الكوكبة والتنين والإمبراطورية التي ولت منذ زمن طويل
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم يقل بيوتراي ولا كينتفيدا شيئًا بعد ذلك، لكن ملامحهما كانت كئيبة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تجمّد صوت كينتفيدا، وعيناه اشتدّتا برودة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
كان كينتفيدا على وشك الردّ حين أطلق تاليس تنهيدة طويلة.
Arisu-san
“سلالة؟” أطلق كينتفيدا ضحكةً ساخرة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تبادل بيوتراي وكينتفيدا نظرةَ دهشةٍ صامتة.
الفصل 112: الكوكبة والتنين والإمبراطورية التي ولت منذ زمن طويل
“تابع يا فيكونت كينتفيدا.” ابتسم تاليس بخفّة. “أنا مهتمٌّ بكلّ معرفة.”
…
هذه أمورٌ لم يكن ليسمعها أبدًا داخل الكوكبة.
“سيدُ الجبال؟”
اشتدّ ضحك كاسلان أكثر فأكثر.
تجمّد تاليس بدهشة. “لِمَ لم أسمع بهذا من قبل؟”
تبادل بيوتراي وكينتفيدا نظرةَ دهشةٍ صامتة.
ضحك بيوتراي بخفوت، وشرح. “لأن هذا التجسيد لا يملك ناطقًا باسمه في عالم البشر، ولهذا لا قاعة له ولا دير. وحتى السجلات التي توثّق تجليّ حضوره أو قوّته نادرةٌ للغاية. إنّه لا يوجد إلا في القصص والأساطير التي تناقلها الناس شفهيًا. أمّا للمسافرين الذين يجوبون الجبال والسُّهول، فإن تبجيل سيد الجبال تمنحهم راحةَ البال وتحفظهم من الأخطار في أسفارهم البعيدة عن الديار. لذلك فإن تقديم القرابين للجبال ليس سوى طقسٍ رمزيّ، وسيلةٍ لمساعدة المسافرين على تجاوز البرد القارس.”
“أحسنت يا أمير الكوكبة الثاني!” صاح كاسلان ضاحكًا وهو يصفع الطاولة بحماسة وينظر إلى تاليس. “لم يريا الإمبراطورية قط!”
“منقولٌ شفهيًا؟”
ومنذ أكثر من ألفٍ وخمسمائة عام، كان كيسو لامبارد مجرد حطّابٍ بسيط في مقاطعة الشمال التابعة للإمبراطورية القديمة. غير أنه كان ذا مهارةٍ فائقة، جريئًا وعادلًا، يساعد الضعفاء والفقراء، ذائع الصيت بين الناس حتى إنّ دوق المقاطعة، آروند، سمع بذكره.”
“في عصر الإمبراطورية القديمة، كان سيد الجبال إيمانًا مشتركًا بين جميع البشر. ليس بيننا نحن سكان الشمال فحسب، بل أيضًا بينكم أنتم الرودوليين الذين شيّدوا الإمبراطورية في قلب العالم، والكالونسيين في أرض الأشواك الجنوبية الغربية وأرض ذوي الدماء التنّينية، وشعب العظم القاحل في الصحراء العظمى، و«اللصوص» في الشرق الأدنى، أي النيدانيين، والسيلس الذين يرعون في السهول الشرقية، وأولئك ذوو البشرة القرمزية من أقصى الجنوب، والكاسايين الذين يجوبون الجزر بمهارةٍ عظيمة. باستثناء أهل المشرق الأقصى، كان جميع البشر تقريبًا يعرفون ويقرّون بوجود سيد الجبال.” شرب كاسلان العجوز جرعةً من شرابه وتكلّم بعاطفةٍ جياشة من وراء منضدة الحانة.
هذه أمورٌ لم يكن ليسمعها أبدًا داخل الكوكبة.
“أما الآن، فباستثناء الأرياف في أرض الشمال، حيث لا يزال الناس على فطرتهم الصافية وتُرى بقايا تلك المعتقدات البسيطة… فقد اختفى اسم سيد الجبال تقريبًا، شأنه شأن عددٍ لا يُحصى من تقاليد الشمال الثمينة. ولم يبقَ سوى القاعات الكبرى التي تحرسها السلطة والمال.”
رمقه بنظرة حادّة قبل أن يستدير عائدًا إلى المطبخ الخلفي.
“الرودوليون وسكان الشمال؟” خفَض تاليس رأسه بفضولٍ وبدأ يأكل قطعةَ خبزٍ أخرى. “أذكر أن لقب الملك الأعلى لمملكة الكوكبة يتضمّن—”
“أبناء الشمال لا يؤمنون بالسلالات. الأبطال الذين يقدرون على حمل أعباء المملكة وشعبها يصبحون ملوكًا بطبيعتهم.” ضيّق النائب عينيه وتابع بنبرةٍ جادّة: “صاحب السمو، أنصت جيّدًا. إن الإمبراطورية التي حكمتها تلك العائلة التي وُلدتَ فيها لم تخلّف للعالم سوى كابوسٍ من الفوضى والاضطراب.”
“نعم، نحن نعلم.” ضحك مستشار الآرشيدوق لامبارد، الفيكونت كينتفيدا، بسخريةٍ ماكرة، ثم قال: “إنه السيّد الأعلى على الرودوليين وسكان الشمال في شبه الجزيرة الغربية. لكنّي أنصحك بصدقٍ أن تُسقط الجزء الثاني في إكستيدت، فسكّان الشمال لم يعترفوا يومًا بسيادتكم علينا.”
“ثم كان هناك قاعة الفرسان الشمالية، التي دمّرها الإمبراطور قبل ألف عام… المهد والأرض المقدّسة التي وُلد منها الفرسان. المكان الأسطوري الذي اتحد فيه البشر لمحاربة الأورك القدماء! ”
“من معرفتي، كان ثلثا إقليم الشمال في عهد الإمبراطورية القديمة داخل حدود إكستيدت، بينما كان الثلث الباقي في الإقليم الشمالي للكوكبة. اهل الكوكبة كانوا يُسمّون أنفسهم سكان الشمال، ويُقرّون بسيادة الملك الأعلى.” ردّ بيوتراي بحدّة.
“في النهاية، علم الإمبراطور بما حدث. فأصدر مرسومًا لم تُكتب عليه سوى كلمتين.”
“وهنا تكمن المشكلة.” نقر الفيكونت كينتفيدا على سطح المنضدة متأملًا. “الشمال لأهل الشمال. فلمَ ينبغي أن يخضعوا لحكم الكوكبة، ولحكم ملكٍ رودولي؟”
اتّسعت دهشة بيوتراي، فيما عقد كينتفيدا حاجبيه قليلًا.
أدرك تاليس فجأة أن “الشمال” يُشير إلى إقليم الشمال قبل ألف عامٍ إبّان الإمبراطورية القديمة، وأنه مفهومٌ جغرافيّ. أمّا “سكان الشمال”، فهو وصفٌ أسبق من الإمبراطورية نفسها، يُطلق على البشر الذين عاشوا على تلك الأرض. أمّا إكستيدت، التي لم تُؤسّس إلا بعد معركة الإبادة، فمفهومها أقل أهمية من مفهوم الشمال نفسه، وأقلّ بكثير من مفهوم سكان الشمال.
“أم… شكرًا على نصيحتك.” حكّ تاليس رأسه بارتباكٍ وأطلق ضحكةً جافة. “وجهة نظرٍ جديدة حقًا.”
وكان الأمر مماثلًا بالنسبة للكوكبة، المملكة التي لم توجد إلا بعد معركة الإبادة. في الحقيقة، كان أولئك الذين عاشوا على الأرض التي قامت عليها الكوكبة يُعرفون باسم “الرودوليين” قبل آلاف السنين، ويبدو أنهم كانوا العِرق الرئيسي في الإمبراطورية القديمة.
ظهر برايان، عامل الحانة ذو الندبة المحروقة في وجهه. كعادته، كان يبدو متجهّمًا كأن الجميع مدينون له بثمن الشراب. وبإشارة من ربّ عمله، رمى كأسًا على الطاولة بخشونة ودفعها نحو تاليس. كان الشراب ذا لون مختلف عن بقية الكحول.
أما اليوم، فسكّان الشمال والرودوليون قد تفرّقوا وسكنوا كلًا من منطقة الرمال السوداء في إكستيدت والإقليم الشمالي للكوكبة.
“فرضت؟” بدا أن بيوتراي قد استُفزّ. “فرسان الملوك الإقطاعيين في الشمال بايعوا الإمبراطور الأعظم كاميلوت كارلوس في الوقت نفسه الذي انضوى فيه فرسان البلاد الشوفينية القديمة تحت رايته. . كنتم جميعًا من أوائل الداعمين للإمبراطور العظيم وأكثرهم نشاطًا في تأسيس الإمبراطورية!”
خفض تاليس رأسه ونظر عرضًا إلى رواسب القمح في قاع كأسه، فتذكّر حانة الغروب في السوق السفلي لمدينة النجم الأبدي، وتذكّر جالا، الساقيةَ المرحة، والطاهي الضخم ذي الملامح الغاضبة، وإدموند، وصاحب الحانة الذي لم يره إلا مرّتين أو ثلاثًا.
“بل أكثر من ذلك، فجيشكم لا يزال يتبع الأنظمة التي وضعتها الإمبراطورية. ما زلتم تقسّمون الجنود إلى ألوية وكتائب وحرس وسرايا. وما زلتم تصنّفون النبلاء على نمط الإمبراطورية إلى دوقات وكونتات ونبلاء صغار وأسياد… لولا الإمبراطورية، لظلّت الأراضي الشمالية غارقة في الفوضى—متخلفة وهمجية!”
“لِمَ؟ لأن هذا هو التاريخ.” تكلّم بيوتراي بهدوء. “اليوم، سواء في منطقة الرمال السوداء أو الإقليم الشمالي، فقد عاش الرودوليون وسكان الشمال معًا لسنين طويلة، ولم يعودوا يُحدثون أي تمييز فيما بينهم.”
الفصل 112: الكوكبة والتنين والإمبراطورية التي ولت منذ زمن طويل
“همف، بل لأنكم استوليتم على أرض الشمال وشعبها!” اعترض كينتفيدا. “لقد اغتصبتم القلعة الباردة قبل أربعمائة عام، والبرجَ القديم المنعزل قبل مئتين، إن إقليمكم الشمالي هو أرضُنا الجنوبية!”
“رجوه أن يتعاون معهم في جمع الضرائب وتجنيد العمّال، لكنه رفض. طلبوا منه أن يدعو الشماليين للخضوع للإمبراطورية، فرفض. ثم أمروه بالقبض على مثيري الشغب باسم الإمبراطورية، فرفض أيضًا.”
وبينما احتدم الجدل بين كينتفيدا وبيوتراي، لم يتمالك كاسلان، صاحب الحانة، نفسه من الضحك، ما أثار حيرة من حوله.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تسلّل البردُ إلى عمودِ ظهر تاليس وهو يصغي إلى حديثهم. (إذًا، هذا ما يظنّه الإكستيدتيون؟)
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 16 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉عويض المطيري🔥 1004G A🔥 1005Ali Alshamsi🔥 1006Abdulla Alkalbani🔥 1007ahmad aa🔥 1008Ali Souidan🔥 1009mohammad alazmi🔥 10010Gehrman Sparrow🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057الخال!💎 1008F A💎 1009mohaamned alrehaili💎 10010محمد جبران💎 100
تذكّر تصرّفات الجنود ونظراتهم حين دخلوا معسكر لامبارد لأول مرة، ففهم عندها السبب.
“حسنٌ إذًا.” زمّ كينتفيدا شفتيه ساخرًا. “أما الآن، فنحن أبناء الريح الشمالية والتنين لم نعد بحاجة إلى تلك الإمبراطورية الملعونة. نعتمد على أنفسنا وحدنا. فاطرحوا عنكم كبرياءكم، يا أبناء الإمبراطورية.”
الكوكبة أرادت أن تدافع عن أرضها في الشمال، وإكستيدت أرادت أن تستعيد الأرض التي ترى أنها أرضُ الشماليين.
اكتفى تاليس برفع كتفيه والابتسام له.
كلا الطرفين يقاتلان من أجل “عدالتهما”، وما أبلغَ السخرية في ذلك.
ظهر برايان، عامل الحانة ذو الندبة المحروقة في وجهه. كعادته، كان يبدو متجهّمًا كأن الجميع مدينون له بثمن الشراب. وبإشارة من ربّ عمله، رمى كأسًا على الطاولة بخشونة ودفعها نحو تاليس. كان الشراب ذا لون مختلف عن بقية الكحول.
هذه أمورٌ لم يكن ليسمعها أبدًا داخل الكوكبة.
تجمّد صوت كينتفيدا، وعيناه اشتدّتا برودة.
ضحك بيوتراي بخفوت. “إن كنتَ حقًّا تريد الحديث عن أنّ الشمال لا يخصّ سوى سكان الشمال، فلدينا عائلة آروند في الإقليم الشمالي للكوكبة، التي كانت تحكم إقليم الشمال بأسره نيابةً عن الإمبراطور…”
عند سماع ذلك، عقد تاليس حاجبيه قليلًا.
“همف، الغطرسة الحمقاء لأبناء الكوكبة!” زفر الفيكونت كينتفيدا باستياء. “في النهاية، تعودون دائمًا للحديث عن الإمبراطورية القديمة، أليس كذلك؟ لقد فَنِيَت منذ زمن بعيد، ومع ذلك لا تزالون متشبّثين بسلطان عرش بيغاسوس ومجده؟ هل تفتقدون أولئك الأباطرة الذين حكموا العالم بإشارةٍ من أيديهم؟ أم تشتاقون إلى تلك العصور التي كانت خرائط الممالك تمتدّ من جدارٍ إلى آخر؟”
“وفي النهاية، بعدما سئم الإمبراطور سماع شكاوى الناس يومًا بعد يوم، واعتذارات الدوق لعجزه عن جمع الضرائب، ضاق ذرعًا بعناد كيسو. فقرّر أن يجعله عبرةً لغيره، وأن يردع الشماليين بالعقوبة والرعب، ليؤكّد لهم مهابة الإمبراطورية.”
“كانت الإمبراطورية أثمن إرث بشري، وأمجده، وأقواه وجودًا في تاريخ البشر، ولا ريب في ذلك.” أجابه بيوتراي ببرود. “ومع أنها لم تَعُد موجودة، فإنّ بهاءها لم يخفت بعد، وما زال موضعَ توقيرٍ حتى اليوم.”
ضحك بيوتراي بخفوت، وشرح. “لأن هذا التجسيد لا يملك ناطقًا باسمه في عالم البشر، ولهذا لا قاعة له ولا دير. وحتى السجلات التي توثّق تجليّ حضوره أو قوّته نادرةٌ للغاية. إنّه لا يوجد إلا في القصص والأساطير التي تناقلها الناس شفهيًا. أمّا للمسافرين الذين يجوبون الجبال والسُّهول، فإن تبجيل سيد الجبال تمنحهم راحةَ البال وتحفظهم من الأخطار في أسفارهم البعيدة عن الديار. لذلك فإن تقديم القرابين للجبال ليس سوى طقسٍ رمزيّ، وسيلةٍ لمساعدة المسافرين على تجاوز البرد القارس.”
“هاه! كدت أنسى!” رفع كينتفيدا كلتا يديه وضحك ساخرًا وهو ينظر إلى تاليس. “الإمبراطوريةُ باقيةٌ ما بقيت النجوم، أليس كذلك، يا صاحب السمو؟”
غير أن الكتب وصفته على أنه قاطعُ طريقٍ يجوب غابات الصنوبر الشمالية بحرية. وفي إحدى عمليات السلب، قتل مسؤولًا من الإمبراطورية عن طريق الخطأ، فاعتُقل، ثم أنقذه رفاقه باقتحام ساحة الإعدام.
اكتفى تاليس برفع كتفيه والابتسام له.
“«اختر واحدًا.»”
“لا تمزح بشأن العائلة الملكية.” تكلّم بيوتراي بنبرةٍ باردة. “لقد كانت سلالته يومًا ما في قمّة العالم، شاهدةً على صعود الجنس البشري وسقوطه.”
“هل تعرف الآرشيدوق ترينتيدا من برج الإصلاح؟ إنه أحد الآرشيدوقات العشرة لإكستيدت.” قال كينتفيدا بصوتٍ خافت بعد تفكيرٍ لحظة. “يُجاور برج الإصلاح البرج القديم المنعزل في مملكتكم. ويحكمه بيت من الفرسان العظام المشهورين في تاريخ الشمال—بيت ترينتيدا. شعارهم سيفٌ يشعّ نورًا ساطعًا.”
“سلالة؟” أطلق كينتفيدا ضحكةً ساخرة.
ثم تابع: “قل لي، ماذا قدّمت الإمبراطورية للعالم؟ سنواتٌ من الخدمة العسكرية، وحروبٌ لا تنتهي، وضرائب ثقيلة لا حدود لها. من منحدرات الغرب إلى التربة القرمزية، ومن أرض الأشواك إلى أقصى الشرق، الجميع يعرف قسوة الإمبراطورية وجبروتها.”
“أبناء الشمال لا يؤمنون بالسلالات. الأبطال الذين يقدرون على حمل أعباء المملكة وشعبها يصبحون ملوكًا بطبيعتهم.” ضيّق النائب عينيه وتابع بنبرةٍ جادّة: “صاحب السمو، أنصت جيّدًا. إن الإمبراطورية التي حكمتها تلك العائلة التي وُلدتَ فيها لم تخلّف للعالم سوى كابوسٍ من الفوضى والاضطراب.”
“هذه هي القصة الحقيقية لكيسو لامبارد، ملك الإصلاح… وكثيرٌ من أبناء إكستدت يعرفونها جيدًا.”
“أم… شكرًا على نصيحتك.” حكّ تاليس رأسه بارتباكٍ وأطلق ضحكةً جافة. “وجهة نظرٍ جديدة حقًا.”
“خمر الجاودار الفاخر، تقدمه حانة البطل خصيصًا!” قال العجوز بمكر تحت نظرات تاليس المندهشة. “إنه من صُنع رفيق قديم لي من منطقة أوركيد المرموقة، ولا يتوافر منه سوى كمية محدودة كل يوم.”
“جديدة؟” حدّق كينتفيدا فيه وقال بهدوء: “هل سمعتَ بقصة كيسو لامبارد، يا صاحب السمو؟”
…
“كيسو لامبارد؟ أحد أسلاف عائلة لامبارد؟ الملك الثوري؟” أجاب تاليس بحماس.
تجمّد تاليس بدهشة. “لِمَ لم أسمع بهذا من قبل؟”
“لستَ بحاجةٍ لأن تسمعها من أحد أتباع الآرشيدوق—” بدأ بيوتراي يتكلم، لكنه سكت حين رفع تاليس يده إشارةً له بالتوقف.
لكنّ فاجأه مجددًا حين وصل إلى نهاية القصة.
“تابع يا فيكونت كينتفيدا.” ابتسم تاليس بخفّة. “أنا مهتمٌّ بكلّ معرفة.”
“وما إن انتشر الخبر، حتى ارتجّ الشمال بأسره. حمل الناس سلاحهم، وارتدوا دروعهم، واحتشدوا إلى جانب كيسو الذي كان على حافة الموت. لكنّهم هذه المرّة لم يفعلوا ذلك للانضمام إلى جيش الإمبراطورية، بل للتمرّد على حكمها القاسي.”
تبادل بيوتراي وكينتفيدا نظرةَ دهشةٍ صامتة.
“ثم كان هناك قاعة الفرسان الشمالية، التي دمّرها الإمبراطور قبل ألف عام… المهد والأرض المقدّسة التي وُلد منها الفرسان. المكان الأسطوري الذي اتحد فيه البشر لمحاربة الأورك القدماء! ”
“هل تعرف الآرشيدوق ترينتيدا من برج الإصلاح؟ إنه أحد الآرشيدوقات العشرة لإكستيدت.” قال كينتفيدا بصوتٍ خافت بعد تفكيرٍ لحظة. “يُجاور برج الإصلاح البرج القديم المنعزل في مملكتكم. ويحكمه بيت من الفرسان العظام المشهورين في تاريخ الشمال—بيت ترينتيدا. شعارهم سيفٌ يشعّ نورًا ساطعًا.”
ظهر برايان، عامل الحانة ذو الندبة المحروقة في وجهه. كعادته، كان يبدو متجهّمًا كأن الجميع مدينون له بثمن الشراب. وبإشارة من ربّ عمله، رمى كأسًا على الطاولة بخشونة ودفعها نحو تاليس. كان الشراب ذا لون مختلف عن بقية الكحول.
“لا أعرف عنه الكثير، آسف، فأنا لا أزال في السابعة من عمري.” هزّ تاليس رأسه بخجل. “لكنني أرغب في سماع قصتك. ماذا حدث لعائلة ترينتيدا؟ وما علاقتها بكيسو لامبارد؟”
تجمّد تاليس في مكانه.
“ليس للأمر علاقةٌ بعائلة ترينتيدا، بل بأرضهم—برج الإصلاح وما حوله.” تنفّس كينتفيدا بعمق قبل أن يتابع: “كانت تلك الأرض أقصى الشرق من الشمال، وأحد الممرات المؤدية إلى جبال التنهد. في عصر الإمبراطورية القديمة، قبل أن تنفصل شبه الجزر، كان برج الإصلاح مَثلًا للهمجية والفوضى. هل تعرف كيف نال اسمه؟”
اتّسعت عينا تاليس، ونظر إلى العجوز ذي الشعر الأبيض، ثم إلى السائل في الكأس أمامه.
هزّ تاليس رأسه موافقًا.
يا فتى، لن تنضج ما لم تشرب!”
“في زمن الإمبراطورية القديمة، كان ذلك المكان سجنًا للمنفيّين وميدانًا للإعدام أيضًا. كلّ من ذهب إلى هناك كان عليه أن «يُصلَح».” هزّ كينتفيدا رأسه بأسف. “برج الإصلاح… لكن للأسف، لم يغادر أكثر أولئك السجناء المكان أحياء ليُصلحوا حياتهم.”
كان كاسلان يراقب تفاعل تاليس باهتمامٍ واضح.
أومأ تاليس برأسه، غارقًا في التفكير.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“وفي ذلك الوقت، أودعوا خلف قضبانه رجلًا مشهورًا—كيسو لامبارد.”
“وما الذي يثبت ذلك؟” قاطعه كينتفيدا بخشونة. “إن كنت تعتبر ما فرضته علينا الإمبراطورية من قيود مِنّةً وفضلاً، فلتغتبط بوهمك ذاك!”
عند سماع ذلك، عقد تاليس حاجبيه قليلًا.
“ثم كان هناك قاعة الفرسان الشمالية، التي دمّرها الإمبراطور قبل ألف عام… المهد والأرض المقدّسة التي وُلد منها الفرسان. المكان الأسطوري الذي اتحد فيه البشر لمحاربة الأورك القدماء! ”
(كيسو لامبارد…)
“نعم، نحن نعلم.” ضحك مستشار الآرشيدوق لامبارد، الفيكونت كينتفيدا، بسخريةٍ ماكرة، ثم قال: “إنه السيّد الأعلى على الرودوليين وسكان الشمال في شبه الجزيرة الغربية. لكنّي أنصحك بصدقٍ أن تُسقط الجزء الثاني في إكستيدت، فسكّان الشمال لم يعترفوا يومًا بسيادتكم علينا.”
لقد عرف هذا الاسم حين أطلعه غيلبرت على تاريخ العالم—كيسو لامبارد، «ملك الإصلاح» في الشمال.
كلا الطرفين يقاتلان من أجل “عدالتهما”، وما أبلغَ السخرية في ذلك.
كان الرجل الذي أشعل أول حربٍ أهلية في تاريخ الإمبراطورية القديمة.
“وعليه، اقتيد كيسو لامبارد إلى ساحة الإعدام.”
غير أن الكتب وصفته على أنه قاطعُ طريقٍ يجوب غابات الصنوبر الشمالية بحرية. وفي إحدى عمليات السلب، قتل مسؤولًا من الإمبراطورية عن طريق الخطأ، فاعتُقل، ثم أنقذه رفاقه باقتحام ساحة الإعدام.
“كانت أقرب إلى احتجاجٍ صامت ضدّ الإمبراطور منها إلى تمرّدٍ على الإمبراطورية التي ظلّ مخلصًا لها طوال حياته، أليس كذلك؟”
وبعد أن ضُيّق عليه الخناق ولم يبقَ له مهرب، أدرك كيسو أنّه لن ينجو من مطاردة الإمبراطورية أبدًا، فانقلب على مطارديه. استغلّ سخط أهل الشمال على قسوة الدوق آروند، ونشر الشائعات لزرع الفتنة، فأغرق الشمال في فوضى عارمة، ثم رفع راية التمرّد ضد الإمبراطورية. وفي النهاية، سحقته جيوشها قرب البرج القديم المنعزل.
“إلا أن أياً منكما لم يرها بعينيه قط، لا الإمبراطورية الأخيرة قبل ستمائة عام، ولا الإمبراطورية القديمة قبل أكثر من ألف عام.”
ومن هناك بدأت أول حربٍ أهلية في الإمبراطورية، واشتدّ العنف بعدها أكثر فأكثر.
عند سماع ذلك، عقد تاليس حاجبيه قليلًا.
لكن ما يرويه كينتفيدا الآن كان قصةً مختلفةً تمامًا.
اتّسعت عينا تاليس، ونظر إلى العجوز ذي الشعر الأبيض، ثم إلى السائل في الكأس أمامه.
قال كينتفيدا بصوتٍ خافت: “تقول الشائعات إن عائلة لامبارد تنحدر من تاكموخ، ملك الشمال الراحل من عصر الهمجية قبل غزو الأورك.
“بفضل كيسو وجيوشه، أخذ أهل الشرق يفقدون مواقعهم تدريجيًا حتى انحصروا في مدينة كيرين المقدّسة. كانت جيوشهم قد أُبيدت ومؤنهم نفدت، وأوشكوا على السقوط. كان توحيد العالم تحت راية الإمبراطورية وشيكًا.”
ومنذ أكثر من ألفٍ وخمسمائة عام، كان كيسو لامبارد مجرد حطّابٍ بسيط في مقاطعة الشمال التابعة للإمبراطورية القديمة. غير أنه كان ذا مهارةٍ فائقة، جريئًا وعادلًا، يساعد الضعفاء والفقراء، ذائع الصيت بين الناس حتى إنّ دوق المقاطعة، آروند، سمع بذكره.”
“أه… رجل؟ عمري سبع سنوات فقط…” حدّق تاليس في الكأس الضخم بحجم رأسه تقريبًا، وردّد بارتباك ما قاله من قبل في حضرة الآرشيدوق ذو الرمال السوداء: “تعلم أن الأطفال لا ينبغي لهم شرب الخمر، فذلك مضرّ بالصحة…”
تابع بنبرةٍ أعمق: “كان ذلك زمن مجد الإمبراطورية الأعظم—أو كما كانوا يصفونه. فقد خضع الجان، وصار الأقزام صنّاعًا، وهرب الأورك خلف الجليد، وانقرضت التنانين؛ ولم يبقَ سوى أقصى الشرق عصيًّا على الفتح.
كان كينتفيدا على وشك الردّ حين أطلق تاليس تنهيدة طويلة.
وحين احتدمت معركة إخضاع الشرق، جُنّد كيسو في الجيش. ذهب إلى ساحة القتال مفعمًا بالفخر، يقاتل من أجل مجد الإمبراطورية. وبفضل شجاعته الفريدة، ومهارته القتالية، ومكانته بين أبناء الشمال، ترقّى حتى قلّدته الإمبراطورية لقبَ كونتٍ وعيّنته قائدًا عامًا لجيش الشمال.”
“وبعد موته، أوقدت كلّ عائلة في الشمال الشموع وكرّمته ملكًا وفقًا لتقاليد الملوك الإقطاعيين القدماء. ولعلّ لقب «ملك الإصلاح» كان لقبًا لم يرغب كيسو في حمله حتى وهو على فراش الموت.”
تسلّل بردٌ إلى عمودِ تاليس الفقري.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
كانت هذه القصة تختلف كليًّا عمّا عرفه.
“تابع يا فيكونت كينتفيدا.” ابتسم تاليس بخفّة. “أنا مهتمٌّ بكلّ معرفة.”
“بفضل كيسو وجيوشه، أخذ أهل الشرق يفقدون مواقعهم تدريجيًا حتى انحصروا في مدينة كيرين المقدّسة. كانت جيوشهم قد أُبيدت ومؤنهم نفدت، وأوشكوا على السقوط. كان توحيد العالم تحت راية الإمبراطورية وشيكًا.”
“مهما حملت لغتكم ولهجتكم من نبرة شمالية، ومهما اختلفت نصوصكم، فإن أصلها من اللغة القديمة أو العامة للإمبراطورية. من الميلاد إلى الممات، ما تهمسون به جميعًا إنما هو جزء من ثقافة الإمبراطورية وتقاليدها.”
أخذ كينتفيدا نفسًا عميقًا. “لكن الإمبراطور، وقد ذاق طعم السلطان المطلق، ازداد جشعًا واستبدادًا. لم يتوقف عن تجنيد العمّال قسرًا، ورفع الضرائب بلا حدود. وبما أنّ مقاطعة الشمال كانت منبع الجند، فقد كانت أول من تحمّل العبء.”
“أحسنت يا أمير الكوكبة الثاني!” صاح كاسلان ضاحكًا وهو يصفع الطاولة بحماسة وينظر إلى تاليس. “لم يريا الإمبراطورية قط!”
“وفي النهاية، ضاق الشماليون ذرعًا. امتنعوا عن دفع الضرائب، وتهرّبوا من الخدمة العسكرية، وطردوا جباة الإمبراطور، وبدل الولاء أطلقوا السباب، وبدل الطاعة أبدوا السخط.”
“قال كيسو حينها: «أنا مخلصٌ للإمبراطورية، لكنني ابنُ الشمال.»”
“أما دوق آروند، عبدُ الإمبراطور، فعجز عن جمع الضرائب أو تجنيد الرجال، وتكررت حوادث التهرّب حتى بين جنوده.”
“حسنٌ إذًا.” زمّ كينتفيدا شفتيه ساخرًا. “أما الآن، فنحن أبناء الريح الشمالية والتنين لم نعد بحاجة إلى تلك الإمبراطورية الملعونة. نعتمد على أنفسنا وحدنا. فاطرحوا عنكم كبرياءكم، يا أبناء الإمبراطورية.”
“فما كان من الإمبراطورية إلا أن فكّرت في حلٍّ واحد: استدعاء أشهر رجلٍ في الشمال—قائد جيش الشمال كيسو—ليخاطب قومه بنفسه. كان آنذاك في عطلةٍ يتعافى في منزله.”
“مهما حملت لغتكم ولهجتكم من نبرة شمالية، ومهما اختلفت نصوصكم، فإن أصلها من اللغة القديمة أو العامة للإمبراطورية. من الميلاد إلى الممات، ما تهمسون به جميعًا إنما هو جزء من ثقافة الإمبراطورية وتقاليدها.”
أطلق كاسلان تنهيدة، وبقي بيوتراي صامتًا، فيما تابع كينتفيدا.
تبادل بيوتراي وكينتفيدا نظرةَ دهشةٍ صامتة.
“رجوه أن يتعاون معهم في جمع الضرائب وتجنيد العمّال، لكنه رفض. طلبوا منه أن يدعو الشماليين للخضوع للإمبراطورية، فرفض. ثم أمروه بالقبض على مثيري الشغب باسم الإمبراطورية، فرفض أيضًا.”
ثم رفع كأسه نحو اهل الكوكبة، وابتسم ابتسامة ذات معنى قبل أن يرتشف جرعة كبيرة. “إنه يرمز إلى المعتقدات والخصال التي تحلّينا بها حين أسّسنا المملكة. إنها التعاليم التي أورثنا إياها رايكارو، بطل الشمال، في معركة الإبادة—القوة، الصبر، الشدة، الصلابة، الكبرياء، الإصرار، و… ألّا نستسلم أبدًا، حتى في وجه وحشٍ عظيم كالإمبراطورية.
“قال كيسو حينها: «أنا مخلصٌ للإمبراطورية، لكنني ابنُ الشمال.»”
“منقولٌ شفهيًا؟”
تجمّد صوت كينتفيدا، وعيناه اشتدّتا برودة.
ضحك بيوتراي بخفوت، وشرح. “لأن هذا التجسيد لا يملك ناطقًا باسمه في عالم البشر، ولهذا لا قاعة له ولا دير. وحتى السجلات التي توثّق تجليّ حضوره أو قوّته نادرةٌ للغاية. إنّه لا يوجد إلا في القصص والأساطير التي تناقلها الناس شفهيًا. أمّا للمسافرين الذين يجوبون الجبال والسُّهول، فإن تبجيل سيد الجبال تمنحهم راحةَ البال وتحفظهم من الأخطار في أسفارهم البعيدة عن الديار. لذلك فإن تقديم القرابين للجبال ليس سوى طقسٍ رمزيّ، وسيلةٍ لمساعدة المسافرين على تجاوز البرد القارس.”
“في النهاية، علم الإمبراطور بما حدث. فأصدر مرسومًا لم تُكتب عليه سوى كلمتين.”
ومن هناك بدأت أول حربٍ أهلية في الإمبراطورية، واشتدّ العنف بعدها أكثر فأكثر.
“«اختر واحدًا.»”
“فما كان من الإمبراطورية إلا أن فكّرت في حلٍّ واحد: استدعاء أشهر رجلٍ في الشمال—قائد جيش الشمال كيسو—ليخاطب قومه بنفسه. كان آنذاك في عطلةٍ يتعافى في منزله.”
شعر تاليس بقشعريرةٍ تسري في جسده.
دَوِي!
(اختر واحدًا…)
تجمّد الاثنان في اللحظة نفسها.
الإمبراطورية…
“وما إن انتشر الخبر، حتى ارتجّ الشمال بأسره. حمل الناس سلاحهم، وارتدوا دروعهم، واحتشدوا إلى جانب كيسو الذي كان على حافة الموت. لكنّهم هذه المرّة لم يفعلوا ذلك للانضمام إلى جيش الإمبراطورية، بل للتمرّد على حكمها القاسي.”
الشمال…
وبعد أن ضُيّق عليه الخناق ولم يبقَ له مهرب، أدرك كيسو أنّه لن ينجو من مطاردة الإمبراطورية أبدًا، فانقلب على مطارديه. استغلّ سخط أهل الشمال على قسوة الدوق آروند، ونشر الشائعات لزرع الفتنة، فأغرق الشمال في فوضى عارمة، ثم رفع راية التمرّد ضد الإمبراطورية. وفي النهاية، سحقته جيوشها قرب البرج القديم المنعزل.
(اختر واحدًا.)
تسلّل البردُ إلى عمودِ ظهر تاليس وهو يصغي إلى حديثهم. (إذًا، هذا ما يظنّه الإكستيدتيون؟)
“وما لبث الشماليون أن علموا أن كيسو قد نُفي إلى برج الإصلاح، حتى يُثبت ولاءه للإمبراطورية من جديد. لم يستطع الإمبراطور أن يتحمّل فكرة أنّ قائده المخلص لم يخضع له كليًا.”
كان كاسلان، صاحب الحانة، يراقب المشهد كله باهتمام، فمسّد ذقنه وقال بفضول عميق: “وما أوجه الشبه تلك يا تُرى؟”
“غير أنّ عامًا كاملًا مضى، ولم يلن كيسو. وفي الوقت نفسه، كان أبناء الشمال الذين علموا بسجنه يغلي في صدورهم الغضب.”
وبينما احتدم الجدل بين كينتفيدا وبيوتراي، لم يتمالك كاسلان، صاحب الحانة، نفسه من الضحك، ما أثار حيرة من حوله.
“وفي النهاية، بعدما سئم الإمبراطور سماع شكاوى الناس يومًا بعد يوم، واعتذارات الدوق لعجزه عن جمع الضرائب، ضاق ذرعًا بعناد كيسو. فقرّر أن يجعله عبرةً لغيره، وأن يردع الشماليين بالعقوبة والرعب، ليؤكّد لهم مهابة الإمبراطورية.”
“بل أكثر من ذلك، فجيشكم لا يزال يتبع الأنظمة التي وضعتها الإمبراطورية. ما زلتم تقسّمون الجنود إلى ألوية وكتائب وحرس وسرايا. وما زلتم تصنّفون النبلاء على نمط الإمبراطورية إلى دوقات وكونتات ونبلاء صغار وأسياد… لولا الإمبراطورية، لظلّت الأراضي الشمالية غارقة في الفوضى—متخلفة وهمجية!”
“وعليه، اقتيد كيسو لامبارد إلى ساحة الإعدام.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هناك، وقف عاجزًا يشهد مقتل ابنه بحدّ السيف، وخنق زوجته بالحبل، وشنق ابنته، وجَلد أصدقاءه حتى الموت… كلّ هذا فقط لأنّه أبى أن يجيب على مرسوم الإمبراطور!”
لكنّ فاجأه مجددًا حين وصل إلى نهاية القصة.
“وأخيرًا، حين جاء دوره، اندفع أبناء الشمال الغاضبون وأتباع كيسو واقتحموا برج الإصلاح وساحة الإعدام. قتلوا جنود الإمبراطورية، وأنقذوا كيسو.”
“غير أنّ عامًا كاملًا مضى، ولم يلن كيسو. وفي الوقت نفسه، كان أبناء الشمال الذين علموا بسجنه يغلي في صدورهم الغضب.”
“وما إن انتشر الخبر، حتى ارتجّ الشمال بأسره. حمل الناس سلاحهم، وارتدوا دروعهم، واحتشدوا إلى جانب كيسو الذي كان على حافة الموت. لكنّهم هذه المرّة لم يفعلوا ذلك للانضمام إلى جيش الإمبراطورية، بل للتمرّد على حكمها القاسي.”
اتّسعت دهشة بيوتراي، فيما عقد كينتفيدا حاجبيه قليلًا.
“وأظنّك تعرف ما الذي حدث بعد ذلك…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(يا لها من رواية تختلف اختلافًا تامًا عمّا تذكره كتب الكوكبة.) فكّر تاليس في صمت.
اكتفى تاليس برفع كتفيه والابتسام له.
ثم قال متأمّلًا: “نعم، لقد قاتل ملك الإصلاح حتى النهاية، ومعه آخر ثلاثمئة رجل…”
“همف، الغطرسة الحمقاء لأبناء الكوكبة!” زفر الفيكونت كينتفيدا باستياء. “في النهاية، تعودون دائمًا للحديث عن الإمبراطورية القديمة، أليس كذلك؟ لقد فَنِيَت منذ زمن بعيد، ومع ذلك لا تزالون متشبّثين بسلطان عرش بيغاسوس ومجده؟ هل تفتقدون أولئك الأباطرة الذين حكموا العالم بإشارةٍ من أيديهم؟ أم تشتاقون إلى تلك العصور التي كانت خرائط الممالك تمتدّ من جدارٍ إلى آخر؟”
لكنّ فاجأه مجددًا حين وصل إلى نهاية القصة.
“الإمبراطورية.” قال تاليس بصوت منخفض.
“هناك اختلافٌ صغير واحد.” قاطع كينتفيدا كلام تاليس، وعيناه تتألّقان ببريقٍ حاد. “إنه لم يقاتل حتى النهاية.”
“لا أرى سوى عرباتكم تجري فوق الطرق التي أنشأها الإمبراطور. من الملك حين يخرج في رحلاته إلى العامة حين يغادرون بيوتهم، لا أحد مستثنى.”
تجمّد تاليس في مكانه.
طَق!
“كيسو لم يكن ينوي القتال أصلًا. منذ البداية، سرّح معظم المتمرّدين، ولم يبقَ معه سوى ثلاثمئة رجلٍ رفضوا الرحيل، فقادهم في هجومٍ أخير على الجيوش الثلاثة المتحصّنة عند القمة القديمة المنعزلة. تلك كانت المعركة الوحيدة في ما سُمّي «إصلاح كيسو».”
“كانت أقرب إلى احتجاجٍ صامت ضدّ الإمبراطور منها إلى تمرّدٍ على الإمبراطورية التي ظلّ مخلصًا لها طوال حياته، أليس كذلك؟”
“كانت أقرب إلى احتجاجٍ صامت ضدّ الإمبراطور منها إلى تمرّدٍ على الإمبراطورية التي ظلّ مخلصًا لها طوال حياته، أليس كذلك؟”
صفّق كاسلان وضحك بصوت مرتفع. “هاهاها… يا لها من خلاصة ممتعة. وماذا عن الشبه الثاني؟”
“وبعد موته، أوقدت كلّ عائلة في الشمال الشموع وكرّمته ملكًا وفقًا لتقاليد الملوك الإقطاعيين القدماء. ولعلّ لقب «ملك الإصلاح» كان لقبًا لم يرغب كيسو في حمله حتى وهو على فراش الموت.”
“«اختر واحدًا.»”
“هذه هي القصة الحقيقية لكيسو لامبارد، ملك الإصلاح… وكثيرٌ من أبناء إكستدت يعرفونها جيدًا.”
“وهنا تكمن المشكلة.” نقر الفيكونت كينتفيدا على سطح المنضدة متأملًا. “الشمال لأهل الشمال. فلمَ ينبغي أن يخضعوا لحكم الكوكبة، ولحكم ملكٍ رودولي؟”
“أتفهم الآن، يا وريث الإمبراطورية؟” قال كينتفيدا بنبرةٍ باردة. “هل ترى ما الذي خلّفته الإمبراطورية حقًا للشمال؟”
رفع تاليس رأسه بدهشة.
كان كاسلان يراقب تفاعل تاليس باهتمامٍ واضح.
(يا لها من رواية تختلف اختلافًا تامًا عمّا تذكره كتب الكوكبة.) فكّر تاليس في صمت.
ولحسن الحظ أنّ الجالسين الآخرين كانوا على طاولاتٍ دائرية على بُعد أمتارٍ منهم، وإلا لاندلع عراكٌ جديد في الحانة بين رجال الكوكبة وأبناء إكستدت.
شعر تاليس بقشعريرةٍ تسري في جسده.
“قصةٌ معدّلة بإتقان.” أطلق بيوتراي ضحكةً ساخرة. “أتساءل فقط… كيف تعرف مرسوم الإمبراطور بهذه الدقة، حتى في كلّ حرفٍ منه؟”
طَق!
“اسخر كما تشاء، أيها المواطن الإمبراطوري. فكلّ ما يشغل بالك هو مجد إمبراطوريتك المزعوم.” اتّقدت نظرة كينتفيدا بالكراهية.
أطلق كاسلان تنهيدة، وبقي بيوتراي صامتًا، فيما تابع كينتفيدا.
ثم تابع: “قل لي، ماذا قدّمت الإمبراطورية للعالم؟ سنواتٌ من الخدمة العسكرية، وحروبٌ لا تنتهي، وضرائب ثقيلة لا حدود لها. من منحدرات الغرب إلى التربة القرمزية، ومن أرض الأشواك إلى أقصى الشرق، الجميع يعرف قسوة الإمبراطورية وجبروتها.”
“أبناء الشمال لا يؤمنون بالسلالات. الأبطال الذين يقدرون على حمل أعباء المملكة وشعبها يصبحون ملوكًا بطبيعتهم.” ضيّق النائب عينيه وتابع بنبرةٍ جادّة: “صاحب السمو، أنصت جيّدًا. إن الإمبراطورية التي حكمتها تلك العائلة التي وُلدتَ فيها لم تخلّف للعالم سوى كابوسٍ من الفوضى والاضطراب.”
“مسؤولون طمّاعون فاسدون من كلّ الطبقات، يحكمون بالقهر والجور. أولئك الذين يُدعون عظماء الإمبراطورية قد تعفّنوا منذ زمن، من القمّة إلى القاع، من عرش بيغاسوس إلى كتائب الغزو، ومن الحرس الإمبراطوري إلى حرّاس البوابات.”
“في عصر الإمبراطورية القديمة، كان سيد الجبال إيمانًا مشتركًا بين جميع البشر. ليس بيننا نحن سكان الشمال فحسب، بل أيضًا بينكم أنتم الرودوليين الذين شيّدوا الإمبراطورية في قلب العالم، والكالونسيين في أرض الأشواك الجنوبية الغربية وأرض ذوي الدماء التنّينية، وشعب العظم القاحل في الصحراء العظمى، و«اللصوص» في الشرق الأدنى، أي النيدانيين، والسيلس الذين يرعون في السهول الشرقية، وأولئك ذوو البشرة القرمزية من أقصى الجنوب، والكاسايين الذين يجوبون الجزر بمهارةٍ عظيمة. باستثناء أهل المشرق الأقصى، كان جميع البشر تقريبًا يعرفون ويقرّون بوجود سيد الجبال.” شرب كاسلان العجوز جرعةً من شرابه وتكلّم بعاطفةٍ جياشة من وراء منضدة الحانة.
“الصراعات العرقية تحوّلت إلى اضطهادٍ دينيٍّ عنيفٍ قذرٍ مظلم. كم من إنسانٍ مات تحت التعذيب الوحشيّ غير المبرّر على يد القوى السرّية للإمبراطورية؟ وكم من نفسٍ أزهقها دير التجسيد الساطع بذريعة الهرطقة؟ أتعلم أنّ الإيمان بالتجسدات القديمة—سيّد الجبال، عذراء البحر الحامية، وأب السهول—قد اندثر لأنّ الإمبراطورية القديمة حظرت تبجيلهم؟ كلّ ذلك جرى وسط مؤامراتٍ دبّرها الإمبراطور ودير التجسيد الساطع معًا.”
تجمّد صوت كينتفيدا، وعيناه اشتدّتا برودة.
“ثم كان هناك قاعة الفرسان الشمالية، التي دمّرها الإمبراطور قبل ألف عام… المهد والأرض المقدّسة التي وُلد منها الفرسان. المكان الأسطوري الذي اتحد فيه البشر لمحاربة الأورك القدماء! ”
ولحسن الحظ أنّ الجالسين الآخرين كانوا على طاولاتٍ دائرية على بُعد أمتارٍ منهم، وإلا لاندلع عراكٌ جديد في الحانة بين رجال الكوكبة وأبناء إكستدت.
رفع كينتفيدا قدح الجعة، شرب جرعةً، ثم ابتسم بازدراء.
“لِمَ؟ لأن هذا هو التاريخ.” تكلّم بيوتراي بهدوء. “اليوم، سواء في منطقة الرمال السوداء أو الإقليم الشمالي، فقد عاش الرودوليون وسكان الشمال معًا لسنين طويلة، ولم يعودوا يُحدثون أي تمييز فيما بينهم.”
“أيها المواطن الإمبراطوري، كفّ عن التمتّع بأمجادٍ زائفة. أنتم تسكرون بزهوٍ كاذب، ولا تدرون كم هو قبيح موضعكم في صفحات التاريخ.”
“لستَ بحاجةٍ لأن تسمعها من أحد أتباع الآرشيدوق—” بدأ بيوتراي يتكلم، لكنه سكت حين رفع تاليس يده إشارةً له بالتوقف.
“يمكنك أن تتابع أفكارك الخاصة، غير أن التاريخ لا يمكن تغييره، حتى الآن.” قال بيوتراي بازدراء.
تبادل الرجلان المتنازعان النظرات ثم أشاحا بوجهيهما.
“لا أرى سوى عرباتكم تجري فوق الطرق التي أنشأها الإمبراطور. من الملك حين يخرج في رحلاته إلى العامة حين يغادرون بيوتهم، لا أحد مستثنى.”
دَوِي!
‘عملتكم قائمة على معيار الذهب والفضة والنحاس الذي وضعته الإمبراطورية. هذه القطع الصغيرة هي التي تحفظ اقتصاد مملكتكم ومعيشة شعبكم، وتمنعكم من العودة إلى زمن الملوك الإقطاعيين.”
أشرق وجه تاليس بابتسامة.
“مهما حملت لغتكم ولهجتكم من نبرة شمالية، ومهما اختلفت نصوصكم، فإن أصلها من اللغة القديمة أو العامة للإمبراطورية. من الميلاد إلى الممات، ما تهمسون به جميعًا إنما هو جزء من ثقافة الإمبراطورية وتقاليدها.”
اتّسعت دهشة بيوتراي، فيما عقد كينتفيدا حاجبيه قليلًا.
“فنكم، وشعركم، وموسيقاكم، كلها مشبعة بأمجاد الإمبراطورية. ومهما اشتهر الإكستيدتيون بعجزهم الثقافي، فلا بدّ أن يعترفوا بهذا.”
أومأ تاليس برأسه، غارقًا في التفكير.
“بل أكثر من ذلك، فجيشكم لا يزال يتبع الأنظمة التي وضعتها الإمبراطورية. ما زلتم تقسّمون الجنود إلى ألوية وكتائب وحرس وسرايا. وما زلتم تصنّفون النبلاء على نمط الإمبراطورية إلى دوقات وكونتات ونبلاء صغار وأسياد… لولا الإمبراطورية، لظلّت الأراضي الشمالية غارقة في الفوضى—متخلفة وهمجية!”
“وما الذي يثبت ذلك؟” قاطعه كينتفيدا بخشونة. “إن كنت تعتبر ما فرضته علينا الإمبراطورية من قيود مِنّةً وفضلاً، فلتغتبط بوهمك ذاك!”
“وما الذي يثبت ذلك؟” قاطعه كينتفيدا بخشونة. “إن كنت تعتبر ما فرضته علينا الإمبراطورية من قيود مِنّةً وفضلاً، فلتغتبط بوهمك ذاك!”
اتّسعت دهشة بيوتراي، فيما عقد كينتفيدا حاجبيه قليلًا.
“فرضت؟” بدا أن بيوتراي قد استُفزّ. “فرسان الملوك الإقطاعيين في الشمال بايعوا الإمبراطور الأعظم كاميلوت كارلوس في الوقت نفسه الذي انضوى فيه فرسان البلاد الشوفينية القديمة تحت رايته. . كنتم جميعًا من أوائل الداعمين للإمبراطور العظيم وأكثرهم نشاطًا في تأسيس الإمبراطورية!”
“لقد رأيت الريح الشمالية مرارًا.” تمتم بيوتراي بهدوء. “أما إن كنت تشير إلى التنين المطرّز على علم إكستيدت… هه، فالقماش لا بأس به.”
“حسنٌ إذًا.” زمّ كينتفيدا شفتيه ساخرًا. “أما الآن، فنحن أبناء الريح الشمالية والتنين لم نعد بحاجة إلى تلك الإمبراطورية الملعونة. نعتمد على أنفسنا وحدنا. فاطرحوا عنكم كبرياءكم، يا أبناء الإمبراطورية.”
وبينما ارتسم على وجه بيوتراي تعبيرٌ بالغُ الضجر، ضرب العجوز كتف تاليس بصفعة قوية جعلته يترنّح. “بل لأنك في السابعة يجب أن تشرب!
“لقد رأيت الريح الشمالية مرارًا.” تمتم بيوتراي بهدوء. “أما إن كنت تشير إلى التنين المطرّز على علم إكستيدت… هه، فالقماش لا بأس به.”
أومأ تاليس برأسه، غارقًا في التفكير.
“ليس المغزى من التنين في علم إكستيدت كونه موجودًا فعلاً، إذ نحن لا نعتمد على مخلوق أسطوري ليحمي المملكة.” قال كينتفيدا بجدية.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ثم رفع كأسه نحو اهل الكوكبة، وابتسم ابتسامة ذات معنى قبل أن يرتشف جرعة كبيرة. “إنه يرمز إلى المعتقدات والخصال التي تحلّينا بها حين أسّسنا المملكة. إنها التعاليم التي أورثنا إياها رايكارو، بطل الشمال، في معركة الإبادة—القوة، الصبر، الشدة، الصلابة، الكبرياء، الإصرار، و… ألّا نستسلم أبدًا، حتى في وجه وحشٍ عظيم كالإمبراطورية.
رفع كينتفيدا قدح الجعة، شرب جرعةً، ثم ابتسم بازدراء.
“وماذا بقي لكم أنتم؟” سخر كينتفيدا. “الكوكبة ليست إلا أثرًا قديمًا بلا معنى وجودي، موجودة فقط كدليل على تاريخ مضى، تستدعي أرواح الموتى من مملكة باد أثرها منذ زمن بعيد.”
“انسيا الأمر يا فتيان.”
“إن كنت تعتبر حمل شعلة أعظم ما في ماضي البشرية من مجد بمثابة ’استدعاء لأرواح الموتى‘، فليكن.” هزّ بيوتراي رأسه بسخرية. “على الأقل نحن نُعنى بتلك الأشياء. ماذا تبقّى للشمال؟ أنتم تنددون بالإمبراطورية لهدمها قاعة الفرسان، لكن الحقيقة أن إكستيدت وما تسمونه شمال الأرض قد فقدا حتى إتقان أسلوب السيف الشمالي العسكري!”
خفض تاليس رأسه ونظر عرضًا إلى رواسب القمح في قاع كأسه، فتذكّر حانة الغروب في السوق السفلي لمدينة النجم الأبدي، وتذكّر جالا، الساقيةَ المرحة، والطاهي الضخم ذي الملامح الغاضبة، وإدموند، وصاحب الحانة الذي لم يره إلا مرّتين أو ثلاثًا.
كان كينتفيدا على وشك الردّ حين أطلق تاليس تنهيدة طويلة.
ثم تناول آخر لقمة من الخبز.
استدار كلّ من كينتفيدا وبيوتراي نحو الأمير الثاني للكوكبة.
“وأخيرًا، حين جاء دوره، اندفع أبناء الشمال الغاضبون وأتباع كيسو واقتحموا برج الإصلاح وساحة الإعدام. قتلوا جنود الإمبراطورية، وأنقذوا كيسو.”
“هل تعلمان أنه على الرغم من كون بيوتراي وكينتفيدا من الكوكبة وإكستيدت على التوالي، فقد وجدت بينكما أكثر شيئين متشابهين في هذا الجدال البغيض بينكما؟”
أما وجها بيوتراي وكينتفيدا فغشيهما السواد.
تجمّد الاثنان في ذهول.
اتّسعت دهشة بيوتراي، فيما عقد كينتفيدا حاجبيه قليلًا.
“وما هما؟”
(يا لها من رواية تختلف اختلافًا تامًا عمّا تذكره كتب الكوكبة.) فكّر تاليس في صمت.
كان كاسلان، صاحب الحانة، يراقب المشهد كله باهتمام، فمسّد ذقنه وقال بفضول عميق: “وما أوجه الشبه تلك يا تُرى؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
رفع تاليس حاجبيه وهزّ كتفيه.
دَوِي!
“بينما يتحدث كلّ منكما مدافعًا عن موقفه، فإن شيئًا واحدًا فقط يملأ رأسيكما.”
“لا أرى سوى عرباتكم تجري فوق الطرق التي أنشأها الإمبراطور. من الملك حين يخرج في رحلاته إلى العامة حين يغادرون بيوتهم، لا أحد مستثنى.”
“شيء مكرّر ومملّ.”
“قصةٌ معدّلة بإتقان.” أطلق بيوتراي ضحكةً ساخرة. “أتساءل فقط… كيف تعرف مرسوم الإمبراطور بهذه الدقة، حتى في كلّ حرفٍ منه؟”
اتّسعت دهشة بيوتراي، فيما عقد كينتفيدا حاجبيه قليلًا.
كان كينتفيدا على وشك الردّ حين أطلق تاليس تنهيدة طويلة.
“الإمبراطورية.” قال تاليس بصوت منخفض.
“هل تعرف الآرشيدوق ترينتيدا من برج الإصلاح؟ إنه أحد الآرشيدوقات العشرة لإكستيدت.” قال كينتفيدا بصوتٍ خافت بعد تفكيرٍ لحظة. “يُجاور برج الإصلاح البرج القديم المنعزل في مملكتكم. ويحكمه بيت من الفرسان العظام المشهورين في تاريخ الشمال—بيت ترينتيدا. شعارهم سيفٌ يشعّ نورًا ساطعًا.”
ثم تناول آخر لقمة من الخبز.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تجمّد الاثنان في اللحظة نفسها.
شعر تاليس بقشعريرةٍ تسري في جسده.
صفّق كاسلان وضحك بصوت مرتفع. “هاهاها… يا لها من خلاصة ممتعة. وماذا عن الشبه الثاني؟”
رمقه بنظرة حادّة قبل أن يستدير عائدًا إلى المطبخ الخلفي.
“الثاني… همم.” تمتم تاليس وهو يمضغ خبز الجاودار. “على الرغم من أنكما قلتما الكثير عن الإمبراطورية…”
كان الرجل الذي أشعل أول حربٍ أهلية في تاريخ الإمبراطورية القديمة.
“إلا أن أياً منكما لم يرها بعينيه قط، لا الإمبراطورية الأخيرة قبل ستمائة عام، ولا الإمبراطورية القديمة قبل أكثر من ألف عام.”
“منقولٌ شفهيًا؟”
اشتدّ ضحك كاسلان أكثر فأكثر.
“هراء!” لوّح كاسلان بيده بازدراء كاشفًا عن أسنانه الصفراء.
أما وجها بيوتراي وكينتفيدا فغشيهما السواد.
“منقولٌ شفهيًا؟”
“أحسنت يا أمير الكوكبة الثاني!” صاح كاسلان ضاحكًا وهو يصفع الطاولة بحماسة وينظر إلى تاليس. “لم يريا الإمبراطورية قط!”
“سلالة؟” أطلق كينتفيدا ضحكةً ساخرة.
“شكرًا على التأييد.” رفع تاليس كتفيه. “من جهة، يُظهر هذا مدى عمق تأثير الإمبراطورية وبقائه.”
غير أن الكتب وصفته على أنه قاطعُ طريقٍ يجوب غابات الصنوبر الشمالية بحرية. وفي إحدى عمليات السلب، قتل مسؤولًا من الإمبراطورية عن طريق الخطأ، فاعتُقل، ثم أنقذه رفاقه باقتحام ساحة الإعدام.
نظر إلى الرجلين. “ومن جهة أخرى… فإنكما كنتما تتجادلان على تصوّراتكما الخاصة…”
ضحك بيوتراي بخفوت. “إن كنتَ حقًّا تريد الحديث عن أنّ الشمال لا يخصّ سوى سكان الشمال، فلدينا عائلة آروند في الإقليم الشمالي للكوكبة، التي كانت تحكم إقليم الشمال بأسره نيابةً عن الإمبراطور…”
تجمّد بيوتراي وكينتفيدا مجددًا.
“في النهاية، علم الإمبراطور بما حدث. فأصدر مرسومًا لم تُكتب عليه سوى كلمتين.”
“كلاكما كان يجادل بناءً على ما تخيّل أن تكون عليه الإمبراطورية.” بسط تاليس كفيه. “لقد شكّل كلٌّ منكما صورته الذهنية عن الإمبراطورية انطلاقًا من واقعه الخاص، من مشاعره الآن، ومن آرائه حولها، ومن نظرته إلى التاريخ.”
“قال كيسو حينها: «أنا مخلصٌ للإمبراطورية، لكنني ابنُ الشمال.»”
تبادل الرجلان المتنازعان النظرات ثم أشاحا بوجهيهما.
“شيء مكرّر ومملّ.”
“انسيا الأمر يا فتيان.”
“في عصر الإمبراطورية القديمة، كان سيد الجبال إيمانًا مشتركًا بين جميع البشر. ليس بيننا نحن سكان الشمال فحسب، بل أيضًا بينكم أنتم الرودوليين الذين شيّدوا الإمبراطورية في قلب العالم، والكالونسيين في أرض الأشواك الجنوبية الغربية وأرض ذوي الدماء التنّينية، وشعب العظم القاحل في الصحراء العظمى، و«اللصوص» في الشرق الأدنى، أي النيدانيين، والسيلس الذين يرعون في السهول الشرقية، وأولئك ذوو البشرة القرمزية من أقصى الجنوب، والكاسايين الذين يجوبون الجزر بمهارةٍ عظيمة. باستثناء أهل المشرق الأقصى، كان جميع البشر تقريبًا يعرفون ويقرّون بوجود سيد الجبال.” شرب كاسلان العجوز جرعةً من شرابه وتكلّم بعاطفةٍ جياشة من وراء منضدة الحانة.
هزّ العجوز كاسلان رأسه. “سوى العائلات المتعجرفة والعلماء المملّين، لم يعُد أحد يتذكّر تلك الأساطير القديمة، ولا الأمجاد الماضية، ولا التاريخ الضائع، ولا التقاليد المقدسة.” وأشار نحو الباب. “لكن تلك الأشياء هناك… تلك الهِبات للجبال هي ما تقي الصغار في الخارج من التجمد والجوع في هذا الشتاء القارس… وهذا يكفي. ما دام الشيء نافعًا للبشر، فوجوده ذو معنى. سيّد الجبال لم يختفِ، بل يعيش في الفجوات بين كل يومٍ يسبق الشتاء القارس، وفي امتنان المسافرين الذين يلتقطون الطعام من الأشجار.”
دَوِي!
“والأمر ذاته ينطبق على التنين والإمبراطورية.” ابتسم كاسلان بسخرية.
‘عملتكم قائمة على معيار الذهب والفضة والنحاس الذي وضعته الإمبراطورية. هذه القطع الصغيرة هي التي تحفظ اقتصاد مملكتكم ومعيشة شعبكم، وتمنعكم من العودة إلى زمن الملوك الإقطاعيين.”
لم يقل بيوتراي ولا كينتفيدا شيئًا بعد ذلك، لكن ملامحهما كانت كئيبة.
“يمكنك أن تتابع أفكارك الخاصة، غير أن التاريخ لا يمكن تغييره، حتى الآن.” قال بيوتراي بازدراء.
أشرق وجه تاليس بابتسامة.
“في زمن الإمبراطورية القديمة، كان ذلك المكان سجنًا للمنفيّين وميدانًا للإعدام أيضًا. كلّ من ذهب إلى هناك كان عليه أن «يُصلَح».” هزّ كينتفيدا رأسه بأسف. “برج الإصلاح… لكن للأسف، لم يغادر أكثر أولئك السجناء المكان أحياء ليُصلحوا حياتهم.”
طَق!
“الرودوليون وسكان الشمال؟” خفَض تاليس رأسه بفضولٍ وبدأ يأكل قطعةَ خبزٍ أخرى. “أذكر أن لقب الملك الأعلى لمملكة الكوكبة يتضمّن—”
صفّق كاسلان بأصابعه.
“وأخيرًا، حين جاء دوره، اندفع أبناء الشمال الغاضبون وأتباع كيسو واقتحموا برج الإصلاح وساحة الإعدام. قتلوا جنود الإمبراطورية، وأنقذوا كيسو.”
دَوِي!
ثم تناول آخر لقمة من الخبز.
ظهر برايان، عامل الحانة ذو الندبة المحروقة في وجهه. كعادته، كان يبدو متجهّمًا كأن الجميع مدينون له بثمن الشراب. وبإشارة من ربّ عمله، رمى كأسًا على الطاولة بخشونة ودفعها نحو تاليس. كان الشراب ذا لون مختلف عن بقية الكحول.
“أم… شكرًا على نصيحتك.” حكّ تاليس رأسه بارتباكٍ وأطلق ضحكةً جافة. “وجهة نظرٍ جديدة حقًا.”
رمقه بنظرة حادّة قبل أن يستدير عائدًا إلى المطبخ الخلفي.
الكوكبة أرادت أن تدافع عن أرضها في الشمال، وإكستيدت أرادت أن تستعيد الأرض التي ترى أنها أرضُ الشماليين.
رفع تاليس رأسه بدهشة.
خفض تاليس رأسه ونظر عرضًا إلى رواسب القمح في قاع كأسه، فتذكّر حانة الغروب في السوق السفلي لمدينة النجم الأبدي، وتذكّر جالا، الساقيةَ المرحة، والطاهي الضخم ذي الملامح الغاضبة، وإدموند، وصاحب الحانة الذي لم يره إلا مرّتين أو ثلاثًا.
“خمر الجاودار الفاخر، تقدمه حانة البطل خصيصًا!” قال العجوز بمكر تحت نظرات تاليس المندهشة. “إنه من صُنع رفيق قديم لي من منطقة أوركيد المرموقة، ولا يتوافر منه سوى كمية محدودة كل يوم.”
“في عصر الإمبراطورية القديمة، كان سيد الجبال إيمانًا مشتركًا بين جميع البشر. ليس بيننا نحن سكان الشمال فحسب، بل أيضًا بينكم أنتم الرودوليين الذين شيّدوا الإمبراطورية في قلب العالم، والكالونسيين في أرض الأشواك الجنوبية الغربية وأرض ذوي الدماء التنّينية، وشعب العظم القاحل في الصحراء العظمى، و«اللصوص» في الشرق الأدنى، أي النيدانيين، والسيلس الذين يرعون في السهول الشرقية، وأولئك ذوو البشرة القرمزية من أقصى الجنوب، والكاسايين الذين يجوبون الجزر بمهارةٍ عظيمة. باستثناء أهل المشرق الأقصى، كان جميع البشر تقريبًا يعرفون ويقرّون بوجود سيد الجبال.” شرب كاسلان العجوز جرعةً من شرابه وتكلّم بعاطفةٍ جياشة من وراء منضدة الحانة.
“إنه مختلف عن تلك الخمور الرخيصة التي يشربونها، وهذا لأجل ما قلتَه قبل قليل!”
“فرضت؟” بدا أن بيوتراي قد استُفزّ. “فرسان الملوك الإقطاعيين في الشمال بايعوا الإمبراطور الأعظم كاميلوت كارلوس في الوقت نفسه الذي انضوى فيه فرسان البلاد الشوفينية القديمة تحت رايته. . كنتم جميعًا من أوائل الداعمين للإمبراطور العظيم وأكثرهم نشاطًا في تأسيس الإمبراطورية!”
اتّسعت عينا تاليس، ونظر إلى العجوز ذي الشعر الأبيض، ثم إلى السائل في الكأس أمامه.
“سيدُ الجبال؟”
“لا تتردّد يا فتى! اشربه دفعة واحدة!” استعرض كاسلان عضلة ذراعه اليمنى القوية التي لم يبدُ عليها أثر الشيخوخة. “هناك معياران لمعرفة الرجل الحق: أن يلوّح بفأسه بقوة كافية، وأن يشرب بنَفَسٍ كافٍ!”
“في زمن الإمبراطورية القديمة، كان ذلك المكان سجنًا للمنفيّين وميدانًا للإعدام أيضًا. كلّ من ذهب إلى هناك كان عليه أن «يُصلَح».” هزّ كينتفيدا رأسه بأسف. “برج الإصلاح… لكن للأسف، لم يغادر أكثر أولئك السجناء المكان أحياء ليُصلحوا حياتهم.”
“أه… رجل؟ عمري سبع سنوات فقط…” حدّق تاليس في الكأس الضخم بحجم رأسه تقريبًا، وردّد بارتباك ما قاله من قبل في حضرة الآرشيدوق ذو الرمال السوداء: “تعلم أن الأطفال لا ينبغي لهم شرب الخمر، فذلك مضرّ بالصحة…”
تبادل بيوتراي وكينتفيدا نظرةَ دهشةٍ صامتة.
“هراء!” لوّح كاسلان بيده بازدراء كاشفًا عن أسنانه الصفراء.
تجمّد تاليس في مكانه.
وبينما ارتسم على وجه بيوتراي تعبيرٌ بالغُ الضجر، ضرب العجوز كتف تاليس بصفعة قوية جعلته يترنّح. “بل لأنك في السابعة يجب أن تشرب!
“لقد رأيت الريح الشمالية مرارًا.” تمتم بيوتراي بهدوء. “أما إن كنت تشير إلى التنين المطرّز على علم إكستيدت… هه، فالقماش لا بأس به.”
يا فتى، لن تنضج ما لم تشرب!”
“الصراعات العرقية تحوّلت إلى اضطهادٍ دينيٍّ عنيفٍ قذرٍ مظلم. كم من إنسانٍ مات تحت التعذيب الوحشيّ غير المبرّر على يد القوى السرّية للإمبراطورية؟ وكم من نفسٍ أزهقها دير التجسيد الساطع بذريعة الهرطقة؟ أتعلم أنّ الإيمان بالتجسدات القديمة—سيّد الجبال، عذراء البحر الحامية، وأب السهول—قد اندثر لأنّ الإمبراطورية القديمة حظرت تبجيلهم؟ كلّ ذلك جرى وسط مؤامراتٍ دبّرها الإمبراطور ودير التجسيد الساطع معًا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لا أعرف عنه الكثير، آسف، فأنا لا أزال في السابعة من عمري.” هزّ تاليس رأسه بخجل. “لكنني أرغب في سماع قصتك. ماذا حدث لعائلة ترينتيدا؟ وما علاقتها بكيسو لامبارد؟”
“الصراعات العرقية تحوّلت إلى اضطهادٍ دينيٍّ عنيفٍ قذرٍ مظلم. كم من إنسانٍ مات تحت التعذيب الوحشيّ غير المبرّر على يد القوى السرّية للإمبراطورية؟ وكم من نفسٍ أزهقها دير التجسيد الساطع بذريعة الهرطقة؟ أتعلم أنّ الإيمان بالتجسدات القديمة—سيّد الجبال، عذراء البحر الحامية، وأب السهول—قد اندثر لأنّ الإمبراطورية القديمة حظرت تبجيلهم؟ كلّ ذلك جرى وسط مؤامراتٍ دبّرها الإمبراطور ودير التجسيد الساطع معًا.”
