تكريم مدفوع الأجر
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“بغضّ النظر عن دوافع آرشيدوق الرمال السوداء، سواء كانت نافعة لك أم لا… عليك أن تُجري حوارك المباشر مع الملك نوڤين، لا مع مستشارٍ يعمل تحت يد آرشيدوق الرمال السوداء.” هكذا قدّم بيوتراي تفسيره الهادئ والحصيف.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
رفع تاليس حاجبه. “هو—ماذا فعل هوراس؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
إذن… ما قاله آراكّا كان…
Arisu-san
لم يستطع أن يتذكّر حقًّا كيف “مات” حين شدّت سيرينا عنقه. أو بالأحرى، ليس لديه أيّ ذاكرة عمّا حدث خلال ذلك الحين الذي غاب فيه عن الوعي مؤقّتًا. غير أنّ تاليس كان يشعر دائمًا بأنّه قد خَبِر أمرًا مهمًّا، وأنّ تلك الموجة ظهرت بعد أن استيقظ.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لقد ضيّقنا عليهم، وأحطنا بهم مرة أخرى بإحكام. تمركزت بقيّة قوّات هوراس قرب تلك الحجارة.” أومأ تولجا وقال بنظرة عميقة في عينيه: “أوقد الآرشيدوق السابق للرمال السوداء شعلةً، وقاد حرسه شخصيًا ليشنّوا الهجوم من كلّ الجهات. كما أمر حرسه بألّا يستخدموا الأقواس. لقد أراد مجد القبض على أمير من الكوكبة حيًّا.
الفصل 110: تكريم مدفوع الأجر.
“لقد ضيّقنا عليهم، وأحطنا بهم مرة أخرى بإحكام. تمركزت بقيّة قوّات هوراس قرب تلك الحجارة.” أومأ تولجا وقال بنظرة عميقة في عينيه: “أوقد الآرشيدوق السابق للرمال السوداء شعلةً، وقاد حرسه شخصيًا ليشنّوا الهجوم من كلّ الجهات. كما أمر حرسه بألّا يستخدموا الأقواس. لقد أراد مجد القبض على أمير من الكوكبة حيًّا.
…
تنفّس تاليس ببطء ونظر نحو تجمّع الصخور من بعيد. لم يستطع أن يتخيّل أنّه قبل اثني عشر عامًا، سقط هنا عدد لا يُحصى من المحاربين ومعهم أميرٌ من الأمراء، وأنّ أسطورةً جديدة وُلدت يومها.
إكستيدت. الطريق المؤدّي إلى مدينة سُحُب التنّين من إقليم الرمال السوداء.
أطلق فارس النار من إكستيدت شخيرًا باردًا. “في الميدان، تنكّر أحد الأوغاد بزيّ رجالنا واختبأ خلف ظهري. وحين اخترقتُ خطوط العدو، وبدا أنّني على وشك إصابة قلب تشكيل لواء ضوء النجوم، باغتني ذلك اللئيم من الخلف… أُصبت إصابة خطيرة مرة أخرى، ولم أحظَ بفرصة مواجهة ساسيري أو مورخ وجهًا لوجه.”
“هنا، سأقدّم لك نصيحة واحدة يا صاحب السمو. اخفِ هذين العلمين… لا سيما العلم القومي للكوكبة—علم النجمتين المتصالبتين.” وسط كتيبة من جنود الشمال المتقدّمين، أمسك الفيكونت كينتفيدا باللجام وهو يمتطي جواده إلى جانب تاليس، رغم أنّ تاليس كان محاطًا بحراسة محكمة من كل الجهات. تجاهل كينتفيدا النظرات العابسة التي رمقه بها بيوتراي ووايا من الجانب، فيما كان يخاطب الأمير الثاني: “مع أننا نملك ألفي جندي شمالي مدرّبين تدريبًا عاليًا، وكثير منهم من جنود الخط الأول إلى جانب الآرشيدوق، فلا يزال من غير الحكمة أن نُعلِم كل من في هذا الطريق بأنّ وليّ عهد الكوكبة موجود هنا.”
لكن بحسب بيوتراي وكينتفيدا، بدا كأنّ هوراس هو من خاطر بالهجوم، وأنّه جلب الهلاك لنفسه؟
لم يكن تاليس في مزاج يسمح له بأن يلتفت إلى المناظر الثلجية على الجانبين، ولا إلى سلسلة الجبال المتوارية في البعيد، ولا خيوط الدخان المتناثرة هناك. أمّا سببُ إهماله لهذا المشهد المهيب الذي يرسمه الشمال بجباله المكسوّة بالثلج، فكان شطرًا بسبب تفكيره المستمرّ فيما قاله رامون قبل يومين، وشطرًا آخر بسبب الجواد الذي تحته.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان يمتطي جواده وحده، متحكّمًا به بحذرٍ شديد خشية أن يلقيه عن ظهره بين حين وآخر. وكان رالف يتبعه بقلق، مستعدًا لانتشاله في أي لحظة باستخدام قدرته الهوائية.
“لقد شاركت في تلك الحرب.” أومأ فارس النار. “لكن كما قلتُ قبل قليل، بفضل سيف الأمير هوراس أُصبتُ في بدايتها. وبحلول الوقت الذي عدتُ فيه إلى الميدان، كانت شهور قد مضت، ودخلنا المرحلة الأخيرة من الحرب. آنذاك، قادت سونيا ساسيري لواء ضوء النجوم، وجمعت تحت رايتها المقاتلين العاجزين والفرسان الملطّخين بالعار… ومن بينهم مورخ، وتوجهوا شمالًا ليخوضوا معنا بضع معارك.”
مع أنّ جينيس وغيلبرت قد علّماه خلال شهر إقامته في قاعة مينديس معظم حِيَل ركوب الخيل، إلا أنّ تاليس لم يستطع يومًا الانسجام مع الخيول. سواء أكان المهر الصغير في القاعة، أم جوادُ النبلاء الشمالي الهادئ الذي استعاروه من الآرشيدوق لامبارد—المزوّد بسرجٍ مخصّص للأطفال—فقد كان من الواضح أن كلا الخيلين لا يريدان منه ركوبهما أو حتى الاقتراب منهما.
لا يعرف؟ ويحمله في قلبه؟
(أجل. السرج… ألم يقل رامون إنّه اختراع لساحر؟ فهل السحر إذًا علم هذا العالم؟ وهل السحرة فئة من الناس تُكرّس حياتها لدراسة الحقيقة واستكشافها؟ إذًا ما حقيقة الطاقة الصوفية؟ وكيف اختفى السحر؟)
وحتى رغم أنّ تاليس رفض صراحةً نصيحة لامبارد وعرضه للتحالف، إلا أنّ الآرشيدوق لا يزال يمنحه ألفَي جندي بسخاء. ومن هؤلاء الألفين، سيحميه الجنود النظاميون في رحلته، فيما سيُسرّح المجنّدون تباعًا ويعودون إلى ديارهم.
(ويا للأسف… لقد قوطعت محادثتنا تلك سريعًا على يد كينتفيدا. ينبغي أن أبحث عن فرصة أخرى.)
على ظهور الخيل المتهادية، سيغادرون سهول الشمال اليوم ليدخلوا تلال التنهد. وكان القسم الجنوبي الغربي من التلال جزءًا من إقليم الرمال السوداء، بينما يقع شمال شرقها ضمن سلطة آرشيدوق برج الإصلاح، أسرة ترينتيدا.
ارتبك تاليس حين اجتاز الجواد حفرةً غير مستوية مغطّاة بالثلج، ثم أطلق زفرة ارتياح.
خلفه، أطلقت آيدا شخيرًا خفيفًا آخر.
“ظننت أنّ وفدًا دبلوماسيًا يُظهِر رايته ليعلن هويته وفق الأعراف الدولية.” أدار تاليس رأسه نحو كينتفيدا بنظرة يائسة، بينما كان يراقب بحذر الجواد المثقّل بسرجه، والذي أخذ يلوّح بفمه في امتعاض. “ثم إنّ معنا جيشًا قوامه ألفا رجل صفّهم يمتدّ مئات الأمتار من البداية إلى النهاية. مع هذه الحركة الهائلة، حتى لو لم أرفع رايتي، هل سيجهل الناس أنّ وليّ عهد الكوكبة وطئ أراضي إكستيدت؟
سببٌ شخصي؟ تأدية إكرام؟
“أم أنّ الآرشيدوق لامبارد يرى أنّ لا منفعة في أن يعلم الناس أنّه بات قريبًا من وليّ العهد أكثر مما ينبغي؟”
قبض بيوتراي على اللجام بشدّة. أصيب تاليس بصدمة عابرة.
ابتسم كينتفيدا له. “صاحب السمو، رجاءً، ثق بنظرة الآرشيدوق الثاقبة—”
تنفّس تاليس ببطء ونظر نحو تجمّع الصخور من بعيد. لم يستطع أن يتخيّل أنّه قبل اثني عشر عامًا، سقط هنا عدد لا يُحصى من المحاربين ومعهم أميرٌ من الأمراء، وأنّ أسطورةً جديدة وُلدت يومها.
لكن بيوتراي قاطعه: “ما دام مضطرًا إلى إرسال ألفَي جندي ليضمن ألا يهلك الأمير في أرضه، ومع ذلك لا بدّ له من الحفاظ على قدرٍ مناسب من العداء للكوكبة ليظهره لرعيته… فإن وضع الآرشيدوق لامبارد بالغ الصعوبة. هذا فضلًا عن الحرمان الكبير جرّاء ما أنفقه لتحريك الإقليم. ومع كل هذه النفقات، لم يستطع الحصول على قلعة التنين المحطم… حقًا إنها مشقّة عظيمة عليه.” نفث بيوتراي دخان غليونه وتبسّم بسخرية نحو كينتفيدا.
لكن اللورد تولجا فتح فمه مجدّدًا وقال: “إنّ قولك هذا مجحف. فهو لم يكن يملك سوى ما يزيد قليلًا على الألف رجل.” قال ذلك بجدية، “لقد استخدمنا جيشًا يكاد يكون عشرين ضعف قوّته وأحكمنا تطويقه على السهول. لكن محاربيه كانوا كلّهم نخبًا نادرة الإرادة، لا تقلّ صلابة عن أبناء الشمال. وتحت هجومهم المضاد، تعرّضت قوّات آرشيدوق مدينة إيلافور لخسائر جسيمة، وحتى رايات آرشيدوق مدينة المنارة المنيرة وآرشيدوق اوركيد المرموقة تردّدت وتراجعت في لحظة من اللحظات.
تحوّل وجه كينتفيدا إلى شيء من المرارة.
تذكّر تاليس ما قاله الرجل الذي كان يُعرف يومًا بغضب المملكة، له قبل أيام على ساحة القتال، قبل أن يخترقوا نحو راية لامبارد.
لم يظهر ذلك خلال الرحلة والمعركة السابقة، لكن تاليس شعر بأنّ بيوتراي—متى خالط الناس—يعود تلقائيًا إلى طبعه القديم الذي اعتاد عليه في ساحة الحرب. لقد جاء كينتفيدا إلى جانب تاليس مرارًا أثناء الرحلة، مقحمًا السياسة في حديثه عن عمد، غير أنّ بيوتراي كان يردّ—تارةً بالدعابة، وتارةً بكلمات توقع غيره في حرج.
كان يمتطي جواده وحده، متحكّمًا به بحذرٍ شديد خشية أن يلقيه عن ظهره بين حين وآخر. وكان رالف يتبعه بقلق، مستعدًا لانتشاله في أي لحظة باستخدام قدرته الهوائية.
“بغضّ النظر عن دوافع آرشيدوق الرمال السوداء، سواء كانت نافعة لك أم لا… عليك أن تُجري حوارك المباشر مع الملك نوڤين، لا مع مستشارٍ يعمل تحت يد آرشيدوق الرمال السوداء.” هكذا قدّم بيوتراي تفسيره الهادئ والحصيف.
“لم يخترق باتّجاه الحصن بعد الآن.” وضع تولجا على وجهه ابتسامة احترام. “تمامًا كما فعلت أنت، استدار هوراس واخترق الحصار في الاتجاه المعاكس، شمالًا بالكامل.”
قبل يومين تمامًا، سحب لامبارد قواته رسميًا، وانطلق الوفد الدبلوماسي في الوقت نفسه.
بدا فارس النار كأنّه يسترجع الماضي بندمٍ عميق وهو يروي تاريخ ذلك الميدان، بينما لاذ كينتفيدا بالصمت محدّقًا في تولجا وحاجباه معقودان.
على ظهور الخيل المتهادية، سيغادرون سهول الشمال اليوم ليدخلوا تلال التنهد. وكان القسم الجنوبي الغربي من التلال جزءًا من إقليم الرمال السوداء، بينما يقع شمال شرقها ضمن سلطة آرشيدوق برج الإصلاح، أسرة ترينتيدا.
“لا أعلم.” ضحك الفيكونت كينتفيدا. “خدعة من خدع الكوكبة الصغيرة… ظلّ تولجا يحملها في قلبه طوال هذه السنين.”
وحتى رغم أنّ تاليس رفض صراحةً نصيحة لامبارد وعرضه للتحالف، إلا أنّ الآرشيدوق لا يزال يمنحه ألفَي جندي بسخاء. ومن هؤلاء الألفين، سيحميه الجنود النظاميون في رحلته، فيما سيُسرّح المجنّدون تباعًا ويعودون إلى ديارهم.
Arisu-san
ولم يعلم تاليس هل ينبغي أن يصف الآرشيدوق بالسخي، أم بالمخادع، أم بكليهما معًا.
“لكنّه أيضًا آخر موضع هلك فيه الأمير الثاني السابق للكوكبة، الأمير هوراس، خلال العام الدموي.” نطق بيوتراي دون أي تردّد بادٍ على وجهه.
في هذه اللحظة، ابتعد فارس ذو خوذة رمادية عن تشكيل المشاة في المقدّمة، وامتطى جواده نحوهم.
“نعم، لقد اعترضنا طريق هوراس عند عودته من غابة الصنوبر وأجبرناه على النزول إلى السهول.” تمتم الفيكونت كينتفيدا بازدراء. بدا كأنّ عدم الرضا يعتمر صدره. “تمامًا كما نمسك بالثعلب.”
استطاع تاليس أن يشعر أنّ حالة آيدا—التي كانت تركب خلفه—بدأت تتحوّل تدريجيًا من الملل إلى القلق. في الواقع، بعد أن غمرته تلك الموجة الغريبة، بدا وكأن جميع أعضاء تاليس قد شعرت بارتياح طفيف ولكنه حقيقي.
سببٌ شخصي؟ تأدية إكرام؟
وكأنّ تلك الموجة لم تكن مجرد شيءٍ يعتمد عليه عند الطوارئ، بل صار وجودها يغيّر جسده شيئًا فشيئًا… وهذا بالتحديد ما كان يقلق تاليس أشدّ القلق.
استطاع تاليس أن يشعر أنّ حالة آيدا—التي كانت تركب خلفه—بدأت تتحوّل تدريجيًا من الملل إلى القلق. في الواقع، بعد أن غمرته تلك الموجة الغريبة، بدا وكأن جميع أعضاء تاليس قد شعرت بارتياح طفيف ولكنه حقيقي.
لم يستطع أن يتذكّر حقًّا كيف “مات” حين شدّت سيرينا عنقه. أو بالأحرى، ليس لديه أيّ ذاكرة عمّا حدث خلال ذلك الحين الذي غاب فيه عن الوعي مؤقّتًا. غير أنّ تاليس كان يشعر دائمًا بأنّه قد خَبِر أمرًا مهمًّا، وأنّ تلك الموجة ظهرت بعد أن استيقظ.
“نعم، لقد اعترضنا طريق هوراس عند عودته من غابة الصنوبر وأجبرناه على النزول إلى السهول.” تمتم الفيكونت كينتفيدا بازدراء. بدا كأنّ عدم الرضا يعتمر صدره. “تمامًا كما نمسك بالثعلب.”
“ممر رايمن يقع أمامنا مباشرة.” الفارس ذو الخوذة الرمادية الذي جاء من الأمام كان نخبة من الفئة الفائقة ممّن سبق لهم مواجهة آراكا في ساحة المعركة. فارس النار، تولجا، شدّ لجام حصانه بوقار وامتطى جانب تاليس في الاتجاه نفسه، وقال بجديّة: “هناك قرية يمكننا فيها أن نرتاح ونتناول الطعام. سنواصل رحلتنا بعد الظهيرة، وسندع الكشّافة يتقدّمون لإجراء تحرّيات خفيّة في الوقت نفسه. فبعد كلّ شيء، سنبلغ قريبًا نطاق سلطة آرشيدوق برج الإصلاح.”
“تعلّم الأمير هوراس أسلوبه في السيف من برج الإبادة، كما امتلك خبرة الجيوش وساحات القتال. ولم يَكَد يشبهه في شجاعته في تاريخ أسرة جيدستار إلا «عدوّ الذئاب».” نطق بيوتراي ببطء، وعيناه تحملان نظرة عميقة وهو يرمق تلك الصخور الغريبة أمامه. من خلفهم، أطلقت آيدا شخيرًا خفيفًا ساخرًا.
لاحظ تاليس بحدّة أنّ كلًا من بيوتراي ووايا اسودّ وجههما قليلًا بعد أن أنهى تولجا عبارة “ممر رايمن”، بينما ارتسمت على شفتي كينتفيدا ابتسامة منحرفة.
Arisu-san
“ما رأي سموّك؟” من غير أن ينتظر أن يتكلّم أحد، ابتسم كينتفيدا لتاليس وقال: “سواء من باب المنفعة العملية أو من بابٍ شخصيّ، فإنّي أوصيك بالتوقّف والراحة في ممر رايمن لكي تتمكّن من التنقية أو تأدية الإكرام.”
“آه.” استوعب تاليس. “إذن قاتلتَ ضد زهرة الحصن من قبل؟”
سببٌ شخصي؟ تأدية إكرام؟
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في غمرة تردّد تاليس، امتطى بيوتراي حصانه إلى جانبه وتنهد بعمق. “ممر رايمن هو نقطة البداية الجنوبية الغربية لتلال التنهد. وهو الطريق الوحيد لدخول التلال من سهول الشمال.” أطفأ الدبلوماسيّ النحيل غليونه وقطّب حاجبيه، وبجانبه أدار وايا رأسه.
تذكّر تاليس ما قاله غيلبرت فاشتدّ عبوسه. “لم تكن هناك نجدة خلال تلك الساعات الثلاث…”
“لكنّه أيضًا آخر موضع هلك فيه الأمير الثاني السابق للكوكبة، الأمير هوراس، خلال العام الدموي.” نطق بيوتراي دون أي تردّد بادٍ على وجهه.
أطلق فارس النار من إكستيدت شخيرًا باردًا. “في الميدان، تنكّر أحد الأوغاد بزيّ رجالنا واختبأ خلف ظهري. وحين اخترقتُ خطوط العدو، وبدا أنّني على وشك إصابة قلب تشكيل لواء ضوء النجوم، باغتني ذلك اللئيم من الخلف… أُصبت إصابة خطيرة مرة أخرى، ولم أحظَ بفرصة مواجهة ساسيري أو مورخ وجهًا لوجه.”
تغيّر وجه تاليس حين أدرك سبب تبدّل ملامح الآخرين.
حدّق بيوتراي بكينتفيدا بعدم رضا، لكنه تنهد وأجاب: “كانت أراضي الشمال في أزمة آنذاك. أمر الملك السابق النبلاء المحيطين بالتقدّم للمساعدة، وجاءت أكبر التعزيزات من إقليم أرض المنحدرات… وهو أقرب دوقية للكوكبة إلى أراضي الشمال.”
من الواضح أنّ كينتفيدا وجد موضوعًا لا يملك تاليس خيارًا سوى الردّ عليه. وللأسف، فإنّه يمسّ الحرب بين إكستيدت والكوكبة. وبصفة تاليس كأمير للكوكبة، خفّض جفنيه في اللحظة المناسبة وتنهد. “بالطبع، كان هوراس أيضًا من دمي ولحمي.”
“وحين رأى آخرُ جنوده سقوطَ هوراس، انطفأت روح القتال في صدورهم. لكن حين ظننّا أنّ كل شيء سينتهي هنا، استطاع جنديّ بجانب هوراس أن ينتزع القوس الذي خلّفه تيريندي وسط الفوضى.” واصل تولجا حديثه بنبرة هادئة.
ضحك كينتفيدا وهو يومئ، فيما تمتم تاليس في سرّه: سياف الإبادة الذي مدحه كيسل، والقائد الملكيّ ذو الانضباط العسكريّ الصارم الذي مدحته سونيا… مات هنا…
تنهد بيوتراي أمام سؤال تاليس. وكان أوّل من أجابه: “كان ذلك في نهاية العام الدموي. كان ذلك الشتاء دافئًا على نحو غير معتاد. جمع الملك نوڤين جيشًا يقارب عشرة آلاف من بين الآرشيدوقات السبعة. كانوا مزوّدين بوفرة من الطعام والأسلحة حين هاجموا الحصن الضعيف من كلّ الجهات.”
لكنّها أيضًا فرصة لفهم حقيقة العام الدمويّ فهمًا أعمق.
“آه.” استوعب تاليس. “إذن قاتلتَ ضد زهرة الحصن من قبل؟”
استدار إلى بيوتراي. “ما سبب وفاة الأمير؟”
تحوّل وجه كينتفيدا إلى شيء من المرارة.
تنهد بيوتراي أمام سؤال تاليس. وكان أوّل من أجابه: “كان ذلك في نهاية العام الدموي. كان ذلك الشتاء دافئًا على نحو غير معتاد. جمع الملك نوڤين جيشًا يقارب عشرة آلاف من بين الآرشيدوقات السبعة. كانوا مزوّدين بوفرة من الطعام والأسلحة حين هاجموا الحصن الضعيف من كلّ الجهات.”
“انقضّ أمهرُ المحاربين من الطرفين بعضهم على بعض وهم يزأرون غضبًا، ثم سقطوا واحدًا تلو الآخر بين الصخور. ورغم أنّ التفوّق العددي كان في صفّنا تلك الليلة، فقد أُصيب أربعة من خبرائنا من الفئة الفائقة، بل لقي أحدهم حتفه هنا.”
“في ذلك الوقت، بلغ ميدان الجنوب الغربي ذروة معركته الأخيرة في الكوكبة. حاصر الدوق جون آخر القوّات الرئيسية للتمرّد عند فجوة النصل. كانت نهاية حرب العصيان وشيكة، لكنّ ذلك أيضًا يعني أنهم لم يكونوا قادرين على التوجّه شمالًا للنجدة. أمّا الإمداد إلى حصن التنّين المحطّم فكان في حكم المستحيل.” هزّ بيوتراي رأسه ووضع غليونه جانبًا، ثم تابع بعينيه نظرة معقدة. “المقاليع، المجانيق، البنادق الصوفية، وأعداد لا تُحصى من وحدات التسلّل إلى المدن… واجهوا هجومًا بلا انقطاع ولم يعيروا الخسائر أيّ بال. رأى الأمير هوراس أنّ اقتحام حصن التنّين المحطّم مسألة وقت، فجازف بالهجوم. أخذ وحدات قليلة وتسلّل خفيةً عبر غابة الصنوبر، ثم باغت خطّ إمداد إكستيدت من الخلف.”
“أهكذا كان الأمر؟” قطّب تاليس حاجبيه وهو يحدّق في برودة عيني تولجا. أومأ بصلابة وقال، “إنّها لفِعلة دنيئة حقًا!”
تنهد وايا بعمق.
رمقه وايا بنظرة حادّة لا هوادة فيها.
تولّى كينتفيدا مواصلة الحديث. “كانت مجازفة خطيرة.” ضحك بخفّة. “ومن الواضح أنّها كانت سوء تقدير من الكوكبة. خسر هوراس رهانه، ودفع ثمن قراره…”
وفوق ذلك، وبُعد المكان الشديد عن حدود الكوكبة، ألا يبدو “عدم وصول النجدة خلال ثلاث ساعات” أمرًا طبيعيًا تمامًا؟
حدّق به وايا بغضب.
قطّب تاليس حاجبيه ولم يدرِ ما ينبغي أن يقوله في تلك اللحظة.
“كان قرارًا حسنًا، على الأقل ضرب مناطقكم الحسّاسة مباشرة.” تمتم بيوتراي ببرود وهو يردّ.
إنّه يحتاج إلى معرفةٍ أكثر.
قطّب تاليس حاجبيه ولم يدرِ ما ينبغي أن يقوله في تلك اللحظة.
“في ذلك الوقت، ربّما شعر هوراس بأن لا أمل في العودة إلى الحصن.” ربّت فارس النار، تولجا، على سيف مغمود في سرجه. بدا كأنه يستعيد الماضي حين قال بابتسامة مرّة: “لقد اتّخذ قرارًا ما كان أحد ليتوقّعه.”
كان الصمت أفضل ما يلزم بسبب مكانته. وقد سمع مأساة العائلة المالكة خلال العام الدموي من غيلبرت. وفي حكايته، كان هوراس قد وقع في فخّ الإكستيدتيان.
“لقد أنجز هوراس نصف خطّته. تمكّن من إحراق وتدمير ما يقارب ربع مؤننا. كان خطّ إمدادنا طويلًا وهشًّا للغاية، وحركته تلك اشترت على الأقل وقتًا معتبرًا لحصن التنّين المحطّم.” قال تولجا بصوت عميق. بدا صوته كأنه يدافع عن هوراس من اتّهام ظالم. “لو أنّنا لم نكتشف الأمر مبكّرًا، ولو أنّ الملك نوڤين لم يوقف الهجوم على المدينة، ولم يسحب القوّات الرئيسية من الجبهة، ولم ينصب كمينًا في طريق العودة إلى الحصن…”
وكان قول غيلبرت: “لم تصل أيّ نجدة خلال تلك الساعات الثلاث” يبدو كأنه يُلمّح لتاليس بأنّ موت هوراس كغيره من أفراد العائلة المالكة—أنهم ماتوا لأنّ أحدًا كاد لهم فخّ.
حدّق به وايا بغضب.
لكن بحسب بيوتراي وكينتفيدا، بدا كأنّ هوراس هو من خاطر بالهجوم، وأنّه جلب الهلاك لنفسه؟
بدا فارس النار كأنّه يسترجع الماضي بندمٍ عميق وهو يروي تاريخ ذلك الميدان، بينما لاذ كينتفيدا بالصمت محدّقًا في تولجا وحاجباه معقودان.
وفوق ذلك، وبُعد المكان الشديد عن حدود الكوكبة، ألا يبدو “عدم وصول النجدة خلال ثلاث ساعات” أمرًا طبيعيًا تمامًا؟
“ظننت أنّ وفدًا دبلوماسيًا يُظهِر رايته ليعلن هويته وفق الأعراف الدولية.” أدار تاليس رأسه نحو كينتفيدا بنظرة يائسة، بينما كان يراقب بحذر الجواد المثقّل بسرجه، والذي أخذ يلوّح بفمه في امتعاض. “ثم إنّ معنا جيشًا قوامه ألفا رجل صفّهم يمتدّ مئات الأمتار من البداية إلى النهاية. مع هذه الحركة الهائلة، حتى لو لم أرفع رايتي، هل سيجهل الناس أنّ وليّ عهد الكوكبة وطئ أراضي إكستيدت؟
إنّه يحتاج إلى معرفةٍ أكثر.
“آه.” استوعب تاليس. “إذن قاتلتَ ضد زهرة الحصن من قبل؟”
وبالقرب منهم، تكلّم تولجا في تلك اللحظة: “كان ذلك بالفعل قرارًا معقولًا.”
وبين الجبلين القصيرين، كان هناك مدخل ضيّق لا يتّسع إلا بعرض الطريق. تباطأ تقدّم قوّات إكستيدت حتى توقّف.
بعد أن سمع رأي تولجا، تغيّرت ملامح كينتفيدا إلى عدم ارتياح حين نظر إلى فارس النار. نبرة تولجا الموقّرة جعلت تاليس يقطّب جبينه في اللحظة نفسها.
وجّه تولجا نظره نحو الجنوب، وزفر طويلًا، “ذلك الجندي حمل جثمان هوراس، وأمسك القوس، وزمجر كالمحموم والسهام مغروزة في جسده، مغمورًا بالدماء من رأسه إلى قدميه. قاد آخر من تبقّى، واقتحم الطوق بقوة جنونية. ولسببٍ مجهول، عجزنا عن إيقافه. ظلّ يندفع حتى بلغ آرشيدوق الرمال السوداء العجوز، ثم…”
“لقد أنجز هوراس نصف خطّته. تمكّن من إحراق وتدمير ما يقارب ربع مؤننا. كان خطّ إمدادنا طويلًا وهشًّا للغاية، وحركته تلك اشترت على الأقل وقتًا معتبرًا لحصن التنّين المحطّم.” قال تولجا بصوت عميق. بدا صوته كأنه يدافع عن هوراس من اتّهام ظالم. “لو أنّنا لم نكتشف الأمر مبكّرًا، ولو أنّ الملك نوڤين لم يوقف الهجوم على المدينة، ولم يسحب القوّات الرئيسية من الجبهة، ولم ينصب كمينًا في طريق العودة إلى الحصن…”
“بغضّ النظر عن دوافع آرشيدوق الرمال السوداء، سواء كانت نافعة لك أم لا… عليك أن تُجري حوارك المباشر مع الملك نوڤين، لا مع مستشارٍ يعمل تحت يد آرشيدوق الرمال السوداء.” هكذا قدّم بيوتراي تفسيره الهادئ والحصيف.
“نعم، لقد اعترضنا طريق هوراس عند عودته من غابة الصنوبر وأجبرناه على النزول إلى السهول.” تمتم الفيكونت كينتفيدا بازدراء. بدا كأنّ عدم الرضا يعتمر صدره. “تمامًا كما نمسك بالثعلب.”
ألقى كينتفيدا نظرة ذات مغزى خفيف نحو تاليس. “بالطبع، ربّما كانوا حذرين ويقظين مثل زهرة الحصن قبل يومين.”
خفت ملامح بيوتراي. وشعر تاليس بالارتباك، بينما بدا الغضب واضحًا على وجه وايا.
خفت ملامح بيوتراي. وشعر تاليس بالارتباك، بينما بدا الغضب واضحًا على وجه وايا.
أيّ فرد من الكوكبة سيشعر بالأسى حين يسمع إكستيدتيًا يروي كيف قتلوا أميرًا من الكوكبة.
(ويا للأسف… لقد قوطعت محادثتنا تلك سريعًا على يد كينتفيدا. ينبغي أن أبحث عن فرصة أخرى.)
لكن اللورد تولجا فتح فمه مجدّدًا وقال: “إنّ قولك هذا مجحف. فهو لم يكن يملك سوى ما يزيد قليلًا على الألف رجل.” قال ذلك بجدية، “لقد استخدمنا جيشًا يكاد يكون عشرين ضعف قوّته وأحكمنا تطويقه على السهول. لكن محاربيه كانوا كلّهم نخبًا نادرة الإرادة، لا تقلّ صلابة عن أبناء الشمال. وتحت هجومهم المضاد، تعرّضت قوّات آرشيدوق مدينة إيلافور لخسائر جسيمة، وحتى رايات آرشيدوق مدينة المنارة المنيرة وآرشيدوق اوركيد المرموقة تردّدت وتراجعت في لحظة من اللحظات.
“تعلّم الأمير هوراس أسلوبه في السيف من برج الإبادة، كما امتلك خبرة الجيوش وساحات القتال. ولم يَكَد يشبهه في شجاعته في تاريخ أسرة جيدستار إلا «عدوّ الذئاب».” نطق بيوتراي ببطء، وعيناه تحملان نظرة عميقة وهو يرمق تلك الصخور الغريبة أمامه. من خلفهم، أطلقت آيدا شخيرًا خفيفًا ساخرًا.
“لم يجد الملك نوڤين بُدًّا من الزجّ بالجنود المستريحين، ودفع بنخبة حرس النصل الأبيض إلى الفجوة. عندها فقط تمكّن من تثبيت خطّ المعركة. كان ميدان القتال كارثيًا إلى درجة أنّ الدخان الأسود الصاعد كان يُرى من الحصن… ولو أنّ حصن التنّين المحطّم أرسل نجدة في تلك اللحظة وشنّ هجومًا مباغتًا من جانب ساحة القتال المضطربة، لربما حظي بفرصة لإنقاذ أميركم.”
“لقد ضيّقنا عليهم، وأحطنا بهم مرة أخرى بإحكام. تمركزت بقيّة قوّات هوراس قرب تلك الحجارة.” أومأ تولجا وقال بنظرة عميقة في عينيه: “أوقد الآرشيدوق السابق للرمال السوداء شعلةً، وقاد حرسه شخصيًا ليشنّوا الهجوم من كلّ الجهات. كما أمر حرسه بألّا يستخدموا الأقواس. لقد أراد مجد القبض على أمير من الكوكبة حيًّا.
قبض بيوتراي على اللجام بشدّة. أصيب تاليس بصدمة عابرة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لكنهم لم يرسلوا الجيش؟” تذكّر تاليس المشهد قبل بضعة أيّام حين واجه الحصار أسفل الحصن، وسأل بحيرة: “الحصن لم يُرسل الجيش؟”
كان يمتطي جواده وحده، متحكّمًا به بحذرٍ شديد خشية أن يلقيه عن ظهره بين حين وآخر. وكان رالف يتبعه بقلق، مستعدًا لانتشاله في أي لحظة باستخدام قدرته الهوائية.
“لا. ما زلت أتذكّر أنّه من بعد الظهيرة وحتى الليل، كان من في الحصن يشاهدون قوّات هوراس وهي تنهار واحدة بعد الأخرى في السهول…” قال تولجا بلامبالاة.
وكان قول غيلبرت: “لم تصل أيّ نجدة خلال تلك الساعات الثلاث” يبدو كأنه يُلمّح لتاليس بأنّ موت هوراس كغيره من أفراد العائلة المالكة—أنهم ماتوا لأنّ أحدًا كاد لهم فخّ.
تذكّر تاليس ما قاله غيلبرت فاشتدّ عبوسه. “لم تكن هناك نجدة خلال تلك الساعات الثلاث…”
تذكّر تاليس ما قاله غيلبرت فاشتدّ عبوسه. “لم تكن هناك نجدة خلال تلك الساعات الثلاث…”
“في هذا الشأن، كان لقرار الحصن بالتأكيد سببٌ ما.” قال بيوتراي بوجه متصلّب.
“لم يجد الملك نوڤين بُدًّا من الزجّ بالجنود المستريحين، ودفع بنخبة حرس النصل الأبيض إلى الفجوة. عندها فقط تمكّن من تثبيت خطّ المعركة. كان ميدان القتال كارثيًا إلى درجة أنّ الدخان الأسود الصاعد كان يُرى من الحصن… ولو أنّ حصن التنّين المحطّم أرسل نجدة في تلك اللحظة وشنّ هجومًا مباغتًا من جانب ساحة القتال المضطربة، لربما حظي بفرصة لإنقاذ أميركم.”
“حقًا؟” تمتم كينتفيدا بسخرية باردة. “حتى الإكستيدتيون شعروا بمرارة حين رأوا كيف ترك الحصن رجلاً يحتضر.”
“لقد وصلنا.” قال الفيكونت كينتفيدا بهدوء. “هذا هو ممر رايمن.”
ترك رجلاً يحتضر؟
حدّق بيوتراي بكينتفيدا بعدم رضا، لكنه تنهد وأجاب: “كانت أراضي الشمال في أزمة آنذاك. أمر الملك السابق النبلاء المحيطين بالتقدّم للمساعدة، وجاءت أكبر التعزيزات من إقليم أرض المنحدرات… وهو أقرب دوقية للكوكبة إلى أراضي الشمال.”
قبض تاليس على اللجام وأطبَق أسنانه وهو يتحمّل رجّة أخرى من حصانه.
“تفضّل.” ضحك كينتفيدا بخفّة. “أخبِر أميرك مَن كان مسؤولًا عن موت هوراس… فالأمر ليس بسر.”
ألقى كينتفيدا نظرة ذات مغزى خفيف نحو تاليس. “بالطبع، ربّما كانوا حذرين ويقظين مثل زهرة الحصن قبل يومين.”
“آه.” استوعب تاليس. “إذن قاتلتَ ضد زهرة الحصن من قبل؟”
“فمَن كان؟” التفت تاليس وسأل بحيرة: “مَن كان المسؤول عن حراسة حصن التنّين المحطّم حين خرج هوراس بقوّاته للهجوم؟”
الفصل 110: تكريم مدفوع الأجر.
بدا القلق على وجه بيوتراي وهو يحوّل نظره نحو تاليس.
“نعم، لقد اعترضنا طريق هوراس عند عودته من غابة الصنوبر وأجبرناه على النزول إلى السهول.” تمتم الفيكونت كينتفيدا بازدراء. بدا كأنّ عدم الرضا يعتمر صدره. “تمامًا كما نمسك بالثعلب.”
“تفضّل.” ضحك كينتفيدا بخفّة. “أخبِر أميرك مَن كان مسؤولًا عن موت هوراس… فالأمر ليس بسر.”
لكن بحسب بيوتراي وكينتفيدا، بدا كأنّ هوراس هو من خاطر بالهجوم، وأنّه جلب الهلاك لنفسه؟
أدرك تاليس فجأة أنّ من غير اللائق مناقشة المسألة أمام إكستيدتي.
ارتسمت ابتسامة مفعمة بالمعنى على وجه تولجا، وانطلق منه شخيرٌ قصير. “ذلك الجندي اختفى في ظلمة الليل وسط الفوضى. ومنذئذٍ، عُرف آراكا مورخ بين الناس باسم «غضب المملكة».”
حدّق بيوتراي بكينتفيدا بعدم رضا، لكنه تنهد وأجاب: “كانت أراضي الشمال في أزمة آنذاك. أمر الملك السابق النبلاء المحيطين بالتقدّم للمساعدة، وجاءت أكبر التعزيزات من إقليم أرض المنحدرات… وهو أقرب دوقية للكوكبة إلى أراضي الشمال.”
وفوق ذلك، وبُعد المكان الشديد عن حدود الكوكبة، ألا يبدو “عدم وصول النجدة خلال ثلاث ساعات” أمرًا طبيعيًا تمامًا؟
راقَب بيوتراي ملامح تاليس بقلق حتى تأكّد أنّ مشاعره لم تضطرب بشدّة. وبينما يفعل ذلك قال: “وبعد مغادرة هوراس، كان قائد حصن التنّين المحطّم بالتالي الرجل ذو الرتبة الثانية في ذلك الحين.”
رفع تاليس حاجبه وقال بدهشة خفيفة، “أأنت تقول…”
ارتجف تاليس قليلًا. قطّب بيوتراي جبينه لكنه واصل: “كان ذلك أخ الدوق الحالي لإقليم أرض المنحدرات، التنّين أحادي العين، كوشدر نانشيستر، الأكبر سنًّا، رودولف نانشيستر. وبعد أن سقط حصن التنّين المحطّم، أُسر من قبل إكستيدت، وفي النهاية مات في السجن.”
“يجب أن أقول أنه كان حقًا واحدًا من “جنرالات الحرب الخمسة” في إكستيدت.”
ارتجف تاليس ما إن أنهى بيوتراي كلامه. الأخ الأكبر للدوق نانشيستر الحالي… هل يمكن أن تكون له صلة بالموت الغريب والمريب لهوراس؟
“نعم، لقد اعترضنا طريق هوراس عند عودته من غابة الصنوبر وأجبرناه على النزول إلى السهول.” تمتم الفيكونت كينتفيدا بازدراء. بدا كأنّ عدم الرضا يعتمر صدره. “تمامًا كما نمسك بالثعلب.”
على الأقل، حين حُوصِر هوراس، لم يقدّم الأخ الأكبر للـ”تنّين أحاديّ العين” يد العون. لم يُنقذه، بل شاهده يموت، أليس كذلك؟ الأهمّ… هل كان كيسل يرى الأمر بالطريقة نفسها؟ وماذا عن تنّين العين الواحدة؟ كيف ينظر إلى المسألة؟ وكيف يشعر تجاه تصوّر كيسل لها؟ وأخوه الذي مات… هل كان الأمر حقًّا…؟
قبض تاليس على اللجام وأطبَق أسنانه وهو يتحمّل رجّة أخرى من حصانه.
ثم تذكّر تاليس ما قاله تنّين العين الواحدة قبل مغادرته مدينة النجم الأبدي: “إقليم أرض المنحدرات لا يرغب بأن يستسلم للموت.” تلك كانت كلماته آنذاك.
تحوّل وجه كينتفيدا إلى شيء من المرارة.
وبينما كان تاليس يغوص في علاقات هذه القضية، ازداد تجعّد حاجبيه.
إكستيدت. الطريق المؤدّي إلى مدينة سُحُب التنّين من إقليم الرمال السوداء.
ربّت بيوتراي على سرج تاليس وهزّ رأسه له.
ارتبك تاليس حين اجتاز الجواد حفرةً غير مستوية مغطّاة بالثلج، ثم أطلق زفرة ارتياح.
لا تُفكّر كثيرًا… هكذا شعر تاليس أنّه يقصد.
وحتى رغم أنّ تاليس رفض صراحةً نصيحة لامبارد وعرضه للتحالف، إلا أنّ الآرشيدوق لا يزال يمنحه ألفَي جندي بسخاء. ومن هؤلاء الألفين، سيحميه الجنود النظاميون في رحلته، فيما سيُسرّح المجنّدون تباعًا ويعودون إلى ديارهم.
“في ذلك الوقت، ربّما شعر هوراس بأن لا أمل في العودة إلى الحصن.” ربّت فارس النار، تولجا، على سيف مغمود في سرجه. بدا كأنه يستعيد الماضي حين قال بابتسامة مرّة: “لقد اتّخذ قرارًا ما كان أحد ليتوقّعه.”
لا تُفكّر كثيرًا… هكذا شعر تاليس أنّه يقصد.
هزّ بيوتراي رأسه. وارتسمت الوحشة على وجهه.
ارتسمت ابتسامة مفعمة بالمعنى على وجه تولجا، وانطلق منه شخيرٌ قصير. “ذلك الجندي اختفى في ظلمة الليل وسط الفوضى. ومنذئذٍ، عُرف آراكا مورخ بين الناس باسم «غضب المملكة».”
رفع تاليس حاجبه. “هو—ماذا فعل هوراس؟”
“في ذلك الوقت، ربّما شعر هوراس بأن لا أمل في العودة إلى الحصن.” ربّت فارس النار، تولجا، على سيف مغمود في سرجه. بدا كأنه يستعيد الماضي حين قال بابتسامة مرّة: “لقد اتّخذ قرارًا ما كان أحد ليتوقّعه.”
“لم يخترق باتّجاه الحصن بعد الآن.” وضع تولجا على وجهه ابتسامة احترام. “تمامًا كما فعلت أنت، استدار هوراس واخترق الحصار في الاتجاه المعاكس، شمالًا بالكامل.”
رفع تاليس حاجبه وقال بدهشة خفيفة، “أأنت تقول…”
ومض خاطر في قلب تاليس. مثلنا؟
“لقد شاركت في تلك الحرب.” أومأ فارس النار. “لكن كما قلتُ قبل قليل، بفضل سيف الأمير هوراس أُصبتُ في بدايتها. وبحلول الوقت الذي عدتُ فيه إلى الميدان، كانت شهور قد مضت، ودخلنا المرحلة الأخيرة من الحرب. آنذاك، قادت سونيا ساسيري لواء ضوء النجوم، وجمعت تحت رايتها المقاتلين العاجزين والفرسان الملطّخين بالعار… ومن بينهم مورخ، وتوجهوا شمالًا ليخوضوا معنا بضع معارك.”
تذكّر تاليس ما قاله الرجل الذي كان يُعرف يومًا بغضب المملكة، له قبل أيام على ساحة القتال، قبل أن يخترقوا نحو راية لامبارد.
“بغضّ النظر عن دوافع آرشيدوق الرمال السوداء، سواء كانت نافعة لك أم لا… عليك أن تُجري حوارك المباشر مع الملك نوڤين، لا مع مستشارٍ يعمل تحت يد آرشيدوق الرمال السوداء.” هكذا قدّم بيوتراي تفسيره الهادئ والحصيف.
“منذ زمن طويل، قال لي أحد أفراد جيدستار حين كنّا مقيدين بلا مخرج… ’إن لم نقدر على التراجع، فلماذا لا نتقدّم بكل قوانا؟’”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005الخال!💎 100
إذن… ما قاله آراكّا كان…
“هنا، سأقدّم لك نصيحة واحدة يا صاحب السمو. اخفِ هذين العلمين… لا سيما العلم القومي للكوكبة—علم النجمتين المتصالبتين.” وسط كتيبة من جنود الشمال المتقدّمين، أمسك الفيكونت كينتفيدا باللجام وهو يمتطي جواده إلى جانب تاليس، رغم أنّ تاليس كان محاطًا بحراسة محكمة من كل الجهات. تجاهل كينتفيدا النظرات العابسة التي رمقه بها بيوتراي ووايا من الجانب، فيما كان يخاطب الأمير الثاني: “مع أننا نملك ألفي جندي شمالي مدرّبين تدريبًا عاليًا، وكثير منهم من جنود الخط الأول إلى جانب الآرشيدوق، فلا يزال من غير الحكمة أن نُعلِم كل من في هذا الطريق بأنّ وليّ عهد الكوكبة موجود هنا.”
“ليومٍ وليلة كاملة، فرّوا إلى هذا المكان. وكذلك طاردناهم، جيش إقليم الرمال السوداء، إلى هذا الموضع.” بدا على وجه تولجا تعبير مركّب. رفع يده وأشار إلى التلال المغطّاة بالثلج التي بدأت تلوح أمامهم. حوّل تاليس نظره نحوها.
رفع تاليس حاجبه وقال بدهشة خفيفة، “أأنت تقول…”
كانوا قد بلغوا نهاية السهول. جبال سوداء نصف مغطّاة بالثلج بدأت تظهر أمامهم.
تغيّرت ملامح كينتفيدا فجأة.
وبين الجبلين القصيرين، كان هناك مدخل ضيّق لا يتّسع إلا بعرض الطريق. تباطأ تقدّم قوّات إكستيدت حتى توقّف.
“وحين رأى آخرُ جنوده سقوطَ هوراس، انطفأت روح القتال في صدورهم. لكن حين ظننّا أنّ كل شيء سينتهي هنا، استطاع جنديّ بجانب هوراس أن ينتزع القوس الذي خلّفه تيريندي وسط الفوضى.” واصل تولجا حديثه بنبرة هادئة.
“لقد وصلنا.” قال الفيكونت كينتفيدا بهدوء. “هذا هو ممر رايمن.”
تولّى كينتفيدا مواصلة الحديث. “كانت مجازفة خطيرة.” ضحك بخفّة. “ومن الواضح أنّها كانت سوء تقدير من الكوكبة. خسر هوراس رهانه، ودفع ثمن قراره…”
…
“ليومٍ وليلة كاملة، فرّوا إلى هذا المكان. وكذلك طاردناهم، جيش إقليم الرمال السوداء، إلى هذا الموضع.” بدا على وجه تولجا تعبير مركّب. رفع يده وأشار إلى التلال المغطّاة بالثلج التي بدأت تلوح أمامهم. حوّل تاليس نظره نحوها.
رمق تاليس الحجارة الغريبة المتجمّعة أمامه، مغطّاة بالثلج، وهو يسأل تولجا بشعور غريب يتردّد في صدره: “أهذا هو ميدان معركة تلك السنة؟”
رمق تاليس الحجارة الغريبة المتجمّعة أمامه، مغطّاة بالثلج، وهو يسأل تولجا بشعور غريب يتردّد في صدره: “أهذا هو ميدان معركة تلك السنة؟”
“لقد ضيّقنا عليهم، وأحطنا بهم مرة أخرى بإحكام. تمركزت بقيّة قوّات هوراس قرب تلك الحجارة.” أومأ تولجا وقال بنظرة عميقة في عينيه: “أوقد الآرشيدوق السابق للرمال السوداء شعلةً، وقاد حرسه شخصيًا ليشنّوا الهجوم من كلّ الجهات. كما أمر حرسه بألّا يستخدموا الأقواس. لقد أراد مجد القبض على أمير من الكوكبة حيًّا.
مع أنّ جينيس وغيلبرت قد علّماه خلال شهر إقامته في قاعة مينديس معظم حِيَل ركوب الخيل، إلا أنّ تاليس لم يستطع يومًا الانسجام مع الخيول. سواء أكان المهر الصغير في القاعة، أم جوادُ النبلاء الشمالي الهادئ الذي استعاروه من الآرشيدوق لامبارد—المزوّد بسرجٍ مخصّص للأطفال—فقد كان من الواضح أن كلا الخيلين لا يريدان منه ركوبهما أو حتى الاقتراب منهما.
“أمّا هوراس، فثبت في موقعه تحت راية الحرب ذات النجمة التساعية، ممسكًا بسيفه شخصيًا وهو مرتدٍ درعه الأسود. ومهما سقط الرجال من حوله واحدًا بعد آخر تحت الفؤوس، لم يتراجع خطوة واحدة.”
…
“انقضّ أمهرُ المحاربين من الطرفين بعضهم على بعض وهم يزأرون غضبًا، ثم سقطوا واحدًا تلو الآخر بين الصخور. ورغم أنّ التفوّق العددي كان في صفّنا تلك الليلة، فقد أُصيب أربعة من خبرائنا من الفئة الفائقة، بل لقي أحدهم حتفه هنا.”
أدرك تاليس فجأة أنّ من غير اللائق مناقشة المسألة أمام إكستيدتي.
بدا فارس النار كأنّه يسترجع الماضي بندمٍ عميق وهو يروي تاريخ ذلك الميدان، بينما لاذ كينتفيدا بالصمت محدّقًا في تولجا وحاجباه معقودان.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“طعن سيفُ هوراس صدري بضربة واحدة. وقبل أن يتمكّن من توجيه الثانية، جُذبتُ إلى الخلف على يد أحد رجالي.” تنفّس تولجا تنهيدة ولمس صدره الأيمن.
ارتجف تاليس قليلًا. قطّب بيوتراي جبينه لكنه واصل: “كان ذلك أخ الدوق الحالي لإقليم أرض المنحدرات، التنّين أحادي العين، كوشدر نانشيستر، الأكبر سنًّا، رودولف نانشيستر. وبعد أن سقط حصن التنّين المحطّم، أُسر من قبل إكستيدت، وفي النهاية مات في السجن.”
عقد تاليس حاجبيه، أكان ذلك «سيف الضوء المعكوس»؟
سببٌ شخصي؟ تأدية إكرام؟
“تعلّم الأمير هوراس أسلوبه في السيف من برج الإبادة، كما امتلك خبرة الجيوش وساحات القتال. ولم يَكَد يشبهه في شجاعته في تاريخ أسرة جيدستار إلا «عدوّ الذئاب».” نطق بيوتراي ببطء، وعيناه تحملان نظرة عميقة وهو يرمق تلك الصخور الغريبة أمامه. من خلفهم، أطلقت آيدا شخيرًا خفيفًا ساخرًا.
تغيّرت ملامح كينتفيدا فجأة.
“تخلّى آرشيدوق الرمال السوداء العجوز عن مقصده. أدرك أنّ رغبته في أسر هوراس حيًّا لن تجلب سوى مزيدٍ من الخسائر لنا. وفي المعركة الأخيرة الضارية، قطع هوراس رأس «النار التي لا تنطفئ»، تيريندي، رغم أنّ جسده كان مثقوبًا بأكثر من عشر جراح. ثم اخترق السيف قلبه.” حرّك تولجا جواده إلى الأمام، يحدّق في صخرة يبلغ ارتفاعها نصف طول الرجل، كأنّه عاد إلى تلك الليلة منذ اثني عشر عامًا، حين تلمع السيوف وتتعانق ظلال النِصال تحت وطأة الحرب.
كان الصمت أفضل ما يلزم بسبب مكانته. وقد سمع مأساة العائلة المالكة خلال العام الدموي من غيلبرت. وفي حكايته، كان هوراس قد وقع في فخّ الإكستيدتيان.
“أُزهقت روحُ أميرٍ هنا.” هزّ كينتفيدا رأسه. “سيغدو هذا المكان غالبًا موقعًا أثريًا يؤمّه الزوّار في المستقبل.”
“إذن، يا لورد تولجا، لقد شهدتَ بنفسك الحرب بين المملكتين قبل اثني عشر عامًا؟ بما في ذلك يوم اختراق حصن التنين المحطم؟”
رمقه وايا بنظرة حادّة لا هوادة فيها.
أين سمعت هذا من قبل؟
“نعم”، قال بيوتراي بسخرية، “عليكم أن تُقيموا تمثالًا للأمير هوراس… لتُخلّدوا شجاعته وبأسه، ومهارته في الفتك بالعدو.”
مع أنّ جينيس وغيلبرت قد علّماه خلال شهر إقامته في قاعة مينديس معظم حِيَل ركوب الخيل، إلا أنّ تاليس لم يستطع يومًا الانسجام مع الخيول. سواء أكان المهر الصغير في القاعة، أم جوادُ النبلاء الشمالي الهادئ الذي استعاروه من الآرشيدوق لامبارد—المزوّد بسرجٍ مخصّص للأطفال—فقد كان من الواضح أن كلا الخيلين لا يريدان منه ركوبهما أو حتى الاقتراب منهما.
تنفّس تاليس بعمق، وأغمض عينيه، ثم انحنى انحناءة طويلة نحو الأرض التي تنتصب فيها تلك الصخور الغريبة. كانوا فوجًا آخر من التعساء الذين ابتلعتهم ساحات القتال.
وكأنّ تلك الموجة لم تكن مجرد شيءٍ يعتمد عليه عند الطوارئ، بل صار وجودها يغيّر جسده شيئًا فشيئًا… وهذا بالتحديد ما كان يقلق تاليس أشدّ القلق.
“وحين رأى آخرُ جنوده سقوطَ هوراس، انطفأت روح القتال في صدورهم. لكن حين ظننّا أنّ كل شيء سينتهي هنا، استطاع جنديّ بجانب هوراس أن ينتزع القوس الذي خلّفه تيريندي وسط الفوضى.” واصل تولجا حديثه بنبرة هادئة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تغيّرت ملامح كينتفيدا فجأة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رفع تاليس حاجبه وقال بدهشة خفيفة، “أأنت تقول…”
قبض بيوتراي على اللجام بشدّة. أصيب تاليس بصدمة عابرة.
وجّه تولجا نظره نحو الجنوب، وزفر طويلًا، “ذلك الجندي حمل جثمان هوراس، وأمسك القوس، وزمجر كالمحموم والسهام مغروزة في جسده، مغمورًا بالدماء من رأسه إلى قدميه. قاد آخر من تبقّى، واقتحم الطوق بقوة جنونية. ولسببٍ مجهول، عجزنا عن إيقافه. ظلّ يندفع حتى بلغ آرشيدوق الرمال السوداء العجوز، ثم…”
إذن… ما قاله آراكّا كان…
ارتسمت ابتسامة مفعمة بالمعنى على وجه تولجا، وانطلق منه شخيرٌ قصير. “ذلك الجندي اختفى في ظلمة الليل وسط الفوضى. ومنذئذٍ، عُرف آراكا مورخ بين الناس باسم «غضب المملكة».”
تذكّر تاليس ما قاله غيلبرت فاشتدّ عبوسه. “لم تكن هناك نجدة خلال تلك الساعات الثلاث…”
مرّر تولجا يده على سيفه، وانعكس في عينيه بريق توقٍ لا يخمد للقتال.
لا يعرف؟ ويحمله في قلبه؟
تنفّس تاليس ببطء ونظر نحو تجمّع الصخور من بعيد. لم يستطع أن يتخيّل أنّه قبل اثني عشر عامًا، سقط هنا عدد لا يُحصى من المحاربين ومعهم أميرٌ من الأمراء، وأنّ أسطورةً جديدة وُلدت يومها.
رفع تاليس حاجبه وقال بدهشة خفيفة، “أأنت تقول…”
لا… لا تزال هناك شكوك… التفت تاليس نحو تولجا.
رفع تاليس حاجبه وقال بدهشة خفيفة، “أأنت تقول…”
“إذن، يا لورد تولجا، لقد شهدتَ بنفسك الحرب بين المملكتين قبل اثني عشر عامًا؟ بما في ذلك يوم اختراق حصن التنين المحطم؟”
“ليومٍ وليلة كاملة، فرّوا إلى هذا المكان. وكذلك طاردناهم، جيش إقليم الرمال السوداء، إلى هذا الموضع.” بدا على وجه تولجا تعبير مركّب. رفع يده وأشار إلى التلال المغطّاة بالثلج التي بدأت تلوح أمامهم. حوّل تاليس نظره نحوها.
“لقد شاركت في تلك الحرب.” أومأ فارس النار. “لكن كما قلتُ قبل قليل، بفضل سيف الأمير هوراس أُصبتُ في بدايتها. وبحلول الوقت الذي عدتُ فيه إلى الميدان، كانت شهور قد مضت، ودخلنا المرحلة الأخيرة من الحرب. آنذاك، قادت سونيا ساسيري لواء ضوء النجوم، وجمعت تحت رايتها المقاتلين العاجزين والفرسان الملطّخين بالعار… ومن بينهم مورخ، وتوجهوا شمالًا ليخوضوا معنا بضع معارك.”
“حقًا؟” تمتم كينتفيدا بسخرية باردة. “حتى الإكستيدتيون شعروا بمرارة حين رأوا كيف ترك الحصن رجلاً يحتضر.”
“آه.” استوعب تاليس. “إذن قاتلتَ ضد زهرة الحصن من قبل؟”
“ممر رايمن يقع أمامنا مباشرة.” الفارس ذو الخوذة الرمادية الذي جاء من الأمام كان نخبة من الفئة الفائقة ممّن سبق لهم مواجهة آراكا في ساحة المعركة. فارس النار، تولجا، شدّ لجام حصانه بوقار وامتطى جانب تاليس في الاتجاه نفسه، وقال بجديّة: “هناك قرية يمكننا فيها أن نرتاح ونتناول الطعام. سنواصل رحلتنا بعد الظهيرة، وسندع الكشّافة يتقدّمون لإجراء تحرّيات خفيّة في الوقت نفسه. فبعد كلّ شيء، سنبلغ قريبًا نطاق سلطة آرشيدوق برج الإصلاح.”
“يجب أن أقول أنه كان حقًا واحدًا من “جنرالات الحرب الخمسة” في إكستيدت.”
إذن… ما قاله آراكّا كان…
“لا، لم تتح لي فرصة مواجهتها.” قطّب تولجا حاجبيه. “بسبب جرذٍ دنيء.”
“لا. ما زلت أتذكّر أنّه من بعد الظهيرة وحتى الليل، كان من في الحصن يشاهدون قوّات هوراس وهي تنهار واحدة بعد الأخرى في السهول…” قال تولجا بلامبالاة.
“جرذ دنيء؟” تملّك الذهول تاليس. “من يكون؟”
لم يكن تاليس في مزاج يسمح له بأن يلتفت إلى المناظر الثلجية على الجانبين، ولا إلى سلسلة الجبال المتوارية في البعيد، ولا خيوط الدخان المتناثرة هناك. أمّا سببُ إهماله لهذا المشهد المهيب الذي يرسمه الشمال بجباله المكسوّة بالثلج، فكان شطرًا بسبب تفكيره المستمرّ فيما قاله رامون قبل يومين، وشطرًا آخر بسبب الجواد الذي تحته.
“لا أعلم.” ضحك الفيكونت كينتفيدا. “خدعة من خدع الكوكبة الصغيرة… ظلّ تولجا يحملها في قلبه طوال هذه السنين.”
“لقد شاركت في تلك الحرب.” أومأ فارس النار. “لكن كما قلتُ قبل قليل، بفضل سيف الأمير هوراس أُصبتُ في بدايتها. وبحلول الوقت الذي عدتُ فيه إلى الميدان، كانت شهور قد مضت، ودخلنا المرحلة الأخيرة من الحرب. آنذاك، قادت سونيا ساسيري لواء ضوء النجوم، وجمعت تحت رايتها المقاتلين العاجزين والفرسان الملطّخين بالعار… ومن بينهم مورخ، وتوجهوا شمالًا ليخوضوا معنا بضع معارك.”
لا يعرف؟ ويحمله في قلبه؟
“كان قرارًا حسنًا، على الأقل ضرب مناطقكم الحسّاسة مباشرة.” تمتم بيوتراي ببرود وهو يردّ.
أطلق فارس النار من إكستيدت شخيرًا باردًا. “في الميدان، تنكّر أحد الأوغاد بزيّ رجالنا واختبأ خلف ظهري. وحين اخترقتُ خطوط العدو، وبدا أنّني على وشك إصابة قلب تشكيل لواء ضوء النجوم، باغتني ذلك اللئيم من الخلف… أُصبت إصابة خطيرة مرة أخرى، ولم أحظَ بفرصة مواجهة ساسيري أو مورخ وجهًا لوجه.”
تنكّر. طعنة من الخلف. قناع أرجواني. خنجر رمادي قصير. سرعة خارقة…
قطّب تولجا جبينه وقال بأسنان مشدودة، “لا أنسى إلى اليوم ذاك المُغتال الحقير وهو يتوارى فارًّا. كان يخفي وجهه خلف قناع أرجواني غريب، ويحمل خنجرًا رماديًا قصيرًا. يظهر ويختفي بلا أثر، سريعٌ على نحوٍ غير طبيعي.”
حدّق بيوتراي بكينتفيدا بعدم رضا، لكنه تنهد وأجاب: “كانت أراضي الشمال في أزمة آنذاك. أمر الملك السابق النبلاء المحيطين بالتقدّم للمساعدة، وجاءت أكبر التعزيزات من إقليم أرض المنحدرات… وهو أقرب دوقية للكوكبة إلى أراضي الشمال.”
أطلق تاليس “أوه” بنبرة غريبة وهو يحكّ رأسه.
تذكّر تاليس ما قاله غيلبرت فاشتدّ عبوسه. “لم تكن هناك نجدة خلال تلك الساعات الثلاث…”
تنكّر. طعنة من الخلف. قناع أرجواني. خنجر رمادي قصير. سرعة خارقة…
“نعم، لقد اعترضنا طريق هوراس عند عودته من غابة الصنوبر وأجبرناه على النزول إلى السهول.” تمتم الفيكونت كينتفيدا بازدراء. بدا كأنّ عدم الرضا يعتمر صدره. “تمامًا كما نمسك بالثعلب.”
أين سمعت هذا من قبل؟
مع أنّ جينيس وغيلبرت قد علّماه خلال شهر إقامته في قاعة مينديس معظم حِيَل ركوب الخيل، إلا أنّ تاليس لم يستطع يومًا الانسجام مع الخيول. سواء أكان المهر الصغير في القاعة، أم جوادُ النبلاء الشمالي الهادئ الذي استعاروه من الآرشيدوق لامبارد—المزوّد بسرجٍ مخصّص للأطفال—فقد كان من الواضح أن كلا الخيلين لا يريدان منه ركوبهما أو حتى الاقتراب منهما.
خلفه، أطلقت آيدا شخيرًا خفيفًا آخر.
“أهكذا كان الأمر؟” قطّب تاليس حاجبيه وهو يحدّق في برودة عيني تولجا. أومأ بصلابة وقال، “إنّها لفِعلة دنيئة حقًا!”
“أهكذا كان الأمر؟” قطّب تاليس حاجبيه وهو يحدّق في برودة عيني تولجا. أومأ بصلابة وقال، “إنّها لفِعلة دنيئة حقًا!”
كانوا قد بلغوا نهاية السهول. جبال سوداء نصف مغطّاة بالثلج بدأت تظهر أمامهم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(أجل. السرج… ألم يقل رامون إنّه اختراع لساحر؟ فهل السحر إذًا علم هذا العالم؟ وهل السحرة فئة من الناس تُكرّس حياتها لدراسة الحقيقة واستكشافها؟ إذًا ما حقيقة الطاقة الصوفية؟ وكيف اختفى السحر؟)
كان الصمت أفضل ما يلزم بسبب مكانته. وقد سمع مأساة العائلة المالكة خلال العام الدموي من غيلبرت. وفي حكايته، كان هوراس قد وقع في فخّ الإكستيدتيان.
