بقايا السحر
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لقد دخلنا حدود إكستيدت… وهذا لم يكن ضمن اتفاقنا!” حدّق رامون في تاليس بغضب.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“لا تقلقا.” ابتسم كينتفيدا قليلاً، وقد قرأ ما في نفسيهما. “أنتم الآن في إكستيدت، وأهل إكستيدت لا يتجسّسون عند الخيام.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
بدت الحيرة على كينتفيدا. “السوق السوداء؟”
Arisu-san
ثم حوّل بصره نحو أمير الكوكبة وطبيبه البعيدَين. “إنّ الأمير آمنٌ تماماً هنا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم يقل رامون شيئًا. اكتفى بتثبيت نظره على تاليس.
الفصل 109: بقايا السحر
ألقى تاليس نظرة على جنود إكستيدت حوله، ثمّ نظر إلى آيدا الجالسة بملل عند مدخل الخيمة، ثم إلى بيوتراي ووايا البعيدين قليلًا. وقال بخفوت: “إذن، هل السحر سرّ يقلق حتى النبي الأسود؟”
….
طَق!
الليل.
لأن رامون قد يمتلك شيئًا يحتاجه.
“ما زلتُ غير مطمئنّ لذلك الطبيب الغريب وهو مع سموّه.” بجانب موقد النار، كان وايا يحدّق نحو موقدٍ آخر على بُعد، بملامح متجهّمة. لم يكن حول ذلك الموقد سوى شخصين يجلسان بجواره؛ كبير وصغير.
“أنا الملك المستقبلي للكوكبة.” وحين تلفّظ بكلمة “الملك”، أحسّ تاليس باهتزازٍ طفيف في صوته.
كانت هذه هي الليلة الثالثة منذ وصولهم إلى معسكر لامبارد العسكري. قال رامون إنّه يريد فحص إصابة سموّه على انفراد، والغريب أنّ الأمير وافق.
رفع وايا حاجبيه إشارةً للاستماع.
“هو أمير. يفعل ما يشاء.” نفث بيوتراي دخان غليونه، فازدادت تعابير وايا امتعاضًا. “اهدأ. خوف رامون من سموّه ليس ادّعاءً.
كانت هذه كلمة لم يسمعها منذ جاء إلى هذا العالم، حتى تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر، الليلة التي غيّرت مصيره.
“ثم إنّ عدداً كبيراً من مراقبين إكستيدت يحرسون المكان. سلامة سموّه مضمونة.” رمق بيوتراي جنود إكستيدت المحيطين بهم، الواقفين منهم للحراسة أو المتجوّلين، وكلّهم يحملون ملامح غير ودّية. ثم رمق آيدا غير البعيدة، وقال ببطء، “وفوق ذلك، لو كان رامون حقًّا قاتلًا، فقد أُتيحت له فرص كثيرة ليقتل الأمير في ساحة المعركة… لا تنسَ، هو من أنقذه.”
أما وايا فكان مشوشاً إلى حدّ كبير.
ارتجف قلب وايا قليلًا وهو يتذكّر أحداث ساحة المعركة.
سأل التابع الشاب بقلق: “وبالمناسبة… ما الذي يحدث لسموّه؟ في ذلك الوقت، لم يكن يتنفس أصلًا…”
سأل التابع الشاب بقلق: “وبالمناسبة… ما الذي يحدث لسموّه؟ في ذلك الوقت، لم يكن يتنفس أصلًا…”
“الأمير ليس شخصًا يوافق على طلبات الآخرين ببساطة.” الأمير الثاني للكوكبة نظر إلى رامون باهتمام. “بما أنك تقدم طلبًا، فلنُبرم صفقة. أعطني شيئًا ذا قيمة مقابلها.”
تأمّله بيوتراي بعينين ضيّقتين.
“ليس قوة؟” ارتسمت الحيرة على وجه تاليس. “فما هو السحر إذن؟ لعنة؟ طاقة؟ معرفة؟ عنصر؟ مكوّن؟ ذهنية؟ قدرة نفسية فائقة؟ قوة تدميرية؟”
سأل النائب النحيل ساخرًا: “هل ظللت تفكّر في تلك الحادثة؟”
في حين تجمّدت ملامح كينتفيدا. حدّق إلى بيوتراي يقظاً. “أكنتَ تعلم؟”
“ليس ذلك فقط.” عقد وايا حاجبيه. استعاد تلك اللحظة بملامح جادّة، محاولًا التعبير عن الحيرة العالقة في صدره. “بنية سموّه الجسدية ممتازة… بل ممتازة إلى حدّ يتجاوز تصوّري. مهما كانت إصابته شديدة، يتعافى خلال أيام…”
“أنا الملك المستقبلي للكوكبة.” وحين تلفّظ بكلمة “الملك”، أحسّ تاليس باهتزازٍ طفيف في صوته.
(أليس هذا مريبًا أكثر؟)
ضيّق كينتفيدا عينيه. “إنّه أميرٌ مميّز، أليس كذلك؟”
“ثمّ تلك القدرة النفسية التي قال سموّه إنّه تعلّمها من النبي الأسود… لا يمكنني تجاهل هذا.” خفض وايا رأسه. وانساب بصره نحو السيف أحادي الحدّ في يده. “فهي في النهاية إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة. ورغم أن سموّه… في نهاية الأمر، يبقى طفلًا، وليس من الجيّد أن يختلط كثيرًا بتلك الإدارة.”
كان إيمانًا.
(إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة… همف.)
“لقد بدأوا يوجّهون أنظارهم إلى الأمير. فلا بدّ أنّ ذاك الصغير قال شيئاً غريباً في خيمة لامبارد قبل أيام.
رفع بيوتراي رأسه بارتباك، ونفث دخانًا نحو القمر المعلّق في السماء.
“من الأنماط المنتظمة لحركة الشمس، وأسرار أصل الحياة؛ إلى مواقف البشر ومبادئهم، وإلى تقدّم التاريخ وتطوّره… كلّ ذلك يقع ضمن نطاق السحر. السحر هو مجموع كل اكتسابٍ للمعرفة، وكل اكتشاف، وكل حقيقة. وتقدّم السحر سيقودنا إلى مستقبلٍ أكثر مجدًا.”
“أتعتقد أنّ إدارة استخبارات المملكة مخيفة؟” لم ينظر النائب إلى وايا.
تذكّر تاليس غيزا وضحك ساخرًا من نفسه.
عضّ وايا على شفتيه وأومأ.
كان وايا يحدّق في ألسنة النار المشتعلة حائراً.
سحب التابع الشاب نصلَه، وصوته حائر: “سمعتُ قصصًا كثيرة عن ذلك المكان. بعضها غريب، وبعضها عجيب، وبعضها بلا منطق، لكن لا يمكن إنكار أنّ غموض إدارة استخبارات المملكة وسمعة النبي الأسود أمران يثيران الرهبة.”
“ليس قوة؟” ارتسمت الحيرة على وجه تاليس. “فما هو السحر إذن؟ لعنة؟ طاقة؟ معرفة؟ عنصر؟ مكوّن؟ ذهنية؟ قدرة نفسية فائقة؟ قوة تدميرية؟”
ضحك بيوتراي بخفوت قائلاً بنبرة غامضة: “ظننتُ أنّك في مثل عمرك لن تسمع الكثير عن النبي الأسود. عليك أن تعرف أنّ مورات يسيطر على إدارة استخبارات المملكة منذ أكثر من ثلاثين عامًا. أظنّ أنّه كان يعمل فيها حتى قبل تتويج الشاب آيدي الثاني.”
لكن تاليس لم يفعل.
أثناء مسحه لسيفه، هزّ وايا كتفيه.
نظر وايا نحو بيوتراي بدهشة وارتباك.
“حين كنتُ أتدرّب في برج الأبادة، سمعت نكتة. حدث أمرٌ ما في كلٍّ من وكالات الاستخبارات الأربع الكبرى في العالم. الساحرة الحمراء هشّمت كوبًا. المعلّم الأبيض أحرق مصباح زيت. الملازم الأخضر ارتدى زيًّا حتى بلي. النبي الأسود نام فوق وسادة حتى تمزّقت… خمن أيّ حادثة كانت أشدّها عواقبًا؟”
(سحر.)
استنشق بيوتراي نفسًا من دخان غليونه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مائلة. “وربما هناك حادثة أخرى: حارس السيف الرمادي أهلك غمد سيفه.”
سأل التابع الشاب بقلق: “وبالمناسبة… ما الذي يحدث لسموّه؟ في ذلك الوقت، لم يكن يتنفس أصلًا…”
قهقه وايا وبيوتراي في اللحظة نفسها.
حدّق رامون في تاليس بصمت. كان في نظره مزيجٌ متناقض وغريب من الاحترام، والافتتان، والغرور، والتواضع، والانبهار.
“المعلّم الكبير شاو ليس كما تصفه الشائعات من قسوة ورهبة. هو فقط، بصفته سيّد برج الابادة، أكثر اتزانًا وحيطة.” علت وجه وايا نظرة توق، فأومأ قائلاً: “وفوق ذلك، لا شيء فيه رماديّ سوى شعره ولحيته.”
“أنا الملك المستقبلي للكوكبة.” وحين تلفّظ بكلمة “الملك”، أحسّ تاليس باهتزازٍ طفيف في صوته.
بعدما هدأت الدعابة، تكلّم بيوتراي ببطء وبجدّية: “وايا، كخادم، من الجيّد أن تقلق على الأمير الذي تخدمه. لكن…”
التفت بيوتراي وضحك: “ها! إنّ أتباع الساحرة الحمراء يُقدّرونني أكثر مما ينبغي!”
حدّق في وايا كاسو بعينين ثابتتين. “أتريد نصيحة؟”
أكاذيب؟
رفع وايا حاجبيه إشارةً للاستماع.
نظر تاليس إلى الطبيب الغريب ذو الأنف الكبير. كان الأخير يحدّق فيه على ضوء النار.
“كلّ أمير من عائلة جيدستار يشبه إدارة استخبارات المملكة.” قال بيوتراي بنظرة عميقة. “كلّهم يحملون أسرارًا كثيرة. يكفيك أن تهتم فقط بما يلزمك معرفته.”
السحر كان معنى.
عقد وايا حاجبيه.
حدّق رامون في تاليس بصمت. كان في نظره مزيجٌ متناقض وغريب من الاحترام، والافتتان، والغرور، والتواضع، والانبهار.
“لا تُثقِل حياتك بما يفوق طاقتك.” تنفّس بيوتراي بحزن. “عليك أن تعرف أنّ حياة الأمراء أنفسهم شاقة بما يكفي.”
(هاتان العصابتان تحملان علامات استفهام كثيرة. وإحداهما أمامي الآن.)
(خصوصًا… لأنهم من عائلة جيدستار.)
“كلنا نعلم أن هذا كذب!” رامون ضحك بغيظ. “لا أعلم ما الذي فعلتَه، لكن معظم أعضائك كانت قد انهارت في ذلك اليوم. ومهما كانت قوة جسدك، لما كان ذلك ليُجدي نفعًا… حتى أقوى الجياد لا تستطيع جرّ عربة بلا عجلات. أنا من فعل كل ما بوسعي لأحفّز ما تبقّى من طاقتك الحيوية…”
فكر بيوتراي في صمت.
“لقد قاطعتَ بالفعل.” رمقه وايا بنظرة غير ودّية ونقر طرف سيفه، فصدر عنها خشخشة باردة.
وظهرت في ذهنه تلك الصورة القديمة.
“يؤمنون بأنّ كل شيء في هذا العالم ذو معنى. وكل شيء قابل للتحليل، ويجب أن يُدرَك. وفي عملية هذا الإدراك، يستطيع الإنسان أن يصبح أكمل، وأقوى، وأن يسمو بذاته، ويقترب من الحقيقة.”
كان وايا يحدّق في ألسنة النار المشتعلة حائراً.
حدّق رامون في تاليس، وفي عينيه نظرة غريبة. “مع أنك طفل، لا تبدو مكترثًا بصحتي كثيرًا.”
قلَب وايا سلاحه بين يديه وقال بخفوت: “سير بيوتراي، ما زلتُ أذكر كلماتك في ذلك اليوم في غابة شجر البتولا. هل كنتَ أنت أيضاً مرافقاً؟”
وسأل المرافق الشاب بخفوت: “حتى لو كانت تلك الأسس قاسية أحياناً؟”
توقّف غليون بيوتراي عن إطلاق الدخان.
“ليلة سعيدة، لضيفَيَّ الموقّرَين من الكوكبة.” وبملابس سميكة تخصّ أهل الشمال، تقدم مرؤوس أرشيدوق الرمال السوداء ومستشاره الأكثر ثقة، الفيكونت كينتفيدا.
انتزع النائب الدبلوماسي طرف التبغ من فمه ونظر إلى وايا.
أصيب تاليس بالذهول الكامل. وفي تلك اللحظة، تردّدت في ذهنه كلمات أسدا.
رفع الأخير بصره وسأل بتعبيرٍ محايد: “إذًا… أيَّ أمير كنتَ تخدم؟”
كانت هذه هي الليلة الثالثة منذ وصولهم إلى معسكر لامبارد العسكري. قال رامون إنّه يريد فحص إصابة سموّه على انفراد، والغريب أنّ الأمير وافق.
تجمّد نظر بيوتراي، الذي كان مركّزاً على النار، لوهلة.
“أهل إكستيدت لا يودّون ترك أي شخص يرتبط بمجموعة دبلوماسيين الكوكبة يغادر.” تناول تاليس غصن شجرة وحرّك به ألسنة النار، مشيراً إلى جنود إكستيدت من حولهم. ثم تنفّس وقال: “ليس لي سوى أنني أمير من الكوكبة بلا حق ولا سلطة. ماذا بوسعي أن أفعل؟”
وبعد ثوانٍ قليلة، تكلّم ببطء: “تمامًا مثل… والدك.”
“وبالطبع، طوّروا أيضًا قواهم الخاصة. فقد نبشوا حقيقة المواد، وتقصّوا حقيقة الوعي، وأثاروا طاقة الطبيعة لاستخدامها، وحوّلوا موارد العالم لخدمة البشر. وما أحمله بين يدي ليس إلا جزءًا صغيرًا وحقيرًا من كل ذلك.”
“غير أنّني كنتُ أكثر خبرة، وغادرتُ جانب الأمير مبكراً.”
حدّق رامون في تاليس مذهولًا.
حدّق وايا فيه مباشرة. وتوقّفت يده، التي كانت تمسح سلاحه بلا وعي، عن الحركة.
(هاتان العصابتان ليستا بسيطتين كما تبدوان.)
“هكذا إذن؟ مرافق…” كان تعبير المرافق الشاب معقّداً، ونظره عميقاً. “فهل لك عائلة؟”
كان إيمانًا.
استدار بيوتراي وحدّق في وايا بنظرةٍ غائرة.
نهض كينتفيدا وأطلق ابتسامة. “وأمر آخر، يا لورد بيوتراي نيماين، يا فيكونت الكوكبة السابق: إنّ ذلك القرار بالاندفاع في الاتجاه المعاكس على ساحة المعركة كان جريئاً وحاسماً.”
“سخيف.” قالها في نفسه بصمت.
استعاد تاليس ما تعلّمه من غيلبرت في قاعة مينديس.
“إنّ “الثعلب الماكر” الشهير في الكوكبة، الرجل الذي لعب دوراً محورياً ووقّع على ’معاهدة الحصن‘، عاجز حتى عن تدبير شؤون عائلته على نحوٍ سوي.”
“أحياناً، لا بدّ أن تختار مهما كان الاختيار عسيراً.”
غير أنّ بصره خبا فجأة.
بعدما هدأت الدعابة، تكلّم بيوتراي ببطء وبجدّية: “وايا، كخادم، من الجيّد أن تقلق على الأمير الذي تخدمه. لكن…”
“وأنا لستُ أفضل بكثير.”
منذ أُحضِر إلى قاعة مينديس، لم تكن لديه في الحقيقة فرصةٌ كبيرة لقراءة التاريخ.
“اسمع يا وايا.” مسح نائب الدبلوماسي غليونه الذي كان يبرد ببطء، وقد غلب على نبرته وقارٌ أثقل من المعتاد.
(الأمر غريب للغاية.)
“غيلبرت كان مرافقاً كفؤاً ومتميّزاً. منضبطاً دقيقاً، وفيّاً لمبادئه، رفيع الطموح من البداية حتى النهاية. له أسسه الخاصة.”
ابتسم تاليس.
قبض وايا ببطء على طرف سيفه بإحكام.
بعدما هدأت الدعابة، تكلّم بيوتراي ببطء وبجدّية: “وايا، كخادم، من الجيّد أن تقلق على الأمير الذي تخدمه. لكن…”
وسأل المرافق الشاب بخفوت: “حتى لو كانت تلك الأسس قاسية أحياناً؟”
“على سبيل المثال، أصل تلك القوى التي تملكها. أراها مثيرة للاهتمام.” تاليس تظاهر بعدم المبالاة وتمدد قليلًا. “وبالمقابل، سأبذل جهدي للتفاوض معهم… على الأقل ستتمكن من استعمال غراب رسول للتواصل مع رفاقك في الأخوية. وربما تحصل على فوائد أخرى…”
“قاسية؟” ضحك بيوتراي ضحكة قصيرة.
احمرّ وجه تاليس.
“أحياناً، لا بدّ أن تختار مهما كان الاختيار عسيراً.”
قطّب وايا حاجبيه. لم يفهم حديث الرجلين تماماً.
وقبل أن يتمكّن وايا من الرد، قطع حديثهما صوتٌ كريه من العدم.
ألقى تاليس نظرة على جنود إكستيدت حوله، ثمّ نظر إلى آيدا الجالسة بملل عند مدخل الخيمة، ثم إلى بيوتراي ووايا البعيدين قليلًا. وقال بخفوت: “إذن، هل السحر سرّ يقلق حتى النبي الأسود؟”
“ليلة سعيدة، لضيفَيَّ الموقّرَين من الكوكبة.” وبملابس سميكة تخصّ أهل الشمال، تقدم مرؤوس أرشيدوق الرمال السوداء ومستشاره الأكثر ثقة، الفيكونت كينتفيدا.
ازدادت حيرة تاليس، وهو يحاول جاهدًا أن يفهم كلمات رامون التي بدت قريبة من الجنون.
“آمل ألا أكون قد قطعت عليكما حديثكما!”
كان تاليس يعلم الإجابة.
وبابتسامة، جلس كينتفيدا قبالة بيوتراي، ذي النظرة المتفكّرة، ووايا، ذي القسمات الضيّقة.
ولم يدرك حتى أنّ غصن الشجرة في يده كان يحترق.
“لقد قاطعتَ بالفعل.” رمقه وايا بنظرة غير ودّية ونقر طرف سيفه، فصدر عنها خشخشة باردة.
غير أنّ بصره خبا فجأة.
“جيد جداً. هذا يعني أنّني قد نلتُ كامل انتباهكما.” نزع كينتفيدا قفّازيه بلا مبالاة وقرّبهما من النار للتدفئة. “لِم لستما في الخيام؟ الطقس هنا في الشمال قارس.”
“الأمير ليس شخصًا يوافق على طلبات الآخرين ببساطة.” الأمير الثاني للكوكبة نظر إلى رامون باهتمام. “بما أنك تقدم طلبًا، فلنُبرم صفقة. أعطني شيئًا ذا قيمة مقابلها.”
“نحن نحبّ الخلاء والفضاء الرحب.” أفرغ بيوتراي رماد غليونه وأجاب ببرود، ووميض النار يتراقص على وجهه. “منظر باهر، وإطلالة حسنة.”
وبعد وقت، تكلّم رامون بصعوبة:
“لا تقلقا.” ابتسم كينتفيدا قليلاً، وقد قرأ ما في نفسيهما. “أنتم الآن في إكستيدت، وأهل إكستيدت لا يتجسّسون عند الخيام.”
لقد أدرك لبّ المسألة.
ثم حوّل بصره نحو أمير الكوكبة وطبيبه البعيدَين. “إنّ الأمير آمنٌ تماماً هنا.”
“وكذلك، اندفعوا إلى الأمام بلا كلل في ساحات القتال المضرّجة بالدم والنار. سعوا إلى تطوير المهارات القاتلة بأقصى طاقتهم، فيما كانوا يُحسّنون تقنيات العلاج أيضًا.”
ضيّق كينتفيدا عينيه. “إنّه أميرٌ مميّز، أليس كذلك؟”
“أنت لم تُنقذ حياتي!” تاليس عقد حاجبيه. “تذكّر، لقد كنتُ منهكًا فحسب، وفي ساحة القتال، كل ما فعلتَه هو—”
“وإلّا، لما أثنى عليه الآرشيدوق بتلك الصورة.”
احمرّ وجه تاليس.
أطلق وايا شماتةً قصيرة.
تغيّرت ملامح كينتفيدا قليلاً.
وتقلّصت ملامح بيوتراي.
تنفّس تاليس ببطء.
“لقد بدأوا يوجّهون أنظارهم إلى الأمير. فلا بدّ أنّ ذاك الصغير قال شيئاً غريباً في خيمة لامبارد قبل أيام.
“ها! يا صاحب السمو، هل تعتقد حقًا ذلك؟” التفت رامون وأظهر ابتسامة ساخرة.
وهذا… ليس علامةً حسنة.”
(ما الذي يعنيه؟ هل هذه معرفة لا ينبغي لي الاطلاع عليها؟)
أخرج نائب الدبلوماسي كيس تبغه وأخذ قبضة منه وقال بخفوت: “يبدو أنّ علينا الرحيل غداً.”
تغيّرت ملامح كينتفيدا قليلاً.
ارتفع حاجبا وايا.
“اسمع يا وايا.” مسح نائب الدبلوماسي غليونه الذي كان يبرد ببطء، وقد غلب على نبرته وقارٌ أثقل من المعتاد.
في حين تجمّدت ملامح كينتفيدا. حدّق إلى بيوتراي يقظاً. “أكنتَ تعلم؟”
أكاذيب؟
تناول بيوتراي غصناً مشتعلاً من النار وأعاد إشعال غليونه بلا اكتراث. “الأمر مكتوب على محيّاك. ثم إنّ أولئك المُراقِبين يتردّدون طوال الليل… أليس هذا سبب قدومك؟”
(ما الذي يعنيه؟ هل هذه معرفة لا ينبغي لي الاطلاع عليها؟)
“لتنقل لنا رغبة سيّدك؟”
(رامون نفسه طبيب يحمل أسرارًا. يتنقّل بين المملكتين، وهو في قلب الصراع بين عصابة قوارير الدم والأخوية…)
ساد الصمت.
أطلق وايا شماتةً قصيرة.
حدّق كينتفيدا بعمق في بيوتراي، كمن يعيد تأمّل الرجل من جديد.
“وكذلك، اندفعوا إلى الأمام بلا كلل في ساحات القتال المضرّجة بالدم والنار. سعوا إلى تطوير المهارات القاتلة بأقصى طاقتهم، فيما كانوا يُحسّنون تقنيات العلاج أيضًا.”
“نعم.” قال فيكونت إقليم الرمال السوداء بثبات. “سنرحل غداً. فارس النار، اللورد تولجا، ومعه جيش من ألفَي جندي بقيادتي، ومن ضمنهم خمسمئة فارس، سنواكب سموّه مباشرةً إلى مدينة سُحب التنين. ولن نتوقّف في أي قلعة لسيد أو نبيل، بل سنكتفي بالمبيت في العراء.”
………
قهقه بيوتراي وقال: “ألفا جندي، وتجنبٌ للقلع جميعها؟ أهو حرصٌ على ألّا يجد أحد فرصة للتآمر ضدكم؟ إنني حقاً أشفق على سيّدكم… يبدو أنّ لامبارد قد ضُيّق عليه، ولا يعرف بعدُ من هم أصحاب اليد الخفية الذين يدبّرون له.”
قال تاليس ببطء: “ليست جيّدة جدًا، لكنني أعلم أنّه خلال القتال ضد الأُورك، أيقظ البشر قواهم الخارقة، والتي تُعرف اليوم بقوة الإبادة. الدفعة الأولى من الفرسان—”
تغيّرت ملامح كينتفيدا قليلاً.
“لتنقل لنا رغبة سيّدك؟”
وبين شهيق وزفير دخان التبغ، سأله بيوتراي بصوت رخيم: “لقد ظننتُ أنّ من تقاليد الشمال المجيدة التمسّك بالقول والولاء الثابت. لكن انظر إلى هذا المخيم الآن. كل زاوية تفوح برائحة المؤامرات والمكائد. أفيه أحدٌ ما يزال يمكنكم الوثوق به؟”
ازدادت حيرة تاليس، وهو يحاول جاهدًا أن يفهم كلمات رامون التي بدت قريبة من الجنون.
تصلّبت ملامح كينتفيدا تدريجياً.
حدّق تاليس في رامون بشرود.
“أتدري ماذا يُسمّى هذا؟” نفث بيوتراي ضحكةً قصيرة. “إن أساء القائد، تبعه جنوده… سواء كان ذلك الملك نوڤين، أو سيّدك.”
رفع الأخير بصره وسأل بتعبيرٍ محايد: “إذًا… أيَّ أمير كنتَ تخدم؟”
أخذ كينتفيدا قبضة من الثلج عن الأرض، يعجنها بلطف في كفّه، يرقبها وهي تنزلق من بين أصابعه وتهوي إلى الأرض.
“هكذا إذن؟ مرافق…” كان تعبير المرافق الشاب معقّداً، ونظره عميقاً. “فهل لك عائلة؟”
قال الفيكونت بصوتٍ بارد: “لا تُفرِطوا في انتقاد شؤون الشمال الداخلية، يا مواطني الإمبراطورية. فعلى أرض إقليم الرمال السوداء، لن تقع حوادث بعد الآن.”
لم يقل رامون شيئًا. اكتفى بتثبيت نظره على تاليس.
أعاد وايا سيفه إلى غمده. شعر بأنّ في الأجواء شيئاً غير مريح.
“ثم إنّ عدداً كبيراً من مراقبين إكستيدت يحرسون المكان. سلامة سموّه مضمونة.” رمق بيوتراي جنود إكستيدت المحيطين بهم، الواقفين منهم للحراسة أو المتجوّلين، وكلّهم يحملون ملامح غير ودّية. ثم رمق آيدا غير البعيدة، وقال ببطء، “وفوق ذلك، لو كان رامون حقًّا قاتلًا، فقد أُتيحت له فرص كثيرة ليقتل الأمير في ساحة المعركة… لا تنسَ، هو من أنقذه.”
“حادث؟ لعلّ ضابطَ تدريب وحدة البنادق الصوفية له رأي مختلف.” وضع بيوتراي غليونه جانباً وضحك. “دعني أقدّم لك نصيحة، أيها الفيكونت الغافل.”
“ثم إنّ عدداً كبيراً من مراقبين إكستيدت يحرسون المكان. سلامة سموّه مضمونة.” رمق بيوتراي جنود إكستيدت المحيطين بهم، الواقفين منهم للحراسة أو المتجوّلين، وكلّهم يحملون ملامح غير ودّية. ثم رمق آيدا غير البعيدة، وقال ببطء، “وفوق ذلك، لو كان رامون حقًّا قاتلًا، فقد أُتيحت له فرص كثيرة ليقتل الأمير في ساحة المعركة… لا تنسَ، هو من أنقذه.”
ارتعشت عينا كينتفيدا. “وما الذي تعرفه أنت؟”
“جيّد جدًا، جيّد جدًا. أن أشرح السحر لوليّ عهد الكوكبة، لوريث الإمبراطورية…” ارتسمت ابتسامة غريبة على وجه رامون. هزّ رأسه، وأغمض عينيه وقال: “ليست صفقة سيّئة، ويمكنني أن أجد فيها متعةً وافرة.”
“لا تحققوا بعد الآن في علاقة ذلك الضابط، هاديل، مع الآرشيدوقات أو اصحاب السيادة. فذلك جهدٌ ضائع.”
احمرّ وجه تاليس.
عبس بيوتراي وتأكد من حرارة غليونه، غير متيقّن من أنّه ما يزال يشتعل جيداً. “لم لا تنظرون في خطّه التجاري المنحدر؟ بدءاً بتلك البنادق الصوفية المبلَّغ عنها باعتبارها غير صالحة للاستخدام، ثم ظهرت في السوق السوداء…”
“في زمنٍ بعيد، لم يكن هناك سوى السحر، ولم تكن الطاقة الصوفية قد وُجدت بعد.”
بدت الحيرة على كينتفيدا. “السوق السوداء؟”
“تلك الكتب التاريخية كلها تذكر هذه الأشياء، أليس كذلك؟ أنّ الفرسان وقوى الإبادة جلبوا نهوض البشرية، وأنّ سيوف المحاربين وصهيل خيول الحرب حرّرونا من قمع الأُورك القدماء وتهديدهم؟” سأل رامون بنبرة ذات مغزى.
“آه، يا شماليّاً يزدري البنادق الصوفية.” سخر بيوتراي. “فمقارنةً بشرائها مباشرة من الدولة السيادية، فإنّ التدريب المطلوب لاستخدامها هو الجزء الأعظم كلفة. ثم إنّ العلاقة بين سلامة النوى وحداثة الأجزاء تتناسب عكسياً مع براعة الجنود الذين يشغّلونها.”
قال الفيكونت بصوتٍ بارد: “لا تُفرِطوا في انتقاد شؤون الشمال الداخلية، يا مواطني الإمبراطورية. فعلى أرض إقليم الرمال السوداء، لن تقع حوادث بعد الآن.”
ظهر كينتفيدا وكأنّه يغوص في تفكير عميق.
غير أنّ رامون قاطعه.
أما وايا فكان مشوشاً إلى حدّ كبير.
أخرج نائب الدبلوماسي كيس تبغه وأخذ قبضة منه وقال بخفوت: “يبدو أنّ علينا الرحيل غداً.”
“إن وحدة البنادق الصوفية التابعة لآرشيدوق الرمال السوداء ماهرة للغاية، وقد كان تصويبهم أثناء الضربة دقيقاً أيضاً.” رمق بيوتراي كينتفيدا ونقر أنبوب غليونه المعدني. “وفق خبرتي، ما لم يكن الآرشيدوق لامبارد مستعداً لاقتطاع نصف فرسانه وفرسانه المدرّعين، ورصد مبالغ طائلة شهرياً لتدريب وحدة البنادق الصوفية، لَما كان في مقدوره إنتاج وحدة كهذه في ثلاث سنوات.”
(في الواقع، كلام رامون ليس بلا معنى.)
غرق كينتفيدا في أفكاره. “عليه أن يجد مصادر اقتصادية كافية حتى يتمكّن من الإبقاء على تلك الوحدة عبر مَنحها تدريباً وافراً. وبهذا، يمكن أن تكون ذات نفعٍ في اللحظات الحاسمة…”
هزّ بيوتراي كتفيه وأعاد إشعال غليونه. “أضمن لك أنّ الرجل الذي يتواصل معه في السوق السوداء يعرفه أكثر بكثير من أولئك الجنود اللامبالين.”
لحس بيوتراي بعض التبغ وسخر قائلاً: “لحسن الحظ أنّ ثلاث سنوات فقط قد مضت، وأن ثمّة ضابط تدريبٍ واحد لا غير. وبعد هذه السنوات الثلاث، سيصبح أولئك الرماة قادرين على تنفيذ أوامرٍ من قبيل: “استديروا وأطلقوا النار على الآرشيدوق” بدقّة لا لبس فيها.”
“كلنا نعلم أن هذا كذب!” رامون ضحك بغيظ. “لا أعلم ما الذي فعلتَه، لكن معظم أعضائك كانت قد انهارت في ذلك اليوم. ومهما كانت قوة جسدك، لما كان ذلك ليُجدي نفعًا… حتى أقوى الجياد لا تستطيع جرّ عربة بلا عجلات. أنا من فعل كل ما بوسعي لأحفّز ما تبقّى من طاقتك الحيوية…”
لم يُعر كينتفيدا سخرية بيوتراي اهتماماً. واسترسل، ينطق كل كلمة بوضوح: “إذن، فلا بدّ أنه وجد صلاتٍ في السوق السوداء. حصل على المال والقطع الاحتياطية وزيت أبدي، بل ورشَا ضباطَ المشتريات الذين يسافرون إلى الدولة السيادية لشراء النوى. وفي مقابل ذلك، يزوّدهم ببنادق صوفية كان ينبغي إتلافها بموجب الاتفاق.”
قبض وايا ببطء على طرف سيفه بإحكام.
هزّ بيوتراي كتفيه وأعاد إشعال غليونه. “أضمن لك أنّ الرجل الذي يتواصل معه في السوق السوداء يعرفه أكثر بكثير من أولئك الجنود اللامبالين.”
(ما الذي يعنيه؟ هل هذه معرفة لا ينبغي لي الاطلاع عليها؟)
زفر كينتفيدا وسأل مباشرة: “ولِم لا يكون المموّل–صاحبُ المؤامرة–هو نفسه مَن يمنحه الدعم المالي مباشرة؟”
ولم يدرك حتى أنّ غصن الشجرة في يده كان يحترق.
سأله بيوتراي باحتقار: “لو كان الأمر كذلك، لعثرتُم منذ وقت مبكر على أثرٍ لتواصله مع قوى أخرى. أكان سيطول الأمر إلى الآن؟”
قهقه رامون حتى بدأ تاليس يقطّب حاجبيه بضيق.
احمرّ وجه كينتفيدا. فقد كان قلقًا للغاية بشأن هذه المسألة خلال الأيام القليلة الماضية، لدرجة أن إدراكه الأساسي قد تأثر.
“حادث؟ لعلّ ضابطَ تدريب وحدة البنادق الصوفية له رأي مختلف.” وضع بيوتراي غليونه جانباً وضحك. “دعني أقدّم لك نصيحة، أيها الفيكونت الغافل.”
قطّب وايا حاجبيه. لم يفهم حديث الرجلين تماماً.
عقد تاليس حاجبيه.
سكن المكان.
“السحر هو معنى، وموقف، وإيمان، ومبدأ حياة.” رفع الطبيب الغريب بصره نحو السماء، كأنّها الموضع الذي ينتمي إليه، ويحمل أحلامه.
وحين أدرك شيئاً، قال الفيكونت كينتفيدا ببطء: “يا لورد بيوتراي، لقد زوّدتنا ’الغرفة السرية‘ يوماً بمعلومات عنك. وها أنا أبدأ أُصدّق ما قالوه.”
(خصوصًا… لأنهم من عائلة جيدستار.)
“أوه؟ هذا شرف.” استنشق بيوتراي نفساً من تبغه وبدت على وجهه سَكْرة. “وماذا قالت الغرفة السرية عني؟”
(مع أنّ عصابة قوارير الدم كثيرًا ما تقوم بالأعمال القذرة بالنيابة عن بعض النبلاء ذوي النفوذ، فإن تهديد الصوفيين لا يمكن تجاهله، أليس كذلك؟)
“ليس لديهم إلا معلوماتك قبل مغادرتك القصر. لكنها بحدّ ذاتها شيّقة.” وقد انعكس اهتمام بالغ في نظرة كينتفيدا.
(أليس هذا مريبًا أكثر؟)
“بيوتراي نيماين، المُتآمر داخل أسوار القصر، المخطِّط الهادئ الرصين.”
عبس بيوتراي وتأكد من حرارة غليونه، غير متيقّن من أنّه ما يزال يشتعل جيداً. “لم لا تنظرون في خطّه التجاري المنحدر؟ بدءاً بتلك البنادق الصوفية المبلَّغ عنها باعتبارها غير صالحة للاستخدام، ثم ظهرت في السوق السوداء…”
نظر وايا نحو بيوتراي بدهشة وارتباك.
تاليس بحاجة إلى استنفاد كل الوسائل لمعرفة كل ما يتعلّق به.
“هذا الرجل…”
تذكّر تاليس غيزا وضحك ساخرًا من نفسه.
التفت بيوتراي وضحك: “ها! إنّ أتباع الساحرة الحمراء يُقدّرونني أكثر مما ينبغي!”
“السحر هو معنى، وموقف، وإيمان، ومبدأ حياة.” رفع الطبيب الغريب بصره نحو السماء، كأنّها الموضع الذي ينتمي إليه، ويحمل أحلامه.
كانت ملامح كينتفيدا شاردة التفكير. “لا، بل على العكس، أرى أنه آن لهم أن يحدّثوا معلوماتهم.”
“في زمنٍ بعيد، لم يكن هناك سوى السحر، ولم تكن الطاقة الصوفية قد وُجدت بعد.”
ارْتسمت على شفتي الفيكونت ابتسامة صغيرة وهو يعيد ارتداء قفّازيه. “قد يكون أهل القصر بارعين في تمييز أنماط الكلام والسلوك، وفي تدبير الخطط شتى، لكنّ بعض الحكمة لا تُكتسب إلا بالخبرة.”
“وكذلك، اندفعوا إلى الأمام بلا كلل في ساحات القتال المضرّجة بالدم والنار. سعوا إلى تطوير المهارات القاتلة بأقصى طاقتهم، فيما كانوا يُحسّنون تقنيات العلاج أيضًا.”
أصدر بيوتراي صوتاً غريباً عبر أنفه وزفر دخاناً في الوقت ذاته.
تذكّر تاليس غيزا وضحك ساخرًا من نفسه.
نهض كينتفيدا وأطلق ابتسامة. “وأمر آخر، يا لورد بيوتراي نيماين، يا فيكونت الكوكبة السابق: إنّ ذلك القرار بالاندفاع في الاتجاه المعاكس على ساحة المعركة كان جريئاً وحاسماً.”
قال الأمير الثاني: “أنا أمير، وهو تابع أبي. يوافق أحيانًا على طلباتي. هذا كل شيء… لكنه لا يخبرني بالكثير.”
“جيّد جداً.”
“إذًا جهلُك لا يقتصر على السحر فقط.” وبحيويةٍ متدفّقة، حدّق الطبيب الغريب في تاليس. “ألا تعرف حتى تاريخ السحرة وأبراج السحر؟”
رمق بيوتراي تاليس ورامون من بعيد بنظرة عميقة.
“لتنقل لنا رغبة سيّدك؟”
“إنهم يحبّونني أكثر منك الآن.”
ظهرت فكرة في رأس تاليس.
………
ابتسم تاليس.
“لقد دخلنا حدود إكستيدت… وهذا لم يكن ضمن اتفاقنا!” حدّق رامون في تاليس بغضب.
“السحر…” رفع رامون يديه وبسطهما ببطء، كالمُريد الذي يناجي التجسُدات. كان الارتعاش يهزّه من شدّة الانفعال.
“أهل إكستيدت لا يودّون ترك أي شخص يرتبط بمجموعة دبلوماسيين الكوكبة يغادر.” تناول تاليس غصن شجرة وحرّك به ألسنة النار، مشيراً إلى جنود إكستيدت من حولهم. ثم تنفّس وقال: “ليس لي سوى أنني أمير من الكوكبة بلا حق ولا سلطة. ماذا بوسعي أن أفعل؟”
“لا يمكنك أن تكون هكذا.” رامون عضّ على أسنانه. “لقد أنقذتُ حياتك. أسرع وابحث عن طريقة تُخرجني من هذا المكان!”
“يؤمنون بأنّ كل شيء في هذا العالم ذو معنى. وكل شيء قابل للتحليل، ويجب أن يُدرَك. وفي عملية هذا الإدراك، يستطيع الإنسان أن يصبح أكمل، وأقوى، وأن يسمو بذاته، ويقترب من الحقيقة.”
“أنت لم تُنقذ حياتي!” تاليس عقد حاجبيه. “تذكّر، لقد كنتُ منهكًا فحسب، وفي ساحة القتال، كل ما فعلتَه هو—”
“المعلّم الكبير شاو ليس كما تصفه الشائعات من قسوة ورهبة. هو فقط، بصفته سيّد برج الابادة، أكثر اتزانًا وحيطة.” علت وجه وايا نظرة توق، فأومأ قائلاً: “وفوق ذلك، لا شيء فيه رماديّ سوى شعره ولحيته.”
“كلنا نعلم أن هذا كذب!” رامون ضحك بغيظ. “لا أعلم ما الذي فعلتَه، لكن معظم أعضائك كانت قد انهارت في ذلك اليوم. ومهما كانت قوة جسدك، لما كان ذلك ليُجدي نفعًا… حتى أقوى الجياد لا تستطيع جرّ عربة بلا عجلات. أنا من فعل كل ما بوسعي لأحفّز ما تبقّى من طاقتك الحيوية…”
وقبل أن يتمكّن وايا من الرد، قطع حديثهما صوتٌ كريه من العدم.
طَق!
“أوه؟ هذا شرف.” استنشق بيوتراي نفساً من تبغه وبدت على وجهه سَكْرة. “وماذا قالت الغرفة السرية عني؟”
كسر تاليس غصن الشجرة في يده بعنف.
“على سبيل المثال، أصل تلك القوى التي تملكها. أراها مثيرة للاهتمام.” تاليس تظاهر بعدم المبالاة وتمدد قليلًا. “وبالمقابل، سأبذل جهدي للتفاوض معهم… على الأقل ستتمكن من استعمال غراب رسول للتواصل مع رفاقك في الأخوية. وربما تحصل على فوائد أخرى…”
“حسنٌ، من الجيد أن جسدي قوي. وعلى العكس، الأفضل أن تُخفض صوتك، فأنت لستَ بحاجة للكلام حتى تفحص جسد مريضك،” قال تاليس ببرود، “إن لم تكن ترغب بأن يُكتشف سرك البائس من قبل الآخرين… ’يا طبيب’ رامون.”
(خصوصًا… لأنهم من عائلة جيدستار.)
شدّد على كلمة طبيب.
“لقد دخلنا حدود إكستيدت… وهذا لم يكن ضمن اتفاقنا!” حدّق رامون في تاليس بغضب.
نظر رامون حوله بقلق وقال بنفاد صبر: “بالحديث عن هذا… حسنًا، على الأقل ابحث لي عن غراب رسول…”
تناول بيوتراي غصناً مشتعلاً من النار وأعاد إشعال غليونه بلا اكتراث. “الأمر مكتوب على محيّاك. ثم إنّ أولئك المُراقِبين يتردّدون طوال الليل… أليس هذا سبب قدومك؟”
أطلق تاليس شخيرًا خفيفًا من أنفه.
“كلنا نعلم أن هذا كذب!” رامون ضحك بغيظ. “لا أعلم ما الذي فعلتَه، لكن معظم أعضائك كانت قد انهارت في ذلك اليوم. ومهما كانت قوة جسدك، لما كان ذلك ليُجدي نفعًا… حتى أقوى الجياد لا تستطيع جرّ عربة بلا عجلات. أنا من فعل كل ما بوسعي لأحفّز ما تبقّى من طاقتك الحيوية…”
“لا تقلق، أيها الطبيب.” استحضر تاليس الذكريات التي ظهرت في ذهنه خلال الأيام الماضية، مثل تلك الكلمات المكعّبة التي تشبه الرسوم. “رجال العصابات لن يجرؤوا على استفزاز قوات مدرّبة. لستَ مضطرًا للقلق بشأن عصابة قوارير الدم.”
“لا يمكنك أن تكون هكذا.” رامون عضّ على أسنانه. “لقد أنقذتُ حياتك. أسرع وابحث عن طريقة تُخرجني من هذا المكان!”
“في النهاية، العصابة… تبقى عصابة.”
“نعم.” قال فيكونت إقليم الرمال السوداء بثبات. “سنرحل غداً. فارس النار، اللورد تولجا، ومعه جيش من ألفَي جندي بقيادتي، ومن ضمنهم خمسمئة فارس، سنواكب سموّه مباشرةً إلى مدينة سُحب التنين. ولن نتوقّف في أي قلعة لسيد أو نبيل، بل سنكتفي بالمبيت في العراء.”
“ها! يا صاحب السمو، هل تعتقد حقًا ذلك؟” التفت رامون وأظهر ابتسامة ساخرة.
(في الواقع، كلام رامون ليس بلا معنى.)
كان تاليس بلا تعبير، لكن قلبه هبط.
“إنّ “الثعلب الماكر” الشهير في الكوكبة، الرجل الذي لعب دوراً محورياً ووقّع على ’معاهدة الحصن‘، عاجز حتى عن تدبير شؤون عائلته على نحوٍ سوي.”
(في الواقع، كلام رامون ليس بلا معنى.)
انتزع النائب الدبلوماسي طرف التبغ من فمه ونظر إلى وايا.
(هاتان العصابتان ليستا بسيطتين كما تبدوان.)
غرق كينتفيدا في أفكاره. “عليه أن يجد مصادر اقتصادية كافية حتى يتمكّن من الإبقاء على تلك الوحدة عبر مَنحها تدريباً وافراً. وبهذا، يمكن أن تكون ذات نفعٍ في اللحظات الحاسمة…”
(خصوصًا عصابة قوارير الدم، المدعومة من آسدا وغيزا — هذين المجنونين… العصابة مدعومة من الكوارث.)
(مع أن آسدا تصرّف كما لو أنه لا يأبه بمصير عصابة قوارير الدم، لماذا يتدخّل شخص بقوته في صراع مناطق بين عصابات لا شأن له به؟ أليس سوق الشارع الأحمر مجرد منطقة ضوء أحمر؟)
(الأمر غريب للغاية.)
رمق بيوتراي تاليس ورامون من بعيد بنظرة عميقة.
(مع أنّ عصابة قوارير الدم كثيرًا ما تقوم بالأعمال القذرة بالنيابة عن بعض النبلاء ذوي النفوذ، فإن تهديد الصوفيين لا يمكن تجاهله، أليس كذلك؟)
“وسحرهم… قوةٌ أشدّ من قوة الإبادة؟” وأثناء تفكيره، طرح تاليس الشطر الثاني من سؤاله ببطء.
(لماذا تسمح الكوكبة لعصابة كهذه أن تتجذّر في مدينة النجم الأبدي؟ هل هم واثقون كثيرًا من المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين، ويظنون أنهم قادرون على التحكم بهم؟ كيف يكون ذلك ممكنًا…؟)
“تلك الكتب التاريخية كلها تذكر هذه الأشياء، أليس كذلك؟ أنّ الفرسان وقوى الإبادة جلبوا نهوض البشرية، وأنّ سيوف المحاربين وصهيل خيول الحرب حرّرونا من قمع الأُورك القدماء وتهديدهم؟” سأل رامون بنبرة ذات مغزى.
تذكّر تاليس غيزا وضحك ساخرًا من نفسه.
استدار بيوتراي وحدّق في وايا بنظرةٍ غائرة.
(مع أن آسدا تصرّف كما لو أنه لا يأبه بمصير عصابة قوارير الدم، لماذا يتدخّل شخص بقوته في صراع مناطق بين عصابات لا شأن له به؟ أليس سوق الشارع الأحمر مجرد منطقة ضوء أحمر؟)
سأل النائب النحيل ساخرًا: “هل ظللت تفكّر في تلك الحادثة؟”
(وأمّا أخوية الشارع الأسود… فقد تجرؤوا على إيواء أشخاص من عائلة شارلتون، “عائلة قاتل الملك”، في العاصمة ذاتها. ويمكنهم أيضًا السيطرة بإحكام على عصابة قوارير الدم، رغم أن الأخيرة مدعومة من الصوفيين ومن نبلاء ذوي قوة.)
تناول بيوتراي غصناً مشتعلاً من النار وأعاد إشعال غليونه بلا اكتراث. “الأمر مكتوب على محيّاك. ثم إنّ أولئك المُراقِبين يتردّدون طوال الليل… أليس هذا سبب قدومك؟”
لم يستطع تاليس إلا أن يتذكّر سنواته الخمس في الأخوية.
“ولاحظوا يومًا الإمكانات الكامنة في الجسد البشري. بحثوا ليلًا ونهارًا كي تولد تلك القوى وتُنمّى، ومنحوها اسم ’القوى الخارقة‘.”
(هاتان العصابتان تحملان علامات استفهام كثيرة. وإحداهما أمامي الآن.)
“أنت أمير للكوكبة، ولك علاقات مظلمة مع مورات هانسن.” رامون عضّ على أسنانه وهو يزن كلماته ونبرة صوته. “لستُ غبيًا لأكشف لك سرّي.”
نظر تاليس إلى الطبيب الغريب ذو الأنف الكبير. كان الأخير يحدّق فيه على ضوء النار.
كان وايا يحدّق في ألسنة النار المشتعلة حائراً.
(رامون نفسه طبيب يحمل أسرارًا. يتنقّل بين المملكتين، وهو في قلب الصراع بين عصابة قوارير الدم والأخوية…)
“وكذلك، اندفعوا إلى الأمام بلا كلل في ساحات القتال المضرّجة بالدم والنار. سعوا إلى تطوير المهارات القاتلة بأقصى طاقتهم، فيما كانوا يُحسّنون تقنيات العلاج أيضًا.”
ابتسم تاليس.
“لا تقلقا.” ابتسم كينتفيدا قليلاً، وقد قرأ ما في نفسيهما. “أنتم الآن في إكستيدت، وأهل إكستيدت لا يتجسّسون عند الخيام.”
“الأمير ليس شخصًا يوافق على طلبات الآخرين ببساطة.” الأمير الثاني للكوكبة نظر إلى رامون باهتمام. “بما أنك تقدم طلبًا، فلنُبرم صفقة. أعطني شيئًا ذا قيمة مقابلها.”
السحر كان معنى.
تجمّد رامون.
“السحر هو معنى، وموقف، وإيمان، ومبدأ حياة.” رفع الطبيب الغريب بصره نحو السماء، كأنّها الموضع الذي ينتمي إليه، ويحمل أحلامه.
“على سبيل المثال، أصل تلك القوى التي تملكها. أراها مثيرة للاهتمام.” تاليس تظاهر بعدم المبالاة وتمدد قليلًا. “وبالمقابل، سأبذل جهدي للتفاوض معهم… على الأقل ستتمكن من استعمال غراب رسول للتواصل مع رفاقك في الأخوية. وربما تحصل على فوائد أخرى…”
“يؤمنون بأنّ كل شيء في هذا العالم ذو معنى. وكل شيء قابل للتحليل، ويجب أن يُدرَك. وفي عملية هذا الإدراك، يستطيع الإنسان أن يصبح أكمل، وأقوى، وأن يسمو بذاته، ويقترب من الحقيقة.”
حدّق رامون في تاليس مذهولًا.
زفر كينتفيدا وسأل مباشرة: “ولِم لا يكون المموّل–صاحبُ المؤامرة–هو نفسه مَن يمنحه الدعم المالي مباشرة؟”
(ما زال مهتمًا بهذا؟ أمير؟ انتظر، إن…)
ضيّق كينتفيدا عينيه. “إنّه أميرٌ مميّز، أليس كذلك؟”
وبعد وقت، تكلّم رامون بصعوبة:
حدّق وايا فيه مباشرة. وتوقّفت يده، التي كانت تمسح سلاحه بلا وعي، عن الحركة.
“أنت أمير للكوكبة، ولك علاقات مظلمة مع مورات هانسن.” رامون عضّ على أسنانه وهو يزن كلماته ونبرة صوته. “لستُ غبيًا لأكشف لك سرّي.”
“لم يبقَ سوى أمثالنا، التعساء المحظوظين في الوقت نفسه… ونحن نكافح داخل وجودنا الواهن… لنُلهب ما تبقّى من جمرة السحر عبر الكتب واللفائف التي كتبت عنهم.”
“وفوق هذا… ألم تتعلم قراءة العقول من النبي الأسود؟” زمجر رامون ببرود.
“ولاحظوا يومًا الإمكانات الكامنة في الجسد البشري. بحثوا ليلًا ونهارًا كي تولد تلك القوى وتُنمّى، ومنحوها اسم ’القوى الخارقة‘.”
“أوه، كفى. لم أعد أرغب في نبش أسرارك من رأسك.” هزّ تاليس رأسه. “تلك القدرة تُحدث صداعًا شديدًا… رأسك أنت، طبعًا.”
“السحر ليس قوة. إنّه ليس على الإطلاق في المستوى نفسه مع قوة الإبادة.” هزّ رامون رأسه، وعيناه ممتلئتان بالشوق والإجلال.
حدّق رامون في تاليس، وفي عينيه نظرة غريبة. “مع أنك طفل، لا تبدو مكترثًا بصحتي كثيرًا.”
قال رامون بحماس ظاهر: “لم يكن الفرسان ولا القوى الخارقة ولا قوى الإبادة هي من سمحت للبشر بهزيمة الأُورك… بل السحرة.”
لم يعلّق تاليس. اكتفى بالنظر إلى رامون بصمت.
حدّق رامون في تاليس، وفي عينيه نظرة غريبة. “مع أنك طفل، لا تبدو مكترثًا بصحتي كثيرًا.”
قال تاليس، ناطقًا كل كلمة بوضوح: “لدي بعض التخمينات. لقد رأيتُ الفن السماوي، وأعرف كيف تكون العملية. لكنك لا تبدو كشخص تواصل مع التجسُدات…”
“اسمع يا وايا.” مسح نائب الدبلوماسي غليونه الذي كان يبرد ببطء، وقد غلب على نبرته وقارٌ أثقل من المعتاد.
“تلك القدرة التي تستخدمها لشفاء الناس…”
“إنّه شيء أسمى، وأعمق، وأشدّ عظمة.”
“هي سحر، أليس كذلك؟”
قلَب وايا سلاحه بين يديه وقال بخفوت: “سير بيوتراي، ما زلتُ أذكر كلماتك في ذلك اليوم في غابة شجر البتولا. هل كنتَ أنت أيضاً مرافقاً؟”
ظلّ رامون بلا تعبير. لم يعترف ولم ينكر.
“ليس قوة؟” ارتسمت الحيرة على وجه تاليس. “فما هو السحر إذن؟ لعنة؟ طاقة؟ معرفة؟ عنصر؟ مكوّن؟ ذهنية؟ قدرة نفسية فائقة؟ قوة تدميرية؟”
كان تاليس يعلم الإجابة.
“وإلّا، لما أثنى عليه الآرشيدوق بتلك الصورة.”
(سحر.)
تأمّله بيوتراي بعينين ضيّقتين.
تنفّس تاليس ببطء.
“وبالمقابل، سأحتاج إلى استخدام غرابك الرسول لأبعث رسالة إلى موقعٍ سرّي… لكن دعني أسألك مرة أخرى، أأنت حقًا تريد أن تعرف؟”
كانت هذه كلمة لم يسمعها منذ جاء إلى هذا العالم، حتى تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر، الليلة التي غيّرت مصيره.
وبعد وقت، تكلّم رامون بصعوبة:
“في زمنٍ بعيد، لم يكن هناك سوى السحر، ولم تكن الطاقة الصوفية قد وُجدت بعد.”
“لا تحققوا بعد الآن في علاقة ذلك الضابط، هاديل، مع الآرشيدوقات أو اصحاب السيادة. فذلك جهدٌ ضائع.”
هذه كانت كلمات آسدا.
تمتم الأمير ببطء: “إذن… هل نبدأ؟”
“إذًا، أنت لا تعرف حتى العلاقة بين الطاقة الصوفية والسحر.”
سحب التابع الشاب نصلَه، وصوته حائر: “سمعتُ قصصًا كثيرة عن ذلك المكان. بعضها غريب، وبعضها عجيب، وبعضها بلا منطق، لكن لا يمكن إنكار أنّ غموض إدارة استخبارات المملكة وسمعة النبي الأسود أمران يثيران الرهبة.”
وهذه كلمات غيزا.
وهذا… ليس علامةً حسنة.”
كان صحيحًا أنّ أهل إكستيدت لم يسمحوا لأحد من وفد الدبلوماسيين بالمغادرة. لكن تاليس، مهما كان، هو أمير للكوكبة. ولو أصرّ، لما كان من المستحيل إرغام لامبارد على السماح لرامون — بكونه شخصًا غير ذي صلة — أن يغادر.
“كلّ أمير من عائلة جيدستار يشبه إدارة استخبارات المملكة.” قال بيوتراي بنظرة عميقة. “كلّهم يحملون أسرارًا كثيرة. يكفيك أن تهتم فقط بما يلزمك معرفته.”
لكن تاليس لم يفعل.
سحر؟ سحرة؟
لأن رامون قد يمتلك شيئًا يحتاجه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تاليس بحاجة إلى استنفاد كل الوسائل لمعرفة كل ما يتعلّق به.
تذكّر تاليس غيزا وضحك ساخرًا من نفسه.
مثل قدراته الصوفية… والسحر المرتبط بها ارتباطًا وثيقًا.
في غرفة الشطرنج المعتمة.
قهقه رامون حتى بدأ تاليس يقطّب حاجبيه بضيق.
أصيب تاليس بالذهول الكامل. وفي تلك اللحظة، تردّدت في ذهنه كلمات أسدا.
توقّف الطبيب الغريب عن الضحك وسأل ببطء: “أنت لست قريبًا إلى هذا الحد من النبي الأسود، ولسْتَ تلميذه، أليس كذلك؟ وإلا لكان مستحيلًا ألا تعرف كل هذا.”
فتح رامون عينيه بسرعة.
ظهرت فكرة في رأس تاليس.
“أنا الملك المستقبلي للكوكبة.” وحين تلفّظ بكلمة “الملك”، أحسّ تاليس باهتزازٍ طفيف في صوته.
لقد أدرك لبّ المسألة.
أصدر بيوتراي صوتاً غريباً عبر أنفه وزفر دخاناً في الوقت ذاته.
ألقى تاليس نظرة على جنود إكستيدت حوله، ثمّ نظر إلى آيدا الجالسة بملل عند مدخل الخيمة، ثم إلى بيوتراي ووايا البعيدين قليلًا. وقال بخفوت: “إذن، هل السحر سرّ يقلق حتى النبي الأسود؟”
ظهرت فكرة في رأس تاليس.
لم يقل رامون شيئًا. اكتفى بتثبيت نظره على تاليس.
“أتظنّ أنّني أكترث لِكَونِه مسرورًا؟”
ضحك تاليس فجأة.
“وإلّا، لما أثنى عليه الآرشيدوق بتلك الصورة.”
قال الأمير الثاني: “أنا أمير، وهو تابع أبي. يوافق أحيانًا على طلباتي. هذا كل شيء… لكنه لا يخبرني بالكثير.”
“غير أنّني كنتُ أكثر خبرة، وغادرتُ جانب الأمير مبكراً.”
“هذا… مذهل جدًا.” اتسعت عينا رامون. كانت ملامحه غريبة، مليئة بالحميمية والدهشة، وكأنه يرى تاليس للمرة الأولى. “أمير الكوكبة الجديد مهتم فعليًا بأمور كهذه… هذا مسلٍّ للغاية.”
….
عقد تاليس حاجبيه.
“أكاذيب! أكاذيب مخزية. أكاذيب صريحة.”
(ما الذي يعنيه؟ هل هذه معرفة لا ينبغي لي الاطلاع عليها؟)
وتقلّصت ملامح بيوتراي.
“وبالمقابل، سأحتاج إلى استخدام غرابك الرسول لأبعث رسالة إلى موقعٍ سرّي… لكن دعني أسألك مرة أخرى، أأنت حقًا تريد أن تعرف؟”
أما وايا فكان مشوشاً إلى حدّ كبير.
اتّسعت عينا رامون ونقر بلسانه. “مورات لن يكون مسرورًا.”
قلَب وايا سلاحه بين يديه وقال بخفوت: “سير بيوتراي، ما زلتُ أذكر كلماتك في ذلك اليوم في غابة شجر البتولا. هل كنتَ أنت أيضاً مرافقاً؟”
قبض تاليس قبضته بخفّة.
“أنت أمير للكوكبة، ولك علاقات مظلمة مع مورات هانسن.” رامون عضّ على أسنانه وهو يزن كلماته ونبرة صوته. “لستُ غبيًا لأكشف لك سرّي.”
“أنا الملك المستقبلي للكوكبة.” وحين تلفّظ بكلمة “الملك”، أحسّ تاليس باهتزازٍ طفيف في صوته.
“جيّد جداً.”
“أتظنّ أنّني أكترث لِكَونِه مسرورًا؟”
تمتم الأمير ببطء: “إذن… هل نبدأ؟”
“جيّد جدًا، جيّد جدًا. أن أشرح السحر لوليّ عهد الكوكبة، لوريث الإمبراطورية…” ارتسمت ابتسامة غريبة على وجه رامون. هزّ رأسه، وأغمض عينيه وقال: “ليست صفقة سيّئة، ويمكنني أن أجد فيها متعةً وافرة.”
ضيّق تاليس عينيه.
ضيّق تاليس عينيه.
تجمّد رامون.
تمتم الأمير ببطء: “إذن… هل نبدأ؟”
(رامون نفسه طبيب يحمل أسرارًا. يتنقّل بين المملكتين، وهو في قلب الصراع بين عصابة قوارير الدم والأخوية…)
فتح رامون عينيه بسرعة.
(خصوصًا… لأنهم من عائلة جيدستار.)
سأل رامون ببطء: “كيف هي دروس التاريخ عندك، صاحب السمو؟”
“ما زلتُ غير مطمئنّ لذلك الطبيب الغريب وهو مع سموّه.” بجانب موقد النار، كان وايا يحدّق نحو موقدٍ آخر على بُعد، بملامح متجهّمة. لم يكن حول ذلك الموقد سوى شخصين يجلسان بجواره؛ كبير وصغير.
“أتحدّث عن كيف قاتل البشر ضد الأُورك القدماء وهزموهم هزيمةً ساحقة في حملة التطهير المقدّس، وكيف صالحوا الجان القدماء وكذلك الأقزام القدماء في معركة البقاء، ثم كيف صاغوا لأنفسهم اسمًا في سجلّ تاريخ العالم.”
قال تاليس ببطء: “ليست جيّدة جدًا، لكنني أعلم أنّه خلال القتال ضد الأُورك، أيقظ البشر قواهم الخارقة، والتي تُعرف اليوم بقوة الإبادة. الدفعة الأولى من الفرسان—”
احمرّ وجه تاليس.
قلَب وايا سلاحه بين يديه وقال بخفوت: “سير بيوتراي، ما زلتُ أذكر كلماتك في ذلك اليوم في غابة شجر البتولا. هل كنتَ أنت أيضاً مرافقاً؟”
منذ أُحضِر إلى قاعة مينديس، لم تكن لديه في الحقيقة فرصةٌ كبيرة لقراءة التاريخ.
تنفّس رامون بعمق، وخفض يديه ببطء. وكان لمعان الدموع يطوّق أطراف عينيه.
قال تاليس ببطء: “ليست جيّدة جدًا، لكنني أعلم أنّه خلال القتال ضد الأُورك، أيقظ البشر قواهم الخارقة، والتي تُعرف اليوم بقوة الإبادة. الدفعة الأولى من الفرسان—”
“تلك القدرة التي تستخدمها لشفاء الناس…”
غير أنّ رامون قاطعه.
نظر وايا نحو بيوتراي بدهشة وارتباك.
“إذًا جهلُك لا يقتصر على السحر فقط.” وبحيويةٍ متدفّقة، حدّق الطبيب الغريب في تاليس. “ألا تعرف حتى تاريخ السحرة وأبراج السحر؟”
منذ أُحضِر إلى قاعة مينديس، لم تكن لديه في الحقيقة فرصةٌ كبيرة لقراءة التاريخ.
قطّب تاليس حاجبيه.
كانت هذه هي الليلة الثالثة منذ وصولهم إلى معسكر لامبارد العسكري. قال رامون إنّه يريد فحص إصابة سموّه على انفراد، والغريب أنّ الأمير وافق.
ضحك رامون بخبث. “إذًا، مثل معظم الناس في هذا العالم، أنت تعيش داخل تلك الشبكة العظيمة من المخاوف المضطربة والمربكة، والمكوّنة أيضًا من أكاذيبٍ يخدع بها المرء نفسه؟ خذ مملكة التجسُدات وطبقات الجحيم السبع مثالًا.”
ولم يدرك حتى أنّ غصن الشجرة في يده كان يحترق.
(أكاذيب؟ خوف؟)
“إنهم يحبّونني أكثر منك الآن.”
“تلك الكتب التاريخية كلها تذكر هذه الأشياء، أليس كذلك؟ أنّ الفرسان وقوى الإبادة جلبوا نهوض البشرية، وأنّ سيوف المحاربين وصهيل خيول الحرب حرّرونا من قمع الأُورك القدماء وتهديدهم؟” سأل رامون بنبرة ذات مغزى.
Arisu-san
استعاد تاليس ما تعلّمه من غيلبرت في قاعة مينديس.
تأمّله بيوتراي بعينين ضيّقتين.
لكن قبل أن يجيب، نطق رامون الكلمة بحزم وبتعبير يفيض مقتًا.
تصلّبت ملامح كينتفيدا تدريجياً.
“أكاذيب! أكاذيب مخزية. أكاذيب صريحة.”
“وقد شنّوا يومًا هجومًا مع الفرسان على طبقات الجليد في نهر كويكير الجليدي. وبعد هجماتٍ لا تُحصى، غير آبهين بالتضحيات، محوا الأسطورة القائلة باستحالة هزيمة تشكيل المشاة الثقيلة للأورك. وجعلوا حملة التطهير المقدّس أبهى مشهد في تاريخ البشرية.”
تجمّد تاليس.
الفصل 109: بقايا السحر
أكاذيب؟
حدّق وايا فيه مباشرة. وتوقّفت يده، التي كانت تمسح سلاحه بلا وعي، عن الحركة.
قال رامون بحماس ظاهر: “لم يكن الفرسان ولا القوى الخارقة ولا قوى الإبادة هي من سمحت للبشر بهزيمة الأُورك… بل السحرة.”
“وقد جعل وجود السحرة الناس يظنون يومًا أنّ القوة والمكانة ليستا الشيءَ الوحيد الذي يستحق السعي خلفه في هذا العالم… بل الحقيقة أيضًا.”
وبتعبير متّقد، مدّ رامون يديه وقبضهما بخفّة في الهواء.
لقد أدرك لبّ المسألة.
“كان السحر.”
التفت بيوتراي وضحك: “ها! إنّ أتباع الساحرة الحمراء يُقدّرونني أكثر مما ينبغي!”
قطّب تاليس حاجبيه قليلًا.
هزّ بيوتراي كتفيه وأعاد إشعال غليونه. “أضمن لك أنّ الرجل الذي يتواصل معه في السوق السوداء يعرفه أكثر بكثير من أولئك الجنود اللامبالين.”
سأل الأمير الثاني، وهو غارق في الشك: “أتقول إنّ القوى الخارقة، وأسلوب السيف الشمالي، والفرسان—كلّها مزوّرة؟ وأنهم في الحقيقة لم يملكوا فرصة أمام الأُورك؟ وأنّ من جلب النصر في الخطوط الأمامية لم يكن سوى السحرة وسحرهم؟”
“قاسية؟” ضحك بيوتراي ضحكة قصيرة.
“وسحرهم… قوةٌ أشدّ من قوة الإبادة؟” وأثناء تفكيره، طرح تاليس الشطر الثاني من سؤاله ببطء.
“ووقفوا خلف ملك الدم الحديدي، وبفضل معارفهم وخبراتهم أشرفوا على بناء ’الخط الدفاعي الأخير للبشرية‘.”
“ها، مقارنة السحر بقوة الإبادة. أنت تمامًا مثل أولئك الجهلة قبل ألف عام.” ويبدو أنّ رامون لم يعتد أن يُقاطَع. زفر بازدراء. “افتح تلك العقلية الضيّقة، يا صاحب السمو!
“نعم.” قال فيكونت إقليم الرمال السوداء بثبات. “سنرحل غداً. فارس النار، اللورد تولجا، ومعه جيش من ألفَي جندي بقيادتي، ومن ضمنهم خمسمئة فارس، سنواكب سموّه مباشرةً إلى مدينة سُحب التنين. ولن نتوقّف في أي قلعة لسيد أو نبيل، بل سنكتفي بالمبيت في العراء.”
“السحر ليس قوة. إنّه ليس على الإطلاق في المستوى نفسه مع قوة الإبادة.” هزّ رامون رأسه، وعيناه ممتلئتان بالشوق والإجلال.
“أتدري ماذا يُسمّى هذا؟” نفث بيوتراي ضحكةً قصيرة. “إن أساء القائد، تبعه جنوده… سواء كان ذلك الملك نوڤين، أو سيّدك.”
“إنّه شيء أسمى، وأعمق، وأشدّ عظمة.”
تجمّد تاليس.
“ليس قوة؟” ارتسمت الحيرة على وجه تاليس. “فما هو السحر إذن؟ لعنة؟ طاقة؟ معرفة؟ عنصر؟ مكوّن؟ ذهنية؟ قدرة نفسية فائقة؟ قوة تدميرية؟”
لم يكن قادرًا على تصديق ما سمعه للتو.
حدّق رامون في تاليس بصمت. كان في نظره مزيجٌ متناقض وغريب من الاحترام، والافتتان، والغرور، والتواضع، والانبهار.
خفض رامون رأسه وقال بأسى: “والآن، لم يعد أحد يذكر السحر أو يعرف السحرة.”
لم يسبق لتاليس أن رأى مثل تلك النظرة من أحد.
“اسمع يا وايا.” مسح نائب الدبلوماسي غليونه الذي كان يبرد ببطء، وقد غلب على نبرته وقارٌ أثقل من المعتاد.
لا… توقّف تاليس لحظة. لعلّه رآها من قبل.
“وقد جعل وجود السحرة الناس يظنون يومًا أنّ القوة والمكانة ليستا الشيءَ الوحيد الذي يستحق السعي خلفه في هذا العالم… بل الحقيقة أيضًا.”
في غرفة الشطرنج المعتمة.
كان هذا مختلفًا عن أي نسخة من السحر عرفها في حياته السابقة. لم يكن كرات نارٍ مشتعلة، ولا تمتمات تتحكّم بالعناصر، ولا قوًى نفسية تُستمدّ من أعماقه، ولا طقوسًا للتواصل مع وجودٍ آخر، ولا قدرات نفسية تُتعلّم لمجرّد أنّها قوية.
تلك الهيئة بثوبٍ أزرق.
زفر كينتفيدا وسأل مباشرة: “ولِم لا يكون المموّل–صاحبُ المؤامرة–هو نفسه مَن يمنحه الدعم المالي مباشرة؟”
“السحر…” رفع رامون يديه وبسطهما ببطء، كالمُريد الذي يناجي التجسُدات. كان الارتعاش يهزّه من شدّة الانفعال.
كسر تاليس غصن الشجرة في يده بعنف.
“السحر هو معنى، وموقف، وإيمان، ومبدأ حياة.” رفع الطبيب الغريب بصره نحو السماء، كأنّها الموضع الذي ينتمي إليه، ويحمل أحلامه.
قهقه بيوتراي وقال: “ألفا جندي، وتجنبٌ للقلع جميعها؟ أهو حرصٌ على ألّا يجد أحد فرصة للتآمر ضدكم؟ إنني حقاً أشفق على سيّدكم… يبدو أنّ لامبارد قد ضُيّق عليه، ولا يعرف بعدُ من هم أصحاب اليد الخفية الذين يدبّرون له.”
“والسحرة هم العاملون بهذا المبدأ.”
“السحر…” رفع رامون يديه وبسطهما ببطء، كالمُريد الذي يناجي التجسُدات. كان الارتعاش يهزّه من شدّة الانفعال.
“يؤمنون بأنّ كل شيء في هذا العالم ذو معنى. وكل شيء قابل للتحليل، ويجب أن يُدرَك. وفي عملية هذا الإدراك، يستطيع الإنسان أن يصبح أكمل، وأقوى، وأن يسمو بذاته، ويقترب من الحقيقة.”
كان صحيحًا أنّ أهل إكستيدت لم يسمحوا لأحد من وفد الدبلوماسيين بالمغادرة. لكن تاليس، مهما كان، هو أمير للكوكبة. ولو أصرّ، لما كان من المستحيل إرغام لامبارد على السماح لرامون — بكونه شخصًا غير ذي صلة — أن يغادر.
“من الأنماط المنتظمة لحركة الشمس، وأسرار أصل الحياة؛ إلى مواقف البشر ومبادئهم، وإلى تقدّم التاريخ وتطوّره… كلّ ذلك يقع ضمن نطاق السحر. السحر هو مجموع كل اكتسابٍ للمعرفة، وكل اكتشاف، وكل حقيقة. وتقدّم السحر سيقودنا إلى مستقبلٍ أكثر مجدًا.”
تغيّرت ملامح كينتفيدا قليلاً.
ازدادت حيرة تاليس، وهو يحاول جاهدًا أن يفهم كلمات رامون التي بدت قريبة من الجنون.
ارتعشت عينا كينتفيدا. “وما الذي تعرفه أنت؟”
“ولهذا، فقد دخلوا يومًا خيمة القبيلة الشوفينية القديمة، وصمّموا أول نظامٍ سياسي في التاريخ—الدولة الشوفينية القديمة.
“جيّد جداً.”
“ووقفوا يومًا إلى جانب تاكموخ، ملك الشمال الراحل، محذّرين إياه من علاقتنا مع الأُورك.”
قهقه رامون حتى بدأ تاليس يقطّب حاجبيه بضيق.
“ووقفوا خلف ملك الدم الحديدي، وبفضل معارفهم وخبراتهم أشرفوا على بناء ’الخط الدفاعي الأخير للبشرية‘.”
“هذا الرجل…”
“وإذ كانوا يواجهون الهزائم والتضحيات، واصلوا تحسين أسلحتهم ومهاراتهم دون كلل. جمعوا بأنفسهم خبرات ومهارات كل فارس، وأتقنوا أول أسلوب قياسي في التاريخ: ’أسلوب السيف العسكري الشمالي‘.”
ضيّق تاليس عينيه.
“ولاحظوا يومًا الإمكانات الكامنة في الجسد البشري. بحثوا ليلًا ونهارًا كي تولد تلك القوى وتُنمّى، ومنحوها اسم ’القوى الخارقة‘.”
توقّف الطبيب الغريب عن الضحك وسأل ببطء: “أنت لست قريبًا إلى هذا الحد من النبي الأسود، ولسْتَ تلميذه، أليس كذلك؟ وإلا لكان مستحيلًا ألا تعرف كل هذا.”
“وكذلك، اندفعوا إلى الأمام بلا كلل في ساحات القتال المضرّجة بالدم والنار. سعوا إلى تطوير المهارات القاتلة بأقصى طاقتهم، فيما كانوا يُحسّنون تقنيات العلاج أيضًا.”
خفض رامون رأسه وقال بأسى: “والآن، لم يعد أحد يذكر السحر أو يعرف السحرة.”
“ودرسوا الحديد والصلب بعمق؛ وصنعوا الركائب والسرج، وأنشأوا أول وحدة فرسان. وبذلك امتلك الفرسان للمرة الأولى سرعةً وقوة هجوم تقارن الأُورك.”
خفض رامون رأسه وقال بأسى: “والآن، لم يعد أحد يذكر السحر أو يعرف السحرة.”
“وبالطبع، طوّروا أيضًا قواهم الخاصة. فقد نبشوا حقيقة المواد، وتقصّوا حقيقة الوعي، وأثاروا طاقة الطبيعة لاستخدامها، وحوّلوا موارد العالم لخدمة البشر. وما أحمله بين يدي ليس إلا جزءًا صغيرًا وحقيرًا من كل ذلك.”
غير أنّ بصره خبا فجأة.
“وقد شنّوا يومًا هجومًا مع الفرسان على طبقات الجليد في نهر كويكير الجليدي. وبعد هجماتٍ لا تُحصى، غير آبهين بالتضحيات، محوا الأسطورة القائلة باستحالة هزيمة تشكيل المشاة الثقيلة للأورك. وجعلوا حملة التطهير المقدّس أبهى مشهد في تاريخ البشرية.”
“ولهذا، فقد دخلوا يومًا خيمة القبيلة الشوفينية القديمة، وصمّموا أول نظامٍ سياسي في التاريخ—الدولة الشوفينية القديمة.
“وتجرّؤوا يومًا على التساؤل عن وجود التجسُدات، وتحدّوا سلطة الإمبراطور.”
“كلنا نعلم أن هذا كذب!” رامون ضحك بغيظ. “لا أعلم ما الذي فعلتَه، لكن معظم أعضائك كانت قد انهارت في ذلك اليوم. ومهما كانت قوة جسدك، لما كان ذلك ليُجدي نفعًا… حتى أقوى الجياد لا تستطيع جرّ عربة بلا عجلات. أنا من فعل كل ما بوسعي لأحفّز ما تبقّى من طاقتك الحيوية…”
“وفي زمنٍ ما، كانت أبراج السحر الثلاثة أعظم تجمّع للحكمة والتقدّم في العالم. كانت كياناتٍ مستقلّة ومنعزلة عن البشر. حتى الإمبراطور الأعلى ورئيس كهنة قاعة التجسيد المُشرق، بكل جبروتهما، كانا يُبدِيان احترامهما للأبراج الثلاثة.”
أما وايا فكان مشوشاً إلى حدّ كبير.
“وقد جعل وجود السحرة الناس يظنون يومًا أنّ القوة والمكانة ليستا الشيءَ الوحيد الذي يستحق السعي خلفه في هذا العالم… بل الحقيقة أيضًا.”
“ووقفوا خلف ملك الدم الحديدي، وبفضل معارفهم وخبراتهم أشرفوا على بناء ’الخط الدفاعي الأخير للبشرية‘.”
تنفّس رامون بعمق، وخفض يديه ببطء. وكان لمعان الدموع يطوّق أطراف عينيه.
ارتفع حاجبا وايا.
قبض قبضتيه، وارتجف وهو يقول بصوت متقطّع: “هؤلاء هم السحرة. هذا هو السحر. أهمّ فصل، أعظم فصل، وأثمن فصل في نهوض التاريخ البشري… ومع ذلك نُسي بالكامل.”
(هاتان العصابتان تحملان علامات استفهام كثيرة. وإحداهما أمامي الآن.)
خفض رامون رأسه وقال بأسى: “والآن، لم يعد أحد يذكر السحر أو يعرف السحرة.”
“السحر ليس قوة. إنّه ليس على الإطلاق في المستوى نفسه مع قوة الإبادة.” هزّ رامون رأسه، وعيناه ممتلئتان بالشوق والإجلال.
“لم يبقَ سوى أمثالنا، التعساء المحظوظين في الوقت نفسه… ونحن نكافح داخل وجودنا الواهن… لنُلهب ما تبقّى من جمرة السحر عبر الكتب واللفائف التي كتبت عنهم.”
توقّف غليون بيوتراي عن إطلاق الدخان.
حدّق تاليس في رامون بشرود.
أكاذيب؟
ولم يدرك حتى أنّ غصن الشجرة في يده كان يحترق.
“إنهم يحبّونني أكثر منك الآن.”
لم يكن قادرًا على تصديق ما سمعه للتو.
سحب التابع الشاب نصلَه، وصوته حائر: “سمعتُ قصصًا كثيرة عن ذلك المكان. بعضها غريب، وبعضها عجيب، وبعضها بلا منطق، لكن لا يمكن إنكار أنّ غموض إدارة استخبارات المملكة وسمعة النبي الأسود أمران يثيران الرهبة.”
لم يستطع سوى أن يوسّع عينيه ويسقط فكّه.
“لا تقلق، أيها الطبيب.” استحضر تاليس الذكريات التي ظهرت في ذهنه خلال الأيام الماضية، مثل تلك الكلمات المكعّبة التي تشبه الرسوم. “رجال العصابات لن يجرؤوا على استفزاز قوات مدرّبة. لستَ مضطرًا للقلق بشأن عصابة قوارير الدم.”
سحر؟ سحرة؟
أصيب تاليس بالذهول الكامل. وفي تلك اللحظة، تردّدت في ذهنه كلمات أسدا.
كان هذا مختلفًا عن أي نسخة من السحر عرفها في حياته السابقة. لم يكن كرات نارٍ مشتعلة، ولا تمتمات تتحكّم بالعناصر، ولا قوًى نفسية تُستمدّ من أعماقه، ولا طقوسًا للتواصل مع وجودٍ آخر، ولا قدرات نفسية تُتعلّم لمجرّد أنّها قوية.
لكن تاليس لم يفعل.
السحر كان معنى.
تأمّله بيوتراي بعينين ضيّقتين.
كان إيمانًا.
“هي سحر، أليس كذلك؟”
كان مبدأً.
التفت بيوتراي وضحك: “ها! إنّ أتباع الساحرة الحمراء يُقدّرونني أكثر مما ينبغي!”
أصيب تاليس بالذهول الكامل. وفي تلك اللحظة، تردّدت في ذهنه كلمات أسدا.
نظر رامون حوله بقلق وقال بنفاد صبر: “بالحديث عن هذا… حسنًا، على الأقل ابحث لي عن غراب رسول…”
“كان السحرة يطلبون حقائق العالم. كانوا يستخدمون كل أساليب الحكمة والبراعة لاستغلال موارد الطبيعة وطاقاتها، ليصنعوا عالمًا أجمل.”
منذ أُحضِر إلى قاعة مينديس، لم تكن لديه في الحقيقة فرصةٌ كبيرة لقراءة التاريخ.
أهو كذلك؟
لم يقل رامون شيئًا. اكتفى بتثبيت نظره على تاليس.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أعاد وايا سيفه إلى غمده. شعر بأنّ في الأجواء شيئاً غير مريح.
نهض كينتفيدا وأطلق ابتسامة. “وأمر آخر، يا لورد بيوتراي نيماين، يا فيكونت الكوكبة السابق: إنّ ذلك القرار بالاندفاع في الاتجاه المعاكس على ساحة المعركة كان جريئاً وحاسماً.”
