المقامرة (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رفعت ميراندا حاجبيها، ولزمت الصمت للحظات.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
من بعيد، استمرّ دويّ المعركة يتردّد في السهول.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“إن حدث الاحتمال الأول، فالحصن سيواجه خطر السقوط في أيديهم. أمّا إن حدث الثاني، فسيستنزف لامبارد كثيرًا من قوات الحصن، ممهّدًا الطريق لنفسه لحصار المدينة بعد ذلك.”
Arisu-san
“إذًا، مفتاح المعركة يعتمد على خيار ساسيري.” في وسط صفوف القتال، كان تاليس يلهث وهو يخاطب بيوتراي الذي أومأ قليلًا، وآراكا الذي كان وجهه مشوّهًا مغطّى بالدماء.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ذلك السيف نفسه الذي قتل به شقيقه الأكبر في المبارزة. لم يفترق عنه منذ أكثر من عشر سنوات.
الفصل 104: المقامرة (2)
“دعوا المشاة الخفيفين يواصلون القتال.”
….
“إنه مجرد طفل في السابعة.”
بعيدًا، جلس آرشيدوق الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، بكامل عُدّته فوق صهوة جواده.
رفع جينارد درعه ليصدّ ضربةً من مطرقة ثقيلة، فاضطرّ لأن يطأطئ جسده تحت قوة الهجوم الهائلة.
محاطًا بعدد لا يُحصى من جنود المشاة والفرسان، كان يُحدّق في البعيد بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
عقد الفيكونت كينتفيدا حاجبيه وقال:
وسط صيحات المعركة الصاخبة، كانت رايتان تابعتان للكوكبة ترفرفان على مسافة، تحت حصارٍ من أكثر من ألفي جندي مشاة إكستيدت خفيفي العُدة، مقسّمين إلى ستّ سرايا ضخمة.
سونيا ساسيري، هل سترسلين تعزيزاتٍ لإنقاذ أميرك الوحيد؟ أم ستقفين عاجزةً تشاهدين وريث الكوكبة يهلك في المعركة؟”
مدّ لامبارد يده ولمس سيفه المُعلّق على خاصرته.
ثم…
ذلك السيف نفسه الذي قتل به شقيقه الأكبر في المبارزة. لم يفترق عنه منذ أكثر من عشر سنوات.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
قال بصوتٍ خافت خلفه الكونت ليفان:
“منذ لحظة ولادته، كان من المستحيل أن يمرّ بتلك المرحلة التي يُسمّونها ’الطفولة‘.”
“لقد بدأت المعركة. سيكسرون الحصار قريبًا وينسحبون نحو الحصن. علينا فقط أن ننتظر حتى تُرسل ساسيري قوات الدعم.”
“سلاح الفرسان الخفيف والمشاة على جانبي ساحة المعركة مستعدّون بالفعل. سنتمكن من الالتفاف بسرعة على أيّ قواتٍ تأتي لمساعدتهم من الحصن.”
أومأ مستشاره الأقرب، الفيكونت كينتفيدا، موافقًا.
أسرع تولجا يمتطي حصانه من بعيد. “سيدي! وصلت أنباء من سلاح الفرسان الخفيف!
“سلاح الفرسان الخفيف والمشاة على جانبي ساحة المعركة مستعدّون بالفعل. سنتمكن من الالتفاف بسرعة على أيّ قواتٍ تأتي لمساعدتهم من الحصن.”
وسط صيحات المعركة الصاخبة، كانت رايتان تابعتان للكوكبة ترفرفان على مسافة، تحت حصارٍ من أكثر من ألفي جندي مشاة إكستيدت خفيفي العُدة، مقسّمين إلى ستّ سرايا ضخمة.
“الفرسان وثلاثمائة من سلاح الفرسان الثقيل قد خففوا نصف حمولتهم بالفعل. سيكون بإمكانهم الاندفاع بسرعةٍ أكبر… حتى لو خرج جميع الثلاثة آلاف في الحصن متشابكي الأيدي، فسنتمكن على الأقل من سحق طليعتهم فورًا. هذا إن لم يتراجعوا خلال خمس دقائق.”
ورفع غضب المملكة سيفه العظيم مشيرًا به نحو راية القبضة الحديدية المرفرفة في البعيد، وصاح بصوتٍ هدّ الجبال:
“خمسمائة من السيافين الثقيلين وثمانمائة من حاملي الفؤوس المدرّعين ينتظرون الأوامر. يمكنهم التقدّم بعد ذلك…”
رفع جينارد درعه ليصدّ ضربةً من مطرقة ثقيلة، فاضطرّ لأن يطأطئ جسده تحت قوة الهجوم الهائلة.
“الرماة، ووحدة الأسلحة الصوفية، والمجندون العاديون الباقون يمكنهم كذلك شنّ الهجوم.”
شدّ تولجا على أسنانه وهو ما يزال على صهوة جواده وقال، “هناك شخصٌ مع ذلك الأمير.”
“عندما يبدؤون بكسر الطوق، يمكننا استغلال الفرصة للتقدّم. على المشاة الثقيلة أن تنطلق أولاً.”
“عندما يبدؤون بكسر الطوق، يمكننا استغلال الفرصة للتقدّم. على المشاة الثقيلة أن تنطلق أولاً.”
غير أنّ تشابمان لامبارد رفع يده في تلك اللحظة، قاطعًا تقرير كينتفيدا بملامح جادّة.
“أستطيع أن أضمن أن فرسانه مستعدّون للانقضاض بأقصى سرعة لاعتراض تعزيزاتنا مهما كلّف الأمر. سيتحدّون سهام القلاع غير مبالين بالخسائر لمجرد اختراق بوابة الحصن. ومن هناك، سيشنّون علينا هجومًا واسع النطاق…”
“لا. ليبقَ الجميع في مواقعهم بانتظار الأوامر. لا يُسمح لأحد بالاقتراب من ساحة المعركة دون إذن.”
قبضت سونيا على قبضتيها بقوة.
“دعوا المشاة الخفيفين يواصلون القتال.”
صعد آراكا على الركاب بخطوةٍ حازمة، واشتدّ بريق نظره.
“علينا أن نمنح زهرة الحصن بعض الوقت لتفكّر فيما إن كانت سترسل قوات الإنقاذ أم لا.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تصلّب وجه اللورد تولجا الواقف بجانب الآرشيدوق بعد أن سمع كلماته.
تنفّس تاليس بعمق، وابتسم له.
“إن كسروا الطوق متّجهين نحو الحصن، فالأفضل أن تلاحقهم قواتنا الرئيسية بمسافة مناسبة.” ولأنه مُلِمٌّ بشؤون المعارك، عبس وقال: “إن كانت المسافة بعيدة جدًا، فحتى لو اعترض فرساننا قوات دعم ساسيري، فلن يتمكن المشاة الثقيلة من اللحاق بهم. وأنسَ مسألة إبادة خصومها في عملية ميدانية، فبقدراتها يمكنها بسهولة استعادة الأمير في الوقت المناسب.”
إلا أنّ الجندي الذي أخذ مكانه لم يكن يملك الخبرة الكافية، فما إن تقدّم حتى شُقّ فخذه بضربة سيف.
“وإن حدث ذلك، سواء استغللنا الفرصة لحصار المدينة أو لاستنزاف قواتها في الميدان، فستفقد خطتنا معناها.”
عضّت سونيا على أسنانها، أغمضت عينيها، وأطلقت تنهيدة طويلة.
كان لامبارد يراقب سير المعركة من بعيد، وهزّ رأسه ببطء.
في ميدان القتال، كان المجنّدون الجدد ضعيفو المهارة هم أول من يسقطون. أمّا الناجون من المحاربين القدماء فكانوا أصلب من الحديد، أذكياء وشجعان.
“ساسيري امرأة حذرة.” قال الآرشيدوق وهو يحدّق نحو حصن التنين المحطم بنظرة متفحّصة، متحدثًا ببطء.
عضّت سونيا على أسنانها، أغمضت عينيها، وأطلقت تنهيدة طويلة.
“لكي نُغريها بإرسال قواتها، علينا أن نُخاطر ونمنحها بعض الأمل. إن لم تُرسل قواتها، فسيهلك أميرهم حتمًا في ساحة القتال. أمّا إن أرسلتها، فستكون هناك فرصة بنسبة خمسين بالمئة لاستعادته.”
“يجب ألّا نتحرك وفق طريقة تفكير العدو.”
“وكلّما اقترب الأمير من الحصن أثناء اختراقه للحصار من الخلف، ازدادت فرصتهم في استعادته…”
“هل البقاء على ظهر هذا الأحمق آمن حقًا؟” سألت آيدا بغضب، “أشعر وكأنني فقدت عملي.”
“حين ترى أن الأمل يزداد، وأن احتمالية النجاح ترتفع، فلن تتمالك سونيا ساسيري نفسها، وستتردّد. حتى من هم أكثر حذرًا وعقلانيةً منها سيقعون في الإغراء.”
“في مثل هذا الموقف، طالما أنه لا يموت، فلن يرى أهل الكوكبة سوى الإهانة التي جلبها أميرهم عليهم، لا العداء بين عائلتهم وعائلة لامبارد.”
تألّقت عينا لامبارد برغبةٍ لم يسبق لها مثيل في التحدّي، وتثبّتت نظرته على راية الكوكبة التي ترفرف فوق حصن التنين المحطم، راية النجمتين المتصالبتين.
عضّت سونيا على أسنانها، أغمضت عينيها، وأطلقت تنهيدة طويلة.
“الآن، سنرى ما الذي ستختاره خصمتنا القديمة، زهرة الحصن.
ولم يُكمل كلامه.
سونيا ساسيري، هل سترسلين تعزيزاتٍ لإنقاذ أميرك الوحيد؟ أم ستقفين عاجزةً تشاهدين وريث الكوكبة يهلك في المعركة؟”
“لكنّ الأمر غريب جدًا…”
…
غير أنّ تشابمان لامبارد رفع يده في تلك اللحظة، قاطعًا تقرير كينتفيدا بملامح جادّة.
“ما الذي يجري؟!”
ضحك آراكا بسخرية، ناظرًا حوله إلى جنوده القتلى والجرحى المكدّسين فوق بعضهم، والغضب يتأجّج في صدره. “إن كانت لديك فكرة، فأخرجها قبل أن يحوّلنا الإكستيدتيون إلى لحمٍ مفروم ويعلّقوك بجانبه.”
من على جدار الحصن العالي، كانت سونيا تراقب المعركة الفوضوية المشتعلة في السهل البعيد، فقبضت على قبضتها وضربت بها جدار الحصن بقوة.
لم يتفوّه الآرشيدوق لامبارد الصارم بأيّ كلمة.
“هل ينوي لامبارد قتل سموّه أمام الجميع؟!”
“لكي نُغريها بإرسال قواتها، علينا أن نُخاطر ونمنحها بعض الأمل. إن لم تُرسل قواتها، فسيهلك أميرهم حتمًا في ساحة القتال. أمّا إن أرسلتها، فستكون هناك فرصة بنسبة خمسين بالمئة لاستعادته.”
“إنهم لا يتجاوزون ألفين وثلاثمائة من المشاة الخفيفين المحاصرين للأمير. مع وجود حُرّاس الغضب هناك، قد يتمكنون من الصمود لبعض الوقت.”
غير أنّ سيفًا آخر جاء من زاويةٍ صعبة، فاخترق لوح كتف جينارد الأيسر. وبينما كان يقاوم الألم، ارتجف جسده وهو يتراجع إلى الصف الثاني.
“لكن الفارق في العدد كبير للغاية.” قالت وهي تتابع مواقع العدو في السهل، عاقدة حاجبيها. “القوات الرئيسية للامبارد بعيدة جدًا. إن استطاع البارون مورخ كسر الطوق وهو يصحب الأمير، وتراجع لمسافة كافية، فسنتمكن من إرسال التعزيزات في الوقت المناسب لتمزيق حصار المشاة الخفيفين واستعادة سموّه.”
نحن ذاهبون إلى لامبارد!”
استدارت ميراندا نحو سونيا وقالت، “أستطيع شنّ هجومٍ مضاد. أحتاج إلى ألف رجل، من النخبة القادرين على اختراق تشكيل العدو، مثل لواء ضوء النجوم.
“لقد بدأوا باختراق الطوق!”
“يمكن للواء خاصتهم أن يمتطي الخيول. والخصم لا يملك سوى مشاة خفاف. إن كان الهدف هو اختراق الحصار وإنقاذ سموّه فقط—”
(ما دام لا طريقَ للرجوع،
“مستحيل!” نظرت سونيا إلى ساحة المعركة العالقة في الجمود، وغلبها الغضب.
….
“مجموعة الأمير الدبلوماسية ليست هدفه الرئيسي…”
(ما سيأتي بعد ذلك سيكون معركةً عسيرة حقًّا.)
“إن أرسلنا نخبة دفاع المدينة الوحيدة لإنقاذ الأمير… فذلك ما يريده لامبارد بالضبط!”
“يجب ألّا نتحرك وفق طريقة تفكير العدو.”
“أستطيع أن أضمن أن فرسانه مستعدّون للانقضاض بأقصى سرعة لاعتراض تعزيزاتنا مهما كلّف الأمر. سيتحدّون سهام القلاع غير مبالين بالخسائر لمجرد اختراق بوابة الحصن. ومن هناك، سيشنّون علينا هجومًا واسع النطاق…”
لكنّ أحدًا لم يعرف ما الذي كان يدور في باله.
“سيتمكنون على الأقل من إبادة قواتنا المُرسلة كتعزيزات…”
“القوات التي أرسلناها ليست سوى مشاة خفيفين. وبالنظر إلى مجريات المعركة الآن، فجنود الكوكبة قادرون على الصمود لأكثر من خمس عشرة دقيقة على الأقل… وإن وصل الأمر إلى تلك النقطة، فلن يكون الوقت قد فات لنُطلق بوق الانسحاب.”
“إن حدث الاحتمال الأول، فالحصن سيواجه خطر السقوط في أيديهم. أمّا إن حدث الثاني، فسيستنزف لامبارد كثيرًا من قوات الحصن، ممهّدًا الطريق لنفسه لحصار المدينة بعد ذلك.”
“وكلّما اقترب الأمير من الحصن أثناء اختراقه للحصار من الخلف، ازدادت فرصتهم في استعادته…”
قبضت سونيا على قبضتيها بقوة.
“القائدة!”
“يجب ألّا نتحرك وفق طريقة تفكير العدو.”
(سأستعمل غضب المملكة بدلًا عن سخط المملكة)
رفعت ميراندا حاجبيها، ولزمت الصمت للحظات.
(سأستعمل غضب المملكة بدلًا عن سخط المملكة)
من بعيد، استمرّ دويّ المعركة يتردّد في السهول.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“لكن، ذلك هو الأمير الثاني، وهو أيضًا الوريث الوحيد للكوكبة.”
إذ ارتفعت مجددًا أصوات المعركة من بعيد.
فكّرت ميراندا لبرهة ثم قالت بهدوء، “إن لم يُرسل الحصن قواته، فهناك احتمال كبير أن يهلك في المعركة. جلالته…”
“الهدف هو… الشمال!
عضّت سونيا على أسنانها، أغمضت عينيها، وأطلقت تنهيدة طويلة.
اتّسعت عيناه وفتح فمه بصدمة. “أيمكن أن…”
“ذلك هو هدف لامبارد. إنه ينتظر اختياري، بين الحصن وسلامة الأمير، بين الشأن العسكري والسياسي. يريدني أن أختار أحدهما دون الآخر.”
“علينا أن نختار بدلًا من السيدة ساسيري.”
“إنه فخّ واضحٌ للغاية.”
…
“كان من المستحيل في البداية أن يستولي لامبارد على الحصن، ومن كان يظنّ أنه سيجد فرصةً كهذه… جرأة لامبارد تتجاوز حدود تصوري!”
“ولذلك، لا يمكننا أن ندعها تختار.”
قبضت ميراندا على سيفها المعلّق في خصرها بقوة، ورفعت رأسها.
قال الفيكونت كينتفيدا بعد تفكّر:
“ربما بقدرات البارون مورخ، سيتمكّن من تقريب الأمير إلينا بعد أن يكسر الطوق. بل ربما ينجح في جلبه إلى نطاق حماية القلاع؟”
(ما دام لا طريقَ للرجوع،
“سنحاول بكل جهد أن نحسم المعركة بسرعة ونؤمّن الأمير قبل وصول قواتهم اللاحقة…”
وفي اللحظة التالية، التفت آراكا إلى تاليس وضحك بسخرية باردة.
“احذري!” فتحت سونيا عينيها فجأة، وقد امتلأ بصرها بالحذر.
(لا…
“هذا بالضبط ما يريدنا لامبارد أن نفكّر به. الحصن هو أكبر نقاط قوتنا. لا تعلمين إلى أيّ مدى يتوق هو لأن نغادره، فنقع في فوضى معركته.”
“سيتمكنون على الأقل من إبادة قواتنا المُرسلة كتعزيزات…”
“كل ما يفعله إنما هو تمهيد ليتمكن من الاستيلاء على حصن التنين المحطم بأقلّ ثمن ممكن!”
“نعم، أنا ولامبارد نُقامر.”
تجمّدت ميراندا في مكانها.
“أعظم مقاتلٍ في الكوكبة…’
“لكن… هل يجرؤ حقًا على حمل جريمة قتل أمير الكوكبة على عاتقه؟”
“أخشى أن حياة الأمير وموته لا يعتمدان على الحظ، بل على خيارنا نحن.”
…
عند سماع ذلك، عبس تولجا بعمق.
“وماذا لو مات أمير الكوكبة حقًا في ساحة القتال؟” قال اللورد تولجا بتردّد وهو يراقب المعركة من بعيد،
نحن ذاهبون إلى لامبارد!”
“كل شيء ممكن في الحرب.”
“القوات التي أرسلناها ليست سوى مشاة خفيفين. وبالنظر إلى مجريات المعركة الآن، فجنود الكوكبة قادرون على الصمود لأكثر من خمس عشرة دقيقة على الأقل… وإن وصل الأمر إلى تلك النقطة، فلن يكون الوقت قد فات لنُطلق بوق الانسحاب.”
“حينها، سنرى إن كان تجسيد الغروب سيمنحنا بركته، ومدى إخلاص سونيا ساسيري تجاه العائلة الملكية لجيدستار.” تكلّم الآرشيدوق لامبارد بصوتٍ منخفض:
“إنه أمير.”
“إن فزنا في هذه المقامرة، سنفتح بوابة إقليم الشمال التابع للكوكبة. أما إن خسرنا… هه.”
وسط صيحات المعركة الصاخبة، كانت رايتان تابعتان للكوكبة ترفرفان على مسافة، تحت حصارٍ من أكثر من ألفي جندي مشاة إكستيدت خفيفي العُدة، مقسّمين إلى ستّ سرايا ضخمة.
ولم يُكمل كلامه.
وفي اللحظة التالية، انطلق الرجل المعروف باسم غضب المملكة، آراكا مورخ، ممتطيًا جواده بوجهٍ يفيض بالعزم، متجاوزًا صفّ حرّاسه.
قال الفيكونت كينتفيدا بعد تفكّر:
“مجموعة الأمير الدبلوماسية ليست هدفه الرئيسي…”
“أخشى أن حياة الأمير وموته لا يعتمدان على الحظ، بل على خيارنا نحن.”
تصلّب وجه اللورد تولجا الواقف بجانب الآرشيدوق بعد أن سمع كلماته.
“إن رفضت ساسيري إرسال القوات، وآثرت الدفاع عن الحصن بينما تُباد قوات أميرهم عن بكرة أبيها… هل سنقتل حقًا كلّ من في مجموعة الأمير الدبلوماسية؟”
“وكلّما اقترب الأمير من الحصن أثناء اختراقه للحصار من الخلف، ازدادت فرصتهم في استعادته…”
“ليس بالضرورة.” هزّ الكونت ليفان رأسه.
“إن رفضت ساسيري إرسال القوات، وآثرت الدفاع عن الحصن بينما تُباد قوات أميرهم عن بكرة أبيها… هل سنقتل حقًا كلّ من في مجموعة الأمير الدبلوماسية؟”
“القوات التي أرسلناها ليست سوى مشاة خفيفين. وبالنظر إلى مجريات المعركة الآن، فجنود الكوكبة قادرون على الصمود لأكثر من خمس عشرة دقيقة على الأقل… وإن وصل الأمر إلى تلك النقطة، فلن يكون الوقت قد فات لنُطلق بوق الانسحاب.”
“إنها امتيازهم، وهي أيضًا ثمن يجب أن يدفعوه.”
“ثم ماذا؟ أن ندعو الأمير إلينا ونُخبره بأن كل شيء، بما في ذلك موت كل أولئك الناس، كان مجرد سوء تفاهم؟” قال تولجا وهو يقطّب حاجبيه.
تألّقت عينا لامبارد برغبةٍ لم يسبق لها مثيل في التحدّي، وتثبّتت نظرته على راية الكوكبة التي ترفرف فوق حصن التنين المحطم، راية النجمتين المتصالبتين.
رفع الآرشيدوق لامبارد اللجام، وتقدّم بضع خطوات بجواده ليُشاهد الوضع بوضوح أكبر.
“أخشى أن حياة الأمير وموته لا يعتمدان على الحظ، بل على خيارنا نحن.”
“إن استمرت ساسيري في التخاذل كسلحفاةٍ خائفة، ورفضت إرسال قواتها، فلن يهمّ الأمر.” قال الآرشيدوق بنبرةٍ باردة وهو يحدّق في الحصن الضخم.
طَنين!
ثم شدّ حزام سيفه حول خصره، واستنشق نفسًا عميقًا من هواء الشتاء البارد.
“ومهما يكن خيارها، فلامبارد على الأرجح يملك خطته المقابلة. إما أن يهاجم ويستولي على الحصن، أو يُضعف قوّاتنا العسكرية، أو يُمسكني على نحوٍ مهين ليجعل مني ورقة ضغطٍ في هجومه.”
“إن وصلنا إلى تلك المرحلة، فسوف نذبح كل فردٍ في المجموعة الدبلوماسية، ونُبقي فقط على ذلك الشقي ذي السبعة أعوام حيًّا.”
“حتى لو أصبح ملك الكوكبة، وتوّج بتاج النجمة التساعية، وحمل صولجان الكوكبة بيده…
ثم…
“إنهم لا يتجاوزون ألفين وثلاثمائة من المشاة الخفيفين المحاصرين للأمير. مع وجود حُرّاس الغضب هناك، قد يتمكنون من الصمود لبعض الوقت.”
“سيرى كل من في الحصن بأعينهم كيف نُعرّي أميرهم الوحيد، ونربطه إلى سارية الراية. وسنهاجم الحصن ووارثهم مرفوع على السارية… فلنرَ إلى أيّ مدى يمكن لجنود الكوكبة تحمّل هذا العار دون أن تنهار معنوياتهم.”
“لكي نُغريها بإرسال قواتها، علينا أن نُخاطر ونمنحها بعض الأمل. إن لم تُرسل قواتها، فسيهلك أميرهم حتمًا في ساحة القتال. أمّا إن أرسلتها، فستكون هناك فرصة بنسبة خمسين بالمئة لاستعادته.”
“وبالطبع، سواء نجحنا أم لا، فذلك المسكين الصغير سيبقى حيًّا، وسنرسله لاحقًا إلى مدينة سحب التنين، تعبيرًا عن احترامنا وولائنا للملك نوڤين. لن ألوّث نفسي بدماء العائلة الملكية لجيدستار. فمنذ عهد الإمبراطورية، ودم تلك العائلة ملعون وموبوء بالنحس.”
لكنّ المحارب المخضرم استغلّ الفرصة بذكاء، ولوّح بسيفه ليشطر ركبة خصمه، ثم أنهى حياته حين سقط أرضًا.
“في مثل هذا الموقف، طالما أنه لا يموت، فلن يرى أهل الكوكبة سوى الإهانة التي جلبها أميرهم عليهم، لا العداء بين عائلتهم وعائلة لامبارد.”
“هل ينوي لامبارد قتل سموّه أمام الجميع؟!”
عند سماع ذلك، عبس تولجا بعمق.
استدارت ميراندا نحو سونيا وقالت، “أستطيع شنّ هجومٍ مضاد. أحتاج إلى ألف رجل، من النخبة القادرين على اختراق تشكيل العدو، مثل لواء ضوء النجوم.
“إنه مجرد طفل في السابعة.”
كان لامبارد يراقب سير المعركة من بعيد، وهزّ رأسه ببطء.
لم يتفوّه الآرشيدوق لامبارد الصارم بأيّ كلمة.
تبعته آيدا بخفّةٍ على جوادهم.
عبرت ذهنه لمحة من ذكريات طفولته حين كان يتشاجر مع أخيه للهو فقط.
“وبالطبع، سواء نجحنا أم لا، فذلك المسكين الصغير سيبقى حيًّا، وسنرسله لاحقًا إلى مدينة سحب التنين، تعبيرًا عن احترامنا وولائنا للملك نوڤين. لن ألوّث نفسي بدماء العائلة الملكية لجيدستار. فمنذ عهد الإمبراطورية، ودم تلك العائلة ملعون وموبوء بالنحس.”
لكنّ أحدًا لم يعرف ما الذي كان يدور في باله.
“إن أرسلنا نخبة دفاع المدينة الوحيدة لإنقاذ الأمير… فذلك ما يريده لامبارد بالضبط!”
وفي اللحظة التالية، رفع تشابمان لامبارد بصره وقال بصوتٍ بارد كحدّ السيف.
تألّقت عينا لامبارد برغبةٍ لم يسبق لها مثيل في التحدّي، وتثبّتت نظرته على راية الكوكبة التي ترفرف فوق حصن التنين المحطم، راية النجمتين المتصالبتين.
“إنه أمير.”
اتّسعت عيناه وفتح فمه بصدمة. “أيمكن أن…”
“منذ لحظة ولادته، كان من المستحيل أن يمرّ بتلك المرحلة التي يُسمّونها ’الطفولة‘.”
“إنهم لا يتجاوزون ألفين وثلاثمائة من المشاة الخفيفين المحاصرين للأمير. مع وجود حُرّاس الغضب هناك، قد يتمكنون من الصمود لبعض الوقت.”
“إنها امتيازهم، وهي أيضًا ثمن يجب أن يدفعوه.”
تقلّصت ملامح الآرشيدوق وهو يتابع الإصغاء، حتى تغيّرت وجوه جميع التوابع المحيطين به فجأة.
نظر تولجا إلى الآرشيدوق مذهولًا، وكأنه أراد أن يقول شيئًا، لكنه خفض رأسه في النهاية وأطلق تنهيدة طويلة.
“منذ لحظة ولادته، كان من المستحيل أن يمرّ بتلك المرحلة التي يُسمّونها ’الطفولة‘.”
عقد الفيكونت كينتفيدا حاجبيه وقال:
“يمكن للواء خاصتهم أن يمتطي الخيول. والخصم لا يملك سوى مشاة خفاف. إن كان الهدف هو اختراق الحصار وإنقاذ سموّه فقط—”
“ذلك الطفل سيبغضك. وعندما يتوّج ملكًا في المستقبل—”
“إن كسروا الطوق متّجهين نحو الحصن، فالأفضل أن تلاحقهم قواتنا الرئيسية بمسافة مناسبة.” ولأنه مُلِمٌّ بشؤون المعارك، عبس وقال: “إن كانت المسافة بعيدة جدًا، فحتى لو اعترض فرساننا قوات دعم ساسيري، فلن يتمكن المشاة الثقيلة من اللحاق بهم. وأنسَ مسألة إبادة خصومها في عملية ميدانية، فبقدراتها يمكنها بسهولة استعادة الأمير في الوقت المناسب.”
قُطع كلامه فجأة بصوت الآرشيدوق:
“سلاح الفرسان الخفيف والمشاة على جانبي ساحة المعركة مستعدّون بالفعل. سنتمكن من الالتفاف بسرعة على أيّ قواتٍ تأتي لمساعدتهم من الحصن.”
“سيخاف مني!” قال لامبارد بصرامة قاطعة.
“إنه أمير.”
“حتى لو أصبح ملك الكوكبة، وتوّج بتاج النجمة التساعية، وحمل صولجان الكوكبة بيده…
أومأ مستشاره الأقرب، الفيكونت كينتفيدا، موافقًا.
سأجعله يتذكّر هذا اليوم بوضوح، اليوم الأكثر إذلالًا، والأكثر رعبًا، والأكثر فزعًا في حياته!”
“إن حدث الاحتمال الأول، فالحصن سيواجه خطر السقوط في أيديهم. أمّا إن حدث الثاني، فسيستنزف لامبارد كثيرًا من قوات الحصن، ممهّدًا الطريق لنفسه لحصار المدينة بعد ذلك.”
…
“كل ما يفعله إنما هو تمهيد ليتمكن من الاستيلاء على حصن التنين المحطم بأقلّ ثمن ممكن!”
طَنين!
تنفّس تاليس بعمق، وابتسم له.
رفع جينارد درعه ليصدّ ضربةً من مطرقة ثقيلة، فاضطرّ لأن يطأطئ جسده تحت قوة الهجوم الهائلة.
فلمَ لا نهجم بكل ما أوتينا من قوّة؟)”
لكنّ المحارب المخضرم استغلّ الفرصة بذكاء، ولوّح بسيفه ليشطر ركبة خصمه، ثم أنهى حياته حين سقط أرضًا.
“ربما بقدرات البارون مورخ، سيتمكّن من تقريب الأمير إلينا بعد أن يكسر الطوق. بل ربما ينجح في جلبه إلى نطاق حماية القلاع؟”
غير أنّ سيفًا آخر جاء من زاويةٍ صعبة، فاخترق لوح كتف جينارد الأيسر. وبينما كان يقاوم الألم، ارتجف جسده وهو يتراجع إلى الصف الثاني.
“الآن، سنرى ما الذي ستختاره خصمتنا القديمة، زهرة الحصن.
إلا أنّ الجندي الذي أخذ مكانه لم يكن يملك الخبرة الكافية، فما إن تقدّم حتى شُقّ فخذه بضربة سيف.
ثم شدّ حزام سيفه حول خصره، واستنشق نفسًا عميقًا من هواء الشتاء البارد.
لم يستطع جينارد سوى أن يعضّ على أسنانه ويتقدّم مجددًا، رافعًا سيف العدو ليُمكّن رفيقه الجريح من الانسحاب.
“الآن، سنرى ما الذي ستختاره خصمتنا القديمة، زهرة الحصن.
كان المخضرم يشعر بأن وتيرة هجوم مشاة إكستيدت بدأت تتناقص.
فتحت سونيا عينيها بدهشة.
(يبدو أنّ وقت اختراق الحصار قد حان.)
“وبالطبع، سواء نجحنا أم لا، فذلك المسكين الصغير سيبقى حيًّا، وسنرسله لاحقًا إلى مدينة سحب التنين، تعبيرًا عن احترامنا وولائنا للملك نوڤين. لن ألوّث نفسي بدماء العائلة الملكية لجيدستار. فمنذ عهد الإمبراطورية، ودم تلك العائلة ملعون وموبوء بالنحس.”
غير أنّ جينارد اطلق تنهيدةً عميقة في تلك اللحظة.
“إنه هو!
في ميدان القتال، كان المجنّدون الجدد ضعيفو المهارة هم أول من يسقطون. أمّا الناجون من المحاربين القدماء فكانوا أصلب من الحديد، أذكياء وشجعان.
لكنّ المحارب المخضرم استغلّ الفرصة بذكاء، ولوّح بسيفه ليشطر ركبة خصمه، ثم أنهى حياته حين سقط أرضًا.
(ما سيأتي بعد ذلك سيكون معركةً عسيرة حقًّا.)
ظلّ آراكا صامتًا.
“إذًا، مفتاح المعركة يعتمد على خيار ساسيري.” في وسط صفوف القتال، كان تاليس يلهث وهو يخاطب بيوتراي الذي أومأ قليلًا، وآراكا الذي كان وجهه مشوّهًا مغطّى بالدماء.
“نعم، أنا ولامبارد نُقامر.”
“ومهما يكن خيارها، فلامبارد على الأرجح يملك خطته المقابلة. إما أن يهاجم ويستولي على الحصن، أو يُضعف قوّاتنا العسكرية، أو يُمسكني على نحوٍ مهين ليجعل مني ورقة ضغطٍ في هجومه.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“بغضّ النظر عمّا تختاره، سنقع في مأزق.” عبس بيوتراي وقال، “جنود لامبارد الخِفاف هؤلاء كافون لوضعنا في ضيق. والجنود لن يصمدوا طويلًا.”
“دعوا المشاة الخفيفين يواصلون القتال.”
ضحك آراكا بسخرية، ناظرًا حوله إلى جنوده القتلى والجرحى المكدّسين فوق بعضهم، والغضب يتأجّج في صدره. “إن كانت لديك فكرة، فأخرجها قبل أن يحوّلنا الإكستيدتيون إلى لحمٍ مفروم ويعلّقوك بجانبه.”
“ومهما يكن خيارها، فلامبارد على الأرجح يملك خطته المقابلة. إما أن يهاجم ويستولي على الحصن، أو يُضعف قوّاتنا العسكرية، أو يُمسكني على نحوٍ مهين ليجعل مني ورقة ضغطٍ في هجومه.”
لم يُعر تاليس أي اهتمام لازدراء آراكا. رفع رأسه وحدّق براية القبضة الحديدية لعائلة لامبارد التي كانت ترفرف على مقربة.
وما إن صدح هذا الاسم حتى بدت على الوجوه المحاصرة لمحات إلهام، وكأن الهواء نفسه تغيّر من حولهم.
زفر ببطء وقال، “مهما كان خيار سونيا، فسيكون مأزقًا.”
…
“ولذلك، لا يمكننا أن ندعها تختار.”
“هل ينوي لامبارد قتل سموّه أمام الجميع؟!”
تجمّد بصر تاليس، وفيما اختلفت تعابير بيوتراي وآراكا، قبض قبضته بإحكام.
“الهدف هو… الشمال!
“علينا أن نختار بدلًا من السيدة ساسيري.”
“في مثل هذا الموقف، طالما أنه لا يموت، فلن يرى أهل الكوكبة سوى الإهانة التي جلبها أميرهم عليهم، لا العداء بين عائلتهم وعائلة لامبارد.”
“أن نُبدّد تردّدها وتذبذبها.”
“وكلّما اقترب الأمير من الحصن أثناء اختراقه للحصار من الخلف، ازدادت فرصتهم في استعادته…”
“استعدّوا لاختراق الحصار”، قال الأمير الثاني بصرامة.
“كل ما يفعله إنما هو تمهيد ليتمكن من الاستيلاء على حصن التنين المحطم بأقلّ ثمن ممكن!”
رفع آراكا زاوية فمه بابتسامةٍ باهتة.
وتابع بصوتٍ باردٍ كالجليد:
…
…
“يبدو أنهم على وشك البدء بمحاولة الاختراق.” قالت ميرندا بتردّد وهي تراقب سير المعركة من بعيد، “ألن نُرسل تعزيزات؟”
وسط صيحات المعركة الصاخبة، كانت رايتان تابعتان للكوكبة ترفرفان على مسافة، تحت حصارٍ من أكثر من ألفي جندي مشاة إكستيدت خفيفي العُدة، مقسّمين إلى ستّ سرايا ضخمة.
“حتى لو نجحوا فعلًا في اختراق الطوق واقتربوا من الحصن؟”
“سيرى كل من في الحصن بأعينهم كيف نُعرّي أميرهم الوحيد، ونربطه إلى سارية الراية. وسنهاجم الحصن ووارثهم مرفوع على السارية… فلنرَ إلى أيّ مدى يمكن لجنود الكوكبة تحمّل هذا العار دون أن تنهار معنوياتهم.”
أغمضت سونيا عينيها بألم.
“مجموعة الأمير الدبلوماسية ليست هدفه الرئيسي…”
(لا…
Arisu-san
أعظم مسؤولياتي هي الحراسة.
فتح الآرشيدوق لامبارد عينيه وحدّق نحو الرايتين التابعتين للكوكبة.
لقد فشلت مرّة… وهذه المرة لا يمكن أن أفشل ثانية.)
لقد فشلت مرّة… وهذه المرة لا يمكن أن أفشل ثانية.)
“كلا.” قالت بأسنانٍ مطبقة، منحنيةً وهي تسند يديها على جدار الحصن، وبصعوبة تابعت، “لن يكون إنقاذهم ممكنًا إن أرسلنا قوّةً صغيرة. وإن أرسلنا جميع نُخَبنا، فسنقع تمامًا في فخّ لامبارد.
لم يستطع جينارد سوى أن يعضّ على أسنانه ويتقدّم مجددًا، رافعًا سيف العدو ليُمكّن رفيقه الجريح من الانسحاب.
“احموا الحصن جيدًا… لا نمنحه أدنى فرصة.”
“إنهم لا يتجاوزون ألفين وثلاثمائة من المشاة الخفيفين المحاصرين للأمير. مع وجود حُرّاس الغضب هناك، قد يتمكنون من الصمود لبعض الوقت.”
“أما جلالته، فسأتحمّل أنا تبعات الجواب له.”
“لكي نُغريها بإرسال قواتها، علينا أن نُخاطر ونمنحها بعض الأمل. إن لم تُرسل قواتها، فسيهلك أميرهم حتمًا في ساحة القتال. أمّا إن أرسلتها، فستكون هناك فرصة بنسبة خمسين بالمئة لاستعادته.”
لم تقل ميرندا شيئًا، وساد الصمت على أسوار الحصن برهةً طويلة.
تألّقت عينا لامبارد برغبةٍ لم يسبق لها مثيل في التحدّي، وتثبّتت نظرته على راية الكوكبة التي ترفرف فوق حصن التنين المحطم، راية النجمتين المتصالبتين.
لكن الصمت سرعان ما انكسر.
…
إذ ارتفعت مجددًا أصوات المعركة من بعيد.
Arisu-san
“القائدة!”
عقد الفيكونت كينتفيدا حاجبيه وقال:
نظرت ميرندا في ذهول نحو ميدان القتال الفوضوي. “لقد بدأوا بمحاولة الاختراق!”
“استعدّوا لاختراق الحصار”، قال الأمير الثاني بصرامة.
“لكنّ الأمر غريب جدًا…”
(رفرفة الرايات…
ارتسمت على وجهها ملامح ذهولٍ وعدم تصديق.
“القائدة!”
(همم؟)
قال الفيكونت كينتفيدا بعد تفكّر:
فتحت سونيا عينيها بدهشة.
….
…
“أن نُبدّد تردّدها وتذبذبها.”
أسرع تولجا يمتطي حصانه من بعيد. “سيدي! وصلت أنباء من سلاح الفرسان الخفيف!
ثم…
“لقد بدأوا باختراق الطوق!”
غير أنّ سيفًا آخر جاء من زاويةٍ صعبة، فاخترق لوح كتف جينارد الأيسر. وبينما كان يقاوم الألم، ارتجف جسده وهو يتراجع إلى الصف الثاني.
فتح الآرشيدوق لامبارد عينيه وحدّق نحو الرايتين التابعتين للكوكبة.
“إن أرسلنا نخبة دفاع المدينة الوحيدة لإنقاذ الأمير… فذلك ما يريده لامبارد بالضبط!”
“جيّد جدًا،” قال ببطء، “الآن سننتظر قرار ساسيري…”
“احموا الحصن جيدًا… لا نمنحه أدنى فرصة.”
لكن عينيه ضاقتا فجأة.
…
(رفرفة الرايات…
بوجهٍ صخريّ الملامح، ربط آراكا تاليس بإحكام على ظهره. كان جسد تاليس ملتصقًا بالقوس المعدنيّ الضخم ذي الخطوط الفضية والسوداء.
شيءٌ ما غيرُ طبيعي.)
وتابع بصوتٍ باردٍ كالجليد:
لاحظ الخلل في الحال.
Arisu-san
(هذا لا يمكن…)
“في مثل هذا الموقف، طالما أنه لا يموت، فلن يرى أهل الكوكبة سوى الإهانة التي جلبها أميرهم عليهم، لا العداء بين عائلتهم وعائلة لامبارد.”
اتّسعت عيناه وفتح فمه بصدمة. “أيمكن أن…”
“إنهم لا يتجاوزون ألفين وثلاثمائة من المشاة الخفيفين المحاصرين للأمير. مع وجود حُرّاس الغضب هناك، قد يتمكنون من الصمود لبعض الوقت.”
“نعم يا سيدي، علينا تعديل خطّتنا فورًا!” قال تولجا بصوتٍ مرتجفٍ متوتّر.
“لكن الفارق في العدد كبير للغاية.” قالت وهي تتابع مواقع العدو في السهل، عاقدة حاجبيها. “القوات الرئيسية للامبارد بعيدة جدًا. إن استطاع البارون مورخ كسر الطوق وهو يصحب الأمير، وتراجع لمسافة كافية، فسنتمكن من إرسال التعزيزات في الوقت المناسب لتمزيق حصار المشاة الخفيفين واستعادة سموّه.”
“ووفقًا لتقرير الفرسان الخفيفين، هناك أكثر من حادثٍ واحد!”
لكنّ أحدًا لم يعرف ما الذي كان يدور في باله.
كبح لامبارد غضبه ورمى تولجا بنظرةٍ مستفهمة.
“ليس بالضرورة.” هزّ الكونت ليفان رأسه.
شدّ تولجا على أسنانه وهو ما يزال على صهوة جواده وقال، “هناك شخصٌ مع ذلك الأمير.”
(ما سيأتي بعد ذلك سيكون معركةً عسيرة حقًّا.)
تقلّصت ملامح الآرشيدوق وهو يتابع الإصغاء، حتى تغيّرت وجوه جميع التوابع المحيطين به فجأة.
“أعظم مقاتلٍ في الكوكبة…’
“إنه هو!
“أن نُبدّد تردّدها وتذبذبها.”
إنه ذلك الرجل الحامل للقوس!”
فتح الآرشيدوق لامبارد عينيه وحدّق نحو الرايتين التابعتين للكوكبة.
…
قبضت سونيا على قبضتيها بقوة.
بوجهٍ صخريّ الملامح، ربط آراكا تاليس بإحكام على ظهره. كان جسد تاليس ملتصقًا بالقوس المعدنيّ الضخم ذي الخطوط الفضية والسوداء.
كبح لامبارد غضبه ورمى تولجا بنظرةٍ مستفهمة.
“هل البقاء على ظهر هذا الأحمق آمن حقًا؟” سألت آيدا بغضب، “أشعر وكأنني فقدت عملي.”
…
ابتسم تاليس لها. “اعتبريه استراحةً… حتى الكتّاب يأخذون قسطًا من الراحة بين قصصهم أحيانًا.”
تبعه بيوتراي، ووايا، ورالف، بعضهم بعزيمةٍ صلبة، وبعضهم بثقل القلق.
“هذا مجازفة كبيرة. إنّه يعني أننا نقامر أيضًا.” قال بيوتراي بقلق، “نحن نراهن على اختيار العدو.”
أغمضت سونيا عينيها بألم.
تنفّس تاليس بعمق، وابتسم له.
“مجموعة الأمير الدبلوماسية ليست هدفه الرئيسي…”
“نعم، أنا ولامبارد نُقامر.”
وفي اللحظة التالية، التفت آراكا إلى تاليس وضحك بسخرية باردة.
“إنها لعبة (هل تجرؤ؟).”
“كل شيء ممكن في الحرب.”
“أيها الأمير الصغير، أسألك للمرة الأخيرة…” قال آراكا بنبرةٍ باردةٍ كحدّ السيف، بينما كان ينظر إلى صفّ حرّاس الغضب الأول وقد قُتل أكثرهم أو أُصيبوا، “هل أنت متأكد أنك تريد فعل هذا؟”
…
“هذا هو الطريق الوحيد.” أجابه تاليس بابتسامةٍ حزينة.
بعيدًا، جلس آرشيدوق الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، بكامل عُدّته فوق صهوة جواده.
لم يعلّق آراكا.
أسرع تولجا يمتطي حصانه من بعيد. “سيدي! وصلت أنباء من سلاح الفرسان الخفيف!
“وهل أنت حقًا عظيم كما تقول الشائعات؟” قال تاليس وهو يضغط صدره الملتصق بالقوس، مجاهدًا ليبتسم. “أرجوك، أثبت لي ذلك.”
رفعت ميراندا حاجبيها، ولزمت الصمت للحظات.
ظلّ آراكا صامتًا.
“لكي نُغريها بإرسال قواتها، علينا أن نُخاطر ونمنحها بعض الأمل. إن لم تُرسل قواتها، فسيهلك أميرهم حتمًا في ساحة القتال. أمّا إن أرسلتها، فستكون هناك فرصة بنسبة خمسين بالمئة لاستعادته.”
أغمض تاليس عينيه ببطء، ثم فتحهما وقد حسم أمره، ونظره يلمع بالحزم.
“خمسمائة من السيافين الثقيلين وثمانمائة من حاملي الفؤوس المدرّعين ينتظرون الأوامر. يمكنهم التقدّم بعد ذلك…”
“أعظم مقاتلٍ في الكوكبة…’
لقد فشلت مرّة… وهذه المرة لا يمكن أن أفشل ثانية.)
“آراكا مورخ.”
لقد فشلت مرّة… وهذه المرة لا يمكن أن أفشل ثانية.)
زفر بهدوء، ثم صرخ باللقب الذي يعرفه الجميع في المملكة:
…
“غضب المملكة!”
(همم؟)
وما إن صدح هذا الاسم حتى بدت على الوجوه المحاصرة لمحات إلهام، وكأن الهواء نفسه تغيّر من حولهم.
“أما جلالته، فسأتحمّل أنا تبعات الجواب له.”
وفي اللحظة التالية، التفت آراكا إلى تاليس وضحك بسخرية باردة.
“هل ينوي لامبارد قتل سموّه أمام الجميع؟!”
“منذ زمنٍ بعيد، في موقفٍ ميؤوسٍ منه، قال لي أحد أفراد عائلة جيدستار…”
فكّرت ميراندا لبرهة ثم قالت بهدوء، “إن لم يُرسل الحصن قواته، فهناك احتمال كبير أن يهلك في المعركة. جلالته…”
تجمّد تاليس بدهشة.
(رفرفة الرايات…
سحب آراكا سيفه العظيم ذا اليدين من الأرض، لوّح به بضع مرات، ثم تقدّم للأمام.
إلا أنّ الجندي الذي أخذ مكانه لم يكن يملك الخبرة الكافية، فما إن تقدّم حتى شُقّ فخذه بضربة سيف.
تبعه بيوتراي، ووايا، ورالف، بعضهم بعزيمةٍ صلبة، وبعضهم بثقل القلق.
“حين ترى أن الأمل يزداد، وأن احتمالية النجاح ترتفع، فلن تتمالك سونيا ساسيري نفسها، وستتردّد. حتى من هم أكثر حذرًا وعقلانيةً منها سيقعون في الإغراء.”
صعد آراكا على الركاب بخطوةٍ حازمة، واشتدّ بريق نظره.
(يبدو أنّ وقت اختراق الحصار قد حان.)
تبعته آيدا بخفّةٍ على جوادهم.
سحب آراكا سيفه العظيم ذا اليدين من الأرض، لوّح به بضع مرات، ثم تقدّم للأمام.
وتابع بصوتٍ باردٍ كالجليد:
“سنحاول بكل جهد أن نحسم المعركة بسرعة ونؤمّن الأمير قبل وصول قواتهم اللاحقة…”
“قال لي…
زفر بهدوء، ثم صرخ باللقب الذي يعرفه الجميع في المملكة:
(ما دام لا طريقَ للرجوع،
“أخشى أن حياة الأمير وموته لا يعتمدان على الحظ، بل على خيارنا نحن.”
فلمَ لا نهجم بكل ما أوتينا من قوّة؟)”
“إن فزنا في هذه المقامرة، سنفتح بوابة إقليم الشمال التابع للكوكبة. أما إن خسرنا… هه.”
لم يعرف تاليس بمَ يجيب.
“يمكن للواء خاصتهم أن يمتطي الخيول. والخصم لا يملك سوى مشاة خفاف. إن كان الهدف هو اختراق الحصار وإنقاذ سموّه فقط—”
وفي اللحظة التالية، انطلق الرجل المعروف باسم غضب المملكة، آراكا مورخ، ممتطيًا جواده بوجهٍ يفيض بالعزم، متجاوزًا صفّ حرّاسه.
“ذلك هو هدف لامبارد. إنه ينتظر اختياري، بين الحصن وسلامة الأمير، بين الشأن العسكري والسياسي. يريدني أن أختار أحدهما دون الآخر.”
“حرّاس الغضب، تشكيل الهجوم!”
ارتسمت على وجهها ملامح ذهولٍ وعدم تصديق.
ورفع غضب المملكة سيفه العظيم مشيرًا به نحو راية القبضة الحديدية المرفرفة في البعيد، وصاح بصوتٍ هدّ الجبال:
لكنّ المحارب المخضرم استغلّ الفرصة بذكاء، ولوّح بسيفه ليشطر ركبة خصمه، ثم أنهى حياته حين سقط أرضًا.
“الهدف هو… الشمال!
“حينها، سنرى إن كان تجسيد الغروب سيمنحنا بركته، ومدى إخلاص سونيا ساسيري تجاه العائلة الملكية لجيدستار.” تكلّم الآرشيدوق لامبارد بصوتٍ منخفض:
نحن ذاهبون إلى لامبارد!”
نظر تولجا إلى الآرشيدوق مذهولًا، وكأنه أراد أن يقول شيئًا، لكنه خفض رأسه في النهاية وأطلق تنهيدة طويلة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ولذلك، لا يمكننا أن ندعها تختار.”
(سأستعمل غضب المملكة بدلًا عن سخط المملكة)
“بغضّ النظر عمّا تختاره، سنقع في مأزق.” عبس بيوتراي وقال، “جنود لامبارد الخِفاف هؤلاء كافون لوضعنا في ضيق. والجنود لن يصمدوا طويلًا.”
رفعت ميراندا حاجبيها، ولزمت الصمت للحظات.
