتسم محدّقًا برامون. “ويلو يقول إنك من العاصمة، أهي مدينة النجم الأبدي؟ لقد قلّبتُ ذات مرّة في سجلّ الأطباء في دار المدينة… لكن لِمَ لم أسمع باسمك قط؟”
(أهي قدرات مختلفة؟ أم دلائل الحياة؟ أم خصائص طاقاتهم؟)
أرجوك… أرجوك، توقف…
جرّب تاليس رؤيته بفضول.
قطّب تاليس قليلًا ثم ما لبث أن ارتسمت على وجهه ابتسامة.
وأدار نظره في أرجاء المعسكر.
لا!
وفي اللحظة التالية، تجمّد في مكانه.
جمُد رامون للحظة.
فبواسطة الرؤية التي منحته إياها الموجة، رأى مشهدًا لا يُصدّق.
“آه، إنني أعالج بعض الفقراء القلائل فقط، وأتقاضى أجرًا زهيدًا… لذا، ربّما لم يُدرج اسمي في السجلّ…”
كان ضوء تشورا الساطع يخبو ويقوى، كوميضٍ آيلٍ للانطفاء في أيّ لحظة.
وفي كل مرة يعود فيها من “فحصه”، كان يغضب ويسكر بإفراط، وأثناء ضربه للأطفال المتسوّلين، كان يذكر أحيانًا الاسم الكامل للطبيب الغريب:
لكن رامون…
كان يعرف معنى هذا الاسم.
لم يكن حوله أيّ ضوءٍ مشعّ.
عضّ رامون شفته بألم.
بل كان يشعّ بوميضٍ غامضٍ داكنٍ يتردّد بتناسقٍ مع محيطه.
“شكرًا على تعاونك. في النهاية، من الصعب استخدام هذه القدرة على قراءة الأفكار… لا أستطيع الحفاظ عليها إلا لفترة قصيرة.” تنفّس تاليس بعمق ووضع يده اليمنى جانبًا، وابتسم بخبث، “سيتعيّن عليّ الانتظار حتى الغد قبل أن أتمكّن من استخدامها مجددًا.”
غير أن هذا لم يكن أكثر ما أذهل تاليس.
“نعم، يا دكتور رامون.”
رأى رامون يضغط برفقٍ على جرح تشورا،
فعلى سبيل المثال، كان يستطيع أن يزحف بجسده الضعيف الهزيل عبر جحر الكلاب، ليتنصّت على شجار لايورك وفيليسيا فايريس… أقصد، لاكتشاف الأسرار في غرفتهما، لأن غرفة لايورك كانت عند زاوية المنزل الكبير، وهي أيضًا الغرفة الأبعد نحو الخارج.
وانسابَت خيوطٌ من جسيمات الضوء المرتجفة عبر جرح تشورا لتتجمّع في كفَّي رامون.
“من غيره يكون؟” ضحك تاليس بمرح، وأدار رأسه.
تغلغلت تلك الجسيمات في الجرح المتقرّح واحدًا تلو الآخر،
(مورَات كان أكثر مهارة في استخدام ما يسمّى “القوة” هذه. كان يستطيع كشف الكذب من ملامح الشخص ليقوده إلى السؤال التالي.)
ومع كلّ مرة تتسرّب فيها، أصبح ضوء تشورا أكثر ثباتًا وسطوعًا،
تابع تاليس بابتسامة مشرقة.
كأن مريضًا يحتضر يبدأ ببطء في التعافي.
(مستحيل. أمير كوكبة النجوم الجديد هو تلميذ النبي الأسود؟)
حدّق تاليس في رامون مدهوشًا.
لكنني أثق بكم جميعًا.”
الآخرون لم يروا شيئًا بسبب الضوء،
(يحمل سكينًا، قاسٍ، قليل الكلام…)
لكن بفضل الرؤية التي منحته إياها الموجة، رآه بوضوح…
لا.)
الطبيب الغريب كان واقفًا في زاوية مظلمة من المعسكر، وشفاهه ترتجف بشكلٍ واضح، وكأنه يتمتم بشيءٍ ما.
تدلّت يدا رامون إلى جانبيه دون أن يشعر.
كانت جسيمات الضوء التي تتسلّل من جسد تشورا تمرّ بإيقاعٍ عبر يدي رامون ثم تعود إلى جسده لتكمل دورةً متواصلة،
“عصابة قوارير الدم؟ نيكولاي وكاثرين؟” عقد تاليس حاجبيه.
وخلالها كلّها كان رامون يردّد ترنيمةً بنغمةٍ ثابتة.
لكن لحسن الحظ، كانت الورقة التي بيده ليست رديئة.
عقد تاليس حاجبيه بقوة.
لم يشأ التفكير في تلك الاحتماليّة.
هذا بالتأكيد ليس علم الطبّ.
حرّك تاليس أصابعه بخفّة وحدّق في رامون بنظرةٍ تُشعر المرء بعدم الارتياح.
قطعًا ليس كذلك.
(لحسن الحظ.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومع كلّ مرة تتسرّب فيها، أصبح ضوء تشورا أكثر ثباتًا وسطوعًا،
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
