حانةّ كاسلان
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لا تكن متوتّرًا أكثر من اللازم. هذه ليست الكوكبة، بل إكستيدت!” ضحك النائب كينتفيدا بصوت عالٍ. “معظم أهل القرية محاربون قدامى سُرّحوا من الخدمة العسكرية. يمكن الوثوق بهم… وفي الحقيقة، فبدافع شرفهم وكرامتهم، سيكون الأمير، وهو ضيف هنا، أكثر أمانًا في وسطهم.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
سؤال جديد قفز إلى قلب تاليس.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“إن يوم ما قبل الشتاء القارس على وشك الوصول.” تثاءب كاسلان وجلب لهم بضعة صحون من الخبز الأسود. ولم يثر الخبز أي شهية لدى الآخرين حين رأوه. “ذاك هديةٌ للجبال.”
Arisu-san
“وأيضًا…” ترددت جالا، لكنها قالت أخيرًا: “أريد العثور على ثلاثة أطفال… لهم سمات مميّزة جدًّا، وقد تكون الأخوية قد اختطفتهم. لكنهم ليسوا في مدينة النجم الأبدي…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(إنها أطول مني. ساقاها أطول من ساقَيّ. و… مؤخرتها أكبر من مؤخرتي.)
الفصل 111: حانة كاسلان
لم يُعر تاليس اهتمامًا للجنود والقرويين الذين كانوا يشيرون إليه ويتحدّثون همسًا فيما بينهم. ولم يُبالِ بنظراتهم الاحتقارية والعدائية. مضى خلف كينتفيدا وتولجا، متقدّمًا إلى الأمام، وخلفه أعضاء البعثة الدبلوماسية.
…
(لحسن الحظ، صدري أكبر من صدرها.)
“إنّ الأرض التي تراها ترتفع وتنخفض أمامك هي تلال التنهد. التلال الواقعة عند الحدود شرق جبال التنهد. انظر، القمم المكسوّة بالثلوج في البعيد، الصاعدة مباشرةً نحو السحب، هي جبال التنهد.” وهو يمتطي جواده، أشار بيوتراي نحو الجبال البعيدة، الشاهقة حتى اختفائها في الغيوم. كان يقدّم لتاليس معلومات عن جغرافيا إقليم الشمال.
رفع كينتفيدا يديه نحو تولجا خلفه، وعلامات الاستسلام بادية عليه.
رفع تاليس رأسه ووسّع مجاله البصري، ثم نفث نفخة من الهواء الدافئ وسط ذلك البرد القارس.
رفع رالف تاليس ووضعه على المقعد العالي عند منضدة الحانة (أما وايا، الذي اكتشف أنه فشل مرة أخرى في أداء واجبه، فقد عبس مجددًا). جلس كينتفيدا وبيوتراي إلى جانبه. أمّا مواطنو الكوكبة وإكستيدت، فانقسموا إلى مجموعتين واضحتي الحدود، وجلس جنودهم عند طاولتين دائريتين، يرمق بعضهم بعضًا بنظرات حادّة.
“كانت جبال التنهد في عهد الإمبراطورية القديمة أعلى الجبال جميعًا. كانت السلسلة متصلة بنهر كويكير الجليدي شمالًا، وتمتد جنوبًا عبر مقاطعة الشمال ومقاطعة الجنوب الشرقي، وقد فصلت المنطقة الشمالية من الإمبراطورية. وهي الآن تلّ بحر الشرق في الكوكبة، كما أنها إقطاعية الدوق كولين. إنّ أخطار جبال التنهد وصعوبة تسلّقها جعلت المسافرين يتوقّفون كلما رأوها، فلا يملكون إلا أن ينحنوا برؤوسهم ويتنهّدوا. وهكذا نالت هذا الاسم.” وضع بيوتراي غليونه جانبًا وخفض رأسه بدوره متنهّدًا، كأنّه يجيب كلماته بنفسه.
وبتعبيرٍ متعالٍ قال، “لا يهمّ إن كان ملكًا، أو كاهنًا، أو غريبًا، أو حتى تجسُدًا. لا أحد يطرد زبائني من هنا!”
“حين كانت الإمبراطورية القديمة قائمة، كان هذا موضعًا سيّئ السمعة يُنفى إليه المجرمون. مكانًا مضطربًا. وعندما سقطت الإمبراطورية، ازدادت الفوضى. ظلّ الأمر كذلك حتى انتقل فرعٌ من الجان إلى هذا الموضع واستقرّوا هنا ما يقارب ثلاثمئة عام. تنقّلوا بحريّة بين الجبال، وحين بلغوا ذروة قوّتهم، شيّدوا مملكتهم الخاصة… وبعد معركة الإبادة، أصبحت الجهة الشماليّة الغربيّة من جبال التنهد خاضعة لشبه الجزيرة الغربية، بينما آلت الجهة الجنوبية الشرقية إلى هانبول في شبه الجزيرة الشرقية.”
“خصوصًا الذهب القادم من لامبارد، الذي قتل أفراد عائلته.”
(جان في جبال التنهد؟ مهلاً ،سجلات “معركة الإبادة: خراب العالم” بدا وكأنه ذكر هذا من قبل؟)
(مم… المذاق ليس سيئًا. أستطيع أن أمضغه حتى النهاية… ليس كالخبز الأسود في الأخوية. عندما يزداد سوءًا كنّا نضطر لشوائه بالنار.)
وما إن ذُكرت كلمة «جان»، حتى رمق تاليس آيدا خلفه بنظرة عابرة.
اعتاد تولجا وكينتفيدا الخبز الأسود، فالتقطاه وأكلا منه مع شراب الجاودار. وكان كينتفيدا يحدّق بوايا الذي لم يعرف كيف يأكل الخبز، كأنه يشاهد عرضًا ممتعًا.
“ما الأمر؟” تنبّهت آيدا لنظراته، وبسطت يديها بضيق. “لا أعرف أيّ جيل من أقاربي عاش هنا أيضًا. تاريخي سيّئ!”
تأملت الآنسة جورا السمراء بنظرة استنكار.
هزّ تاليس رأسه وأعاد نظره إلى الأمام منصتًا لشرح بيوتراي.
أكل وايا الخبز بوجهٍ عابس، ولم يشعر إلا بالرغبة في التقيؤ. غير أنه حين رأى رالف يستمتع بالخبز، عاد إليه بعض الشهية، إذ اشتعلت روحه التنافسية فورًا.
لم يكن يستطيع الاعتماد على تلك الجنية التي لا تتذكّر حتى اسمها.
“ألا توافق على سياسة مينديس في الدبلوماسية؟” سأل الأمير بفضول.
حتى لو كانت من الفئة الفائقة.
ضحكت جالا.
“…الجهة الشماليّة الغربيّة الوعرة من جبال التنهد تشقّ الجزء الشرقي من إكستيدت والكوكبة. برج الإصلاح للآرشيدوق ترينتيدا والبرج القديم المنعزل لعائلة فريس في الكوكبة يقعان كلٌّ على جبل، وبينهما وادٍ يفصل بين القمتين. كلاهما شديد الحذر من الآخر. ومع ذلك، فهما موضعان يسهل الدفاع عنهما ويصعب اقتحامهما.
نظرت إلى نظرة جالا الصادقة، وعجزت عن الكلام. غاب ذهنها فجأة، ولم تعد تدري ما الذي ينبغي فعله.
“أبعد شمال السلسلة تقع مدينة إيلافور في إكستيدت، وهي إقطاعية الآرشيدوق هناك، وأبعد جنوبها تقع منطقة منحدرات البحر في الكوكبة، وهي أيضًا إقطاعية الدوق الحارس المتمركز هناك. ولكن بسبب حوافّ جبال التنهد الحادّة ومناخ الشمال، انتهى الأمر بمدينة إيلافور ومنطقة منحدرات البحر قريبتين من بحر الإبادة. والمرافئ فيهما قليلة للغاية، وما لديهم يقع في مواضع غريبة عند حافة المنحدر…”
خزّن تاليس ذلك في صدره بصمت.
دخّن بيوتراي غليونه وهو يحدّق بدهشة إلى سلسلة الجبال في البعيد.
لمس تاليس القدح الخشبي الذي يساوي نصف حجم رأسه، ثم أدرك بعقلانية ألا يمسّه. “أوه، بالمناسبة، عندما دخلتُ القرية رأيتُ شتّى أنواع الطعام معلّقة على الأشجار قرب المدخل. ما الغرض من ذلك؟”
“خلال الحربين الأولى والثانية لشبه الجزيرة، عبرت قوات الحلفاء من شبه الجزيرة الشرقية بحر الإبادة وهبطت عند تلّ بحر الشرق أو تلّ الساحل الجنوبي في الكوكبة. كان ذلك لأن منطقة منحدرات البحر في الكوكبة وميناء الضفة الشرقية في إكستيدت يمتلكان منحدرًا بحريًا طبيعيًا. يسهل الدفاع عنه ويصعب الهجوم عليه بسبب جدرانه الشاهقة، وذلك بفضل جبال التنهد… وفي الحرب الثالثة لشبه الجزيرة، تظاهرت جيوش شبه الجزيرة الشرقية بمهاجمة ميناء بحر الشرق في الكوكبة، لكنها شنّت هجومًا مباغتًا على سواحل إكستيدت. بعدد قليل من الجنود، صعدوا المنحدر البحري وأحرزوا نتائج مذهلة. وفي النهاية اخترقوا مدينة إيلافور ودخلوا قلب إكستيدت…”
كان المشهد مختلفًا عن المدنيين المهذّبين الذين كان تاليس يلتقي بهم في مدينة النجم الابدي التابعة للكوكبة؛ مجتمع مختلف عن المدينة، التي كانت الحدود الطبقية فيها واضحة. كان إيقاع هذه القرية في إكستيدت صاخبًا جامحًا، والجوّ مفعمًا بالمرح والحيوية. وكان القرويون في معظمهم من الشماليين طوال القامة، ذوي بنيات قويّة، وهيئات جريئة، وضحكات داوية.
(حرب شبه الجزيرة؟)
“لا تقلقي… ليس من النوع الذي يروق لي.” ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه النادلة السابقة.
سؤال جديد قفز إلى قلب تاليس.
“لديه شعر أسود، وعينان رماديتان، وعمره نحو سبع أو ثماني سنوات.”
“اندلعت الحرب بسبب الصراع بين شبهَي الجزيرة، على سبيل المثال تناقص اعداد الحيتان في بحر الإبادة. فبعد معركة الإبادة، اكتشفنا أن الزيت الأبدي داخلها هو أفضل أنواع الوقود، بل هو أفضل حتى من الفحم.” قدّم بيوتراي جوابًا عن سؤاله.
تغيّر وجه كاسلان. نظر إلى تاليس، وازدادت نظراته امتلاءً بالاهتمام.
“حقوق صيدها، ونصيب كل طرف، ومناطق الصيد، والفصول التي يُمنع فيها صيد الحيتان؛ كانت هذه دومًا جوهر الجدال بين تلك البلدان الواقعة على الساحلين… وهذا كان الموضوع الرئيسي في الحروب الأربع لشبه الجزيرة. وبالطبع، بعد الحرب الثالثة، تغيّر الوضع السياسي على الساحلين بدرجة كبيرة. علاقتنا بإكستيدت تدهورت تمامًا، وسلالة الفجر والظلام دخلت في صراع مع هانبول على الهيمنة المطلقة في شبه الجزيرة الشرقية. وفي النهاية، تحت سياسة الملك الفاضل، ميدير الثالث، عقدنا تحالفًا مع سلالة الفجر والظلام، بينما اقتربت إكستيدت من هانبول…”
“أنتِ تحبّينه، تُعجَبين به، تعشقينه لدرجة الموت، تريدين إنجاب أطفاله، إلى آخره.” وحين رمقتها السكرتيرة بنظرة غريبة من جديد، هزّت جالا رأسها. “لا شأن لي بهذا… ولا أريد أن أصبح منافِسَتَكِ أو خصمكِ في الحب. أنا هنا فقط لطلب مساعدته.”
“وهذا هو ما سبّب الحرب الرابعة لشبه الجزيرة، التي وقعت في السنة 468 من تقويم الإبادة، وقد حوّلت الأمور إلى حرب عالمية حقيقية. لم تعد نيران الحرب محصورة بفصيل يعبر البحر لغزو فصيل آخر، بل امتدت إلى كل زاوية من العالم.”
تذكّر تاليس الملك في منتصف العمر، حامل الصولجان، ذي الابتسامة الهادئة. كان أحد ملوك الكوكبة الثلاثة في قاعة مينديس. وكانت صورته منقوشة على العملة الفضية للبلاد ومحفورة على صدر تاليس. ثم تذكّر الأختين كورليوني وما يُسمّى بـ”تحالف الليل المرصّع بالنجوم”.
تذكّر تاليس الملك في منتصف العمر، حامل الصولجان، ذي الابتسامة الهادئة. كان أحد ملوك الكوكبة الثلاثة في قاعة مينديس. وكانت صورته منقوشة على العملة الفضية للبلاد ومحفورة على صدر تاليس. ثم تذكّر الأختين كورليوني وما يُسمّى بـ”تحالف الليل المرصّع بالنجوم”.
“يوم ما قبل الشتاء القارس ظاهرةٌ طبيعية فريدة في الشمال. في ذلك الوقت، يستقبل الشمال أبرد أيام السنة. ينقص وقت النهار بشدّة. ومن يخرج لا بد أن يرتدي معاطف فروّ سميكة للغاية، وأن يحمل ما يكفي لإبقاء النار مشتعلة، ولا يجوز له الابتعاد كثيرًا. والمدة المتاحة للعمل خارجًا تنحصر في ثلاث ساعات.” راقب بيوتراي بتعبير غريب وجه تاليس وهو يأكل بنهم.
هزّ تاليس رأسه وطرد تلك الأفكار من ذهنه.
وبتعبيرٍ متعالٍ قال، “لا يهمّ إن كان ملكًا، أو كاهنًا، أو غريبًا، أو حتى تجسُدًا. لا أحد يطرد زبائني من هنا!”
“ألا توافق على سياسة مينديس في الدبلوماسية؟” سأل الأمير بفضول.
“يا له من هراء!” وضعت سلّة الزهور، ورفعت تنّورتها بجسارة لتجلس وتنضمّ إلى مسابقة الشرب على الطاولة. “الشخص الذي يستطيع أن يتفوّق عليّ في الشرب هو من سينال إكليل الزهر خاصتي!”
“ليس الأمر كذلك.” هزّ بيوتراي رأسه. “إن التحالف مع سلالة الفجر والظلام كان أمرًا طبيعيًا جرى بتطوّر الأحداث نفسه. لدى أهل الشرق البعيد مثلٌ قديم يقول: ‘كوّن علاقة طيبة مع حلفائك البعيدين، وهاجم أعداءك القريبين.'”
“اختفى قرب سوق الشارع الأحمر، وربما سقط في يد عصابة قوارير الدم.”
“كانت الحرب الرابعة لشبه الجزيرة واسعة النطاق للغاية، وكانت عواقبها مدمّرة،” تكلّم بيوتراي ببطء وهو غارق في تأمّلاته، “لكن بالنسبة إليّ، فإن الوضع السياسي الجديد قوّى الروابط والعلاقات بين شبهَي الجزيرة. والأسباب التي كانت تشعل حربًا عالمية أُسقطت بفعل الروابط المتشابكة التي ازدادت تعقيدًا بين البلدان، كالصراع بيننا وبين شبه الجزيرة الغربية. ومنذ الحرب الرابعة، لم نخض حربًا مع شِبهَي الجزيرة طوال قرنين. لقد نعمنا بأكثر من مئتي عام من السلام… قبل هذا، كانت شبها الجزيرة تندلع بينهما الحروب بسبب تراكم خلافاتنا حتى تبلغ حدّ الغليان كل قرن تقريبًا.”
اعتاد تولجا وكينتفيدا الخبز الأسود، فالتقطاه وأكلا منه مع شراب الجاودار. وكان كينتفيدا يحدّق بوايا الذي لم يعرف كيف يأكل الخبز، كأنه يشاهد عرضًا ممتعًا.
قطّب تاليس حاجبيه. كان لا يزال يرى أنّ مستوى الإنتاج في البلاد ونظامها السياسي يجعلان ما يُسمّى بحرب شبه الجزيرة أمرًا غريبًا بعض الشيء.
“سنعرف حالًا إن كنتَ تتبجّح.” رمى الجندي فأسه، وخلع درع الصدر، وضرب الطاولة بقبضته بالطريقة نفسها، غير راغب في إظهار أي ضعف. “من يفوز هو وحده من يظفر بإكليل الزهر الخاص بآروسا!”
أن تعبر البحر وتخوض حملة على شبه الجزيرة الأخرى… كم يتطلب ذلك من الأيدي العاملة والإمدادات؟ وهل يمكن لكمية ضئيلة من الزيت الأبدي أن تعوّض النتائج والتبعات والمعاناة التي تجلبها تلك الحروب؟
لكن بعد ثوانٍ قليلة عاد صخب الحانة كما كان، كأن الداخلين مجرد أشخاصٍ عاديين.
تابعوا التقدّم، فيما واصل الجنود بجانبهم إلقاء النظرات نحوهم. وبعد قليل ظهرَت قرية أمام أعينهم.
وشعرت الآنسة جورا بقليل من الحرج.
رفع تاليس رأسه. لاحظ وجود حبال معلّقة على الأشجار خلف القرية، ومربوطة عليها كميات كبيرة من الطعام كالقديد والخبز وغير ذلك من المواد. بل كانت هناك طرائد أيضًا: غزلان وثعالب وأرانب.
وبتعبيرٍ متعالٍ قال، “لا يهمّ إن كان ملكًا، أو كاهنًا، أو غريبًا، أو حتى تجسُدًا. لا أحد يطرد زبائني من هنا!”
(أهذا من عادات إقليم الشمال؟)
لكن سرعان ما اكتشف الجميع بدهشة أن الأمير الثاني النبيل لمملكة الكوكبة، الأمير تاليس جيدستار، أخذ قطعةً سميكة وصلبة من الخبز الأسود…
“لقد تأكّد جنودي من سلامة هذه القرية.” في تلك اللحظة، تقدّم من خلف المجموعة تابعٌ للآرشيدوق لامبارد، وهو الفيكونت كينتفيدا. تجاوز الحشد ودخل القرية، ثم ترجّل وسلّم زمام جواده لأحد الجنود. “سنُسرّح جزءًا من الجنود الذين جُنّدوا من القرى المحيطة. تستطيعون البحث عن نُزُل هنا لتستريحوا قليلًا وتتناولوا الغداء.”
“ليقل ما يشاء. لقد قتل عائلته، وهذا كل شيء!” تلقّى العجوز كاسلان كيس النقود بازدراء. “أما ما يسمّى بمعركة الطقوس القديمة… فذاك أمر ولّى، وكان ما يستعمله مواطنو الإمبراطورية ليجعلونا نقتل بعضنا بعضًا.”
وبمساعدة رالف، ترجّل تاليس عن جواده، وأطلق تنهيدة طويلة لقدرته أخيرًا على النزول من على صهوته. ثم رفع رأسه بحماسة يتفحّص القرية القائمة عند ممر رايمن.
(حرب شبه الجزيرة؟)
كان المكان في الأصل قرية صغيرة وادعة لا تملك حتى سورًا. لكنها كانت محاطة في تلك اللحظة برجال أشدّاء طوال القامة يرتدون الدروع الكاملة. ومع أنّ معظم حرس الجيش كانوا يستريحون خارج القرية، فقد تمكّن تاليس من رؤية جنود الشمال يتحرّكون بين المنازل ذات الطابق الواحد، المبنية من الطين والحجارة.
“…الجهة الشماليّة الغربيّة الوعرة من جبال التنهد تشقّ الجزء الشرقي من إكستيدت والكوكبة. برج الإصلاح للآرشيدوق ترينتيدا والبرج القديم المنعزل لعائلة فريس في الكوكبة يقعان كلٌّ على جبل، وبينهما وادٍ يفصل بين القمتين. كلاهما شديد الحذر من الآخر. ومع ذلك، فهما موضعان يسهل الدفاع عنهما ويصعب اقتحامهما.
ومع ذلك، فإن هؤلاء الجنود لم يبدُ أنهم يعكّرون سكينة القرية. بل اندمجوا مع رجالها ونسائها، المرتدين ثياب الخيش. وكانت الساحة مكتظة بالجنود والقرويين الجالسين، يشربون من أقداحهم، وضحكاتهم تعلو حتى تكاد تهزّ السماء.
“آسفة، القائد كوهين كارابيان تقدّم بطلب إجازة لمدّة شهر.” نظرت سكرتيرة مركز شرطة المقاطعة الغربية، الآنسة جورا، ببرود إلى الشابّة السمراء ذات الشعر القصير الواقف أمامها. “أعني، لشهرٍ على الأقل.”
“هذه المرّة سأهزمك في الشرب، كريدون!” كان رجلان جالسين على طاولة ضخمة تبدو مخصّصة لعرض البضائع عادة. وكانت الطاولة مليئة بالأقداح، وأحد القرويين يضرب عليها بقبضته وهو ينظر إلى الجندي المقابل بلا تراجع. “أستطيع شرب عشرة أقداح خلال دقيقة!”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“سنعرف حالًا إن كنتَ تتبجّح.” رمى الجندي فأسه، وخلع درع الصدر، وضرب الطاولة بقبضته بالطريقة نفسها، غير راغب في إظهار أي ضعف. “من يفوز هو وحده من يظفر بإكليل الزهر الخاص بآروسا!”
هزّ وايا كتفيه، وأرخى شفتيه معبّرًا عن شكّه.
كان ثَمّة جمعٌ من المتفرّجين يحيطون بهم، يثيرون جلبة بحماسة. وكانت بينهم شابّة تحمل سلّة زهور، وكانت تضحك بصوت عالٍ.
تغيّر وجه وايا بجانبه، بينما بدا بيوتراي وكأنه يفكّر في شيء.
“يا له من هراء!” وضعت سلّة الزهور، ورفعت تنّورتها بجسارة لتجلس وتنضمّ إلى مسابقة الشرب على الطاولة. “الشخص الذي يستطيع أن يتفوّق عليّ في الشرب هو من سينال إكليل الزهر خاصتي!”
“سنغادر عند الظهيرة،” ردّ تولجا بصوت عالٍ يملؤه الضيق، “وقبل ذلك، اشدُد سروالك يا رأس الحديد، كروسر!”
لم يستطع تاليس إلا أن يطلق ضحكة خافتة. في تلك اللحظة، نسي قليلًا أن هؤلاء جنودُ إكستيدت كانوا قد اشتبكوا مع حرّاسه على ساحة القتال، يحاول كل طرف قتل الآخر.
“هكذا إذن؟ طفل ناضج، همم؟” هزّت السكرتيرة كتفيها واستمرت في تدوين الملاحظات.
كان المشهد مختلفًا عن المدنيين المهذّبين الذين كان تاليس يلتقي بهم في مدينة النجم الابدي التابعة للكوكبة؛ مجتمع مختلف عن المدينة، التي كانت الحدود الطبقية فيها واضحة. كان إيقاع هذه القرية في إكستيدت صاخبًا جامحًا، والجوّ مفعمًا بالمرح والحيوية. وكان القرويون في معظمهم من الشماليين طوال القامة، ذوي بنيات قويّة، وهيئات جريئة، وضحكات داوية.
ظلّتا صامتتين نحو عشر ثوانٍ أو أكثر.
“هيه، تولجا، كم سنمكث هنا؟” صرخ جندي ذو لحية كاملة في اتجاههم بصوت مرتفع. بدا كأنه ضابط متوسط الرتبة، وكان يحمل مطرقة حرب وكأسًا خشبيًا في يده الأخرى. “هيا، قل لي إننا سنبيت الليلة هنا!”
“ما الأمر؟” تنبّهت آيدا لنظراته، وبسطت يديها بضيق. “لا أعرف أيّ جيل من أقاربي عاش هنا أيضًا. تاريخي سيّئ!”
“سنغادر عند الظهيرة،” ردّ تولجا بصوت عالٍ يملؤه الضيق، “وقبل ذلك، اشدُد سروالك يا رأس الحديد، كروسر!”
تأملت الآنسة جورا السمراء بنظرة استنكار.
“يا للخسارة.” أخذ الضابط الملتحي جرعة كبيرة من كأسه بخيبة أمل. وانحدر الشراب على لحيته وهو يتمتم، “أتذكّر أن حانة البطل فيها طاهية جميلة…”
مملكة الكوكبة، مدينة النجم الأبدي، المقاطعة الغربية، مدخل مركز شرطة المدينة الغربية.
لم يُعر تاليس اهتمامًا للجنود والقرويين الذين كانوا يشيرون إليه ويتحدّثون همسًا فيما بينهم. ولم يُبالِ بنظراتهم الاحتقارية والعدائية. مضى خلف كينتفيدا وتولجا، متقدّمًا إلى الأمام، وخلفه أعضاء البعثة الدبلوماسية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أتتأكد أنّ الطريقة الأكثر أمانًا هي أن يدخل الجنود القرية ويشربوا مع القرويين؟” كان أحد جنود الشمال يضع ذراعه على أكتاف القرويين ويضحك بصخب فيما مرّ الاثنان بجانبهما. رأى مرافق الأمير الشاب، وايا كاسو، ذلك، فضغط بحذر على مقبض سيفه عند خصره، وبنبرة تنمّ عن عدم اقتناعه قال، “لو كنتُ قاتلًا، لاستطعت الاندساس وسط القرويين.”
“هاهاها…”
“لا تكن متوتّرًا أكثر من اللازم. هذه ليست الكوكبة، بل إكستيدت!” ضحك النائب كينتفيدا بصوت عالٍ. “معظم أهل القرية محاربون قدامى سُرّحوا من الخدمة العسكرية. يمكن الوثوق بهم… وفي الحقيقة، فبدافع شرفهم وكرامتهم، سيكون الأمير، وهو ضيف هنا، أكثر أمانًا في وسطهم.”
خزّن تاليس ذلك في صدره بصمت.
هزّ وايا كتفيه، وأرخى شفتيه معبّرًا عن شكّه.
“هذه المرّة سأهزمك في الشرب، كريدون!” كان رجلان جالسين على طاولة ضخمة تبدو مخصّصة لعرض البضائع عادة. وكانت الطاولة مليئة بالأقداح، وأحد القرويين يضرب عليها بقبضته وهو ينظر إلى الجندي المقابل بلا تراجع. “أستطيع شرب عشرة أقداح خلال دقيقة!”
“لا تقلق.” أومأ تاليس لمُرافقه. “لقد تفرّق الجنود وامتزجوا بالقرية. حتى القتلة سيفكّرون مليًّا في الاحتمالات والعواقب قبل الإقدام على اغتيال.”
“أتتأكد أنّ الطريقة الأكثر أمانًا هي أن يدخل الجنود القرية ويشربوا مع القرويين؟” كان أحد جنود الشمال يضع ذراعه على أكتاف القرويين ويضحك بصخب فيما مرّ الاثنان بجانبهما. رأى مرافق الأمير الشاب، وايا كاسو، ذلك، فضغط بحذر على مقبض سيفه عند خصره، وبنبرة تنمّ عن عدم اقتناعه قال، “لو كنتُ قاتلًا، لاستطعت الاندساس وسط القرويين.”
“هذه قرية الممرّ الجبلي، صحيح؟” التفت بيوتراي حوله بنظرة مفعمة بالحنين. “أذكر أن هنا حانة صاحبها ذائع الصيت…”
سؤال جديد قفز إلى قلب تاليس.
“حانة البطل. افتُتحت قبل عشرين عامًا على يد محاربٍ مُتقاعد،” قال تولجا بخفوت إلى جواره، “نبيذ الجاودار في الحانة مشهور على نطاق واسع.”
(أهل الكوكبة الذين عاشوا حياة مرفّهة…) ضحك كينتفيدا ساخرًا في قلبه. (هذه هي الوجبة المميّزة لحانة البطل، وطعامٌ أساسي لقُرى الشمال مصنوع من الحبوب الخشنة الشائعة.)
كان تاليس، الذي كان يتفحّص المكان حوله بفضول، يتبع كينتفيدا وتولجا بينما يدخلون مبنًى حجريًا أكبر حجمًا. كانت على الباب لافتة كبيرة عليها رسمٌ لكأس خمر. دفع فارس النار البابين ودخل إلى حانة البطل الصاخبة.
“آرشيدوق الرمال السوداء قتل أخاه الأكبر، فاز بحق الوراثة، واتّبع طقسًا يبدو أنه من عهد الإمبراطورية القديمة؟”
تبع تاليس خطاه ودخل المبنى الحجري الدافئ. وما إن تبدّد البرد من جسده حتى لاحظ أن الروّاد الذين يملؤون الحانة قد لاذوا بالصمت فجأة. كانت نظرات كثيرة تنصبّ عليه. تبيّن له أن بعضهم من جنود الشمال، ومن الواضح أنهم وصلوا حديثًا.
وفي لحظة نادرة، احمرّ وجه السكرتيرة.
لكن بعد ثوانٍ قليلة عاد صخب الحانة كما كان، كأن الداخلين مجرد أشخاصٍ عاديين.
“هذه المرّة سأهزمك في الشرب، كريدون!” كان رجلان جالسين على طاولة ضخمة تبدو مخصّصة لعرض البضائع عادة. وكانت الطاولة مليئة بالأقداح، وأحد القرويين يضرب عليها بقبضته وهو ينظر إلى الجندي المقابل بلا تراجع. “أستطيع شرب عشرة أقداح خلال دقيقة!”
“لم تُخلِ الحانة،” قال وايا بعبوس، “إذن، صاحب السموّ—”
“هذه المرّة سأهزمك في الشرب، كريدون!” كان رجلان جالسين على طاولة ضخمة تبدو مخصّصة لعرض البضائع عادة. وكانت الطاولة مليئة بالأقداح، وأحد القرويين يضرب عليها بقبضته وهو ينظر إلى الجندي المقابل بلا تراجع. “أستطيع شرب عشرة أقداح خلال دقيقة!”
ارتفع صوتٌ جهوريٌ عجوزٌ، خشنٌ، كأنه انفجار.
“أنتِ تحبّينه، تُعجَبين به، تعشقينه لدرجة الموت، تريدين إنجاب أطفاله، إلى آخره.” وحين رمقتها السكرتيرة بنظرة غريبة من جديد، هزّت جالا رأسها. “لا شأن لي بهذا… ولا أريد أن أصبح منافِسَتَكِ أو خصمكِ في الحب. أنا هنا فقط لطلب مساعدته.”
“يا فتى، هذه حانتي.” كان شيخٌ ضخم القامة، شعره فضيّ، ووجهه مليء بالتجاعيد، يضع مرفقيه على منضدة البار الخشبية.
خرج رجل طويل، شعره أسود، في الثلاثينيات من عمره، من خلف المنضدة. كان على الجانب الأيسر من وجهه أثر حريق. وأطلق همهمة باردة.
وبتعبيرٍ متعالٍ قال، “لا يهمّ إن كان ملكًا، أو كاهنًا، أو غريبًا، أو حتى تجسُدًا. لا أحد يطرد زبائني من هنا!”
“آسفة، القائد كوهين كارابيان تقدّم بطلب إجازة لمدّة شهر.” نظرت سكرتيرة مركز شرطة المقاطعة الغربية، الآنسة جورا، ببرود إلى الشابّة السمراء ذات الشعر القصير الواقف أمامها. “أعني، لشهرٍ على الأقل.”
عقد وايا حاجبيه.
Arisu-san
ضيّق الشيخ عينيه، ثم انحنى قليلًا لينظر إلى تاليس. ارتسمت على وجهه ملامح غريبة. “يبدو أنكم كُثُر… أنا لا أُقدّم الخدمة إلا لزبائن يستطيعون الدفع.”
“أتتأكد أنّ الطريقة الأكثر أمانًا هي أن يدخل الجنود القرية ويشربوا مع القرويين؟” كان أحد جنود الشمال يضع ذراعه على أكتاف القرويين ويضحك بصخب فيما مرّ الاثنان بجانبهما. رأى مرافق الأمير الشاب، وايا كاسو، ذلك، فضغط بحذر على مقبض سيفه عند خصره، وبنبرة تنمّ عن عدم اقتناعه قال، “لو كنتُ قاتلًا، لاستطعت الاندساس وسط القرويين.”
ابتسم تاليس نحوه.
قطّبت المرأة حاجبيها ببطء وقالت: “هكذا إذن؟ إنه غير موجود…؟”
لم يستطع الأمير إلا أن يلحظ أن الرجل العجوز أمامه، رغم تقدّم عمره—لا بد أنه تجاوز الستين—ما تزال عضلات ذراعيه مشدودة، وخصره عريضًا، ووقفته مستقيمة. وكانت نظرته حادّة مباشرة.
“يا للخسارة.” أخذ الضابط الملتحي جرعة كبيرة من كأسه بخيبة أمل. وانحدر الشراب على لحيته وهو يتمتم، “أتذكّر أن حانة البطل فيها طاهية جميلة…”
“كاسلان! لا تقلق حيال العدد، ولا مسألة النقود!” ضحك كينتفيدا بصوت عالٍ. جلس بلا تحفّظ أمام منضدة البار ثم أخرج كيسًا من النقود. “لدينا الكثير من القطع الذهبية المستديرة التي تحمل نقش رأس رايكارو… ودعني أقول لك شيئًا آخر: آرشيدوق الرمال السوداء طلب منّي أن أرسل إليك سلامه، وأن أحيّي السيدة تاليا!”
“هاهاها…”
رمقه الشيخ بنظرة غامضة.
“والثالث طفل آخر في السابعة أو الثامنة، اسمه رايان. وهو بلا ذراع يمنى.”
خطر ببال تاليس: “إنه مجرد محارب متقاعد وصاحب حانة عادي، ومع ذلك يهتمّ به آرشيدوق الرمال السوداء شخصيًا؟”
“إن يوم ما قبل الشتاء القارس على وشك الوصول.” تثاءب كاسلان وجلب لهم بضعة صحون من الخبز الأسود. ولم يثر الخبز أي شهية لدى الآخرين حين رأوه. “ذاك هديةٌ للجبال.”
لكن كينتفيدا لم ينل الردّ الذي توقّعه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ثمن كل كأس من نبيذ الجاودار ستّ قطع نحاسية اكستيدتية، وسعر الكأس للنبلاء ستّون.” ألقى صاحب الحانة، العجوز كاسلان، نظرة فاترة على كيس النقود، ثم دفعه بعيدًا، مطلقًا همهمة باردة. “وأيضًا، لا أقبل القطع الذهبية.
“لم تُخلِ الحانة،” قال وايا بعبوس، “إذن، صاحب السموّ—”
“خصوصًا الذهب القادم من لامبارد، الذي قتل أفراد عائلته.”
هزّ ذراعه مجددًا، فسقطت تلك الأقداح العشرة تقريبًا على منضدة الحانة. وانتزع براين العود برشاقة ورفع برميل خمرٍ خشبيٍّ ضخم. وبينما كان يسكب الخمر في الأقداح، رمق المجموعة بنظرة عدائية. بل إن عينيه حدّقتا في تاليس أثناء ذلك.
تجمّد تعبير كينتفيدا فورًا.
“لا تقلقي… ليس من النوع الذي يروق لي.” ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه النادلة السابقة.
وصُدم تاليس بدوره. “قتل أفراد عائلته؟”
كان مساعد الحانة سيّئ المزاج، فرفع عودًا خشبيًّا رفيعًا والتفت نحو الخزانة الخشبية خلفه. ثم، بهزّةٍ من ذراعه، خطف آذان عشرةٍ تقريبًا من الأقداح الخشبية ببراعة عظيمة وجذبها، مصطفّةً على العود كأنها سيخ كباب.
رفع كينتفيدا يديه نحو تولجا خلفه، وعلامات الاستسلام بادية عليه.
“وهذا هو ما سبّب الحرب الرابعة لشبه الجزيرة، التي وقعت في السنة 468 من تقويم الإبادة، وقد حوّلت الأمور إلى حرب عالمية حقيقية. لم تعد نيران الحرب محصورة بفصيل يعبر البحر لغزو فصيل آخر، بل امتدت إلى كل زاوية من العالم.”
“كانت معركة وراثة. طقس قديم.” تقدّم تولجا وأخرج كيسًا مليئًا بقطع نحاسية وفضية من إكستيدت. وتابع ببرود دون أن يطرف له جفن، “لقد هزم الأرشيدوقُ أخاه الأكبر، هذا كل شيء… كانت وفاته مجرد حادث.”
ضحكت جالا.
“ليقل ما يشاء. لقد قتل عائلته، وهذا كل شيء!” تلقّى العجوز كاسلان كيس النقود بازدراء. “أما ما يسمّى بمعركة الطقوس القديمة… فذاك أمر ولّى، وكان ما يستعمله مواطنو الإمبراطورية ليجعلونا نقتل بعضنا بعضًا.”
“…الجهة الشماليّة الغربيّة الوعرة من جبال التنهد تشقّ الجزء الشرقي من إكستيدت والكوكبة. برج الإصلاح للآرشيدوق ترينتيدا والبرج القديم المنعزل لعائلة فريس في الكوكبة يقعان كلٌّ على جبل، وبينهما وادٍ يفصل بين القمتين. كلاهما شديد الحذر من الآخر. ومع ذلك، فهما موضعان يسهل الدفاع عنهما ويصعب اقتحامهما.
“آرشيدوق الرمال السوداء قتل أخاه الأكبر، فاز بحق الوراثة، واتّبع طقسًا يبدو أنه من عهد الإمبراطورية القديمة؟”
“لا تكن متوتّرًا أكثر من اللازم. هذه ليست الكوكبة، بل إكستيدت!” ضحك النائب كينتفيدا بصوت عالٍ. “معظم أهل القرية محاربون قدامى سُرّحوا من الخدمة العسكرية. يمكن الوثوق بهم… وفي الحقيقة، فبدافع شرفهم وكرامتهم، سيكون الأمير، وهو ضيف هنا، أكثر أمانًا في وسطهم.”
خزّن تاليس ذلك في صدره بصمت.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ثم ألقى نظرة على ذلك الشيخ الفظّ. (وفوق هذا… يبدو أن لصاحب الحانة خلفية غير عادية. ولا يبدو في صفّ لامبارد.)
“حسنٌ إذن.” رفع كاسلان أنفه. “القطع الفضية للكوكبة أثمن من قطعنا. لا سبب يدعوني لرفض نقودكم.”
(ربما أستطيع استقاء بعض المعلومات منه؟)
وما إن ذُكرت كلمة «جان»، حتى رمق تاليس آيدا خلفه بنظرة عابرة.
“إذن واحد، اثنان، ثلاثة… ستّة، سبعة، ثمانية…” هزّ كاسلان كيس النقود في يده وهو يعدّ الأشخاص الواقفين أمامه.
“تلك هدايا للتجسُدات.” ابتسم صاحب الحانة، الشيخ كاسلان، وتابع: “نعلّق أول صيدٍ نحصل عليه خلال النهار أو أول طعامٍ نلمسه على الشجرة. وهو ملكٌ خالص للتجسُدات… ولا يجوز أن يأكل منه إلا المسافرون الذين اضطُرّوا إلى الخروج أثناء يوم ما قبل الشتاء القارس، لأن ذلك بفضلٍ من التجسُدات.”
“انتظر!” لمعت فكرة في ذهن تاليس، فنطق في اللحظة المناسبة، “دعهم يدفعون بنقود آرشيدوق الرمال السوداء، ولكننا سندفع بنقودنا… نحن، آه… نحو اثني عشر شخصًا…”
“هيه، تولجا، كم سنمكث هنا؟” صرخ جندي ذو لحية كاملة في اتجاههم بصوت مرتفع. بدا كأنه ضابط متوسط الرتبة، وكان يحمل مطرقة حرب وكأسًا خشبيًا في يده الأخرى. “هيا، قل لي إننا سنبيت الليلة هنا!”
تحرّكت عينا كاسلان، فوقع بصره على تاليس، الذي لم يكن يبلغ حتى ارتفاع منضدة البار.
(مم… المذاق ليس سيئًا. أستطيع أن أمضغه حتى النهاية… ليس كالخبز الأسود في الأخوية. عندما يزداد سوءًا كنّا نضطر لشوائه بالنار.)
قطّب كينتفيدا حاجبيه ونظر إلى تاليس، وكأن أمرًا ما قد خطر له.
…
أومأ تاليس في اتجاه بيوتراي. رفع الأخير حاجبيه ثم تقدّم وأخرج بعض القطع الفضية والنحاسية.
(…مع أنني مجرد سكرتيرة في مركز الشرطة، إلا أنني أعرف الكثير من الناس… وأخي يعمل لدى العائلة الملكية، ويلتقي بكثير من الشخصيات المهمّة…)
“آه، أعرف هذا النقش… حارس القسم ميدير، أليس كذلك؟” تناول كاسلان القطع الفضية ورماها بلا مبالاة. ثم اختار القطعة النحاسية التي نُقش عليها رأس ميدير. أمعن النظر فيها قبل أن يرفع رأسه ويضحك، كاشفًا عن أسنان صفراء. “أنتم إذن من الإمبراطورية؟”
(إنها أطول مني. ساقاها أطول من ساقَيّ. و… مؤخرتها أكبر من مؤخرتي.)
ابتسم تاليس وهزّ رأسه. “لا، نحن نأتي من الكوكبة.”
“هذه قرية الممرّ الجبلي، صحيح؟” التفت بيوتراي حوله بنظرة مفعمة بالحنين. “أذكر أن هنا حانة صاحبها ذائع الصيت…”
تغيّر وجه وايا بجانبه، بينما بدا بيوتراي وكأنه يفكّر في شيء.
حدّقت الآنسة جورا بالمرأة في ذهول. تقلّصت حاجباها وتبدّلت ملامحها.
“فهمت، أيها الصغير. أنت أمير الكوكبة… ذاك الذي جاء ليعتذر.” حدّق كاسلان فيه مباشرة. “أمامك رحلة طويلة وشاقة.”
وفي هذه اللحظة، كان وجودُ حرّاسٍ يعرفون لغة الإشارة بالغ الأهمية.
هزّ تاليس كتفيه.
رفعت الآنسة جورا رأسها باندهاش.
“حسنٌ إذن.” رفع كاسلان أنفه. “القطع الفضية للكوكبة أثمن من قطعنا. لا سبب يدعوني لرفض نقودكم.”
ابتسمت الآنسة جورا وأومأت. “بالطبع، ما دام ليس شيئًا سرّيًا للغاية… عمّ تبحثين؟”
“مهلًا!” احتجّ كينتفيدا. “أمِن الممكن أن تكون قطع آرشيدوق لامبارد الذهبية بلا قيمة؟”
“إنه ذكيّ أكثر من اللازم، وناضج أكثر من اللازم.” خفضت جالا عينيها وأكملت شرحها.
“همف، برايان!” تجاهل صاحب حانة البطل الفيكونت، وصرخ بأعلى صوته وهو يقرع النافذة الخشبية خلفه، “عشرون كأسًا من نبيذ الجاودار… العادي يكفي!”
“حسنًا.” أدارت الآنسة جورا رأسها بعيدًا بخجل، ولم يكن الاحمرار قد غادر وجنتيها بعد. نطقت باستسلام: “في الحقيقة، القائد كوهين… عاد إلى برج الإبادة. يمكننا مراسلته عبر الحمام الزاجل. يمكنكِ أن تكتبي له رسالة، ثم—”
خرج رجل طويل، شعره أسود، في الثلاثينيات من عمره، من خلف المنضدة. كان على الجانب الأيسر من وجهه أثر حريق. وأطلق همهمة باردة.
تحرّكت عينا كاسلان، فوقع بصره على تاليس، الذي لم يكن يبلغ حتى ارتفاع منضدة البار.
كان مساعد الحانة سيّئ المزاج، فرفع عودًا خشبيًّا رفيعًا والتفت نحو الخزانة الخشبية خلفه. ثم، بهزّةٍ من ذراعه، خطف آذان عشرةٍ تقريبًا من الأقداح الخشبية ببراعة عظيمة وجذبها، مصطفّةً على العود كأنها سيخ كباب.
(جان في جبال التنهد؟ مهلاً ،سجلات “معركة الإبادة: خراب العالم” بدا وكأنه ذكر هذا من قبل؟)
هزّ ذراعه مجددًا، فسقطت تلك الأقداح العشرة تقريبًا على منضدة الحانة. وانتزع براين العود برشاقة ورفع برميل خمرٍ خشبيٍّ ضخم. وبينما كان يسكب الخمر في الأقداح، رمق المجموعة بنظرة عدائية. بل إن عينيه حدّقتا في تاليس أثناء ذلك.
تغيّر وجه كاسلان. نظر إلى تاليس، وازدادت نظراته امتلاءً بالاهتمام.
“هذا ليس أمرًا يمكن فعله بقوّة ذراعٍ عاديّة.” نظر وايا إلى حركات المساعد وتبدّل وجهه. نطق بنبرة منخفضة: “أستطيع أن أراهن على أنه خبيرٌ بالسيف.”
“ثمن كل كأس من نبيذ الجاودار ستّ قطع نحاسية اكستيدتية، وسعر الكأس للنبلاء ستّون.” ألقى صاحب الحانة، العجوز كاسلان، نظرة فاترة على كيس النقود، ثم دفعه بعيدًا، مطلقًا همهمة باردة. “وأيضًا، لا أقبل القطع الذهبية.
“لا تُبالِ به.” ضحك كاسلان بصوتٍ قوي. “مساعديني هنا جميعهم رجالٌ غلاظ كانوا يومًا جنودًا…”
…
نطق تولجا ببرود، “بطبيعة الحال. حانة البطل هي ملتقى… ومفترق طرق لجنود الشمال المتقاعدين.”
(إذن، لن تحتاجي إلى البحث عن القائد كوهين بعد الآن.)
اكتشف تاليس، وقد خاب أمله، أنه عاجزٌ حتى عن تسلّق المقعد عند منضدة الحانة. لم يكن طويل القامة بما يكفي. ولو تكلّم في تلك اللحظة والجموع تنظر إليه لكان الموقف محرجًا للغاية.
“حانة البطل. افتُتحت قبل عشرين عامًا على يد محاربٍ مُتقاعد،” قال تولجا بخفوت إلى جواره، “نبيذ الجاودار في الحانة مشهور على نطاق واسع.”
وفي هذه اللحظة، كان وجودُ حرّاسٍ يعرفون لغة الإشارة بالغ الأهمية.
“انتظري,” رفعت جالا رأسها وقالت بوجه جاد، “أنا أبحث أيضًا عن صبيّ آخر.”
رفع رالف تاليس ووضعه على المقعد العالي عند منضدة الحانة (أما وايا، الذي اكتشف أنه فشل مرة أخرى في أداء واجبه، فقد عبس مجددًا). جلس كينتفيدا وبيوتراي إلى جانبه. أمّا مواطنو الكوكبة وإكستيدت، فانقسموا إلى مجموعتين واضحتي الحدود، وجلس جنودهم عند طاولتين دائريتين، يرمق بعضهم بعضًا بنظرات حادّة.
“تلك هدايا للتجسُدات.” ابتسم صاحب الحانة، الشيخ كاسلان، وتابع: “نعلّق أول صيدٍ نحصل عليه خلال النهار أو أول طعامٍ نلمسه على الشجرة. وهو ملكٌ خالص للتجسُدات… ولا يجوز أن يأكل منه إلا المسافرون الذين اضطُرّوا إلى الخروج أثناء يوم ما قبل الشتاء القارس، لأن ذلك بفضلٍ من التجسُدات.”
“يا للسماوات.” نظر ويلو إلى زبائن الشمال الصاخبين من حوله، وقد امتلأ حماسًا، وقال: “لم أشرب قط في مكانٍ بعيدٍ إلى هذا الحد.”
قطّب تاليس حاجبيه. كان لا يزال يرى أنّ مستوى الإنتاج في البلاد ونظامها السياسي يجعلان ما يُسمّى بحرب شبه الجزيرة أمرًا غريبًا بعض الشيء.
“أبقِ رمحيكَ قريبَيْن من جانبيكَ.” تحدّث المخضرم جينارد بعبوس: “قد يهجمون علينا في أي لحظة.”
خزّن تاليس ذلك في صدره بصمت.
ارتسمت التفافة طفيفة على شفتي تاليس وهو يستخرج من ذاكرته مهارته القديمة في الأحاديث العابرة. كانت خامدةً منذ زمن. “يا سيّد كاسلان، متى افتتحتَ حانة البطل؟ ولماذا أسميتها بهذا الاسم؟”
“لقد مرّ عشرون عامًا منذ أن افتتحتها.” شاهد كاسلان براين وهو يملأ الأقداح بتكاسل وجلب ثلاثةً منها إلى المنضدة. وطلب من براين أن يأتي بالباقي على صينية. “أُصبت في المعركة فاعتزلت. ثم عدتُ إلى قريتي لأفتح حانة… أمّا سبب تسميتها حانة البطل، فهه، فزوجتي هي من أطلقت عليها هذا الاسم الممل.”
“لقد مرّ عشرون عامًا منذ أن افتتحتها.” شاهد كاسلان براين وهو يملأ الأقداح بتكاسل وجلب ثلاثةً منها إلى المنضدة. وطلب من براين أن يأتي بالباقي على صينية. “أُصبت في المعركة فاعتزلت. ثم عدتُ إلى قريتي لأفتح حانة… أمّا سبب تسميتها حانة البطل، فهه، فزوجتي هي من أطلقت عليها هذا الاسم الممل.”
“يا للسماوات.” نظر ويلو إلى زبائن الشمال الصاخبين من حوله، وقد امتلأ حماسًا، وقال: “لم أشرب قط في مكانٍ بعيدٍ إلى هذا الحد.”
لمس تاليس القدح الخشبي الذي يساوي نصف حجم رأسه، ثم أدرك بعقلانية ألا يمسّه. “أوه، بالمناسبة، عندما دخلتُ القرية رأيتُ شتّى أنواع الطعام معلّقة على الأشجار قرب المدخل. ما الغرض من ذلك؟”
“حقوق صيدها، ونصيب كل طرف، ومناطق الصيد، والفصول التي يُمنع فيها صيد الحيتان؛ كانت هذه دومًا جوهر الجدال بين تلك البلدان الواقعة على الساحلين… وهذا كان الموضوع الرئيسي في الحروب الأربع لشبه الجزيرة. وبالطبع، بعد الحرب الثالثة، تغيّر الوضع السياسي على الساحلين بدرجة كبيرة. علاقتنا بإكستيدت تدهورت تمامًا، وسلالة الفجر والظلام دخلت في صراع مع هانبول على الهيمنة المطلقة في شبه الجزيرة الشرقية. وفي النهاية، تحت سياسة الملك الفاضل، ميدير الثالث، عقدنا تحالفًا مع سلالة الفجر والظلام، بينما اقتربت إكستيدت من هانبول…”
“إن يوم ما قبل الشتاء القارس على وشك الوصول.” تثاءب كاسلان وجلب لهم بضعة صحون من الخبز الأسود. ولم يثر الخبز أي شهية لدى الآخرين حين رأوه. “ذاك هديةٌ للجبال.”
“كانت جبال التنهد في عهد الإمبراطورية القديمة أعلى الجبال جميعًا. كانت السلسلة متصلة بنهر كويكير الجليدي شمالًا، وتمتد جنوبًا عبر مقاطعة الشمال ومقاطعة الجنوب الشرقي، وقد فصلت المنطقة الشمالية من الإمبراطورية. وهي الآن تلّ بحر الشرق في الكوكبة، كما أنها إقطاعية الدوق كولين. إنّ أخطار جبال التنهد وصعوبة تسلّقها جعلت المسافرين يتوقّفون كلما رأوها، فلا يملكون إلا أن ينحنوا برؤوسهم ويتنهّدوا. وهكذا نالت هذا الاسم.” وضع بيوتراي غليونه جانبًا وخفض رأسه بدوره متنهّدًا، كأنّه يجيب كلماته بنفسه.
اعتاد تولجا وكينتفيدا الخبز الأسود، فالتقطاه وأكلا منه مع شراب الجاودار. وكان كينتفيدا يحدّق بوايا الذي لم يعرف كيف يأكل الخبز، كأنه يشاهد عرضًا ممتعًا.
“ما الأمر؟” تنبّهت آيدا لنظراته، وبسطت يديها بضيق. “لا أعرف أيّ جيل من أقاربي عاش هنا أيضًا. تاريخي سيّئ!”
“من الأفضل أن تأكل شيئًا منه.” نطق كينتفيدا ببرود. “علينا أن نتابع طريقنا في الظهيرة… ولن ننصب المخيّم إلا ليلًا.”
(إذن، لن تحتاجي إلى البحث عن القائد كوهين بعد الآن.)
(أهل الكوكبة الذين عاشوا حياة مرفّهة…) ضحك كينتفيدا ساخرًا في قلبه. (هذه هي الوجبة المميّزة لحانة البطل، وطعامٌ أساسي لقُرى الشمال مصنوع من الحبوب الخشنة الشائعة.)
(حرب شبه الجزيرة؟)
حدّق وايا بالخبز الأسود أمامه وهو يقطّب حاجبيه.
“حسنًا.” أدارت الآنسة جورا رأسها بعيدًا بخجل، ولم يكن الاحمرار قد غادر وجنتيها بعد. نطقت باستسلام: “في الحقيقة، القائد كوهين… عاد إلى برج الإبادة. يمكننا مراسلته عبر الحمام الزاجل. يمكنكِ أن تكتبي له رسالة، ثم—”
زفر بيوتراي والتقط قطعة الخبز. (يبدو أن هذا طعام غدائنا اليوم.)
ضَحِكت جالا شارلتون فورًا.
(وربما يفعل كينتفيدا هذا عن عمد. إمّا يختبر موقف الأمير، أو ينتقم منه لأنه أعرض عنه. أحد الأمرين.)
“يوم ما قبل الشتاء القارس قد يستمر بضعة أسابيع إن كان قصيرًا؛ وشهرًا إن طال.” واصل بيوتراي حديثه. “أمّا الهدايا للجبال…”
لكن سرعان ما اكتشف الجميع بدهشة أن الأمير الثاني النبيل لمملكة الكوكبة، الأمير تاليس جيدستار، أخذ قطعةً سميكة وصلبة من الخبز الأسود…
ضَحِكت جالا شارلتون فورًا.
وأطبق عليها بأسنانه دون أي تردد.
أطلقت جالا تنهيدة طويلة وقالت بنبرة منخفضة: “أريد أن أتحقّق من مواقع تهريب الأسلحة من مملكة الكوكبة إلى الدول الأخرى خلال السنوات الماضية… وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأخوية… ورجل يدعى رودا…”
وقد بدا الأمر وكأنه لا يأكل شيئًا عسير البلع، بل…
“لديه شعر أسود، وعينان رماديتان، وعمره نحو سبع أو ثماني سنوات.”
“هديةٌ للجبال؟” مضغ تاليس الخبز القاسي وسأل بفضول بنبرة مكتومة: “يوم ما قبل الشتاء القارس؟”
Arisu-san
(مم… المذاق ليس سيئًا. أستطيع أن أمضغه حتى النهاية… ليس كالخبز الأسود في الأخوية. عندما يزداد سوءًا كنّا نضطر لشوائه بالنار.)
“اندلعت الحرب بسبب الصراع بين شبهَي الجزيرة، على سبيل المثال تناقص اعداد الحيتان في بحر الإبادة. فبعد معركة الإبادة، اكتشفنا أن الزيت الأبدي داخلها هو أفضل أنواع الوقود، بل هو أفضل حتى من الفحم.” قدّم بيوتراي جوابًا عن سؤاله.
تغيّر وجه كاسلان. نظر إلى تاليس، وازدادت نظراته امتلاءً بالاهتمام.
“فهمت، أيها الصغير. أنت أمير الكوكبة… ذاك الذي جاء ليعتذر.” حدّق كاسلان فيه مباشرة. “أمامك رحلة طويلة وشاقة.”
“يوم ما قبل الشتاء القارس ظاهرةٌ طبيعية فريدة في الشمال. في ذلك الوقت، يستقبل الشمال أبرد أيام السنة. ينقص وقت النهار بشدّة. ومن يخرج لا بد أن يرتدي معاطف فروّ سميكة للغاية، وأن يحمل ما يكفي لإبقاء النار مشتعلة، ولا يجوز له الابتعاد كثيرًا. والمدة المتاحة للعمل خارجًا تنحصر في ثلاث ساعات.” راقب بيوتراي بتعبير غريب وجه تاليس وهو يأكل بنهم.
“آسفة، القائد كوهين كارابيان تقدّم بطلب إجازة لمدّة شهر.” نظرت سكرتيرة مركز شرطة المقاطعة الغربية، الآنسة جورا، ببرود إلى الشابّة السمراء ذات الشعر القصير الواقف أمامها. “أعني، لشهرٍ على الأقل.”
(لقد تجولتُ خارجًا طويلًا، فاكتسبتُ أسنانًا صلبة ومعدةً حديدية من مغامراتي… لكن صاحب السمو…)
“اختفى قرب سوق الشارع الأحمر، وربما سقط في يد عصابة قوارير الدم.”
أكل وايا الخبز بوجهٍ عابس، ولم يشعر إلا بالرغبة في التقيؤ. غير أنه حين رأى رالف يستمتع بالخبز، عاد إليه بعض الشهية، إذ اشتعلت روحه التنافسية فورًا.
“حسنًا، كنتُ أمزح فحسب.” وفي ظلّ نظرة السكرتيرة القاتلة، ضحكت وريثةُ زهرة المُغتال وهي تمسك بموضع بطنها وتلوّح بيدها. “لقد التقيتُ بذلك الشرطي الأشقر مرّةً واحدة فقط.”
“يوم ما قبل الشتاء القارس قد يستمر بضعة أسابيع إن كان قصيرًا؛ وشهرًا إن طال.” واصل بيوتراي حديثه. “أمّا الهدايا للجبال…”
ضَحِكت جالا شارلتون فورًا.
“تلك هدايا للتجسُدات.” ابتسم صاحب الحانة، الشيخ كاسلان، وتابع: “نعلّق أول صيدٍ نحصل عليه خلال النهار أو أول طعامٍ نلمسه على الشجرة. وهو ملكٌ خالص للتجسُدات… ولا يجوز أن يأكل منه إلا المسافرون الذين اضطُرّوا إلى الخروج أثناء يوم ما قبل الشتاء القارس، لأن ذلك بفضلٍ من التجسُدات.”
وبعد برهة، خفضت السمراء رأسها وحدّقت في شعار “سيفا البرجين التوأمين” على يدها اليمنى. ثم ارتسمت ابتسامة على شفتيها.
“تجسُدات…” ابتلع تاليس الخبز. “أي تجسيد؟ الغروب؟ القمر الساطع؟ الليل الداكن؟”
“وهذا هو ما سبّب الحرب الرابعة لشبه الجزيرة، التي وقعت في السنة 468 من تقويم الإبادة، وقد حوّلت الأمور إلى حرب عالمية حقيقية. لم تعد نيران الحرب محصورة بفصيل يعبر البحر لغزو فصيل آخر، بل امتدت إلى كل زاوية من العالم.”
في ذاكرته، كانت التجسُدات الأكثر انتشارًا والتي لها قاعات في مدينة النجم الأبدي هي هذه الثلاثة.
“يوم ما قبل الشتاء القارس ظاهرةٌ طبيعية فريدة في الشمال. في ذلك الوقت، يستقبل الشمال أبرد أيام السنة. ينقص وقت النهار بشدّة. ومن يخرج لا بد أن يرتدي معاطف فروّ سميكة للغاية، وأن يحمل ما يكفي لإبقاء النار مشتعلة، ولا يجوز له الابتعاد كثيرًا. والمدة المتاحة للعمل خارجًا تنحصر في ثلاث ساعات.” راقب بيوتراي بتعبير غريب وجه تاليس وهو يأكل بنهم.
لكن كاسلان ابتسم. “ليسوا هم. ما نُحييه هو التجسيد الذي بُجل منذ الأزمنة القديمة في الشمال، بل وفي العالم. يعتني بالأرض والجبال، وهو تجسيدٌ كريم يحمي المسافرين في العراء.
“والثانية فتاة صغيرة لها ندبة دائرية من حرق على وجهها. إنها كوريا، في الرابعة أو الخامسة.
“الناس يسمّونه…
(وأنقذتُ حياته.)
“سيّد الجبال.”
وأطبق عليها بأسنانه دون أي تردد.
…
“يا للسماوات.” نظر ويلو إلى زبائن الشمال الصاخبين من حوله، وقد امتلأ حماسًا، وقال: “لم أشرب قط في مكانٍ بعيدٍ إلى هذا الحد.”
مملكة الكوكبة، مدينة النجم الأبدي، المقاطعة الغربية، مدخل مركز شرطة المدينة الغربية.
ضحكت جالا.
“آسفة، القائد كوهين كارابيان تقدّم بطلب إجازة لمدّة شهر.” نظرت سكرتيرة مركز شرطة المقاطعة الغربية، الآنسة جورا، ببرود إلى الشابّة السمراء ذات الشعر القصير الواقف أمامها. “أعني، لشهرٍ على الأقل.”
وتوقّفت جالا عن الكلام فجأة، وكأن خاطرًا خطر لها.
(إنها أطول مني. ساقاها أطول من ساقَيّ. و… مؤخرتها أكبر من مؤخرتي.)
Arisu-san
فكّرت الآنسة جورا بغضب.
نظرت إلى نظرة جالا الصادقة، وعجزت عن الكلام. غاب ذهنها فجأة، ولم تعد تدري ما الذي ينبغي فعله.
(لحسن الحظ، صدري أكبر من صدرها.)
تأملت الآنسة جورا السمراء بنظرة استنكار.
ثم اعتدلت الآنسة جورا، وقد شعرت بالفخر بجسدها. ولوّت شعرها الأحمر الطويل، وقالت باعتزاز: “إن كنتِ تبحثين عنه، يمكنكِ ترك رسالة… أنا أراه كثيرًا، وأستطيع إيصال رسالتك له.”
“إنه ذكيّ أكثر من اللازم، وناضج أكثر من اللازم.” خفضت جالا عينيها وأكملت شرحها.
(وفوق ذلك، ليست أنثوية مثلي. إنها تبدو كالصبي.)
“إنه ذكيّ أكثر من اللازم، وناضج أكثر من اللازم.” خفضت جالا عينيها وأكملت شرحها.
تأملت الآنسة جورا السمراء بنظرة استنكار.
تذكّر تاليس الملك في منتصف العمر، حامل الصولجان، ذي الابتسامة الهادئة. كان أحد ملوك الكوكبة الثلاثة في قاعة مينديس. وكانت صورته منقوشة على العملة الفضية للبلاد ومحفورة على صدر تاليس. ثم تذكّر الأختين كورليوني وما يُسمّى بـ”تحالف الليل المرصّع بالنجوم”.
قطّبت المرأة حاجبيها ببطء وقالت: “هكذا إذن؟ إنه غير موجود…؟”
تابعوا التقدّم، فيما واصل الجنود بجانبهم إلقاء النظرات نحوهم. وبعد قليل ظهرَت قرية أمام أعينهم.
(نعم، وهي تتحدث بفظاظةٍ شديدة… لا تبدو امرأة البتّة.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ما إن خطر هذا ببال الآنسة جورا حتى تحسّن مزاجها فورًا.
وتطلّعت الآنسة جورا بوجه متوقع.
(أجل، هذا صوتُ تنّين… ) لكنها أبت أن تعترف بأنه بدا بطوليًّا.
قبضت الآنسة جورا يدها في قلبها. (أتظنّين أن الأمر ينتهي ببساطة لأنك قلتِ إنكِ لا تحبّينه؟ يا للسخرية… لا تستهيني بهوس امرأة، سواء كان هوسها أو هوس منافِستِها!)
ظلّت السمراء صامتة لحظة وهي تنظر إلى الآنسة جورا.
أومأ تاليس في اتجاه بيوتراي. رفع الأخير حاجبيه ثم تقدّم وأخرج بعض القطع الفضية والنحاسية.
وشعرت الآنسة جورا بقليل من الحرج.
اكتشف تاليس، وقد خاب أمله، أنه عاجزٌ حتى عن تسلّق المقعد عند منضدة الحانة. لم يكن طويل القامة بما يكفي. ولو تكلّم في تلك اللحظة والجموع تنظر إليه لكان الموقف محرجًا للغاية.
وبعد برهة، خفضت السمراء رأسها وحدّقت في شعار “سيفا البرجين التوأمين” على يدها اليمنى. ثم ارتسمت ابتسامة على شفتيها.
حدّق وايا بالخبز الأسود أمامه وهو يقطّب حاجبيه.
“حسنًا. رجاءً، بلّغي له هذه الرسالة.” نظرت السمراء إلى تعابير الآنسة جورا وقالت بنبرة يمازجها التهكّم: “فقط قولي…”
هزّ وايا كتفيه، وأرخى شفتيه معبّرًا عن شكّه.
وتحت نظرة السكرتيرة المتململة، لعقت السمراء شفتيها.
تغيّر وجه الآنسة جورا، كأن صاعقة ضربتها.
“المرأة التي استلقت في حضنه يومذاك في سوق الشارع الأحمر… تشتاق إليه.”
رفع كينتفيدا يديه نحو تولجا خلفه، وعلامات الاستسلام بادية عليه.
تغيّر وجه الآنسة جورا، كأن صاعقة ضربتها.
حدّقت الآنسة جورا بالمرأة في ذهول. تقلّصت حاجباها وتبدّلت ملامحها.
(سوق الشارع الأحمر… استلقت… في حضنه… امرأة… تشتاق إليه…)
لم يستطع الأمير إلا أن يلحظ أن الرجل العجوز أمامه، رغم تقدّم عمره—لا بد أنه تجاوز الستين—ما تزال عضلات ذراعيه مشدودة، وخصره عريضًا، ووقفته مستقيمة. وكانت نظرته حادّة مباشرة.
حدّقت الآنسة جورا بالمرأة في ذهول. تقلّصت حاجباها وتبدّلت ملامحها.
ثم اعتدلت الآنسة جورا، وقد شعرت بالفخر بجسدها. ولوّت شعرها الأحمر الطويل، وقالت باعتزاز: “إن كنتِ تبحثين عنه، يمكنكِ ترك رسالة… أنا أراه كثيرًا، وأستطيع إيصال رسالتك له.”
(كيف يكون هذا؟ هذه المرأة؟ مع القائد كوهين الوسيم… هما…)
“كانت جبال التنهد في عهد الإمبراطورية القديمة أعلى الجبال جميعًا. كانت السلسلة متصلة بنهر كويكير الجليدي شمالًا، وتمتد جنوبًا عبر مقاطعة الشمال ومقاطعة الجنوب الشرقي، وقد فصلت المنطقة الشمالية من الإمبراطورية. وهي الآن تلّ بحر الشرق في الكوكبة، كما أنها إقطاعية الدوق كولين. إنّ أخطار جبال التنهد وصعوبة تسلّقها جعلت المسافرين يتوقّفون كلما رأوها، فلا يملكون إلا أن ينحنوا برؤوسهم ويتنهّدوا. وهكذا نالت هذا الاسم.” وضع بيوتراي غليونه جانبًا وخفض رأسه بدوره متنهّدًا، كأنّه يجيب كلماته بنفسه.
ضَحِكت جالا شارلتون فورًا.
(…مع أنني مجرد سكرتيرة في مركز الشرطة، إلا أنني أعرف الكثير من الناس… وأخي يعمل لدى العائلة الملكية، ويلتقي بكثير من الشخصيات المهمّة…)
“هاهاها…”
“ربما يمكنكِ مساعدتي في الواقع,” قالت جالا ببطء، “يا جورا، أنتِ سكرتيرة مركز الشرطة. يمكنكِ رؤية جميع الملفات، والمكافآت، والمعلومات الموجودة هناك. هل لكِ أن تراقبي لي بعض الأخبار؟”
“حسنًا، كنتُ أمزح فحسب.” وفي ظلّ نظرة السكرتيرة القاتلة، ضحكت وريثةُ زهرة المُغتال وهي تمسك بموضع بطنها وتلوّح بيدها. “لقد التقيتُ بذلك الشرطي الأشقر مرّةً واحدة فقط.”
(جان في جبال التنهد؟ مهلاً ،سجلات “معركة الإبادة: خراب العالم” بدا وكأنه ذكر هذا من قبل؟)
(وأنقذتُ حياته.)
وفي هذه اللحظة، كان وجودُ حرّاسٍ يعرفون لغة الإشارة بالغ الأهمية.
“أنتِ تحبّينه، تُعجَبين به، تعشقينه لدرجة الموت، تريدين إنجاب أطفاله، إلى آخره.” وحين رمقتها السكرتيرة بنظرة غريبة من جديد، هزّت جالا رأسها. “لا شأن لي بهذا… ولا أريد أن أصبح منافِسَتَكِ أو خصمكِ في الحب. أنا هنا فقط لطلب مساعدته.”
كان تاليس، الذي كان يتفحّص المكان حوله بفضول، يتبع كينتفيدا وتولجا بينما يدخلون مبنًى حجريًا أكبر حجمًا. كانت على الباب لافتة كبيرة عليها رسمٌ لكأس خمر. دفع فارس النار البابين ودخل إلى حانة البطل الصاخبة.
“لا تقلقي… ليس من النوع الذي يروق لي.” ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه النادلة السابقة.
تذكّر تاليس الملك في منتصف العمر، حامل الصولجان، ذي الابتسامة الهادئة. كان أحد ملوك الكوكبة الثلاثة في قاعة مينديس. وكانت صورته منقوشة على العملة الفضية للبلاد ومحفورة على صدر تاليس. ثم تذكّر الأختين كورليوني وما يُسمّى بـ”تحالف الليل المرصّع بالنجوم”.
وفي لحظة نادرة، احمرّ وجه السكرتيرة.
“وهذا هو ما سبّب الحرب الرابعة لشبه الجزيرة، التي وقعت في السنة 468 من تقويم الإبادة، وقد حوّلت الأمور إلى حرب عالمية حقيقية. لم تعد نيران الحرب محصورة بفصيل يعبر البحر لغزو فصيل آخر، بل امتدت إلى كل زاوية من العالم.”
نظرت إلى نظرة جالا الصادقة، وعجزت عن الكلام. غاب ذهنها فجأة، ولم تعد تدري ما الذي ينبغي فعله.
“حسنًا، سأكتب له رسالة.” أومأت النادلة السابقة الشابة، وكأنها تفكّر في أمر ما. “شكرًا لكِ، يا آنسة جورا.”
ظلّتا صامتتين نحو عشر ثوانٍ أو أكثر.
ابتسم تاليس نحوه.
“حسنًا.” أدارت الآنسة جورا رأسها بعيدًا بخجل، ولم يكن الاحمرار قد غادر وجنتيها بعد. نطقت باستسلام: “في الحقيقة، القائد كوهين… عاد إلى برج الإبادة. يمكننا مراسلته عبر الحمام الزاجل. يمكنكِ أن تكتبي له رسالة، ثم—”
خزّن تاليس ذلك في صدره بصمت.
ضحكت جالا.
ضَحِكت جالا شارلتون فورًا.
“حسنًا، سأكتب له رسالة.” أومأت النادلة السابقة الشابة، وكأنها تفكّر في أمر ما. “شكرًا لكِ، يا آنسة جورا.”
“هاهاها…”
“صراحةً، إن لم يكن الأمر مزعجًا للغاية,” قالت السكرتيرة وفي صوتها شيء من الحرج، “ربما أستطيع مساعدتكِ. فأنتِ أيضًا صديقةٌ لكوهين…”
“إذن واحد، اثنان، ثلاثة… ستّة، سبعة، ثمانية…” هزّ كاسلان كيس النقود في يده وهو يعدّ الأشخاص الواقفين أمامه.
(…مع أنني مجرد سكرتيرة في مركز الشرطة، إلا أنني أعرف الكثير من الناس… وأخي يعمل لدى العائلة الملكية، ويلتقي بكثير من الشخصيات المهمّة…)
“وأيضًا…” ترددت جالا، لكنها قالت أخيرًا: “أريد العثور على ثلاثة أطفال… لهم سمات مميّزة جدًّا، وقد تكون الأخوية قد اختطفتهم. لكنهم ليسوا في مدينة النجم الأبدي…”
(إذن، لن تحتاجي إلى البحث عن القائد كوهين بعد الآن.)
“لديه شعر أسود، وعينان رماديتان، وعمره نحو سبع أو ثماني سنوات.”
قبضت الآنسة جورا يدها في قلبها. (أتظنّين أن الأمر ينتهي ببساطة لأنك قلتِ إنكِ لا تحبّينه؟ يا للسخرية… لا تستهيني بهوس امرأة، سواء كان هوسها أو هوس منافِستِها!)
(حرب شبه الجزيرة؟)
نظرت جالا إلى جورا بدهشة، ثم ارتسمت ابتسامة على شفتيها.
لم يُعر تاليس اهتمامًا للجنود والقرويين الذين كانوا يشيرون إليه ويتحدّثون همسًا فيما بينهم. ولم يُبالِ بنظراتهم الاحتقارية والعدائية. مضى خلف كينتفيدا وتولجا، متقدّمًا إلى الأمام، وخلفه أعضاء البعثة الدبلوماسية.
“لن تستطيعي مساعدتي في هذا.” هزّت جالا رأسها بيأس. “ما زلتِ صغيرة…”
ضحكت جالا.
وتوقّفت جالا عن الكلام فجأة، وكأن خاطرًا خطر لها.
أن تعبر البحر وتخوض حملة على شبه الجزيرة الأخرى… كم يتطلب ذلك من الأيدي العاملة والإمدادات؟ وهل يمكن لكمية ضئيلة من الزيت الأبدي أن تعوّض النتائج والتبعات والمعاناة التي تجلبها تلك الحروب؟
وتطلّعت الآنسة جورا بوجه متوقع.
خفت بريق عيني جالا. “إنّه… صبيّ لا يبدو كغيره من الصبية.”
“ربما يمكنكِ مساعدتي في الواقع,” قالت جالا ببطء، “يا جورا، أنتِ سكرتيرة مركز الشرطة. يمكنكِ رؤية جميع الملفات، والمكافآت، والمعلومات الموجودة هناك. هل لكِ أن تراقبي لي بعض الأخبار؟”
رفع تاليس رأسه ووسّع مجاله البصري، ثم نفث نفخة من الهواء الدافئ وسط ذلك البرد القارس.
ابتسمت الآنسة جورا وأومأت. “بالطبع، ما دام ليس شيئًا سرّيًا للغاية… عمّ تبحثين؟”
“حسنًا. رجاءً، بلّغي له هذه الرسالة.” نظرت السمراء إلى تعابير الآنسة جورا وقالت بنبرة يمازجها التهكّم: “فقط قولي…”
أطلقت جالا تنهيدة طويلة وقالت بنبرة منخفضة: “أريد أن أتحقّق من مواقع تهريب الأسلحة من مملكة الكوكبة إلى الدول الأخرى خلال السنوات الماضية… وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأخوية… ورجل يدعى رودا…”
(حرب شبه الجزيرة؟)
أخرجت الآنسة جورا قلمًا وورقة.
“من الأفضل أن تأكل شيئًا منه.” نطق كينتفيدا ببرود. “علينا أن نتابع طريقنا في الظهيرة… ولن ننصب المخيّم إلا ليلًا.”
“وأيضًا…” ترددت جالا، لكنها قالت أخيرًا: “أريد العثور على ثلاثة أطفال… لهم سمات مميّزة جدًّا، وقد تكون الأخوية قد اختطفتهم. لكنهم ليسوا في مدينة النجم الأبدي…”
(إذن، لن تحتاجي إلى البحث عن القائد كوهين بعد الآن.)
رفعت الآنسة جورا رأسها بفضول.
“خلال الحربين الأولى والثانية لشبه الجزيرة، عبرت قوات الحلفاء من شبه الجزيرة الشرقية بحر الإبادة وهبطت عند تلّ بحر الشرق أو تلّ الساحل الجنوبي في الكوكبة. كان ذلك لأن منطقة منحدرات البحر في الكوكبة وميناء الضفة الشرقية في إكستيدت يمتلكان منحدرًا بحريًا طبيعيًا. يسهل الدفاع عنه ويصعب الهجوم عليه بسبب جدرانه الشاهقة، وذلك بفضل جبال التنهد… وفي الحرب الثالثة لشبه الجزيرة، تظاهرت جيوش شبه الجزيرة الشرقية بمهاجمة ميناء بحر الشرق في الكوكبة، لكنها شنّت هجومًا مباغتًا على سواحل إكستيدت. بعدد قليل من الجنود، صعدوا المنحدر البحري وأحرزوا نتائج مذهلة. وفي النهاية اخترقوا مدينة إيلافور ودخلوا قلب إكستيدت…”
“أحدهم صبيّ يبلغ العاشرة يُدعى سينتي. وهو أكبر قليلًا من الطفل العادي.
الفصل 111: حانة كاسلان
“والثانية فتاة صغيرة لها ندبة دائرية من حرق على وجهها. إنها كوريا، في الرابعة أو الخامسة.
وشعرت الآنسة جورا بقليل من الحرج.
“والثالث طفل آخر في السابعة أو الثامنة، اسمه رايان. وهو بلا ذراع يمنى.”
“ليس الأمر كذلك.” هزّ بيوتراي رأسه. “إن التحالف مع سلالة الفجر والظلام كان أمرًا طبيعيًا جرى بتطوّر الأحداث نفسه. لدى أهل الشرق البعيد مثلٌ قديم يقول: ‘كوّن علاقة طيبة مع حلفائك البعيدين، وهاجم أعداءك القريبين.'”
“هذا كل شيء؟” أومأت الآنسة جورا. “سوف أعود لأرى إن كانت هناك أي بلاغات أو تقارير بشأن تصدّعات في شبكات مهربي البشر…”
“وهذا هو ما سبّب الحرب الرابعة لشبه الجزيرة، التي وقعت في السنة 468 من تقويم الإبادة، وقد حوّلت الأمور إلى حرب عالمية حقيقية. لم تعد نيران الحرب محصورة بفصيل يعبر البحر لغزو فصيل آخر، بل امتدت إلى كل زاوية من العالم.”
“انتظري,” رفعت جالا رأسها وقالت بوجه جاد، “أنا أبحث أيضًا عن صبيّ آخر.”
“صراحةً، إن لم يكن الأمر مزعجًا للغاية,” قالت السكرتيرة وفي صوتها شيء من الحرج، “ربما أستطيع مساعدتكِ. فأنتِ أيضًا صديقةٌ لكوهين…”
“اختفى قرب سوق الشارع الأحمر، وربما سقط في يد عصابة قوارير الدم.”
زفر بيوتراي والتقط قطعة الخبز. (يبدو أن هذا طعام غدائنا اليوم.)
“لديه شعر أسود، وعينان رماديتان، وعمره نحو سبع أو ثماني سنوات.”
“الناس يسمّونه…
خفت بريق عيني جالا. “إنّه… صبيّ لا يبدو كغيره من الصبية.”
“ربما يمكنكِ مساعدتي في الواقع,” قالت جالا ببطء، “يا جورا، أنتِ سكرتيرة مركز الشرطة. يمكنكِ رؤية جميع الملفات، والمكافآت، والمعلومات الموجودة هناك. هل لكِ أن تراقبي لي بعض الأخبار؟”
رفعت الآنسة جورا رأسها باندهاش.
هزّ تاليس كتفيه.
“إنه ذكيّ أكثر من اللازم، وناضج أكثر من اللازم.” خفضت جالا عينيها وأكملت شرحها.
أومأ تاليس في اتجاه بيوتراي. رفع الأخير حاجبيه ثم تقدّم وأخرج بعض القطع الفضية والنحاسية.
“هكذا إذن؟ طفل ناضج، همم؟” هزّت السكرتيرة كتفيها واستمرت في تدوين الملاحظات.
ابتسمت الآنسة جورا وأومأت. “بالطبع، ما دام ليس شيئًا سرّيًا للغاية… عمّ تبحثين؟”
“يقول أخي إنه رأى أطفالًا كهؤلاء من قبل؛ فتى وفتاة.”
“من الأفضل أن تأكل شيئًا منه.” نطق كينتفيدا ببرود. “علينا أن نتابع طريقنا في الظهيرة… ولن ننصب المخيّم إلا ليلًا.”
“على كل حال، سأراقب الأمر لأجلك.”
تغيّر وجه وايا بجانبه، بينما بدا بيوتراي وكأنه يفكّر في شيء.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(وفوق ذلك، ليست أنثوية مثلي. إنها تبدو كالصبي.)
اعتاد تولجا وكينتفيدا الخبز الأسود، فالتقطاه وأكلا منه مع شراب الجاودار. وكان كينتفيدا يحدّق بوايا الذي لم يعرف كيف يأكل الخبز، كأنه يشاهد عرضًا ممتعًا.
