الساحرة الحمراء
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وتذكّر يوم مواجهتهما في قاعة مينديس، وما قاله يودل يوم ظهر فجأة في قاعة النجوم.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
فانقبض حاجباه فورًا.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“آه!”
Arisu-san
(والآن…)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
سقط فكّ تاليس قليلًا دهشةً، ثم أسرع بإطباقه.
الفصل 140: الساحرة الحمراء
“ممل.”
…
“ممل.”
لو أن تاليس أنشأ قائمة تُسمّى “الأشخاص الذين أضع فيهم أعظم ثقتي”، لكان يودل، الذي لا يُظهر وجهه الحقيقي لأحد، يتصدّر القائمة تقريبًا بلا منازع، ضمن بلاط مملكة الكوكبة.
“لقد بذلت جهدًا كبيرًا لأظفر بفرصة لقائك على انفراد، يا صاحب السمو.” تقدم تاليس خطوة وقال بعبوس، “على الأقل استمع إلى ما لدي!”
منذ اللحظة التي فرّ فيها من سوق الشارع الأحمر، مرورًا بتلك التجربة الخطرة في قصر الكرمة، ثم محاولة الاغتيال أمام قصر النهضة، ظلّ الحارس المقنّع يخاطر بحياته مرارًا من أجل إنقاذ تاليس. وفي الحادثة الأخيرة، كاد يفقد حياته تمامًا.
لكن ما يخصّ الحارس المقنّع أكثر من مجرد تلك الحادثة. وتذكّر تاليس آخر حديث مطوّل وصادق جمعه بيودل في قاعة مينديس، وانقبض قلبه.
وفوق ذلك، كان الحارس المقنّع هو الوحيد داخل بلاط مملكة الكوكبة الذي عرف بحقيقته بصفته “صوفي”، ومع ذلك حافظ على سرّه. ولطالما قدّر تاليس هذا الأمر تقديرًا بالغًا.
لهث تاليس وقال بانفعال، “لامبارد…”
لكن تاليس لم يدرك أنّه يعرف القليل جدًا عن هذا الحارس السري الغامض للعائلة المالكة، إلا حين سمع اسمه يتردّد في مملكة التنين العظيم. فهو لم يعرف تقريبًا شيئًا عن شكله، ولا عمره، ولا خلفيته، ولا طباعه، ولا ما مرّ به من تجارب.
ظلّ بيوتراي يحدّق بحذر في العجوز، لكن حين لمح نظرة تاليس، هزّ رأسه قليلًا.
واعترف في سرّه بشيءٍ من الحرج: بالنسبة إليه، كان يودل أشبه بغريبٍ مألوف. فعلى الرغم مما فعله يودل من أجله، لم يكترث تاليس قط بما يخصّ يودل نفسه.
قطّب تاليس حاجبيه.
(لا… بل أعرف بعض الأشياء). هكذا فكّر. فقد أخبره غيلبرت سابقًا أنّ بين يودل و”جنرالات الحرب الخمسة” في إكستيدت عداوةً سحيقة.
(قليل الكلام… عنيد… سيّئ التعبير عن نفسه…)
فعلى سبيل المثال، طعن يودل فارس النار “تولجا” من اقليم الرمال السوداء في ظهره… ولهذا لا يستطيع دخول إكستيدت.
“لقد غادر الملك، ورجال الآرشيدوقات مخمورون للغاية.” هزّ بيوتراي رأسه بجديّة. “أظن أن الوقت قد حان للحديث معهم.”
لكن ما يخصّ الحارس المقنّع أكثر من مجرد تلك الحادثة. وتذكّر تاليس آخر حديث مطوّل وصادق جمعه بيودل في قاعة مينديس، وانقبض قلبه.
حطّ تاليس وجهه على الطاولة وزفر بتوجّع. “أرجو أن تخبرني أن ولائم الكوكبة ليست بهذه الجنون.”
(يودل… لا).
“سيستمر طويلًا. فالساعة الآن الحادية عشرة ليلًا فقط.” قال وايا وهو يحدّق أمامه بدهشة. كان أحد الضيوف، بوجه متورّم وأنف منتفخ، يعود إلى مقعده، ثم يشرب كأسًا أخرى وهو يسبّ، ويلقي الكأس في وجه رجلٍ آخر.
هزّ رأسه محاولًا طرد تلك الأفكار عن الجانب المظلم المحتمل ليودل.
ابتسم تاليس ابتسامة مشرقة، يرافقه وايا. “نعم.”
فقد كان هناك الكثير من المرات التي أنقذه فيها يودل بعد ذلك.
“آرشيدوق الرمال السوداء… تشابمان لامبارد!”
(والآن…)
توقف أولسيوس فورًا. أدار رأسه ببطء، وحدّق بتعبير غريب.
ضحكات تتردّد من الجانب الآخر من القاعة. بدا أنّ أكثر من عشرة من نبلاء الشمال يلعبون لعبةً ما.
حدّق أولسيوس في تاليس، ثم في الورقة، وتبدّل وجهه ببطء.
أعاد تاليس بصره إلى تلك العجوز الودودة.
وحلّق التنين عاليًا في السماء، لكن تحته امتدّت ظلمات لا نهاية لها.”
(هذه العجوز من إكستيدت تدّعي أنّها…).
“شيخ؟” ازداد بريق ابتسامتها. “دعني أخمّن. شيخ شرير يرتدي الأسود دوماً ويحب الظلام؟ سمعت أنّه في السنوات الأخيرة صار يتكئ على عصا؟”
“سيّدتي، أنتِ… أم يودل؟” كان تاليس يمعِن النظر في تلك العجوز التي تُدعى كالشان، يحاول جاهدًا أن يجد أي شبه بينها وبين يودل، سوى “الغموض”. قال مترددًا: “أم يودل؟”
فبالمقارنة مع الهيبة الطاغية والضغط الثقيل الذي يفرضه النبي الأسود، فإن الطريقة اللطيفة الهادئة التي ألقت بها كالشان مثل هذه المعلومة المقلقة جعلته يشعر بارتباك أشدّ، وأظهرته وكأنه عاجز تمامًا عن التعامل معها.
“لا تشكّ في الأمر. في مثل سني، لِمَ أمزح بشأن ادّعاء ابن؟” هكذا قالت كالشان بابتسامة، وهي تهز رأسها.
أجبر تاليس نفسه على الابتسام.
أومأ تاليس باضطراب، وألقى نظرةً حائرة باتجاه بيوتراي.
“لا بأس. ذاك العجوز يبدو مهذّبًا، لكنه في الحقيقة لا يعرف شيئًا عن اللباقة.” هزّت كالشان رأسها باستخفاف، وقد ارتخت التجاعيد على وجهها. “وكاسرو القلوب هم الأفضل في التأثير على النفوس. لستُ من أولئك الذين يخدعون بسهولة.”
(ما الذي يحدث؟ من تكون هذه العجوز أصلًا؟)
تجمّد تاليس.
ظلّ بيوتراي يحدّق بحذر في العجوز، لكن حين لمح نظرة تاليس، هزّ رأسه قليلًا.
(ما بال هذا الرجل ينسجم مع الجميع إلى هذا الحد؟)
“لم أره منذ زمن طويل. أشتاق إليه كثيرًا.” لم تلقِ كالشان بالًا لتبادل النظرات بين تاليس وبيوتراي. كان وجهها يحمل حنينًا ومودّة وهي تتمتم: “ذلك الطفل لم يتحدث كثيرًا منذ صغره… عنيد، وسيّئ التعبير عن نفسه. وجوده وحده هناك يُقلقني. لا بد أنّه سبب لكم كثيرًا من المتاعب أثناء خدمته للعائلة الملكية.”
فعلى سبيل المثال، طعن يودل فارس النار “تولجا” من اقليم الرمال السوداء في ظهره… ولهذا لا يستطيع دخول إكستيدت.
تجمّد تاليس.
تنهّد تاليس بضجر ورفع عينيه إلى السقف.
(قليل الكلام… عنيد… سيّئ التعبير عن نفسه…)
ظلت كالشان مبتسمة. “همم؟”
ارتسمت صورة الحارس المقنّع الصامت في ذهنه.
وبعد ساعات، بينما كان يتابع القاعة المزدحمة، قال لوايا بضجر، “كم سيستمر هذا؟ أشعر وكأني أتحول إلى شمالي.”
وتذكّر يوم مواجهتهما في قاعة مينديس، وما قاله يودل يوم ظهر فجأة في قاعة النجوم.
وما إن نطقها، حتى أدرك فجأة أن تعبيرًا غريبًا اعترى وجه العجوز.
“ستكون أفضل منه.”
توقف أولسيوس فورًا. أدار رأسه ببطء، وحدّق بتعبير غريب.
قال تاليس وهو يسترجع تلك اللحظات، وقد ضمّ شفتيه: “لا تقلقي. أعتقد أنّه يؤدي عمله على خير وجه الآن…”
رمقه أولسيوس بازدراء، وهز رأسه، ثم استدار ليغادر.
وفجأة دوّى صخب أشبه بالسخرية من وسط القاعة، إذ كان ضيفان يتشاجران فوق إحدى الطاولات.
“أيمكن… أن تكوني…” اتّسعت عينا تاليس.
أدرك تاليس أنّه يكمل كلمات كالشان دون وعي.
تغيّر وجه أولسيوس قليلًا.
فتوقّف فورًا، وحدّق فيها بحذر.
رفع تاليس رأسه. كان بيوتراي يحمل برميلًا من نبيذ الجاودار—تخصص قصر الروح البطولية—يترنح نحوهما بعينين نصف مغمضتين. تمتم قائلًا، “ولائم الكوكبة أكثر تحضّرًا، وأكثر لباقة. الجنون فيها… مخفي. فمثلًا، مضيف الحفل يجهز غرفًا خاصة للقاءات السرية. وهناك الحدائق المُشجرة… والأقبية الهادئة المعزولة.”
لكنها اكتفت بالابتسام بلطف. “طالما أنّه بخير، فأنا مرتاحة. تحمّلوا عيوبه، رجاءً. فأنا، كأم، أعرف طبعه جيدًا.” أومأت كالشان بطمأنينة، ثم أطلقت تنهيدة خفيفة. “يودل طفل طيب القلب على نحو غير اعتيادي.”
“أيمكن… أن تكوني…” اتّسعت عينا تاليس.
أجبر تاليس نفسه على الابتسام.
رفع تاليس رأسه. كان بيوتراي يحمل برميلًا من نبيذ الجاودار—تخصص قصر الروح البطولية—يترنح نحوهما بعينين نصف مغمضتين. تمتم قائلًا، “ولائم الكوكبة أكثر تحضّرًا، وأكثر لباقة. الجنون فيها… مخفي. فمثلًا، مضيف الحفل يجهز غرفًا خاصة للقاءات السرية. وهناك الحدائق المُشجرة… والأقبية الهادئة المعزولة.”
وتذكّر حين رفع يودل سيفه في الظلام وانتزع حياة رجل.
“آسف، ظننت أن جميعهم… كما تعلم… لا يظهرون أمام الآخرين بهذه السهولة.”
(طيب القلب؟)
حدّق في القصاصة الورقية التي وصلته، ثم في الشخص الذي يقف أمامه—أمير الكوكبة، تاليس جيدستار.
شعر بالاضطراب.
“يا إلهي.” جاء صوت وايا خلفه بخفوت، “هل رأيت؟ تلك… الساحرة الحمراء؟”
(أم يودل؟ لماذا هي هنا في إكستيدت؟)
Arisu-san
(هذه العجوز… مهلاً. عجوز؟)
ومع دخول المأدبة منتصف الليل، غادر آرشيدوق أوركيد المرموقة، رابيين أولسيوس، القاعة. كان يرافقه تابِعان. وقف قرب نافذة منعزلة خارج القاعة، يحدّق في القمر، وكأنه ينتظر أحدًا.
ومضت ذكرى بعيدة في رأسه.
(كاسرو القلوب؟!)
“آه!”
حدّق من بعيد بشماليين يتصارعون بالأيدي بشراسةً بين الحشود، ثم قال محبطًا: “قد لا تصدقاني، لكن بعد رؤيتها… بدأت أشتاق إلى مورات.”
ارتعش تاليس وهو يتأمل كالشان. كانت لا تزال تبتسم له، بوقار ووجه ودود.
غير أنّ أولسيوس قاطعه بزفرة باردة قبل أن يكمل.
تذكّر…
ثم صرخ بصوت يجلجل، موجّهًا كلماته إلى ظهر آرشيدوق أوركيد المرموقة المغادر.
يوم غادر مدينة النجم الأبدي متّجهًا نحو إكستيدت، جاء الملك وبعض السادة ليودّعوه.
حدّق من بعيد بشماليين يتصارعون بالأيدي بشراسةً بين الحشود، ثم قال محبطًا: “قد لا تصدقاني، لكن بعد رؤيتها… بدأت أشتاق إلى مورات.”
وكان آخر من تقدّم نحوه ذلك الشيخ الكريه المظهر، يرتدي الأسود، متكئًا على عصاه…
تجمّد تاليس.
“حين تبلغ إكستيدت، بلّغ امرأة عجوز رسالةً من أجلي…”
“… سوف تعرفها حين تراها.”
ارتعش تاليس وهو يتأمل كالشان. كانت لا تزال تبتسم له، بوقار ووجه ودود.
“أيمكن… أن تكوني…” اتّسعت عينا تاليس.
(لا… بل أعرف بعض الأشياء). هكذا فكّر. فقد أخبره غيلبرت سابقًا أنّ بين يودل و”جنرالات الحرب الخمسة” في إكستيدت عداوةً سحيقة.
ظلت كالشان مبتسمة. “همم؟”
وفجأة دوّى صخب أشبه بالسخرية من وسط القاعة، إذ كان ضيفان يتشاجران فوق إحدى الطاولات.
“آه، عذراً… لكن ثمة… شيخ ذكر لي شيئًا عنك.” قال تاليس وقد أدرك أنه نسي آدابه، وأضاف بخجل، “تعرفين…”
قال بتأنٍّ: “يا صاحب السمو—”
“شيخ؟” ازداد بريق ابتسامتها. “دعني أخمّن. شيخ شرير يرتدي الأسود دوماً ويحب الظلام؟ سمعت أنّه في السنوات الأخيرة صار يتكئ على عصا؟”
حدّق تاليس ووايا في بيوتراي في آن واحد.
قطّب تاليس حاجبيه. “أتعرفين مورّات؟” واشتدتّ يقظته فجأة.
“رابيين أولسيوس! أتدري من سيكون الملك القادم لإكستيدت؟”
من تُذكَر بالاسم على لسان رئيس دائرة الاستخبارات السرّية نفسه… لم يجد وصفًا آخر سوى “خطرة”.
…
وحين سمع بيوتراي اسم “النبي الأسود”، تبادل النظرات بقلق مع الأمير.
فتوقّف فورًا، وحدّق فيها بحذر.
قالت كالشان باسمة، “يا صاحب السمو، أتخيّل شعورك جيدًا. لا يبدو من الميسور أن تربطك معرفة بذلك الرجل، أليس كذلك؟”
“أن تحافظ على موطئ قدمٍ في البلاط الملكي لإكستيدت كامرأة، وأن يشتهر اسمها كعرافة شريرة… يا صاحب السمو، عليك الحذر، فوجودها هنا ليس للفرجة قطعًا.”
وهنا وجد تاليس جوابه.
ظلت كالشان مبتسمة. “همم؟”
ربما كان مورّات يحاول تحذيره.
(والآن…)
تنفّس الأمير الصعداء. “قال لي إنه إن صادفت امرأة عجوز تتقدّم نحوك من تلقاء نفسها… آسف. هذه… هذه نصوص كلام مورّات نفسه.”
لكن ما يخصّ الحارس المقنّع أكثر من مجرد تلك الحادثة. وتذكّر تاليس آخر حديث مطوّل وصادق جمعه بيودل في قاعة مينديس، وانقبض قلبه.
“لا بأس. ذاك العجوز يبدو مهذّبًا، لكنه في الحقيقة لا يعرف شيئًا عن اللباقة.” هزّت كالشان رأسها باستخفاف، وقد ارتخت التجاعيد على وجهها. “وكاسرو القلوب هم الأفضل في التأثير على النفوس. لستُ من أولئك الذين يخدعون بسهولة.”
أغمضت كالشان عينيها، واستنشقت بعمق، ثم خفضت رأسها بزفرة طويلة. كان على وجهها تعبير معقّد عصيّ على القراءة.
(كاسرو القلوب؟!)
أدرك تاليس أنّه يكمل كلمات كالشان دون وعي.
سقط فكّ تاليس قليلًا دهشةً، ثم أسرع بإطباقه.
تنفّس الأمير الصعداء. “قال لي إنه إن صادفت امرأة عجوز تتقدّم نحوك من تلقاء نفسها… آسف. هذه… هذه نصوص كلام مورّات نفسه.”
(تلك الجملة… تحمل قدرًا كبيرًا من المعلومات.)
قال تاليس وهو يسترجع تلك اللحظات، وقد ضمّ شفتيه: “لا تقلقي. أعتقد أنّه يؤدي عمله على خير وجه الآن…”
أدار رأسه وقال بتلعثم، “في الحقيقة، النبي الأسود—أعني اللورد مورات هانسن—طلب منّي أن أنقل رسالة إليك.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“لقد طلب من أميرٍ أن ينقل لي رسالة؟” رفعت كالشان حاجبيها، ثم منحت تاليس ابتسامة بلغت عينيها. “أتطلع بحقّ إلى سماعها، يا صاحب السمو.”
“وبحسب معرفتي، فإن والدك، الملك كيسل، كان خبيرًا في هذه اللقاءات أيام شبابه.”
غير أنّ ابتسامتها الطيبة زادت تاليس شعورًا بالضغط.
قال بتأنٍّ: “يا صاحب السمو—”
فبالمقارنة مع الهيبة الطاغية والضغط الثقيل الذي يفرضه النبي الأسود، فإن الطريقة اللطيفة الهادئة التي ألقت بها كالشان مثل هذه المعلومة المقلقة جعلته يشعر بارتباك أشدّ، وأظهرته وكأنه عاجز تمامًا عن التعامل معها.
منذ اللحظة التي فرّ فيها من سوق الشارع الأحمر، مرورًا بتلك التجربة الخطرة في قصر الكرمة، ثم محاولة الاغتيال أمام قصر النهضة، ظلّ الحارس المقنّع يخاطر بحياته مرارًا من أجل إنقاذ تاليس. وفي الحادثة الأخيرة، كاد يفقد حياته تمامًا.
أطلق تاليس ضحكة خاوية. “يقول لكِ… ألا تتجاوزي الحدود.”
وفجأة دوّى صخب أشبه بالسخرية من وسط القاعة، إذ كان ضيفان يتشاجران فوق إحدى الطاولات.
وما إن نطقها، حتى أدرك فجأة أن تعبيرًا غريبًا اعترى وجه العجوز.
لكن تاليس لم يدرك أنّه يعرف القليل جدًا عن هذا الحارس السري الغامض للعائلة المالكة، إلا حين سمع اسمه يتردّد في مملكة التنين العظيم. فهو لم يعرف تقريبًا شيئًا عن شكله، ولا عمره، ولا خلفيته، ولا طباعه، ولا ما مرّ به من تجارب.
(ألا تتجاوزي الحدود.)
قضم تاليس رغيفه بحزن.
أغمضت كالشان عينيها، واستنشقت بعمق، ثم خفضت رأسها بزفرة طويلة. كان على وجهها تعبير معقّد عصيّ على القراءة.
ومضت ذكرى بعيدة في رأسه.
تمتمت بخفوت، “وماذا في ذلك؟”
(كاسرو القلوب؟!)
وقبل أن يفهم تاليس ما يجري، أفاقت من شرودها، وأخذت تتبسّم من جديد.
أغلق تاليس عينيه بثِقَل.
“يا صاحب السمو، إنك في وضعٍ عصيب الآن. تكافح لتبقى على قيد الحياة بين شقوق الكوكبة والتنين، وتحاول جاهدًا الصمود وسط الزوبعة التي يثيرها الملك والآرشيدوقات.” تأملت تاليس بنظرة هادئة. “لكن صدّقني… مقارنةً بما يواجهه مورات، فكل هذا لا يساوي شيئًا.”
“وبحسب معرفتي، فإن والدك، الملك كيسل، كان خبيرًا في هذه اللقاءات أيام شبابه.”
وفي اللحظة التالية، وبينما كان تاليس وبيوتراي يحدّقان مذهولين، انحنت السيدة العجوز بأناقة، ثم غادرت. “أشكركما على وقتكما.”
ظلت كالشان مبتسمة. “همم؟”
صرف تاليس بصره عن قوامها الذي كان يبتعد ببطء.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ولم يستطع إلا أن يلاحظ أنّ النبلاء على اختلاف رتبهم، والعبيد، والحرس… كانوا جميعًا ينحنون لها باحترام ويفسحون لها الطريق.
وهنا وجد تاليس جوابه.
قطّب تاليس حاجبيه.
“أيمكن… أن تكوني…” اتّسعت عينا تاليس.
كان قادرًا على تخمين هويّتها إجمالًا.
قالت كالشان باسمة، “يا صاحب السمو، أتخيّل شعورك جيدًا. لا يبدو من الميسور أن تربطك معرفة بذلك الرجل، أليس كذلك؟”
“يا إلهي.” جاء صوت وايا خلفه بخفوت، “هل رأيت؟ تلك… الساحرة الحمراء؟”
ثم هدأ تاليس تنفّسه، ورفع رأسه، وحدّق بثبات في الرجل المُلتحي.
استدار تاليس ونظر إلى تابعه.
ومع دخول المأدبة منتصف الليل، غادر آرشيدوق أوركيد المرموقة، رابيين أولسيوس، القاعة. كان يرافقه تابِعان. وقف قرب نافذة منعزلة خارج القاعة، يحدّق في القمر، وكأنه ينتظر أحدًا.
“آسف، ظننت أن جميعهم… كما تعلم… لا يظهرون أمام الآخرين بهذه السهولة.”
“تلك السيدة شخصيةٌ رهيبة تعادل في خطرها نبيّ الكوكبة الأسود.” ضاقت عينا بيوتراي. وقال بصوت خفيض: “إنها المسؤولة الأولى عن ’الغرفة السرية’ في إكستيدت… كالشان، ’الساحرة الحمراء’.”
“جميعهم؟” زفر تاليس والتقط قطعة خبز مدهونة بالزبد بتثاقل. “إذًا كان حدسي صحيحًا؟ تلك السيدة كالشان هي…”
“بالطبع ليست كذلك!”
“صحيح.” أجاب بيوتراي بجدية، بصوت خبيرٍ يردد أنشودة.
في هذا الحفل المُقام خصيصًا لاستقبال أمير الكوكبة واجتماع الآرشيدوقات الخمسة، ورغم أنّ تاليس كان اسميًا ضيف الشرف، إلا أنه لقي برودًا واضحًا—لكن دون مشكلات. من حين لآخر يقترب بعض نبلاء الشمال المتلصصين لإلقاء التحية، وبنصيحة من بيوتراي كان يردّ تحيتهم بأدب.
“سطعت الكوكبة، لكن ظلالها بقيت حالكة.
حدّق تاليس ووايا في بيوتراي في آن واحد.
وحلّق التنين عاليًا في السماء، لكن تحته امتدّت ظلمات لا نهاية لها.”
(هذه العجوز من إكستيدت تدّعي أنّها…).
حدّق تاليس ووايا في بيوتراي في آن واحد.
حدّق تاليس ووايا في بيوتراي في آن واحد.
“تلك السيدة شخصيةٌ رهيبة تعادل في خطرها نبيّ الكوكبة الأسود.” ضاقت عينا بيوتراي. وقال بصوت خفيض: “إنها المسؤولة الأولى عن ’الغرفة السرية’ في إكستيدت… كالشان، ’الساحرة الحمراء’.”
أجبر تاليس نفسه على الابتسام.
تنهّد تاليس بضجر ورفع عينيه إلى السقف.
أغلق تاليس عينيه بثِقَل.
“أن تحافظ على موطئ قدمٍ في البلاط الملكي لإكستيدت كامرأة، وأن يشتهر اسمها كعرافة شريرة… يا صاحب السمو، عليك الحذر، فوجودها هنا ليس للفرجة قطعًا.”
تمتمت بخفوت، “وماذا في ذلك؟”
حدّق من بعيد بشماليين يتصارعون بالأيدي بشراسةً بين الحشود، ثم قال محبطًا: “قد لا تصدقاني، لكن بعد رؤيتها… بدأت أشتاق إلى مورات.”
استدار تاليس ونظر إلى تابعه.
قضم تاليس رغيفه بحزن.
ومع دخول المأدبة منتصف الليل، غادر آرشيدوق أوركيد المرموقة، رابيين أولسيوس، القاعة. كان يرافقه تابِعان. وقف قرب نافذة منعزلة خارج القاعة، يحدّق في القمر، وكأنه ينتظر أحدًا.
“بالمناسبة، من يكون يودل؟” سأل بيوتراي وهو يحدّق في تاليس بفضول. “هل يخدم العائلة الملكية؟”
(قليل الكلام… عنيد… سيّئ التعبير عن نفسه…)
“في الحقيقة… هذا سرّ محفوظ داخل العائلة الملكية.” تناول تاليس شوكة معدنية ووخز بها بصلة بقوة.
“سيستمر طويلًا. فالساعة الآن الحادية عشرة ليلًا فقط.” قال وايا وهو يحدّق أمامه بدهشة. كان أحد الضيوف، بوجه متورّم وأنف منتفخ، يعود إلى مقعده، ثم يشرب كأسًا أخرى وهو يسبّ، ويلقي الكأس في وجه رجلٍ آخر.
(الحارس السري لملك الكوكبة الأعلى هو في الواقع ابن رئيس استخبارات إكستيدت… آه، هاوية جديدة من الشائعات.)
تمتمت بخفوت، “وماذا في ذلك؟”
في هذا الحفل المُقام خصيصًا لاستقبال أمير الكوكبة واجتماع الآرشيدوقات الخمسة، ورغم أنّ تاليس كان اسميًا ضيف الشرف، إلا أنه لقي برودًا واضحًا—لكن دون مشكلات. من حين لآخر يقترب بعض نبلاء الشمال المتلصصين لإلقاء التحية، وبنصيحة من بيوتراي كان يردّ تحيتهم بأدب.
أما الملك نوڤين ونيكولاس فقد غادرا القاعة منذ وقت طويل، تاركين ميرك يشرف على الفوضى بهدوء.
وكان هنالك أيضًا من يشرب أكثر من اللازم ويأتي لاستفزازه، لكن اللورد ميرك كان يوفّر رجالًا يسحبون المتهوّرين في اللحظة المناسبة، فوجًا بعد فوج.
تمتمت بخفوت، “وماذا في ذلك؟”
استطاع تاليس الاستمتاع بالمأدبة بسلام، رغم أن طفلًا في السابعة أو الثامنة لا يستطيع الأكل كثيرًا على أيّ حال.
“شيخ؟” ازداد بريق ابتسامتها. “دعني أخمّن. شيخ شرير يرتدي الأسود دوماً ويحب الظلام؟ سمعت أنّه في السنوات الأخيرة صار يتكئ على عصا؟”
وبعد ساعات، بينما كان يتابع القاعة المزدحمة، قال لوايا بضجر، “كم سيستمر هذا؟ أشعر وكأني أتحول إلى شمالي.”
“يا صاحب السمو، إنك في وضعٍ عصيب الآن. تكافح لتبقى على قيد الحياة بين شقوق الكوكبة والتنين، وتحاول جاهدًا الصمود وسط الزوبعة التي يثيرها الملك والآرشيدوقات.” تأملت تاليس بنظرة هادئة. “لكن صدّقني… مقارنةً بما يواجهه مورات، فكل هذا لا يساوي شيئًا.”
فقد اندلع قبل قليل شجار عنيف بين عدد من النبلاء السكارى، وامتدّ القتال إلى ثلاث جهات مختلفة، مما زاد الصخب صخبًا. تدخل حرّس النصل الأبيض وحرس القصر معًا لإيقافهم بقبضاتهم.
أجبر تاليس نفسه على الابتسام.
“سيستمر طويلًا. فالساعة الآن الحادية عشرة ليلًا فقط.” قال وايا وهو يحدّق أمامه بدهشة. كان أحد الضيوف، بوجه متورّم وأنف منتفخ، يعود إلى مقعده، ثم يشرب كأسًا أخرى وهو يسبّ، ويلقي الكأس في وجه رجلٍ آخر.
ثم صرخ بصوت يجلجل، موجّهًا كلماته إلى ظهر آرشيدوق أوركيد المرموقة المغادر.
هزّ تابعه رأسه وقال، “سمعت من أصدقائي أنّ ولائم إكستيدت عادةً تمتدّ حتى الصباح. فوق ذلك، هذه وليمة الملك التي تحمل سمعة سحب التنين. كما أنها تجمع الآرشيدوقات الخمسة.”
“يا صاحب السمو، إنك في وضعٍ عصيب الآن. تكافح لتبقى على قيد الحياة بين شقوق الكوكبة والتنين، وتحاول جاهدًا الصمود وسط الزوبعة التي يثيرها الملك والآرشيدوقات.” تأملت تاليس بنظرة هادئة. “لكن صدّقني… مقارنةً بما يواجهه مورات، فكل هذا لا يساوي شيئًا.”
أغلق تاليس عينيه بثِقَل.
وفي اللحظة التالية، وبينما كان تاليس وبيوتراي يحدّقان مذهولين، انحنت السيدة العجوز بأناقة، ثم غادرت. “أشكركما على وقتكما.”
كان النظام المعدوم أصلًا في هذه المأدبة يتفكك كليًا؛ ثملٌ يترنح، ونبلاء يحيطون بالفتيات الخادمات ويغادرون القاعة، ثم تعلو أصوات غريبة في الخارج.
“آه، عذراً… لكن ثمة… شيخ ذكر لي شيئًا عنك.” قال تاليس وقد أدرك أنه نسي آدابه، وأضاف بخجل، “تعرفين…”
حتى أتباع الآرشيدوقات الخمسة تركوا مقاعدهم، وانضموا إلى السكارى الصاخبين.
رفع تاليس رأسه. كان بيوتراي يحمل برميلًا من نبيذ الجاودار—تخصص قصر الروح البطولية—يترنح نحوهما بعينين نصف مغمضتين. تمتم قائلًا، “ولائم الكوكبة أكثر تحضّرًا، وأكثر لباقة. الجنون فيها… مخفي. فمثلًا، مضيف الحفل يجهز غرفًا خاصة للقاءات السرية. وهناك الحدائق المُشجرة… والأقبية الهادئة المعزولة.”
أما الملك نوڤين ونيكولاس فقد غادرا القاعة منذ وقت طويل، تاركين ميرك يشرف على الفوضى بهدوء.
هزّ رأسه محاولًا طرد تلك الأفكار عن الجانب المظلم المحتمل ليودل.
أما بيوتراي… نظر تاليس نحوه وأضاق عينيه. كان بيوتراي يعانق شماليين لا يُحصَون، يضحك معهم بصوت عالٍ. لم يملك تاليس إلا أن يتمتم في داخله.
وحين سمع بيوتراي اسم “النبي الأسود”، تبادل النظرات بقلق مع الأمير.
(ما بال هذا الرجل ينسجم مع الجميع إلى هذا الحد؟)
“يا صاحب السمو، إنك في وضعٍ عصيب الآن. تكافح لتبقى على قيد الحياة بين شقوق الكوكبة والتنين، وتحاول جاهدًا الصمود وسط الزوبعة التي يثيرها الملك والآرشيدوقات.” تأملت تاليس بنظرة هادئة. “لكن صدّقني… مقارنةً بما يواجهه مورات، فكل هذا لا يساوي شيئًا.”
حطّ تاليس وجهه على الطاولة وزفر بتوجّع. “أرجو أن تخبرني أن ولائم الكوكبة ليست بهذه الجنون.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“غالبًا ليست كذلك.” أجاب وايا بابتسامة محرجة.
حتى أتباع الآرشيدوقات الخمسة تركوا مقاعدهم، وانضموا إلى السكارى الصاخبين.
“بالطبع ليست كذلك!”
غير أنّ ابتسامتها الطيبة زادت تاليس شعورًا بالضغط.
رفع تاليس رأسه. كان بيوتراي يحمل برميلًا من نبيذ الجاودار—تخصص قصر الروح البطولية—يترنح نحوهما بعينين نصف مغمضتين. تمتم قائلًا، “ولائم الكوكبة أكثر تحضّرًا، وأكثر لباقة. الجنون فيها… مخفي. فمثلًا، مضيف الحفل يجهز غرفًا خاصة للقاءات السرية. وهناك الحدائق المُشجرة… والأقبية الهادئة المعزولة.”
توقف أولسيوس فورًا. أدار رأسه ببطء، وحدّق بتعبير غريب.
“وبحسب معرفتي، فإن والدك، الملك كيسل، كان خبيرًا في هذه اللقاءات أيام شبابه.”
الفصل 140: الساحرة الحمراء
أدار تاليس عينيه بتململ، لكن بيوتراي فتحهما فجأة، وتغيّر تعبيره.
وتذكّر يوم مواجهتهما في قاعة مينديس، وما قاله يودل يوم ظهر فجأة في قاعة النجوم.
قال نائب الدبلوماسي بصوت منخفض: “وصلتني إشارة شيليس.”
“لقد طلب من أميرٍ أن ينقل لي رسالة؟” رفعت كالشان حاجبيها، ثم منحت تاليس ابتسامة بلغت عينيها. “أتطلع بحقّ إلى سماعها، يا صاحب السمو.”
اعتدل تاليس في جلسته.
(قليل الكلام… عنيد… سيّئ التعبير عن نفسه…)
“لقد غادر الملك، ورجال الآرشيدوقات مخمورون للغاية.” هزّ بيوتراي رأسه بجديّة. “أظن أن الوقت قد حان للحديث معهم.”
(ما بال هذا الرجل ينسجم مع الجميع إلى هذا الحد؟)
ومع دخول المأدبة منتصف الليل، غادر آرشيدوق أوركيد المرموقة، رابيين أولسيوس، القاعة. كان يرافقه تابِعان. وقف قرب نافذة منعزلة خارج القاعة، يحدّق في القمر، وكأنه ينتظر أحدًا.
شعر بالاضطراب.
ارتفع وقع خطوتين خلفه—واحدة أثقل من الأخرى. استدار الآرشيدوق…
“في الحقيقة… هذا سرّ محفوظ داخل العائلة الملكية.” تناول تاليس شوكة معدنية ووخز بها بصلة بقوة.
فانقبض حاجباه فورًا.
لهث تاليس وقال بانفعال، “لامبارد…”
“أأنت مَن طلب مقابلتي؟”
منذ اللحظة التي فرّ فيها من سوق الشارع الأحمر، مرورًا بتلك التجربة الخطرة في قصر الكرمة، ثم محاولة الاغتيال أمام قصر النهضة، ظلّ الحارس المقنّع يخاطر بحياته مرارًا من أجل إنقاذ تاليس. وفي الحادثة الأخيرة، كاد يفقد حياته تمامًا.
حدّق في القصاصة الورقية التي وصلته، ثم في الشخص الذي يقف أمامه—أمير الكوكبة، تاليس جيدستار.
تمتمت بخفوت، “وماذا في ذلك؟”
ابتسم تاليس ابتسامة مشرقة، يرافقه وايا. “نعم.”
“بالمناسبة، من يكون يودل؟” سأل بيوتراي وهو يحدّق في تاليس بفضول. “هل يخدم العائلة الملكية؟”
حدّق أولسيوس في تاليس، ثم في الورقة، وتبدّل وجهه ببطء.
توقف تاليس في منتصف الجملة مذهولًا.
تنفّس تاليس بعمق. (حان الوقت. لقد بدأ.)
كان النظام المعدوم أصلًا في هذه المأدبة يتفكك كليًا؛ ثملٌ يترنح، ونبلاء يحيطون بالفتيات الخادمات ويغادرون القاعة، ثم تعلو أصوات غريبة في الخارج.
قال بتأنٍّ: “يا صاحب السمو—”
وحلّق التنين عاليًا في السماء، لكن تحته امتدّت ظلمات لا نهاية لها.”
غير أنّ أولسيوس قاطعه بزفرة باردة قبل أن يكمل.
قطّب تاليس حاجبيه. “أتعرفين مورّات؟” واشتدتّ يقظته فجأة.
توقف تاليس في منتصف الجملة مذهولًا.
(ما الذي يحدث؟ من تكون هذه العجوز أصلًا؟)
“ممل.”
فتوقّف فورًا، وحدّق فيها بحذر.
رمقه أولسيوس بازدراء، وهز رأسه، ثم استدار ليغادر.
“ممل.”
اتّسعت عينا تاليس. (هل أنا مُحتقَر إلى هذا الحد؟)
ومع دخول المأدبة منتصف الليل، غادر آرشيدوق أوركيد المرموقة، رابيين أولسيوس، القاعة. كان يرافقه تابِعان. وقف قرب نافذة منعزلة خارج القاعة، يحدّق في القمر، وكأنه ينتظر أحدًا.
“لقد بذلت جهدًا كبيرًا لأظفر بفرصة لقائك على انفراد، يا صاحب السمو.” تقدم تاليس خطوة وقال بعبوس، “على الأقل استمع إلى ما لدي!”
“لا بأس. ذاك العجوز يبدو مهذّبًا، لكنه في الحقيقة لا يعرف شيئًا عن اللباقة.” هزّت كالشان رأسها باستخفاف، وقد ارتخت التجاعيد على وجهها. “وكاسرو القلوب هم الأفضل في التأثير على النفوس. لستُ من أولئك الذين يخدعون بسهولة.”
“لا شيء لأقوله لطفلٍ في السابعة.” قال أولسيوس، دون أن يكلف نفسه الالتفات.
“آرشيدوق الرمال السوداء… تشابمان لامبارد!”
عضّ تاليس على أسنانه. (لا مفرّ إذًا.)
“بالطبع ليست كذلك!”
ثم صرخ بصوت يجلجل، موجّهًا كلماته إلى ظهر آرشيدوق أوركيد المرموقة المغادر.
حدّق من بعيد بشماليين يتصارعون بالأيدي بشراسةً بين الحشود، ثم قال محبطًا: “قد لا تصدقاني، لكن بعد رؤيتها… بدأت أشتاق إلى مورات.”
“رابيين أولسيوس! أتدري من سيكون الملك القادم لإكستيدت؟”
أدار رأسه وقال بتلعثم، “في الحقيقة، النبي الأسود—أعني اللورد مورات هانسن—طلب منّي أن أنقل رسالة إليك.”
توقف أولسيوس فورًا. أدار رأسه ببطء، وحدّق بتعبير غريب.
عضّ تاليس على أسنانه. (لا مفرّ إذًا.)
لهث تاليس وقال بانفعال، “لامبارد…”
(والآن…)
تغيّر وجه أولسيوس قليلًا.
“يا إلهي.” جاء صوت وايا خلفه بخفوت، “هل رأيت؟ تلك… الساحرة الحمراء؟”
ثم هدأ تاليس تنفّسه، ورفع رأسه، وحدّق بثبات في الرجل المُلتحي.
“آرشيدوق الرمال السوداء… تشابمان لامبارد!”
“آرشيدوق الرمال السوداء… تشابمان لامبارد!”
اعتدل تاليس في جلسته.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ضحكات تتردّد من الجانب الآخر من القاعة. بدا أنّ أكثر من عشرة من نبلاء الشمال يلعبون لعبةً ما.
“لقد طلب من أميرٍ أن ينقل لي رسالة؟” رفعت كالشان حاجبيها، ثم منحت تاليس ابتسامة بلغت عينيها. “أتطلع بحقّ إلى سماعها، يا صاحب السمو.”
