غضبُ المَملكة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
طعنَ أحد حرّاس الغضب خصمَه في أسفل بطنه، ثمّ دفعَه بعيدًا وهو يصرخُ ألَمًا، دون أن يلتفتَ إليه، وواصلَ اندفاعه مع آراكا، ليقتحموا الصفَّ الثاني من الأعداء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
صرخَ آراكا زأرًا مدوّيًا، وفي لحظةٍ واحدة، انتفخت عروقُ ذراعَيه وتدفّقت فيها قوّةٌ متفجّرة. لوّحَ بسيفه العظيم بكلّ عنفٍ، فشقّ الهواء بقوسٍ دمويٍّ قانٍ!
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
(إنهم يشرعونَ في كسرِ الطوق…
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
الفصل 105: غضب المملكة
اندفعَ جنودُ حرّاس الغضب واحدًا تلو الآخر، يخاطرون بحياتهم ليصلوا إلى جانب آراكا مورخ.
…
عاد حرّاس الغضب على الجانبين فلحقوا به، وقتلوا الاثنين المتبقيين.
أمسكَ أحدُ جنود المشاة الخِفاف من إكستيدت بمطرقتِه بإحكام، وبتنفّسٍ متّزنٍ راحَ يقرعُ درعَه الخشبيَّ السميكَ بيده اليسرى إيقاعًا منتظمًا، متتبعًا خُطى زميله الذي أمامه عن كثب.
أدرك تاليس شيئًا فجأة.
كان أحدَ قادة الفِرَق العشرة تحت وحدة ليروك، وتجاوز الثلاثين من عمره، ولم تكن تلك أولَ مرّةٍ له في ساحة القتال.
تحت أنظار تاليس المذهولة، رمى أراكّا الرمح بثبات، فاخترق فخذ أحد المهاجمين.
رجال الشمال وُلدوا وفي أيديهم السيوف، وقدرهم القتال. لم يكن الأمر يختلف سواء أكانوا مزارعين أو صيّادين أو حرفيين أو قاطعي خشب، بل وأحيانًا حتى النساء كذلك.
كان تاليس مستلقيًا على ظهر آراكا، يحاولُ كبحَ الدوار الذي أصابه حين سقطَ الجواد. “وماذا سنفعل الآن؟”
أن يُراق الدم في ساحة المعركة، وأن يتصارعوا مع أعتى الأعداء؛ ثم ينجو المنتصرون ليشربوا خمر النصر حتى الثمالة—يا له من شعورٍ باعثٍ على النشوة والمجد!
“لا! أخي!” صرخ الرّامي الآخر بأسى.
كان يشعرُ بنشوةٍ أعظم في كل مرةٍ يهوي فيها بمطرقتِه، مستمتعًا بأصوات تكسّر العظام الغامضة داخل أجساد خصومه.
وبينما كان بلا سلاحٍ تمامًا، اندفع غضب المملكة بكلّ ما أوتي من قوّة، متفاديًا ضربة سيفٍ لم تترك إلا جرحًا على ذراعه اليمنى.
وكما الآن، إذ زأرَ قائد الوحدة الثلاثينيّ حماسةً وتقدّم ليلتحق برفيقه، ثمّ هوى بمطرقتِه بكلّ قوّتِه على جمجمة أحد جنود الكوكبة الذي لم يُفلِت في الوقت المناسب.
لم يسبق لأحدٍ أن أوقف اندفاعه.
زأرَ فرحًا وهو ينتزعُ مطرقتَه، فتناثرت الدماء على وجهه.
اثنان منهم في المقدّمة كانا يحملان رماحًا طويلة، موجّهين رؤوسها مباشرةً نحو قلب أراكّا، عازمين على إيقافه ودفعه للتراجع. فيما اصطفّ خلفهم ثلاثةٌ يحتمون بدروعهم ليغطّوا جانبيهما.
وفي اللحظة التالية، انقضَّ على مقاتلٍ آخر من الكوكبة، تقدّمَ بلا تردّدٍ ليملأَ مكان رفيقه القتيل.
“هو!
(هؤلاء… جنود الكوكبة قساةٌ حقًّا.)
“طويلاً بما يكفي”، أجاب أراكّا بصوتٍ خافت وهو يندفع نحو أحد جنود المشاة المسلّحين بالسيوف. “ما دام حرّاس الغضب إلى جانبي.”
فكّرَ في ذلك، وضربَ خصمَه بدرعِه ليُفقده توازنه.
كما في كلّ مرّة، لحق به حرّاس الغضب من جانبيه، يضحّون بأرواحهم لإزالة الخطر عن قائدهما. هذه المرّة لم يُصَب أحدهما بالحظّ، فماتا كلاهما. غير أنّ البقيّة خلفهم واصلوا الاندفاع غير آبهين بالموت، محافظين على التشكيل ومُطهّرين الطريق على الجانبين.
(بهذه الخسائر، لكانت الجيوش العاديّة قد فقدت معنوياتها منذ زمن، وتشتّتت وفرّت…
زأر أراكّا وتقدّم بخطوةٍ هادرة، وركل المحاربَ الثاني ذي الترس أرضًا. ثمّ مدّ معصمه الأيسر إلى جانب نصل الفأس القادم، وحرفه عن رأسه بخبرةٍ متمرّسة.
إلّا إنْ كانوا نخبةً،
صحيحٌ أن الطوق أضعفُ قليلًا في الجانب الشماليّ مقارنةً بجانب حصن التنين المحطم… لكن حتى لو اخترقوه، فلن يواجهوا إلا معسكر الدوق وجنوده النخبة هناك!
أو يقودهم قائدٌ حازمٌ كالفولاذ.)
بهدوءٍ قاتل، قبضَ آراكا بسيفه بكلتا يديه وشقّ درعَ أحد أعدائه إلى يساره، تاركًا إيّاه يصرخُ على الأرض.
بمهارةٍ وخبرةٍ، تفادى الطعنة المفاجئة والخطيرة من خصمِه، فمرَّ نصل السيفِ محاذيًا الجانب الأيسر من جبينه.
ضاقت عينا قائد الوحدة.
“ها، أنتَ محاربٌ قديم إذًا.”
صرخَ العديد من جنود إكستيدت بفرحٍ، وانتشر الخبر بسرعةٍ عبر ساحة القتال.
قهقهَ قائد الوحدة عاليًا وهو يهوي بمطرقتِه، مُجبرًا العدوّ على التراجع.
لقد بدا كوحشٍ مفترسٍ على وشكِ الانقضاض.
طَقطَقة الحوافر!
بمهارةٍ وخبرةٍ، تفادى الطعنة المفاجئة والخطيرة من خصمِه، فمرَّ نصل السيفِ محاذيًا الجانب الأيسر من جبينه.
طنينُ الحديد!
لم يتردّد أراكّا لحظة، وأطلق قبضته اليسرى بضراوةٍ مجنونة، فضرب بها منتصف نصل سيفه العظيم بقوةٍ هائلة!
وصوتُ تمزّق الدروع!
لم يلبث أن صرخ:
تردّدت حوله الأصواتُ المختلفة—وقعُ الحوافر، وصليلُ السيوف، واحتكاكُ الحديد بالحديد.
انقضّ حرّاس الغضب بشراسةٍ كعادتهم، مطهّرين الجانبين ببطولاتهم وتضحياتهم.
ثمّ دوّى صوتٌ رجوليٌّ قويٌّ من على ظهر جوادٍ مزمجرٍ:
كما في كلّ مرّة، لحق به حرّاس الغضب من جانبيه، يضحّون بأرواحهم لإزالة الخطر عن قائدهما. هذه المرّة لم يُصَب أحدهما بالحظّ، فماتا كلاهما. غير أنّ البقيّة خلفهم واصلوا الاندفاع غير آبهين بالموت، محافظين على التشكيل ومُطهّرين الطريق على الجانبين.
“نحن نبحثُ عن لامبارد!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في تلك اللحظة، انتعشت أرواحُ جنود الكوكبة الذين كانوا في تشكيلٍ دفاعي، فصاحوا معًا وتقدّموا بخطًى جبّارة، يتبعون الفرسان الراكبين وهم يندفعون صوبَ صفوف إكستيدت.
دوّى صفير الموت لثوانٍ معدودة، حتى اخترق النصل وجه أحد الرجلين.
تغيّر وجهُ قائد الوحدة.
أطلق الجوادُ صرخةً حزينة، وانهارَ هو والرجلُ الذي على ظهره أمام القائد.
(إنهم يشرعونَ في كسرِ الطوق…
دوّى صفير الموت لثوانٍ معدودة، حتى اخترق النصل وجه أحد الرجلين.
لكن، لماذا يتجهون شمالًا؟
صحيحٌ أن الطوق أضعفُ قليلًا في الجانب الشماليّ مقارنةً بجانب حصن التنين المحطم… لكن حتى لو اخترقوه، فلن يواجهوا إلا معسكر الدوق وجنوده النخبة هناك!
في تلك الأثناء، كان بيوتراي والآخرون بالكاد يلحقون به.
وذلك الفارس الذي اندفعَ من قلب التشكيل… ما أمرُه؟)
لم يسبق لأحدٍ أن أوقف اندفاعه.
كان رجلًا مهيبًا، يلوّح بسيفه العظيم بقوةٍ مدمّرة. وبضربةٍ واحدةٍ حصدَ رأسًا، فتناثرت الدماء والأشلاء، بينما ركل جوادُه المحاربَين أمامه فأطاحَ بهما بعيدًا.
أما آيدا، فعضّت شفتها وقالت في داخلها: (حركاته حين يواجه أعدادًا كبيرة أصبحت أكثر انسيابية مما كانت عليه قبل خمس سنوات.)
وكان مربوطًا على ظهره صبيّ، ومعه قوسٌ عظيمٌ مخطّطٌ بالفضيّ والأسود…
رجال الشمال وُلدوا وفي أيديهم السيوف، وقدرهم القتال. لم يكن الأمر يختلف سواء أكانوا مزارعين أو صيّادين أو حرفيين أو قاطعي خشب، بل وأحيانًا حتى النساء كذلك.
“تمهّل!”
ضاقت عينا قائد الوحدة.
(بهذه الخسائر، لكانت الجيوش العاديّة قد فقدت معنوياتها منذ زمن، وتشتّتت وفرّت…
(أذلك… هو القوس؟)
لكنّ أراكّا لم يتوقّف، وغرس نصل سيفه المكسور في عنق حامله قبل أن يُدرك ما يحدث.
لم يلبث أن صرخ:
صرخَ آراكا زأرًا مدوّيًا، وفي لحظةٍ واحدة، انتفخت عروقُ ذراعَيه وتدفّقت فيها قوّةٌ متفجّرة. لوّحَ بسيفه العظيم بكلّ عنفٍ، فشقّ الهواء بقوسٍ دمويٍّ قانٍ!
“هو!
تطايرت سيوفُ الجنود الثلاثة وأذرعُهم في الهواء، وسقطت على الأرض بلا حولٍ ولا قوّة.
إنه هو!”
لكنّ أراكّا لم يتوقّف، وغرس نصل سيفه المكسور في عنق حامله قبل أن يُدرك ما يحدث.
زمجرَ قائدُ وحدة المشاة الخِفاف من إكستيدت بجنونٍ، وكأنّه ظفرَ بأعظمِ غنيمةٍ في الحرب. تجاهل خصمَه من الكوكبة الذي يلهث أمامه، وانقضَّ على الجواد بلا تردّد.
“غضبُ المملكة!”
صرخ بجنون:
(ضربتي الأخيرة… ستقتلُ غضبَ المملكة…)
“غضبُ المملكة!”
وفي غضون خمس ثوانٍ، اخترق أراكّا الصف الثالث.
ارتجفَ كثيرٌ من جنود إكستيدت، واستداروا ينظرون نحو الرجل على ظهر الجواد.
أدرك تاليس شيئًا فجأة.
رفعَ قائدُ الوحدة درعَه ليحتمي من سيف الرجل العظيم، وهو يهوي بمطرقتِه نحو بطن الجواد.
وكأنهم قروشٌ شمّت رائحة الدم، اندفعَ عددٌ لا يُحصى من جنود إكستيدت نحو آراكا وتاليس، زائرين بجنونٍ وهم يقتربون من الأمام والجانبين والخلف.
لكنّ السيف العظيم لم ينحرف كما توقّع، ولم يُصدَم بدرعه.
وفي اللحظة التالية، اندفعَ جينارد من الخلف وقطعَ رأسَ القائد بضربةٍ واحدة.
بل ارتجفَ في يد الرجل وانغرسَ نحو الأسفل.
لم يسبق لأحدٍ أن أوقف اندفاعه.
شعرَ قائد الوحدة ببرودةٍ تجتاح عظمَ ترقوتِه، ثمّ اجتاحَه ألمٌ مروّع.
صحيحٌ أن الطوق أضعفُ قليلًا في الجانب الشماليّ مقارنةً بجانب حصن التنين المحطم… لكن حتى لو اخترقوه، فلن يواجهوا إلا معسكر الدوق وجنوده النخبة هناك!
مرَّ الجواد أمامه، فخارت ركبتاه، واندفعت الدماء من كتفِه.
طنينُ الحديد!
ومع ذلك، بذلَ ما بوسعه ليهويَ بسلاحه، فخدشَ بطن الجواد، مضيفًا جرحًا جديدًا إلى جراحه الكثيرة.
تحت أنظار تاليس المذهولة، رمى أراكّا الرمح بثبات، فاخترق فخذ أحد المهاجمين.
أطلق الجوادُ صرخةً حزينة، وانهارَ هو والرجلُ الذي على ظهره أمام القائد.
لكنّ السيف العظيم لم ينحرف كما توقّع، ولم يُصدَم بدرعه.
(هاه، على الأقل… أوقفتُ جوادَ غضب المملكة…)
“تشكيلُ اقتحام!” صاحَ آراكا بصوتٍ جهوريّ، وارتجف جسده كلّه. وكان تاليس الملتصقُ بظهره يشعرُ بنبضاتِ قلبه تتسارع، وحرارة جسده تتصاعد، وعضلاته تنتفخ وترتجف بإيقاعٍ رهيب.
فكّرَ القائدُ وهو يلهث.
“الجيادُ لم تعُد تنفع. لقد أوصلتنا إلى هنا فحسب.”
سقطَ الدرع من يده، وضغطَ على جرحه النازف. شعرَ بألمٍ يخترق رئتَيه، لكنه رفعَ مطرقتَه بكلّ ما تبقّى فيه من قوّة، عازمًا أن يُنزل ضربتَه الأخيرة على الرجلِ النّاهض من الأرض، والصبيّ المربوط على ظهره.
كان تاليس، المقيّد بإحكامٍ على ظهره، يحاولُ جاهدًا أن يخفض رأسه ويلتصق بكتفيه، ومع ذلك شعرَ بثلاث شفراتٍ على الأقلّ تمرّ فوق رأسه مباشرة.
(ضربتي الأخيرة… ستقتلُ غضبَ المملكة…)
أول من هاجم كان صاحب الفأس، فانقضّ نصله كالعاصفة!
لكنّ هذا الخاطر ما لبث أن تلاشى، إذ اندفعت نحوه فتاةٌ صغيرةُ الجسد ترتدي عباءة، تشهرُ ساطورَها وتجزّ يدَه اليمنى في لحظة.
كان حرّاسُ الغضب عن جانبيه أسرعَ منه قليلًا، فاندفعوا هم أيضًا بزئيرٍ مماثلٍ، واعترضوا الجنديين اللذين فاتَه أن يقطعهما قبل أن يغرسَا نصليهما في مواضعِه الحيويّة.
“آآآغ!”
وسط هدير الصرخات الوحشية، اندفعت شفرة فأسٍ أخرى نحوه، فتقدّم غضب المملكة خطوتين سريعَتين، وأمسك رمحًا من الأرض ورماه نحو خصمه، مُسقطًا إياه أرضًا، وفي اللحظة نفسها دار بخفةٍ وصَدّ شفرة الفأس بعصا الرمح.
صرخَ القائدُ في سخطٍ لا يُوصف.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وفي اللحظة التالية، اندفعَ جينارد من الخلف وقطعَ رأسَ القائد بضربةٍ واحدة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لهاثًا قال جينارد للجسد الملقى:
“أول مرةٍ تسمع بلقبه؟” تمتم بيوتراي باستهزاءٍ خفيف.
“أجل، كنتَ مُحقًّا… أنا محاربٌ قديم.”
تجاوز الرجلَ المُحتضر والآخرَ الذي كان يتلوّى ممسكًا بفخذه المثقوب، وواصل هجومه كالعاصفة.
اندفعَ جنودُ حرّاس الغضب واحدًا تلو الآخر، يخاطرون بحياتهم ليصلوا إلى جانب آراكا مورخ.
وكان مربوطًا على ظهره صبيّ، ومعه قوسٌ عظيمٌ مخطّطٌ بالفضيّ والأسود…
في تلك الأثناء، كان بيوتراي والآخرون بالكاد يلحقون به.
أو يقودهم قائدٌ حازمٌ كالفولاذ.)
أصبحت ساحةُ المعركة فوضى عارمة بعدما كسرَ جنودُ الكوكبة الطوق.
“تمهّل!”
“غضب المملكة! إنه هنا!”
تحت وطأة هجوم غضب المملكة، بدت صفوف المشاة الإكستيدتيون كأنها ورقةٌ رقيقة، يتمزّق خطّها بسرعةٍ خارقة، كعدّاءٍ في تمرينٍ محموم.
صرخَ العديد من جنود إكستيدت بفرحٍ، وانتشر الخبر بسرعةٍ عبر ساحة القتال.
“أول مرةٍ تسمع بلقبه؟” تمتم بيوتراي باستهزاءٍ خفيف.
وكأنهم قروشٌ شمّت رائحة الدم، اندفعَ عددٌ لا يُحصى من جنود إكستيدت نحو آراكا وتاليس، زائرين بجنونٍ وهم يقتربون من الأمام والجانبين والخلف.
لكنّ جنود حرّاس الغضب على الجانبين ظلّوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر.
“حقًّا؟” قال وايا بسخطٍ من خلفهم، “إنه كهدفٍ سهل! بل ويحمل سموّه على ظهره!”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“لا تشكّوا بقائدكم!” صاح بيوتراي وهو يهبط عن جواده ويندفع للأمام ضمن التشكيل الهجوميّ الثلاثيّ الذي يتبعه الجنود. “ثقوا على الأقلّ بهيبة غضب المملكة! فأمان سموّه مضمُونٌ ما دامَ إلى جانبه!”
لم يسبق لأحدٍ أن أوقف اندفاعه.
كان تاليس مستلقيًا على ظهر آراكا، يحاولُ كبحَ الدوار الذي أصابه حين سقطَ الجواد. “وماذا سنفعل الآن؟”
في غضون ثانيتين فقط، اخترق أراكّا الصفّ الثاني.
بهدوءٍ قاتل، قبضَ آراكا بسيفه بكلتا يديه وشقّ درعَ أحد أعدائه إلى يساره، تاركًا إيّاه يصرخُ على الأرض.
تجاوز الرجلَ المُحتضر والآخرَ الذي كان يتلوّى ممسكًا بفخذه المثقوب، وواصل هجومه كالعاصفة.
رفع بصره نحو راية القبضة الحديدية البعيدة، ثمّ إلى الأعداء الذين لا يُعدّون وهم يتدافعون نحوهم، وقال بنبرةٍ باردة:
“حقًّا؟” قال وايا بسخطٍ من خلفهم، “إنه كهدفٍ سهل! بل ويحمل سموّه على ظهره!”
“الجيادُ لم تعُد تنفع. لقد أوصلتنا إلى هنا فحسب.”
شعرَ قائد الوحدة ببرودةٍ تجتاح عظمَ ترقوتِه، ثمّ اجتاحَه ألمٌ مروّع.
“تشكيلُ اقتحام!” صاحَ آراكا بصوتٍ جهوريّ، وارتجف جسده كلّه. وكان تاليس الملتصقُ بظهره يشعرُ بنبضاتِ قلبه تتسارع، وحرارة جسده تتصاعد، وعضلاته تنتفخ وترتجف بإيقاعٍ رهيب.
في الجهة اليمنى، كان أحد جنود حرّاس الغضب قد اخترق سيفُ جنديٍّ من إكستيدت جسده، إلا أنّه واصل اندفاعه غير آبهٍ بالخطر، فانقضّ على خصمه وطرحه أرضًا. عبر جنديٌّ آخر فوق جسديهما المتشابكين دون أن يُلقي نظرةً واحدة، وانضمّ إلى التشكيل الهجوميّ المثلثيّ مُعزّزًا صفوفه مواصلاً التقدّم.
لقد بدا كوحشٍ مفترسٍ على وشكِ الانقضاض.
“لا! أخي!” صرخ الرّامي الآخر بأسى.
أدركَ تاليس على الفور أنّ ما يراه هو قوّة الإبادة لدى آراكا. ففي رؤيته، بدا آراكا كبركانٍ ثائر، يفيضُ طاقةً غامضةً متفجّرة ومرعبة.
“هو!
زمجرَ آراكا، وقبض بسيفه بيده اليمنى، بينما أمسك بجلدِ القبضة بيده اليسرى، وسحب سيفه خلفه، منطلقًا نحو حشد الأعداء أمامه.
لكنّ هذا لم يكن حاله؛ فقد كان ليروك يعرف تمامًا أنّ حقيقة ساحة المعركة ليست القتل… بل البقاء.
وكغريزةٍ مزروعةٍ في الدم، تبعهُ الناجون من حرّاس الغضب عن يمينه ويساره، يهدرون ويقتحمون الصفوف دون تردّد.
دوّى صفير الموت لثوانٍ معدودة، حتى اخترق النصل وجه أحد الرجلين.
كان آراكا في المقدّمة، كالحدّ القاطع للسيف.
وبينما كان العدوّ يئنّ من الألم، تمسّك بالسيف بكلّ ما تبقّى له من قوّة، محاولًا تثبيته كي يمنح رفاقه الثلاثة فرصةً لقتل أراكّا قبل أن يلفظ أنفاسه.
وفي الخطّ الأمامي، انطلقت خمسُ شفراتٍ نحوه دفعةً واحدة—ثلاثٌ نحو رأسه وصدره، واثنتان نحو جانبيه.
“حقًّا؟” قال وايا بسخطٍ من خلفهم، “إنه كهدفٍ سهل! بل ويحمل سموّه على ظهره!”
انفجرَ من حنجرته زئيرٌ كالرعد، فغرسَ قدميه في الأرض، وانخفضَ بجسده واندفعَ نحو الجنود!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان تاليس، المقيّد بإحكامٍ على ظهره، يحاولُ جاهدًا أن يخفض رأسه ويلتصق بكتفيه، ومع ذلك شعرَ بثلاث شفراتٍ على الأقلّ تمرّ فوق رأسه مباشرة.
طعنَ أحد حرّاس الغضب خصمَه في أسفل بطنه، ثمّ دفعَه بعيدًا وهو يصرخُ ألَمًا، دون أن يلتفتَ إليه، وواصلَ اندفاعه مع آراكا، ليقتحموا الصفَّ الثاني من الأعداء.
صرخَ آراكا زأرًا مدوّيًا، وفي لحظةٍ واحدة، انتفخت عروقُ ذراعَيه وتدفّقت فيها قوّةٌ متفجّرة. لوّحَ بسيفه العظيم بكلّ عنفٍ، فشقّ الهواء بقوسٍ دمويٍّ قانٍ!
ظهر أمامه دفعةٌ جديدة من الأعداء.
شَـقّ!
ثمّ دوّى صوتٌ رجوليٌّ قويٌّ من على ظهر جوادٍ مزمجرٍ:
تطايرت سيوفُ الجنود الثلاثة وأذرعُهم في الهواء، وسقطت على الأرض بلا حولٍ ولا قوّة.
“أجل، كنتَ مُحقًّا… أنا محاربٌ قديم.”
تناثرَ الدمُ على جبين تاليس، فقبضَ على أسنانه وقطّب حاجبيه.
انقضّ حرّاس الغضب بشراسةٍ كعادتهم، مطهّرين الجانبين ببطولاتهم وتضحياتهم.
(أحقًّا يجب أن يكون كلّ هذا مغمورًا بالدم دائمًا؟)
وبوجهٍ باردٍ، لوح أراكّا بمطرقةٍ في وجه صاحبها الأصلي، ودفع خصمه الجريح بعيدًا، ثمّ زأر واندفع نحو الهدف التالي.
لم يُلقِ آراكا بالًا للجنديين الذين هاجماه من الجانبين، بل صرخَ زئيرًا وهجمَ بجسدِه على صدرِ أحد جنود المشاة الذين أمامه—ذلك الذي كان يصرخُ وهو يمسكُ بيده اليمنى المبتورة—فوجهَ له ضربةً بمرفقه أطاحت به أرضًا.
وفي غضون خمس ثوانٍ، اخترق أراكّا الصف الثالث.
كان حرّاسُ الغضب عن جانبيه أسرعَ منه قليلًا، فاندفعوا هم أيضًا بزئيرٍ مماثلٍ، واعترضوا الجنديين اللذين فاتَه أن يقطعهما قبل أن يغرسَا نصليهما في مواضعِه الحيويّة.
في غضون ثانيتين فقط، اخترق أراكّا الصفّ الثاني.
طعنَ أحد حرّاس الغضب خصمَه في أسفل بطنه، ثمّ دفعَه بعيدًا وهو يصرخُ ألَمًا، دون أن يلتفتَ إليه، وواصلَ اندفاعه مع آراكا، ليقتحموا الصفَّ الثاني من الأعداء.
(أحقًّا يجب أن يكون كلّ هذا مغمورًا بالدم دائمًا؟)
في الجهة اليمنى، كان أحد جنود حرّاس الغضب قد اخترق سيفُ جنديٍّ من إكستيدت جسده، إلا أنّه واصل اندفاعه غير آبهٍ بالخطر، فانقضّ على خصمه وطرحه أرضًا. عبر جنديٌّ آخر فوق جسديهما المتشابكين دون أن يُلقي نظرةً واحدة، وانضمّ إلى التشكيل الهجوميّ المثلثيّ مُعزّزًا صفوفه مواصلاً التقدّم.
وذلك الفارس الذي اندفعَ من قلب التشكيل… ما أمرُه؟)
وفي غضون ثانيةٍ واحدةٍ تقريبًا، تقدّم أراكّا الشرس في مقدّمة التشكيل واخترق الصفّ الأوّل من الأعداء.
وفي اللحظة التالية، انقضَّ على مقاتلٍ آخر من الكوكبة، تقدّمَ بلا تردّدٍ ليملأَ مكان رفيقه القتيل.
دون أن يُبطئ سرعته، واصل اندفاعه إلى الأمام.
ومع طنينٍ معدنيٍّ حادّ، انكسر السيف!
غير أنّ مجموعةً من خمسة محاربين مخضرمين اعترضت طريقه وجهاً لوجه. ثلاثةٌ منهم كانوا يحملون التروس والسيوف، واثنان يمسكان بالفؤوس، يحدّقون في أراكّا بحذرٍ بالغ.
أصبحت ساحةُ المعركة فوضى عارمة بعدما كسرَ جنودُ الكوكبة الطوق.
“غضب المملكة،” قال الرجل الذي في الوسط بصوتٍ أجشّ، “لن تمرَّ من هنـ—أوه!”
انكسر الرمح، وكأنّ الأمر كان محسوبًا مسبقًا، إذ قبض أراكّا على الجزء المكسور وضرب به وجه حامله، مُصيبًا جسر أنفه بقوةٍ مدمّرة!
قبل أن يُكمل كلمته، كان أراكّا قد لوح سيفه بعنفٍ واختَرَق به الترس أمامه، وبقوةٍ هائلةٍ وزخمٍ كالصاعقة، شقّ النصلُ طريقه من الجانب الآخر واستقرّ في صدر العدوّ.
…
غير أنّ النصل علق بين الترس وعظم صدر خصمه.
“تمهّل!”
وبينما كان العدوّ يئنّ من الألم، تمسّك بالسيف بكلّ ما تبقّى له من قوّة، محاولًا تثبيته كي يمنح رفاقه الثلاثة فرصةً لقتل أراكّا قبل أن يلفظ أنفاسه.
(يبدو أنّه قائدٌ ميدانيٌّ كبير.) فكّر تاليس وهو يرمق الضابط.
أول من هاجم كان صاحب الفأس، فانقضّ نصله كالعاصفة!
وفي غضون خمس ثوانٍ، اخترق أراكّا الصف الثالث.
لم يتردّد أراكّا لحظة، وأطلق قبضته اليسرى بضراوةٍ مجنونة، فضرب بها منتصف نصل سيفه العظيم بقوةٍ هائلة!
بهدوءٍ قاتل، قبضَ آراكا بسيفه بكلتا يديه وشقّ درعَ أحد أعدائه إلى يساره، تاركًا إيّاه يصرخُ على الأرض.
ومع طنينٍ معدنيٍّ حادّ، انكسر السيف!
“طويلاً بما يكفي”، أجاب أراكّا بصوتٍ خافت وهو يندفع نحو أحد جنود المشاة المسلّحين بالسيوف. “ما دام حرّاس الغضب إلى جانبي.”
زأر أراكّا وتقدّم بخطوةٍ هادرة، وركل المحاربَ الثاني ذي الترس أرضًا. ثمّ مدّ معصمه الأيسر إلى جانب نصل الفأس القادم، وحرفه عن رأسه بخبرةٍ متمرّسة.
زأر أراكّا وتقدّم بخطوةٍ هادرة، وركل المحاربَ الثاني ذي الترس أرضًا. ثمّ مدّ معصمه الأيسر إلى جانب نصل الفأس القادم، وحرفه عن رأسه بخبرةٍ متمرّسة.
وبينما يحدّق خصومه مذهولين، انزلقت شفرة الفأس على ساعد أراكّا، مقتطعةً جزءًا من جلده ولحمه.
(بهذه الخسائر، لكانت الجيوش العاديّة قد فقدت معنوياتها منذ زمن، وتشتّتت وفرّت…
لكنّ أراكّا لم يتوقّف، وغرس نصل سيفه المكسور في عنق حامله قبل أن يُدرك ما يحدث.
كان حرّاسُ الغضب عن جانبيه أسرعَ منه قليلًا، فاندفعوا هم أيضًا بزئيرٍ مماثلٍ، واعترضوا الجنديين اللذين فاتَه أن يقطعهما قبل أن يغرسَا نصليهما في مواضعِه الحيويّة.
زأر آخر خصمين غاضبَين واندفعا نحوه، لكنّ أراكّا لم يُلقِ إليهما نظرةً واحدة، إذ كان تركيزه كلّه منصبًّا على التقدّم إلى الأمام!
مرَّ الجواد أمامه، فخارت ركبتاه، واندفعت الدماء من كتفِه.
كما في كلّ مرّة، لحق به حرّاس الغضب من جانبيه، يضحّون بأرواحهم لإزالة الخطر عن قائدهما. هذه المرّة لم يُصَب أحدهما بالحظّ، فماتا كلاهما. غير أنّ البقيّة خلفهم واصلوا الاندفاع غير آبهين بالموت، محافظين على التشكيل ومُطهّرين الطريق على الجانبين.
ظلّ تاليس يراقب ذلك بعينين متّسعتين وفمٍ مفتوح، يرى أراكّا عاري اليدين ينتزع سلاح أعدائه باندفاعٍ هائل ومهارةٍ فطرية، يخترق صفوفهم كالإعصار.
أدرك تاليس شيئًا فجأة.
“تمهّل!”
لقد كان جنود حرّاس الغضب ذوو السيوف والدروع يحمون جانبي أراكّا بأجسادهم ليتيحوا له اختراق صفوف العدوّ والوصول إلى المركز دون عوائق، ضامنين أن تبقى قوة اندفاعه المهيبة في ذروتها.
وفي غضون خمس ثوانٍ، اخترق أراكّا الصف الثالث.
في غضون ثانيتين فقط، اخترق أراكّا الصفّ الثاني.
أدركَ تاليس على الفور أنّ ما يراه هو قوّة الإبادة لدى آراكا. ففي رؤيته، بدا آراكا كبركانٍ ثائر، يفيضُ طاقةً غامضةً متفجّرة ومرعبة.
ظهر أمامه دفعةٌ جديدة من الأعداء.
ارتجّ جسده وسقط رمحه أرضًا خائر القوى.
اثنان منهم في المقدّمة كانا يحملان رماحًا طويلة، موجّهين رؤوسها مباشرةً نحو قلب أراكّا، عازمين على إيقافه ودفعه للتراجع. فيما اصطفّ خلفهم ثلاثةٌ يحتمون بدروعهم ليغطّوا جانبيهما.
“نحن نبحثُ عن لامبارد!”
لكنّ أراكّا لم يمنحهم تلك الفرصة.
انفجرَ من حنجرته زئيرٌ كالرعد، فغرسَ قدميه في الأرض، وانخفضَ بجسده واندفعَ نحو الجنود!
صرخ من أعماق صدره، فانفجرت قوّة الإبادة في ذراعه اليمنى كبركانٍ هائج. ألقى بالسيف المكسور الذي كان لا يزال يقطر دمًا ولحمًا.
مرَّ الجواد أمامه، فخارت ركبتاه، واندفعت الدماء من كتفِه.
دوّى صفير الموت لثوانٍ معدودة، حتى اخترق النصل وجه أحد الرجلين.
في غضون ثانيتين فقط، اخترق أراكّا الصفّ الثاني.
ارتجّ جسده وسقط رمحه أرضًا خائر القوى.
زأر آخر خصمين غاضبَين واندفعا نحوه، لكنّ أراكّا لم يُلقِ إليهما نظرةً واحدة، إذ كان تركيزه كلّه منصبًّا على التقدّم إلى الأمام!
“لا! أخي!” صرخ الرّامي الآخر بأسى.
غير أنّ مجموعةً من خمسة محاربين مخضرمين اعترضت طريقه وجهاً لوجه. ثلاثةٌ منهم كانوا يحملون التروس والسيوف، واثنان يمسكان بالفؤوس، يحدّقون في أراكّا بحذرٍ بالغ.
كان وجه أراكّا مفعمًا بالوحشية، أمسك بجزء الرمح الساقط وسحبه إلى يده، ثمّ لوح به بكلّ عنفٍ إلى الأمام!
وبينما يئنّ صاحب الفأس مغمضًا عينيه، تخلّى غضب المملكة عن الرمح المكسور وأمسك بمقبض الفأس بين يدي خصمه، وجذبه نحوه، ثمّ نطح وجهه المدمّى بضربةٍ عنيفةٍ قاتلة، فتهاوى الخصم أرضًا مترنّحًا، فانتزع أراكّا الفأس منه.
تفعّلت قوّة الإبادة مرّةً أخرى، وبينما كان أراكّا يزمجر كالوحش، أصاب خصمه في صدره بقوةٍ كالمطرقة الحربية، فأنّ وسقط أرضًا، وصمت صراخه فجأة.
لكنّ هذا لم يكن حاله؛ فقد كان ليروك يعرف تمامًا أنّ حقيقة ساحة المعركة ليست القتل… بل البقاء.
سحب أراكّا الرمح من جديد، واستخدمه كعصاٍ غليظة، ولوّح به ضاربًا سيقان الثلاثة الآخرين بضربةٍ كاسحة واحدة!
وفي غضون دقائق معدودة، اخترقوا أكثر من عشرين خطّ دفاعٍ متتالٍ.
وبوجهٍ باردٍ كالفولاذ، أدار الرمح وغرسه في جسد أحد الساقطين، ثمّ تابع اندفاعه دون أن يلتفت.
لكن، لماذا يتجهون شمالًا؟
عاد حرّاس الغضب على الجانبين فلحقوا به، وقتلوا الاثنين المتبقيين.
أمسكَ أحدُ جنود المشاة الخِفاف من إكستيدت بمطرقتِه بإحكام، وبتنفّسٍ متّزنٍ راحَ يقرعُ درعَه الخشبيَّ السميكَ بيده اليسرى إيقاعًا منتظمًا، متتبعًا خُطى زميله الذي أمامه عن كثب.
“إلى متى ستصمد؟” سأل تاليس وهو ينظر إلى بحر الأعداء أمامه، ثم إلى راية القبضة الحديدية البعيدة، محاولًا تقدير الزمن والمسافة.
اثنان منهم في المقدّمة كانا يحملان رماحًا طويلة، موجّهين رؤوسها مباشرةً نحو قلب أراكّا، عازمين على إيقافه ودفعه للتراجع. فيما اصطفّ خلفهم ثلاثةٌ يحتمون بدروعهم ليغطّوا جانبيهما.
“طويلاً بما يكفي”، أجاب أراكّا بصوتٍ خافت وهو يندفع نحو أحد جنود المشاة المسلّحين بالسيوف. “ما دام حرّاس الغضب إلى جانبي.”
وفي اللحظة التالية، انقضَّ على مقاتلٍ آخر من الكوكبة، تقدّمَ بلا تردّدٍ ليملأَ مكان رفيقه القتيل.
وفي غضون خمس ثوانٍ، اخترق أراكّا الصف الثالث.
رفعَ قائدُ الوحدة درعَه ليحتمي من سيف الرجل العظيم، وهو يهوي بمطرقتِه نحو بطن الجواد.
تحت أنظار تاليس المذهولة، رمى أراكّا الرمح بثبات، فاخترق فخذ أحد المهاجمين.
وكغريزةٍ مزروعةٍ في الدم، تبعهُ الناجون من حرّاس الغضب عن يمينه ويساره، يهدرون ويقتحمون الصفوف دون تردّد.
وبينما كان بلا سلاحٍ تمامًا، اندفع غضب المملكة بكلّ ما أوتي من قوّة، متفاديًا ضربة سيفٍ لم تترك إلا جرحًا على ذراعه اليمنى.
“غضب المملكة،” قال الرجل الذي في الوسط بصوتٍ أجشّ، “لن تمرَّ من هنـ—أوه!”
انقضّ حرّاس الغضب بشراسةٍ كعادتهم، مطهّرين الجانبين ببطولاتهم وتضحياتهم.
لكنّ أراكّا لم يمنحهم تلك الفرصة.
وسط هدير الصرخات الوحشية، اندفعت شفرة فأسٍ أخرى نحوه، فتقدّم غضب المملكة خطوتين سريعَتين، وأمسك رمحًا من الأرض ورماه نحو خصمه، مُسقطًا إياه أرضًا، وفي اللحظة نفسها دار بخفةٍ وصَدّ شفرة الفأس بعصا الرمح.
إلّا إنْ كانوا نخبةً،
طَقّ!
لكنّ السيف العظيم لم ينحرف كما توقّع، ولم يُصدَم بدرعه.
انكسر الرمح، وكأنّ الأمر كان محسوبًا مسبقًا، إذ قبض أراكّا على الجزء المكسور وضرب به وجه حامله، مُصيبًا جسر أنفه بقوةٍ مدمّرة!
أما آيدا، فعضّت شفتها وقالت في داخلها: (حركاته حين يواجه أعدادًا كبيرة أصبحت أكثر انسيابية مما كانت عليه قبل خمس سنوات.)
وبينما يئنّ صاحب الفأس مغمضًا عينيه، تخلّى غضب المملكة عن الرمح المكسور وأمسك بمقبض الفأس بين يدي خصمه، وجذبه نحوه، ثمّ نطح وجهه المدمّى بضربةٍ عنيفةٍ قاتلة، فتهاوى الخصم أرضًا مترنّحًا، فانتزع أراكّا الفأس منه.
وبوجهٍ باردٍ كالفولاذ، أدار الرمح وغرسه في جسد أحد الساقطين، ثمّ تابع اندفاعه دون أن يلتفت.
تجاوز الرجلَ المُحتضر والآخرَ الذي كان يتلوّى ممسكًا بفخذه المثقوب، وواصل هجومه كالعاصفة.
على الأقل، هذا ما كان يظنّه ليروك، قائد كتيبة المشاة الخفيفة في إكستيدت—إلى أن رآه بعينيه في ذلك اليوم.
في غضون ثمان ثوانٍ، اخترق أراكّا الصف الرابع، رغم أنّ أحد حرّاس الغضب سقط قتيلًا.
(أذلك… هو القوس؟)
وفي الثانية الحادية عشرة، حطّم رأسي جنديين بالفأس، واخترق الصف الخامس، لتسقط روحان أخريان من حرّاس الغضب.
دون أن يُبطئ سرعته، واصل اندفاعه إلى الأمام.
وفي الثانية السادسة عشرة، واجه جنديَّين يرتديان دروعًا شبكيّة من الواضح أنّهما ضابطان، فأجبر أحد جنود الدرع على التراجع، وخطف سيفًا قصيرًا، وغرزه في عيني وحلق الضابطين، قبل أن يخترق الصف السادس.
وبينما يحدّق خصومه مذهولين، انزلقت شفرة الفأس على ساعد أراكّا، مقتطعةً جزءًا من جلده ولحمه.
وفي الثانية التاسعة عشرة، اخترق يد رجلٍ مسيطرة بطعنةٍ سريعة، واتّخذه درعًا بشريًا، وانتزع فأسين من جنديين آخرين وفتل عنقيهما، ثمّ شقّ صدر رابعٍ بالفأس، ليبلغ الصف السابع، فيما سقط أحد حرّاس الغضب من جديد.
“غضبُ المملكة!”
ظلّ تاليس يراقب ذلك بعينين متّسعتين وفمٍ مفتوح، يرى أراكّا عاري اليدين ينتزع سلاح أعدائه باندفاعٍ هائل ومهارةٍ فطرية، يخترق صفوفهم كالإعصار.
صرخ بجنون:
(هل يمكن أن يكون هذا هو “فارس الشرف” الذي ذكره الأموات من حياتي السابقة؟)
كان أحدَ قادة الفِرَق العشرة تحت وحدة ليروك، وتجاوز الثلاثين من عمره، ولم تكن تلك أولَ مرّةٍ له في ساحة القتال.
تحت وطأة هجوم غضب المملكة، بدت صفوف المشاة الإكستيدتيون كأنها ورقةٌ رقيقة، يتمزّق خطّها بسرعةٍ خارقة، كعدّاءٍ في تمرينٍ محموم.
أدركَ تاليس على الفور أنّ ما يراه هو قوّة الإبادة لدى آراكا. ففي رؤيته، بدا آراكا كبركانٍ ثائر، يفيضُ طاقةً غامضةً متفجّرة ومرعبة.
“اللعنة! ألا يتعب أبدًا؟” لهث وايا خلفه، وهو يذبح عدوًا على الأرض، محدّقًا في أراكّا بذهولٍ تام. “نحن نجري منذ البداية ولم نتوقف لحظة!”
دوّى صفير الموت لثوانٍ معدودة، حتى اخترق النصل وجه أحد الرجلين.
“أول مرةٍ تسمع بلقبه؟” تمتم بيوتراي باستهزاءٍ خفيف.
وكما الآن، إذ زأرَ قائد الوحدة الثلاثينيّ حماسةً وتقدّم ليلتحق برفيقه، ثمّ هوى بمطرقتِه بكلّ قوّتِه على جمجمة أحد جنود الكوكبة الذي لم يُفلِت في الوقت المناسب.
أما آيدا، فعضّت شفتها وقالت في داخلها: (حركاته حين يواجه أعدادًا كبيرة أصبحت أكثر انسيابية مما كانت عليه قبل خمس سنوات.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وفي غضون دقائق معدودة، اخترقوا أكثر من عشرين خطّ دفاعٍ متتالٍ.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكنّ جنود حرّاس الغضب على الجانبين ظلّوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر.
انفجرَ من حنجرته زئيرٌ كالرعد، فغرسَ قدميه في الأرض، وانخفضَ بجسده واندفعَ نحو الجنود!
في قلقه، لاحظ تاليس شيئًا. (أراكّا يزداد شدًّا على أسنانه… وأنفاسه تتلاحق أكثر فأكثر… إلى متى سيصمد جسديًا؟)
“نحن نبحثُ عن لامبارد!”
وبوجهٍ باردٍ، لوح أراكّا بمطرقةٍ في وجه صاحبها الأصلي، ودفع خصمه الجريح بعيدًا، ثمّ زأر واندفع نحو الهدف التالي.
انقضّ حرّاس الغضب بشراسةٍ كعادتهم، مطهّرين الجانبين ببطولاتهم وتضحياتهم.
كان رجلاً ذا درعٍ كاملٍ يمسك بفأسٍ مزدوجةٍ ضخمة، يصرخ بالأوامر بصوتٍ جهوريٍّ آمر.
لهاثًا قال جينارد للجسد الملقى:
(يبدو أنّه قائدٌ ميدانيٌّ كبير.) فكّر تاليس وهو يرمق الضابط.
كثيرٌ من المحاربين يفقدون عقولهم حين يسيطر عليهم جنون الدماء، فيغيب عنهم الحذر وتغيب عنهم البصيرة.
لقد كان غضب المملكة أسطورةً حيّة.
“تشكيلُ اقتحام!” صاحَ آراكا بصوتٍ جهوريّ، وارتجف جسده كلّه. وكان تاليس الملتصقُ بظهره يشعرُ بنبضاتِ قلبه تتسارع، وحرارة جسده تتصاعد، وعضلاته تنتفخ وترتجف بإيقاعٍ رهيب.
كلّ جنديٍّ في إكستيدت سمع بلقبه، وكلّ أسطورةٍ من أساطير المعارك ارتبطت به.
كما في كلّ مرّة، لحق به حرّاس الغضب من جانبيه، يضحّون بأرواحهم لإزالة الخطر عن قائدهما. هذه المرّة لم يُصَب أحدهما بالحظّ، فماتا كلاهما. غير أنّ البقيّة خلفهم واصلوا الاندفاع غير آبهين بالموت، محافظين على التشكيل ومُطهّرين الطريق على الجانبين.
في جسده الهائل اشتعلت نار مملكة الكوكبة بأكملها.
وكغريزةٍ مزروعةٍ في الدم، تبعهُ الناجون من حرّاس الغضب عن يمينه ويساره، يهدرون ويقتحمون الصفوف دون تردّد.
لم يسبق لأحدٍ أن أوقف اندفاعه.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
على الأقل، هذا ما كان يظنّه ليروك، قائد كتيبة المشاة الخفيفة في إكستيدت—إلى أن رآه بعينيه في ذلك اليوم.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
كان ليروك شماليًّا بطول ستّ أقدامٍ ونصف، وقد عقد حاجبيه بإحكام، وهو يرى أراكّا يخترق نصف كتيبته كما لو كان وحده في الساحة، فمرّر يده على فأسه المزدوجة الحادّة، ولعق أسنانه بابتسامةٍ جائعةٍ وهو يحدّق بشغفٍ في أراكّا أمامه.
طَقطَقة الحوافر!
بفضل قدراته من الفئة العليا، كان يمكنه أن يكون قائد وحدةٍ من مقاتلي الفؤوس المدرّعين، لكنّ تلك الدروع اللعينة باهظة الثمن… ثمّ إنّه كان يفضّل القيادة.
أما آيدا، فعضّت شفتها وقالت في داخلها: (حركاته حين يواجه أعدادًا كبيرة أصبحت أكثر انسيابية مما كانت عليه قبل خمس سنوات.)
كثيرٌ من المحاربين يفقدون عقولهم حين يسيطر عليهم جنون الدماء، فيغيب عنهم الحذر وتغيب عنهم البصيرة.
وصوتُ تمزّق الدروع!
لكنّ هذا لم يكن حاله؛ فقد كان ليروك يعرف تمامًا أنّ حقيقة ساحة المعركة ليست القتل… بل البقاء.
صرخَ العديد من جنود إكستيدت بفرحٍ، وانتشر الخبر بسرعةٍ عبر ساحة القتال.
أخذ نفسًا عميقًا من هواءٍ باردٍ لاذع، وحدّق في أراكّا المندفع نحوه وتاليس المتشبّث بظهره، ثمّ ألقى نظرةً على حرّاس الغضب المحيطين به، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة.
…
(لقد وجدتُ ضعفك… يا غضب المملكة.)
“اللعنة! ألا يتعب أبدًا؟” لهث وايا خلفه، وهو يذبح عدوًا على الأرض، محدّقًا في أراكّا بذهولٍ تام. “نحن نجري منذ البداية ولم نتوقف لحظة!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لا! أخي!” صرخ الرّامي الآخر بأسى.
مرَّ الجواد أمامه، فخارت ركبتاه، واندفعت الدماء من كتفِه.
