مأدبة ترحيب فريدة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أأنت واثق أنّه ليس عليّ ارتداء هذا؟ لقد قالت السيدة جينيس إنّه في المآدب…” في الغرفة، سأل تاليس بيوتراي. كان يعقد حاجبيه وهو يرفع سترة صغيرة مزخرفة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وكاد ينسى أنّ المتآمر الذي تجرأ على محاولة اغتيال أميري المملكتين يجلس بين هؤلاء الآرشيدوقات الخمسة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“سبعة أعوام؟ أهذه مزحة؟”
Arisu-san
ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.
الفصل 139: مأدبة ترحيب فريدة
ولدهشة تاليس، ردد كثيرٌ من نبلاء الشمال صيحته دفعةً واحدة، واحتجّوا على الملك نوڤين.
…
غير أنّ الملك نوڤين لم يُبدِ أيّ ردّة فعل، بل حدّق ببرود في الفوضى التي أحدثها النبلاء.
“أأنت واثق أنّه ليس عليّ ارتداء هذا؟ لقد قالت السيدة جينيس إنّه في المآدب…” في الغرفة، سأل تاليس بيوتراي. كان يعقد حاجبيه وهو يرفع سترة صغيرة مزخرفة.
…لأنّ تاليس كان يعرف تمامًا ما يريدونه.
(وهذه أيضًا من الأمتعة التي عانى طاقم الدبلوماسيين كثيرًا ليجلبوها، مع الأعلام.)
بقيادة مدير الملك، ميرك، ومعه بعض الخدم، سار تاليس إلى جانب بيوتراي، بينما تبعه رالف ووايا… أما آيدا، فاتفق الجميع على أنّ وجودها في مثل هذا الحدث غير مناسب.
“نحن في إكستيدت، في أرض الشمال.” نظر إليه بيوتراي، الأنيق الثياب، بنظرة ازدراء. “حتى في المآدب، هم يكرهون دمى الفتية المتأنّقين والرخويـن… إن رغبت حقًّا في ارتدائها، فأخشى أنك ستصبح المرشّح الأول للقب أكبر مهرّج في المأدبة.”
أومأ ميرك الخالي من التعابير إلى تاليس، وبسط يده اليمنى بأدب، مشيرًا إليه أن يتقدّم.
أخرج تاليس لسانه ووضع السترة جانبًا.
…..
وبقرب النافذة، استعادَت آيدا انتباهها وتنهدت بأسف ظاهر. “آه، أنتم تعلمون… المآدب من غير المهرّجين مملة.”
فاللامتوقّعون… مخيفون دائمًا.
بعد قرابة شهر من الضغوط، لم يعد لدى تاليس قوّة ليأبه لأي شيء آخر. من “المنازل المهجورة” و”سوق الشارع الأحمر”، إلى “قاعة مينديس” و”قصر النهضة”، ثم من “حصن التنين المحطّم” إلى “مدينة سحب التنين”، لم يحصل الأمير الثاني المتوَّج حديثًا على فرصة لينام في سريره كما ينبغي. لقد زُجّ به في عربة النبلاء، وحمل عبء كونه أميرًا، وواجه تحديات لم يعهدها من قبل.
عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”
ولذلك، أدرك تاليس فجأة أنّه لا يملك أي تجربة في مآدب النبلاء، ولا معرفة بها، إلا بعدما جاء ميرك والخدم للتذكير بها.
“حتى لو تقاتلنا حتى الموت غدًا… فيجب أولًا أن نُكرم التقليد!”
لم يفقد رباطة جأشه قط أمام الأسلحة، والجنود، وأفراد عشيرة الدم، والصوفيين، لكنه الآن أحسّ فجأة بشيء من التوتر.
قدّم ميرك بشرح محترم المكان الذي سيذهبون إليه. “قاعة المأدبة هي المكان الذي استقبل فيه الملك رايكارو الفرسان التسعة. ويُقال إن مأدبة بطل الشمال امتدت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقد التهموا فيها معظم ما غنموه في حملتهم المباركة. وهنا، وسط الهتاف داخل القصر وخارجه، انتُخب رايكارو إكستيدت ملكًا.”
“لا تقلق.” أشعل بيوتراي بلا مبالاة تبغَ الشمال الذي حصل عليه من الخدم. “مقارنةً بالكوكبة ودوقية آنلينزو، فإنّ مآدب إكستيدت ليست إلا نزهة عسكرية لجنود ذوي عقول بسيطة. إن مررتَ بمآدب هانبول وسلالة الفجر والظلام، يا إلهي… آدابُ مآدبهم عقوبات مقنّعة.”
الشخص الوحيد الذي لم يستطع فهمه… هو هذا الملك العجوز الواقف على قمّة سلطة إكستيدت.
“البروتوكولات، الزخارف، الصيحات، الأنماط… الجهدُ المبذول لفصل البشر على أساس الهوية والمكانة والرتبة لا يتوقف أبدًا.” حاول تاليس أن يهدّئ نفسه بالكلام، ثم انحنى ليعدّل حذاءه أمام مرآة بسيطة خشنة. “بعد الليلة… لا بد أن أستحم.”
كانت ملامح نوڤين السابع متّقدة بالحماسة. وبصوتٍ جهير مسنودٍ بلهجة شمالية، صرخ بكل القاعة باللغة المشتركة:
“فكّر أولًا في شؤون الليلة الرسمية.” بدا أنّ بيوتراي غير معتاد على تبغ الشمال الخشن، فقد قال بصعوبة وهو يسعل: “كح… كح… اللعنة، لقد جلبوا لي تبغًا رديئًا.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وبأعجوبة، جعلت كلمات بيوتراي تاليس ينسى توتره من أجل المأدبة المقبلة، وبدأ يركز على الوضع الراهن.
عاد الضجيج إلى القاعة، أعنف مما كان. وتعالت أصوات البشر حتى كادت تصمّ الآذان.
طرقٌ على الباب.
“حتى لو تقاتلنا حتى الموت غدًا… فيجب أولًا أن نُكرم التقليد!”
دخل رالف، متكئًا أكثر فأكثر على أطرافه المعدنية. بدا أن هذه أول مرة يحضر فيها مثل هذه المآدب. حتى مع القناع الفضي، كان الشحوب بادياً على وجهه.
(ساحرة… حمراء؟) حدّق تاليس في العجوز الطيبة مذهولًا. (ساحرة؟ ما هذا بحق…؟)
أما وايا، فكان أكثر هدوءًا، وكأنه مرّ بمثل هذه المناسبات من قبل.
كانت القاعة دائرية، علّقت على الجدران راية مثلثة تحمل شعار “رمح التنين”، ووُضعت المشاعل في الأركان حيث يلتقي الجدار بالأرض، بينما أضاءت مصابيح أبدية ساطعة السقف، (حمدًا لله، فقد كان تاليس يظن أن الضوء الوحيد في قصر الروح البطولية يأتي من المشاعل فقط). وكان الخدم يظهرون بين حين وآخر من الأبواب الجانبية أو المشربيات حاملين دفعات لا تنتهي من الطعام والنبيذ.
أومأ مرافق تاليس بجدية. “يا صاحب السمو، كل شيء جاهز.”
كانت ملامح نوڤين السابع متّقدة بالحماسة. وبصوتٍ جهير مسنودٍ بلهجة شمالية، صرخ بكل القاعة باللغة المشتركة:
وبجانب وايا، وقّع رالف بيديه: “لقد وصلوا.”
بدأت مأدبة الترحيب في إكستيدت قبل أن تغيب الشمس تمامًا.
أومأ تاليس.
“من أجل إكستيدت!”
تنفّس الأمير الثاني بعمق. ورغم نظرات بيوتراي المتحيرة وعبوس وايا المشدود، رد تاليس بدوره:
بلغ ارتفاع القاعة سبعة أو ثمانية أمتار، وامتلأت بالمشاعل النارية المثبّتة على حوامل على امتداد الممر، وكانت تتّقد فتضيء القصر كأنه نهار.
“فلنذهب.”
بلغ تاليس أخيرًا المكان الذي يجلس فيه الملك نوڤين. فانحنى قليلًا.
…..
“البروتوكولات، الزخارف، الصيحات، الأنماط… الجهدُ المبذول لفصل البشر على أساس الهوية والمكانة والرتبة لا يتوقف أبدًا.” حاول تاليس أن يهدّئ نفسه بالكلام، ثم انحنى ليعدّل حذاءه أمام مرآة بسيطة خشنة. “بعد الليلة… لا بد أن أستحم.”
بدأت مأدبة الترحيب في إكستيدت قبل أن تغيب الشمس تمامًا.
“يا صاحب السمو، لا أعلم مقدار معرفتك بمآدب الشمال. لكن يجب أن أذكّرك أنّ ضيوف الكوكبة قد لا يعتادون طريقة مآدبنا. وليلة اليوم ستكون فريدة قليلًا.” قال اللورد ميرك بوجه خالٍ من التعبير.
بقيادة مدير الملك، ميرك، ومعه بعض الخدم، سار تاليس إلى جانب بيوتراي، بينما تبعه رالف ووايا… أما آيدا، فاتفق الجميع على أنّ وجودها في مثل هذا الحدث غير مناسب.
وبدا أنّ الملك لاحظ أنّ تاليس ينظر إليه، فمرّ بصره العتيق الحاد على تاليس مخترقًا اياه.
“يا صاحب السمو، لا أعلم مقدار معرفتك بمآدب الشمال. لكن يجب أن أذكّرك أنّ ضيوف الكوكبة قد لا يعتادون طريقة مآدبنا. وليلة اليوم ستكون فريدة قليلًا.” قال اللورد ميرك بوجه خالٍ من التعبير.
وكاد ينسى أنّ المتآمر الذي تجرأ على محاولة اغتيال أميري المملكتين يجلس بين هؤلاء الآرشيدوقات الخمسة.
ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.
ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة متواضعة وودّية كما تخيّلها مناسبة لأمير، ثم تقدّم إلى الأمام.
وعلى أرضية قصر الروح البطولية الجافة، صعدوا درجات الحجر.
تردّد الصوت في أرجاء القاعة حتى بلغ كلّ ركن، فتوقّفت حركة المأدبة الصاخبة فجأة.
قدّم ميرك بشرح محترم المكان الذي سيذهبون إليه. “قاعة المأدبة هي المكان الذي استقبل فيه الملك رايكارو الفرسان التسعة. ويُقال إن مأدبة بطل الشمال امتدت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقد التهموا فيها معظم ما غنموه في حملتهم المباركة. وهنا، وسط الهتاف داخل القصر وخارجه، انتُخب رايكارو إكستيدت ملكًا.”
“من أجل إكستيدت!”
وعند آخر درجة، بلغ تاليس ممرّ الطابق السادس من قصر الأرواح البطولية، حيث تعالت الأصوات الصاخبة.
مرورًا بالطاولات الطويلة، سمع همساتٍ خافتة، وكان لحسّه السمعي الجيّد فائدة جليّة في تلك اللحظة.
بلغ ارتفاع القاعة سبعة أو ثمانية أمتار، وامتلأت بالمشاعل النارية المثبّتة على حوامل على امتداد الممر، وكانت تتّقد فتضيء القصر كأنه نهار.
كانت القاعة تتسع لمئات الحاضرين، وقد ضمّت الآن ما لا يقل عن مئة أو مئتين يجلسون حول أكثر من عشرة موائد طويلة متوازية، موضوعة عموديًا على الباب الرئيسي، وعبر الوسط ممرّ واسع يسمح للخدم والضيوف بالحركة.
وبخلاف ممرات الطوابق الأخرى المليئة بالغرف، لم يكن في هذا الطابق إلا زوج من الأبواب الخشبية السميكة في منتصف الممر. الخدم يتحركون جيئة وذهابًا بوجوه متهللة؛ بعضهم يحمل الأطباق، والآخر يحضر براميل الجِعَة.
أومأ ميرك الخالي من التعابير إلى تاليس، وبسط يده اليمنى بأدب، مشيرًا إليه أن يتقدّم.
تنفّس تاليس بعمق وتبادل نظرة مع مرافقيه، ثم خطا خلف ميرك إلى قاعة مأدبة قصر الروح البطولية.
“آه…” استخدم الأمير الثاني الابتسامة المثالية التي تعلّمها من ذاك الدوق الشاب، وقال بلطف: “لعلّني أعرف… مَن يكون ابنكِ؟”
وتدفقت إلى سمعه أصوات النقاشات الصاخبة، وقرع كؤوس الشراب، وصليل السكاكين وهي تشق اللحم، وحتى صرخات العراك… كلّها غزت أذنيه وعذّبته.
لكن قبل أن يجيب، تكلّم بيوتراي من جانبه: “أعذرينا يا سيدتي، هل لكِ مطلبٌ خاص عندنا؟”
رفع تاليس رأسه ورأى المشهد واضحًا.
تجهم وجه تاليس وبقية وفد الكوكبة في اللحظة ذاتها.
كانت القاعة دائرية، علّقت على الجدران راية مثلثة تحمل شعار “رمح التنين”، ووُضعت المشاعل في الأركان حيث يلتقي الجدار بالأرض، بينما أضاءت مصابيح أبدية ساطعة السقف، (حمدًا لله، فقد كان تاليس يظن أن الضوء الوحيد في قصر الروح البطولية يأتي من المشاعل فقط). وكان الخدم يظهرون بين حين وآخر من الأبواب الجانبية أو المشربيات حاملين دفعات لا تنتهي من الطعام والنبيذ.
“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”
كانت القاعة تتسع لمئات الحاضرين، وقد ضمّت الآن ما لا يقل عن مئة أو مئتين يجلسون حول أكثر من عشرة موائد طويلة متوازية، موضوعة عموديًا على الباب الرئيسي، وعبر الوسط ممرّ واسع يسمح للخدم والضيوف بالحركة.
عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”
تجوّل نظر تاليس في القاعة بعبوس. وبسبب قصر قامته، لم يستطع رؤية آخر القاعة، فكان بيوتراي هو من شرح له بصوت منخفض ما يجري.
تابع تاليس السير نحو نوڤين السابع دون أن يلتفت. كان الرجل يرمقه بنظرةٍ عصيّة على التفسير.
كان الجو في القاعة صاخبًا نابضًا بالحياة.
عقد تاليس حاجبيه. ممسكًا بالكأس المعدني الثقيل، أرغم نفسه على احتساء رشفة… تحت نظرات عددٍ غير قليلٍ من الواقفين خلفه.
الخدم يذهبون ويأتون بالأطباق، والنبلاء الفظّون يتجادلون بوجوه محتقنة، وبعض الضيوف يشربون حتى يحمرّوا. وكان ثمة نبلاء سكيرون يتحججون بالسكر ليلمسوا مؤخرات الخادمات، فتدوي القاعة بالهتاف.
…لأنّ تاليس كان يعرف تمامًا ما يريدونه.
جلس الآرشيدوقات الخمسة على رؤوس الموائد الخمسة. آرشيدوق أولسيوس بلحيته الكثيفة بقي ثابت النظرة، يقلب كأسه بشرود، وأغلب من حوله من فرسان العائلة وسادة تابعين يحملون شعار دائرة داخل مثلث. أما آرشيدوق ترينتيدا ذو تسريحة الدائرة، فكان يضحك مع أتباعه بمهارة اجتماعية واضحة. والآرشيدوق الأصلع ليكّو جلس مع مركيز شيليس من اتحاد كاموس يستمعان لبعضهما ببطء. وأما آرشيدوق روكني الطويل الشعر، فبدا شديد الصرامة كعادته، يشعّ منه برد غريب؛ لم يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وخدمه يعيدون ملء طعامه وشرابه كل حين. وعلى المائدة الأخيرة جلس الآرشيدوق الشاب بوفريت، يرفع كأسه مبتسمًا لعدد من الدوقات والأتباع، الذين يهزون رؤوسهم مرارًا، ثم يشربون كؤوسهم دفعة واحدة.
“الواقفون عند آخر القاعة هم من أمثال نبلاء الطبقة الدنيا، تابعو الأسياد، الفرسان ذوي المناقب، والبيروقراطيين المدعوين.” همس بيوتراي بتذكير هادئ. “ذاك المتأنّق هناك على يسارك ليس سوى خادم مكلّف بتقديم الطعام. وذاك خلفك، على يمينك، الواقف في الزاوية، يبدو كعبد، لكنّه ضابط ’أوزّينغ’ المسؤول عن شوي اللحم. إنّه لقب شرفي عريق لا يُمنح إلا للتابعين المقربين الذين يأتمنهم أسيادهم.”
(يا لها من وليمة صاخبة… كأنها المشهد ذاته في قرية ممرّ الجبل حين يشرب أهل الشمال والجنود معًا.)
…..
ولولا أنّ تاليس رفع بصره، ورأى نوڤين السابع يشرب بصمت على مائدة عريضة أعلى القاعة، محاطًا بخدمه المقربين وحرس النصل الأبيض، لنسي تمامًا أن بين كل هذه الضوضاء تختبئ ظلال السيوف.
وترددت الصرخات الهادرة في القاعة كأمواجٍ لا تُرد. ثم شرب الملك جعته دفعة واحدة.
وكاد ينسى أنّ المتآمر الذي تجرأ على محاولة اغتيال أميري المملكتين يجلس بين هؤلاء الآرشيدوقات الخمسة.
فانطلقت هتافات الجموع: “من أجل الشمال!”
استدار تاليس وقال باستسلام: “لم أكن أعلم أنّ المأدبة قد بدأت بالفعل.”
تجاهل تاليس ميرك. ومع تحمّله لنظرات القاعة بأسرها، قطّب حاجبيه وسأل بيوتراي بصوت خفيض: “أأتقدّم هكذا فحسب؟ أم أبقى في الخلف حتى يستدعيني أحد؟”
“أغلب النبلاء قد جلسوا في أماكنهم. الملك نوڤين ينتظر وصولك.” قال ميرك بهدوء.
“البروتوكولات، الزخارف، الصيحات، الأنماط… الجهدُ المبذول لفصل البشر على أساس الهوية والمكانة والرتبة لا يتوقف أبدًا.” حاول تاليس أن يهدّئ نفسه بالكلام، ثم انحنى ليعدّل حذاءه أمام مرآة بسيطة خشنة. “بعد الليلة… لا بد أن أستحم.”
ضيّق تاليس عينيه، وتمكّن أخيرًا من إلقاء نظرة على نوڤين السابع القابع في أقصى القاعة. سجّل على وجهه تلك الملامح اللامبالية التي لم تتبدّل.
ولوّح عددٌ كبير من رجال الشمال بقبضاتهم، وزأروا كالحيوانات الوحشية دعمًا لوليمة الملك.
وبدا أنّ الملك لاحظ أنّ تاليس ينظر إليه، فمرّ بصره العتيق الحاد على تاليس مخترقًا اياه.
أطلق عدد من نبلاء الشمال ضحكات مبطّنة. وهزّ أولسيوس رأسه باحتقار وجلس مجددًا.
“إذًا، أوشكت على البدء.” خلفه، تمتم بيوتراي، عامدًا أو غير عامد.
ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة متواضعة وودّية كما تخيّلها مناسبة لأمير، ثم تقدّم إلى الأمام.
تنفّس تاليس في قلبه تنهيدةً مكتومة.
تجاهل تاليس ميرك. ومع تحمّله لنظرات القاعة بأسرها، قطّب حاجبيه وسأل بيوتراي بصوت خفيض: “أأتقدّم هكذا فحسب؟ أم أبقى في الخلف حتى يستدعيني أحد؟”
وبعد بضع ثوانٍ، وعلى إشارة من ميرك، أعلن الخادم الواقف بقربهم هوية تاليس بصوت جهوري.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“الضيف المكرَّم من الكوكبة، الأمير تاليس جيدستار!”
“فكّر أولًا في شؤون الليلة الرسمية.” بدا أنّ بيوتراي غير معتاد على تبغ الشمال الخشن، فقد قال بصعوبة وهو يسعل: “كح… كح… اللعنة، لقد جلبوا لي تبغًا رديئًا.”
تردّد الصوت في أرجاء القاعة حتى بلغ كلّ ركن، فتوقّفت حركة المأدبة الصاخبة فجأة.
رمقهم الملك بنظرة حادّة، ثم صرخ مجددًا:
توقّف الجميع تقريبًا عن كل ما كانوا يفعلونه لينظروا إلى تاليس؛ سواء كانوا يشربون، أو يقطعون اللحم، أو يتسامرون، أو يتشاجرون، أو حتى يضايقون خادمات الطاولات.
تابع تاليس السير نحو نوڤين السابع دون أن يلتفت. كان الرجل يرمقه بنظرةٍ عصيّة على التفسير.
بل إنّ كثيرًا من الخدم والحراس المتمركزين، وحتى أفراد حرّاس النصل الأبيض، نظروا إليه.
وبأعجوبة، جعلت كلمات بيوتراي تاليس ينسى توتره من أجل المأدبة المقبلة، وبدأ يركز على الوضع الراهن.
عرف تاليس هذا الشعور. آخر مرة خَبِره كانت في مدينة النجم الأبدي، أثناء المؤتمر الوطني في قاعة النجوم.
مرورًا بالطاولات الطويلة، سمع همساتٍ خافتة، وكان لحسّه السمعي الجيّد فائدة جليّة في تلك اللحظة.
“(هل يجدر بي أن أبتسم الآن؟)” وبإحساسه بطرائقٍ شتّى من النظرات—من خبيثة وقاتلة، إلى فضولية وودّية—لم يغيّر تاليس ملامحه. حرّك شفتيه قليلًا وقال: “(أم أكون جامد الوجه؟ هل يلائم هذا كوني أمير المملكة العدوّة؟)”
“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”
“اهدأ، اهدأ. لقد بدأوا المأدبة باكرًا ولم يكلّفوا أنفسهم حتى ترتيب المقاعد. لا داعي لأن ترتبك أو تأخذ الأمر بجدية فائقة.” قال بيوتراي وهو يتنهّد أمام قلق الأمير. “لا يهمّ أيّ ملامح ترتدي. الآن، أنت لست سوى راية تُدعى ’الكوكبة’.”
وعلى الرغم من قلّة الكلمات التي تبادلاها، لم يستطع تاليس منع القشعريرة التي سرَت في جسده من تلك الأحاسيس الغريبة التي كانت تُطلّ من عيني الملك، وكيف أجبره على المشاركة في انتقامه، وكيف تصرّف في قاعة الاجتماع.
أومأ ميرك الخالي من التعابير إلى تاليس، وبسط يده اليمنى بأدب، مشيرًا إليه أن يتقدّم.
دَق! دَق! دَق!
تجاهل تاليس ميرك. ومع تحمّله لنظرات القاعة بأسرها، قطّب حاجبيه وسأل بيوتراي بصوت خفيض: “أأتقدّم هكذا فحسب؟ أم أبقى في الخلف حتى يستدعيني أحد؟”
“أيّ مأدبةٍ بحقّ الجحيم هذه؟”
“لو كنت في الكوكبة الآن، لوجب عليك الانتظار حتى يرسل السيّد من يقودك إلى مقعدك. لكنّ هذه إكستيدت.” نظر بيوتراي إلى القاعة الفوضوية وهو يقطّب جبينه. بدا أنّ كثيرًا من الضيوف قد فقدوا فضولهم، وبعضهم عاد إلى التهام ما قُدّم أمامه. “لذا، لا تتوقّع الكثير من الرسميات. تقدّم إلى مقعدك دون أن تلتفت. أظنّ أنه سيكون ذاك الذي بجوار الملك نوڤين.”
عاد الضجيج إلى القاعة، أعنف مما كان. وتعالت أصوات البشر حتى كادت تصمّ الآذان.
ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة متواضعة وودّية كما تخيّلها مناسبة لأمير، ثم تقدّم إلى الأمام.
ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة متواضعة وودّية كما تخيّلها مناسبة لأمير، ثم تقدّم إلى الأمام.
وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
مرورًا بالطاولات الطويلة، سمع همساتٍ خافتة، وكان لحسّه السمعي الجيّد فائدة جليّة في تلك اللحظة.
(ساحرة… حمراء؟) حدّق تاليس في العجوز الطيبة مذهولًا. (ساحرة؟ ما هذا بحق…؟)
“إذًا، هذا هو الأمير الذي لا يزال يشتمّ منه رائحة حليب أمّه؟”
نطقت اسمًا قلب ملامح تاليس رأسًا على عقب:
“بلغني أنه تاه خارج المملكة لسنوات عديدة…”
دخل رالف، متكئًا أكثر فأكثر على أطرافه المعدنية. بدا أن هذه أول مرة يحضر فيها مثل هذه المآدب. حتى مع القناع الفضي، كان الشحوب بادياً على وجهه.
“سبعة أعوام؟ أهذه مزحة؟”
كان نبلاء الشمال مختلفين اختلافًا بالغًا عن نظرائهم في الكوكبة. ففي قاعة النجوم، كان النبلاء دائمًا ما يتصرّفون بأناقة، حتى نبلاء القرى الجالسون على الأطراف كانوا يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر المتحضّر—سلوكًا ولباسًا. وهذا ما جعل عشائر الأقاليم الشمالية الثلاثة الكبرى، بقيادة آروند، وفريس، وزيمونتو، ومن معهم من نبلاء، يبدون واضحين تمام الوضوح بينهم.
“كان أهل الكوكبة يتحدثون عنه كما لو كان مقدسًا. يزعمون أنه عبقري… هه!”
تجهم وجه تاليس وبقية وفد الكوكبة في اللحظة ذاتها.
“ثم إنّ قواتنا لم تستطع التحرك من جرّاء هذا الطفل؟”
ابتسمت الساحرة الحمراء كالشان بودّ.
“عانى رجال اقليم الرمال السوداء عند الحدود… غضب المملكة…”
قدّم ميرك بشرح محترم المكان الذي سيذهبون إليه. “قاعة المأدبة هي المكان الذي استقبل فيه الملك رايكارو الفرسان التسعة. ويُقال إن مأدبة بطل الشمال امتدت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقد التهموا فيها معظم ما غنموه في حملتهم المباركة. وهنا، وسط الهتاف داخل القصر وخارجه، انتُخب رايكارو إكستيدت ملكًا.”
“لقد أرسل لامبارد جنودًا لاصطحابه إلى هنا…”
بادلها تاليس ابتسامة لطيفة، وإن كان تائهًا تمامًا عمّا يحدث.
“إن كنّا سنمضي في المعركة، فذلك لن يكون قبل الربيع…”
وعند آخر درجة، بلغ تاليس ممرّ الطابق السادس من قصر الأرواح البطولية، حيث تعالت الأصوات الصاخبة.
تابع تاليس السير نحو نوڤين السابع دون أن يلتفت. كان الرجل يرمقه بنظرةٍ عصيّة على التفسير.
ابتسمت الساحرة الحمراء كالشان بودّ.
وأخيرًا، انتهى معظم النبلاء من فضولهم. وتخلّوا عن فكرة تأمّل الأمير، وعادوا للانغماس في الوليمة.
رفع الملك نوڤين رأسه وزأر تحت نظرات الجمع:
كان نبلاء الشمال مختلفين اختلافًا بالغًا عن نظرائهم في الكوكبة. ففي قاعة النجوم، كان النبلاء دائمًا ما يتصرّفون بأناقة، حتى نبلاء القرى الجالسون على الأطراف كانوا يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر المتحضّر—سلوكًا ولباسًا. وهذا ما جعل عشائر الأقاليم الشمالية الثلاثة الكبرى، بقيادة آروند، وفريس، وزيمونتو، ومن معهم من نبلاء، يبدون واضحين تمام الوضوح بينهم.
“علينا أن نراعي عادات البلدان التي نزورها. منذ سنين طويلة، رأيت حتى أميرةً من إكستيدت تقف في الشوارع وتطلق كل صنوف السِّباب بألفاظ مثل ’نيـ…’ و’قـ…’.” هزّ بيوتراي رأسه. “ثمّ إنك—على الرغم من كونك أميرًا—تبدو معتادًا تمامًا على هذا النوع من الكلام.”
أمّا هنا، فعلى الرغم من اختلاف نبلاء الشمال في المكانة والطباع، إلّا أنّ كلّ واحد منهم كان يتصرّف كالأجلاف—من طريقة جلوسهم وأكلهم، إلى هيئاتهم وأزيائهم. وحتى أثناء الشراب، كانوا يُصدرون همهمات متعمّدة، ويسمحون لبضع قطرات أن تسيل على لحاهم، ويضربون كؤوسهم على الطاولة ضربًا. وبينما يشربون، يطلقون الانتقادات العالية على خصومهم، أو يتبادلون السباب الصاخب معهم.
استدار تاليس ونظر إلى الملك نوڤين—الذي فقد ابنه للتو—وقد نهض من مقعده، رافعًا كأسه عاليًا، ثم خاطب الجمع بصوت جهوري:
وبينما كان تاليس يراقب هذه الطبائع في صمت، تابع السير بين صفَّي الطاولات. ولم يملك إلا أن يلاحظ أنه—باستثناء خادمات الخدمة—لم تكن هناك أيّ مدعوة تقريبًا في المأدبة.
طرقٌ على الباب.
“الواقفون عند آخر القاعة هم من أمثال نبلاء الطبقة الدنيا، تابعو الأسياد، الفرسان ذوي المناقب، والبيروقراطيين المدعوين.” همس بيوتراي بتذكير هادئ. “ذاك المتأنّق هناك على يسارك ليس سوى خادم مكلّف بتقديم الطعام. وذاك خلفك، على يمينك، الواقف في الزاوية، يبدو كعبد، لكنّه ضابط ’أوزّينغ’ المسؤول عن شوي اللحم. إنّه لقب شرفي عريق لا يُمنح إلا للتابعين المقربين الذين يأتمنهم أسيادهم.”
“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”
“(تكليف التابعين المقربين بشوي اللحم… ضابط أقدام الإوزّ؟ لماذا؟)” سأل تاليس دون أن يلتفت، مستغربًا. “(أليس هذا من عمل أهل المطابخ؟ أم أنّ في الأمر شرفًا من نوع ما؟)”
وقفز سؤال في ذهن تاليس: (يبدو أنّهما يعرفان… هذه العجوز—كالشان.)
“هه، يا أميري. أتعلم أنه في تاريخ الإمبراطورية، كانت دوافع الاغتيال والتسميم تنبع من هذه الزوايا الهادئة حيث يُشوى اللحم؟” قال بيوتراي بصوت منخفض وهو يحافظ على رباطة جأشه.
لكن قبل أن يتسنّى له الجلوس براحة، ارتفع في القاعة صوتٌ هرِم، غريبٌ ومألوف في آن.
لزم تاليس الصمت.
لكن قبل أن يتسنّى له الجلوس براحة، ارتفع في القاعة صوتٌ هرِم، غريبٌ ومألوف في آن.
وحين تجاوزوا منتصف القاعة، لاحظ—كما توقّع—أن ’جودة’ نبلاء الشمال ترتفع كلّما علت مكانتهم. قلت الحركات الفظّة بدرجة كبيرة. لكنّ عدد المتبادلين للنظرات الصامتة، والمتماسّين بالهمسات الخفية، ارتفع ارتفاعًا هائلًا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“تلك البقعة الخالية في وسط القاعة… في الكوكبة أو دوقية آنلينزو، لكانت استُخدمت ساحةً للرقص أو منصّةً للعروض. أمّا في الشمال…” مرّ بيوتراي بمحاذاة بضعة ضيوف ذوي وجوهٍ متجهمة، متجاهلًا الشتائم الخافتة التي أطلقها نبيلٌ جَلِف بجانبه، ثم أشار إلى مساحةٍ دائرية خالية وسط القاعة، وقد ارتعشت عضلات وجهه. “بحسب خبرتي، حين يبلغ القوم ذروة السُّكر، فلن يكون مستغربًا أن يبدأ اثنان من الأجلاف هناك… بالن*ك بعنف.”
وبعد بضع ثوانٍ، وعلى إشارة من ميرك، أعلن الخادم الواقف بقربهم هوية تاليس بصوت جهوري.
عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”
هدأت القاعة التي كانت تغلي قبل لحظات.
“علينا أن نراعي عادات البلدان التي نزورها. منذ سنين طويلة، رأيت حتى أميرةً من إكستيدت تقف في الشوارع وتطلق كل صنوف السِّباب بألفاظ مثل ’نيـ…’ و’قـ…’.” هزّ بيوتراي رأسه. “ثمّ إنك—على الرغم من كونك أميرًا—تبدو معتادًا تمامًا على هذا النوع من الكلام.”
“أغلب النبلاء قد جلسوا في أماكنهم. الملك نوڤين ينتظر وصولك.” قال ميرك بهدوء.
“آه، بوصفي أمير مملكتكم، تمامًا كما تصوّر الأغاني والأساطير أمراءها الموقّرين، فقد خبرتُ معاناة الشعب، فازدَدْتُ فضيلةً ورقّة.”
وابتعد الملك عن مقعده وتقدّم نحو مقدّمة القاعة… كأسد يخرج من عرينه بخطى مهيبة إلى أرضٍ تتبع قطيعًا آخر.
أطلق بيوتراي شخيرًا خافتًا يحمل عدم اكتراث. ثم بلغوا أخيرًا نهاية الطاولات الطويلة.
تجوّل نظر تاليس في القاعة بعبوس. وبسبب قصر قامته، لم يستطع رؤية آخر القاعة، فكان بيوتراي هو من شرح له بصوت منخفض ما يجري.
وكان أعلاهم رتبةً من الحاضرين حولهم هو الآرشيدوق أولسيوس.
أطلق بيوتراي شخيرًا خافتًا يحمل عدم اكتراث. ثم بلغوا أخيرًا نهاية الطاولات الطويلة.
“لا موسيقى ولا شعراء، لا مهرّجون ولا عروض هزلية، لا نساء جميلات، لا خادمات ممتلئات، لا خنازير تُشوى على النار، لا مبارزات بين الرجال الأقوياء، لا احتفال مع العامة في خيام تمتدّ خارج الأسوار.” تمتم الآرشيدوق أولسيوس بغضب وهو يخاطب الأسياد من حوله. ثمّ استدار وصاح باتجاه الملك نوڤين.
“فلنذهب.”
“أيّ مأدبةٍ بحقّ الجحيم هذه؟”
كانت القاعة تتسع لمئات الحاضرين، وقد ضمّت الآن ما لا يقل عن مئة أو مئتين يجلسون حول أكثر من عشرة موائد طويلة متوازية، موضوعة عموديًا على الباب الرئيسي، وعبر الوسط ممرّ واسع يسمح للخدم والضيوف بالحركة.
ولدهشة تاليس، ردد كثيرٌ من نبلاء الشمال صيحته دفعةً واحدة، واحتجّوا على الملك نوڤين.
الفصل 139: مأدبة ترحيب فريدة
(هذا يبدو كالسوق الرطبة.) زفر تاليس. وتذكّر فجأة أنّه شعر بالأمر ذاته في المؤتمر الوطني، فبُهِت في يأس.
“أيّ مأدبةٍ بحقّ الجحيم هذه؟”
غير أنّ الملك نوڤين لم يُبدِ أيّ ردّة فعل، بل حدّق ببرود في الفوضى التي أحدثها النبلاء.
لكن قبل أن يجيب، تكلّم بيوتراي من جانبه: “أعذرينا يا سيدتي، هل لكِ مطلبٌ خاص عندنا؟”
فجأة، دوّى صوتٌ جهوري ساخر من طاولة طويلة أخرى، يردّ على أولسيوس.
فمنذ دخوله إكستيدت، كان كل سيّدٍ صادفه ليس بالشخص الهيّن—من الآرشيدوق لامبارد، إلى الفيكونت كينتفيدا، وحتى الآرشيدوقات الخمسة الحاضرين اليوم. ومع ذلك، وبعد ما خاضه من محن، استطاع تاليس أن يواجه عداوتهم، وترهيبهم، وضغطهم، وحتى نياتهم القاتلة…
“أولًا، إنّ يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب. وباستثناء مجانين مثل لامبارد، يعيش كل الشماليين باقتصاد ويخزنون الطعام استعدادًا للشتاء. ثم…” ضيّق الآرشيدوق ترينتيدا—ذا التسريحة المستديرة—عينيه ونهض. وحدّق من بعيد بالأمير القَلِق تاليس.
وبجانب وايا، وقّع رالف بيديه: “لقد وصلوا.”
“غرض هذه المأدبة هو الترحيب بالأمير غير المرحَّب به… أمير الكوكبة!”
تنفّس تاليس بعمق وتبادل نظرة مع مرافقيه، ثم خطا خلف ميرك إلى قاعة مأدبة قصر الروح البطولية.
واحدًا تلو آخر، نهض النبلاء إلى جواره وأطلقوا صيحات استهجان نحو تاليس.
بلغ تاليس أخيرًا المكان الذي يجلس فيه الملك نوڤين. فانحنى قليلًا.
تجهم وجه تاليس وبقية وفد الكوكبة في اللحظة ذاتها.
“الضيف المكرَّم من الكوكبة، الأمير تاليس جيدستار!”
“وأخيرًا، ريبيين أولسيوس، ما دمتَ تعيش في قصر غيرك، وتأكل وتشرب ممّا يملكون… هه، وربما حتى تضاجع ممّا يملكون”—ألقى الآرشيدوق ترينتيدا نظرة نحو خادمة ممتلئة الردفين وارتسم على شفتيه ابتسامٌ ذو مغزى—”فالأجدر بك ألا تنتقد ترتيبات المضيف.”
“اشربوا حتى تستلقوا، أو تتدحرجوا، أو تنبطحوا، أو تزحفوا، أو تُحملوا خارج قصري!
أطلق عدد من نبلاء الشمال ضحكات مبطّنة. وهزّ أولسيوس رأسه باحتقار وجلس مجددًا.
وبخلاف ممرات الطوابق الأخرى المليئة بالغرف، لم يكن في هذا الطابق إلا زوج من الأبواب الخشبية السميكة في منتصف الممر. الخدم يتحركون جيئة وذهابًا بوجوه متهللة؛ بعضهم يحمل الأطباق، والآخر يحضر براميل الجِعَة.
بلغ تاليس أخيرًا المكان الذي يجلس فيه الملك نوڤين. فانحنى قليلًا.
ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.
حدّق الملك نوڤين مليًّا في تاليس. كانت عيناه الداكنتان الخضراوان ممتلئتين بانفعالات معقدة، ما جعل الاضطراب يدبّ في نفس تاليس.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004ibrahim shazly💎 5005الخال!💎 100
فمنذ دخوله إكستيدت، كان كل سيّدٍ صادفه ليس بالشخص الهيّن—من الآرشيدوق لامبارد، إلى الفيكونت كينتفيدا، وحتى الآرشيدوقات الخمسة الحاضرين اليوم. ومع ذلك، وبعد ما خاضه من محن، استطاع تاليس أن يواجه عداوتهم، وترهيبهم، وضغطهم، وحتى نياتهم القاتلة…
(وهذه أيضًا من الأمتعة التي عانى طاقم الدبلوماسيين كثيرًا ليجلبوها، مع الأعلام.)
…لأنّ تاليس كان يعرف تمامًا ما يريدونه.
“لنرحّب جميعًا بضَيفنا… الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار!”
الشخص الوحيد الذي لم يستطع فهمه… هو هذا الملك العجوز الواقف على قمّة سلطة إكستيدت.
(ابنها؟)
وعلى الرغم من قلّة الكلمات التي تبادلاها، لم يستطع تاليس منع القشعريرة التي سرَت في جسده من تلك الأحاسيس الغريبة التي كانت تُطلّ من عيني الملك، وكيف أجبره على المشاركة في انتقامه، وكيف تصرّف في قاعة الاجتماع.
رمقهم الملك بنظرة حادّة، ثم صرخ مجددًا:
فاللامتوقّعون… مخيفون دائمًا.
كانت القاعة دائرية، علّقت على الجدران راية مثلثة تحمل شعار “رمح التنين”، ووُضعت المشاعل في الأركان حيث يلتقي الجدار بالأرض، بينما أضاءت مصابيح أبدية ساطعة السقف، (حمدًا لله، فقد كان تاليس يظن أن الضوء الوحيد في قصر الروح البطولية يأتي من المشاعل فقط). وكان الخدم يظهرون بين حين وآخر من الأبواب الجانبية أو المشربيات حاملين دفعات لا تنتهي من الطعام والنبيذ.
نهض الملك نوڤين ببطء ورفع يده مُشِيرًا إلى قائد حرّاس النصل الأبيض، نيكولاس.
حدّق الملك نوڤين مليًّا في تاليس. كانت عيناه الداكنتان الخضراوان ممتلئتين بانفعالات معقدة، ما جعل الاضطراب يدبّ في نفس تاليس.
أومأ نيكولاس وتقدّم نحو تاليس. “تفضّل بالجلوس. مقعدك هو الأخير إلى يسار الملك نوڤين.”
وفي تلك اللحظة، استدار الملك نوڤين فجأة وهو عائد إلى مقعده، وألقى نظرةً عميقة على تاليس.
استدار تاليس ونظر إلى المقعد في آخر الطاولة الطويلة، ذلك المقعد الذي لم يُعره أحد اهتمامًا.
بادلها تاليس ابتسامة لطيفة، وإن كان تائهًا تمامًا عمّا يحدث.
(على الرغم من أنه في صف الملك… إلا أنه بعيد جدًا عنه. يكاد يكون في الزاوية.)
(يا لها من وليمة صاخبة… كأنها المشهد ذاته في قرية ممرّ الجبل حين يشرب أهل الشمال والجنود معًا.)
خلفه، تنهد بيوتراي. فهزّ تاليس كتفيه ومضى دون اكتراث إلى مقعده، وتَبِعه رالف ووايا عن كثب.
دخل رالف، متكئًا أكثر فأكثر على أطرافه المعدنية. بدا أن هذه أول مرة يحضر فيها مثل هذه المآدب. حتى مع القناع الفضي، كان الشحوب بادياً على وجهه.
لكن قبل أن يتسنّى له الجلوس براحة، ارتفع في القاعة صوتٌ هرِم، غريبٌ ومألوف في آن.
“إذًا، أوشكت على البدء.” خلفه، تمتم بيوتراي، عامدًا أو غير عامد.
“ارفعوا كؤوسكم جميعًا!”
أمّا هنا، فعلى الرغم من اختلاف نبلاء الشمال في المكانة والطباع، إلّا أنّ كلّ واحد منهم كان يتصرّف كالأجلاف—من طريقة جلوسهم وأكلهم، إلى هيئاتهم وأزيائهم. وحتى أثناء الشراب، كانوا يُصدرون همهمات متعمّدة، ويسمحون لبضع قطرات أن تسيل على لحاهم، ويضربون كؤوسهم على الطاولة ضربًا. وبينما يشربون، يطلقون الانتقادات العالية على خصومهم، أو يتبادلون السباب الصاخب معهم.
استدار تاليس مذهولًا. وبجواره، بقي بيوتراي متماسكًا. وبخبرته الواسعة، ناول تاليس كأسًا معدنيًا من الجعة السوداء.
“من أجل إكستيدت!”
“نخبٌ…” قاله الدبلوماسي النحيل ببرود.
“هيا! كلوا! اشربوا! قاتلوا! ناكحوا! افعلوا ما يحلو لكم!”
استدار تاليس ونظر إلى الملك نوڤين—الذي فقد ابنه للتو—وقد نهض من مقعده، رافعًا كأسه عاليًا، ثم خاطب الجمع بصوت جهوري:
طرقٌ على الباب.
“لنرحّب جميعًا بضَيفنا… الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار!”
“عانى رجال اقليم الرمال السوداء عند الحدود… غضب المملكة…”
هدأت القاعة التي كانت تغلي قبل لحظات.
دَق! دَق! دَق!
وابتعد الملك عن مقعده وتقدّم نحو مقدّمة القاعة… كأسد يخرج من عرينه بخطى مهيبة إلى أرضٍ تتبع قطيعًا آخر.
همس بيوتراي قرب أذن تاليس: “نخبٌ فريد… هذه إحدى خصائص الشمال.”
ثبت الآرشيدوقات الخمسة أبصارهم عليه ورفعوا كؤوسهم… وكانت تعابيرهم شتى.
“فلا ينبغي لأحد أن يشكّ في كرم الشماليين، ولا في صلابة الإكستيدتيين. حتى لو كان ذلك الشخص عدوّنا اللدود!” طرق الملك نوڤين على كأسه. وانعكس على وجهه المليء بالتجاعيد شيءٌ من الهيبة، بل وبعضٌ من شراسة شبابه الغابر.
“لتختبره ريح الشمال، ولتُصقل عزيمته الثلوج!
وعند آخر درجة، بلغ تاليس ممرّ الطابق السادس من قصر الأرواح البطولية، حيث تعالت الأصوات الصاخبة.
“ولأسباب تعرفونها جميعًا، لا أستطيع أن أستقبله بقلبٍ سعيد.” قال الملك نوڤين وهو يجول بنظره، وصوته مفعم بصرامة باردة. “لكن… ما دام قد وصل إلى هنا…”
“ثم إنّ قواتنا لم تستطع التحرك من جرّاء هذا الطفل؟”
أصغى النبلاء في هدوء لملكهم. وكان كثيرٌ منهم يحدّقون في تاليس.
تنفّس تاليس بعمق وتبادل نظرة مع مرافقيه، ثم خطا خلف ميرك إلى قاعة مأدبة قصر الروح البطولية.
“فلا ينبغي لأحد أن يشكّ في كرم الشماليين، ولا في صلابة الإكستيدتيين. حتى لو كان ذلك الشخص عدوّنا اللدود!” طرق الملك نوڤين على كأسه. وانعكس على وجهه المليء بالتجاعيد شيءٌ من الهيبة، بل وبعضٌ من شراسة شبابه الغابر.
عاد الضجيج إلى القاعة، أعنف مما كان. وتعالت أصوات البشر حتى كادت تصمّ الآذان.
“حتى لو تقاتلنا حتى الموت غدًا… فيجب أولًا أن نُكرم التقليد!”
وأخيرًا، انتهى معظم النبلاء من فضولهم. وتخلّوا عن فكرة تأمّل الأمير، وعادوا للانغماس في الوليمة.
تعلّقت الأبصار به. ولوّح الملك بكأسه وزأر بغضب:
استدار تاليس وقال باستسلام: “لم أكن أعلم أنّ المأدبة قد بدأت بالفعل.”
“من أجل إكستيدت!”
عقد تاليس حاجبيه. ممسكًا بالكأس المعدني الثقيل، أرغم نفسه على احتساء رشفة… تحت نظرات عددٍ غير قليلٍ من الواقفين خلفه.
وفي تلك اللحظة، رفع كل من في القاعة كؤوسهم وصاحوا بصوت واحد:
أما وايا، فكان أكثر هدوءًا، وكأنه مرّ بمثل هذه المناسبات من قبل.
“من أجل إكستيدت!”
وحين تجاوزوا منتصف القاعة، لاحظ—كما توقّع—أن ’جودة’ نبلاء الشمال ترتفع كلّما علت مكانتهم. قلت الحركات الفظّة بدرجة كبيرة. لكنّ عدد المتبادلين للنظرات الصامتة، والمتماسّين بالهمسات الخفية، ارتفع ارتفاعًا هائلًا.
رمقهم الملك بنظرة حادّة، ثم صرخ مجددًا:
“إذًا، هذا هو الأمير الذي لا يزال يشتمّ منه رائحة حليب أمّه؟”
“من أجل الشمال!”
وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.
فانطلقت هتافات الجموع: “من أجل الشمال!”
“تلك البقعة الخالية في وسط القاعة… في الكوكبة أو دوقية آنلينزو، لكانت استُخدمت ساحةً للرقص أو منصّةً للعروض. أمّا في الشمال…” مرّ بيوتراي بمحاذاة بضعة ضيوف ذوي وجوهٍ متجهمة، متجاهلًا الشتائم الخافتة التي أطلقها نبيلٌ جَلِف بجانبه، ثم أشار إلى مساحةٍ دائرية خالية وسط القاعة، وقد ارتعشت عضلات وجهه. “بحسب خبرتي، حين يبلغ القوم ذروة السُّكر، فلن يكون مستغربًا أن يبدأ اثنان من الأجلاف هناك… بالن*ك بعنف.”
وترددت الصرخات الهادرة في القاعة كأمواجٍ لا تُرد. ثم شرب الملك جعته دفعة واحدة.
تنفّس تاليس بعمق وتبادل نظرة مع مرافقيه، ثم خطا خلف ميرك إلى قاعة مأدبة قصر الروح البطولية.
وتحوّلت وجوه النبلاء إلى مسحةٍ من الجديّة، وراحوا يشربون، وتعالت آنذاك أصوات الارتشاف والتنهّد في القاعة.
لكن قبل أن يجيب، تكلّم بيوتراي من جانبه: “أعذرينا يا سيدتي، هل لكِ مطلبٌ خاص عندنا؟”
عقد تاليس حاجبيه. ممسكًا بالكأس المعدني الثقيل، أرغم نفسه على احتساء رشفة… تحت نظرات عددٍ غير قليلٍ من الواقفين خلفه.
“فلا ينبغي لأحد أن يشكّ في كرم الشماليين، ولا في صلابة الإكستيدتيين. حتى لو كان ذلك الشخص عدوّنا اللدود!” طرق الملك نوڤين على كأسه. وانعكس على وجهه المليء بالتجاعيد شيءٌ من الهيبة، بل وبعضٌ من شراسة شبابه الغابر.
وبعد أن أنهى الملك مشروبه، استدار وصفع كأسه على الطاولة الطويلة بوجهٍ يشتعل غضبًا.
“أوه، إنها بعض مشاعري فحسب. لقد جئت خصيصًا لأسألك سؤالًا يا صاحب السمو.” أضاقت كالشان عينَيها أكثر وهزّت رأسها قليلًا، كأنّها تشعر ببعض الإحراج. “كيف حال ابني مؤخرًا… في الكوكبة؟”
دَقّ!
“إذًا، أوشكت على البدء.” خلفه، تمتم بيوتراي، عامدًا أو غير عامد.
وفعل النبلاء الأمر ذاته دفعة واحدة.
عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”
دَق! دَق! دَق!
عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”
رفع الملك نوڤين رأسه وزأر تحت نظرات الجمع:
استدار تاليس ونظر إلى الملك نوڤين—الذي فقد ابنه للتو—وقد نهض من مقعده، رافعًا كأسه عاليًا، ثم خاطب الجمع بصوت جهوري:
“هيا! كلوا! اشربوا! قاتلوا! ناكحوا! افعلوا ما يحلو لكم!”
دَقّ!
وفي تلك اللحظة، تجمّد تاليس تمامًا.
لزم تاليس الصمت.
(ما اللعنة… ما هذا النخب؟)
عاد الضيوف إلى التناوُل والشراب، وفاض المكان بالسكر والتهليل.
كانت ملامح نوڤين السابع متّقدة بالحماسة. وبصوتٍ جهير مسنودٍ بلهجة شمالية، صرخ بكل القاعة باللغة المشتركة:
“فكّر أولًا في شؤون الليلة الرسمية.” بدا أنّ بيوتراي غير معتاد على تبغ الشمال الخشن، فقد قال بصعوبة وهو يسعل: “كح… كح… اللعنة، لقد جلبوا لي تبغًا رديئًا.”
“اشربوا حتى تستلقوا، أو تتدحرجوا، أو تنبطحوا، أو تزحفوا، أو تُحملوا خارج قصري!
بدأت مأدبة الترحيب في إكستيدت قبل أن تغيب الشمس تمامًا.
“يا اولاد الزانية!”
دَقّ!
وبُعيد ثانيةٍ واحدة، دوّت صرخة مماثلة متّقدة من كل ضيف في القاعة، كهدير موجٍ ينفجر داخل أرجاء المأدبة.
نهض الملك نوڤين ببطء ورفع يده مُشِيرًا إلى قائد حرّاس النصل الأبيض، نيكولاس.
ولوّح عددٌ كبير من رجال الشمال بقبضاتهم، وزأروا كالحيوانات الوحشية دعمًا لوليمة الملك.
“إن كنّا سنمضي في المعركة، فذلك لن يكون قبل الربيع…”
عاد الضيوف إلى التناوُل والشراب، وفاض المكان بالسكر والتهليل.
فمنذ دخوله إكستيدت، كان كل سيّدٍ صادفه ليس بالشخص الهيّن—من الآرشيدوق لامبارد، إلى الفيكونت كينتفيدا، وحتى الآرشيدوقات الخمسة الحاضرين اليوم. ومع ذلك، وبعد ما خاضه من محن، استطاع تاليس أن يواجه عداوتهم، وترهيبهم، وضغطهم، وحتى نياتهم القاتلة…
عاد الضجيج إلى القاعة، أعنف مما كان. وتعالت أصوات البشر حتى كادت تصمّ الآذان.
“هيا! كلوا! اشربوا! قاتلوا! ناكحوا! افعلوا ما يحلو لكم!”
همس بيوتراي قرب أذن تاليس: “نخبٌ فريد… هذه إحدى خصائص الشمال.”
“ارفعوا كؤوسكم جميعًا!”
دحرج تاليس عينيه وتظاهر بالعجز: “لا حاجة لأن تذكرني… فقد تبيّن لي ذلك.”
توقّف الجميع تقريبًا عن كل ما كانوا يفعلونه لينظروا إلى تاليس؛ سواء كانوا يشربون، أو يقطعون اللحم، أو يتسامرون، أو يتشاجرون، أو حتى يضايقون خادمات الطاولات.
وفي تلك اللحظة، استدار الملك نوڤين فجأة وهو عائد إلى مقعده، وألقى نظرةً عميقة على تاليس.
وتحوّلت وجوه النبلاء إلى مسحةٍ من الجديّة، وراحوا يشربون، وتعالت آنذاك أصوات الارتشاف والتنهّد في القاعة.
تجمّد قلب تاليس. فقد قرأ الرسالة خلف تلك النظرة. وعرف أنّ الملك نوڤين لم يرد له بأيّ حال أن يستمتع بالوليمة.
“(هل يجدر بي أن أبتسم الآن؟)” وبإحساسه بطرائقٍ شتّى من النظرات—من خبيثة وقاتلة، إلى فضولية وودّية—لم يغيّر تاليس ملامحه. حرّك شفتيه قليلًا وقال: “(أم أكون جامد الوجه؟ هل يلائم هذا كوني أمير المملكة العدوّة؟)”
لكن قبل أن يدير رأسه ليكلّم رفاقه، باغته زائر غير متوقّع وقف أمام مقعده، جاء لزيارة الأمير الثاني للكوكبة.
حدّق تاليس مدهوشًا.
حدّق تاليس مدهوشًا.
Arisu-san
كانت أمامه… عجوز طيبة الملامح ترتدي رداءً أحمر.
تجمّد قلب تاليس. فقد قرأ الرسالة خلف تلك النظرة. وعرف أنّ الملك نوڤين لم يرد له بأيّ حال أن يستمتع بالوليمة.
“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”
كانت القاعة تتسع لمئات الحاضرين، وقد ضمّت الآن ما لا يقل عن مئة أو مئتين يجلسون حول أكثر من عشرة موائد طويلة متوازية، موضوعة عموديًا على الباب الرئيسي، وعبر الوسط ممرّ واسع يسمح للخدم والضيوف بالحركة.
بادلها تاليس ابتسامة لطيفة، وإن كان تائهًا تمامًا عمّا يحدث.
عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”
لكن قبل أن يجيب، تكلّم بيوتراي من جانبه: “أعذرينا يا سيدتي، هل لكِ مطلبٌ خاص عندنا؟”
أخرج تاليس لسانه ووضع السترة جانبًا.
وللحظة، لاحظ تاليس أنّ وجه بيوتراي قد ازدادت حدّته، وجسده قد صار متخشّبًا وهو يحدّق بالعجوز أمامهم.
ضيّق تاليس عينيه، وتمكّن أخيرًا من إلقاء نظرة على نوڤين السابع القابع في أقصى القاعة. سجّل على وجهه تلك الملامح اللامبالية التي لم تتبدّل.
بل إنّ نَفَس وايا قد انقطع وهو خلف تاليس.
وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.
وقفز سؤال في ذهن تاليس: (يبدو أنّهما يعرفان… هذه العجوز—كالشان.)
“يا اولاد الزانية!”
وقبل أن يُكمل بيوتراي كلامه، شحب وجهه، كما لو أنّ التنفّس صار عبئًا عليه، وتمتم: “سماحتكِ… أيتها الساحرة الحمراء؟”
(على الرغم من أنه في صف الملك… إلا أنه بعيد جدًا عنه. يكاد يكون في الزاوية.)
(ساحرة… حمراء؟) حدّق تاليس في العجوز الطيبة مذهولًا. (ساحرة؟ ما هذا بحق…؟)
توقّف الجميع تقريبًا عن كل ما كانوا يفعلونه لينظروا إلى تاليس؛ سواء كانوا يشربون، أو يقطعون اللحم، أو يتسامرون، أو يتشاجرون، أو حتى يضايقون خادمات الطاولات.
“أوه، إنها بعض مشاعري فحسب. لقد جئت خصيصًا لأسألك سؤالًا يا صاحب السمو.” أضاقت كالشان عينَيها أكثر وهزّت رأسها قليلًا، كأنّها تشعر ببعض الإحراج. “كيف حال ابني مؤخرًا… في الكوكبة؟”
ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.
(ابنها؟)
قدّم ميرك بشرح محترم المكان الذي سيذهبون إليه. “قاعة المأدبة هي المكان الذي استقبل فيه الملك رايكارو الفرسان التسعة. ويُقال إن مأدبة بطل الشمال امتدت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقد التهموا فيها معظم ما غنموه في حملتهم المباركة. وهنا، وسط الهتاف داخل القصر وخارجه، انتُخب رايكارو إكستيدت ملكًا.”
شعر تاليس بالذهول مجددًا.
وقفز سؤال في ذهن تاليس: (يبدو أنّهما يعرفان… هذه العجوز—كالشان.)
“آه…” استخدم الأمير الثاني الابتسامة المثالية التي تعلّمها من ذاك الدوق الشاب، وقال بلطف: “لعلّني أعرف… مَن يكون ابنكِ؟”
قدّم ميرك بشرح محترم المكان الذي سيذهبون إليه. “قاعة المأدبة هي المكان الذي استقبل فيه الملك رايكارو الفرسان التسعة. ويُقال إن مأدبة بطل الشمال امتدت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقد التهموا فيها معظم ما غنموه في حملتهم المباركة. وهنا، وسط الهتاف داخل القصر وخارجه، انتُخب رايكارو إكستيدت ملكًا.”
ابتسمت الساحرة الحمراء كالشان بودّ.
“ثم إنّ قواتنا لم تستطع التحرك من جرّاء هذا الطفل؟”
“آه! يا لي من ضعيفةّ الذاكرة. لقد نسيت تمامًا أن اقول اسمه. إنّ ابني معروف في الكوكبة باسم…”
ثبت الآرشيدوقات الخمسة أبصارهم عليه ورفعوا كؤوسهم… وكانت تعابيرهم شتى.
وفي اللحظة التالية، وتحت نظرات تاليس الحائرة، بدأت العجوز كالشان تفرك يديها بلا توقف، كأنها ترتجف من البرد، ثم…
“أأنت واثق أنّه ليس عليّ ارتداء هذا؟ لقد قالت السيدة جينيس إنّه في المآدب…” في الغرفة، سأل تاليس بيوتراي. كان يعقد حاجبيه وهو يرفع سترة صغيرة مزخرفة.
نطقت اسمًا قلب ملامح تاليس رأسًا على عقب:
تجهم وجه تاليس وبقية وفد الكوكبة في اللحظة ذاتها.
“يودل… يودل كاتو.”
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(وهذه أيضًا من الأمتعة التي عانى طاقم الدبلوماسيين كثيرًا ليجلبوها، مع الأعلام.)
فصل غريب… جدا
وفي تلك اللحظة، رفع كل من في القاعة كؤوسهم وصاحوا بصوت واحد:
وفي تلك اللحظة، رفع كل من في القاعة كؤوسهم وصاحوا بصوت واحد:
