▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 175: من الصِنف ذاته (الجزء الأول)
…
حدّق تاليس في السيف الصغير الأحمر الصغير بين يديه بفتورٍ ويأس.
كان غائبًا عن الوعي تمامًا، حتى حين تقدّمت نحوه الشقية الصغيرة وهي ترتجف، وجاهدت في جذبه لينهض.
(نصل التطهير. أهذا هو اسمه؟)
كان نصل السيف أحمر قانيًا، حتى إن لونه بدا شديد السطوع تحت ضوء القمر الشاحب.
بمشقة شديدة، حاول تاليس أن يصفّي أفكاره، حتى نسي ما حوله.
(أهذا السيف كائن حي؟ إن كان كذلك، فلماذا لم يتفعّل في يد السيف الأسود قبل الآن؟ وإن لم يكن كذلك، فما ذاك الصوت… بدا وكأنه خرج من أذني… لا، بل من أعماق قلبي. لِمَ بدا شديد الشبه بما حدث مع كاهنة قاعة القمر الساطع حين كانت تتلو صلاتها؟)
وحين لمس السيف، ذكّره ذلك الاحتراق المتسلّل إلى جسده بتلك اللحظة حين خرجت الطاقة الصوفية عن السيطرة. ما الرابط بينهما؟
(ثم إن “ذلك الشيء” قال: “شقيق الدم”. ما معنى هذا؟ وقال أيضًا: “مرّ وقت طويل”.)
هل التقى هذا الشيء—هذا العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين—من قبل؟
تدفقت الأسئلة إلى عقله الواحدة تلو الأخرى، دون جوابٍ لأيٍّ منها.
ولم تجلب له إلا مزيدًا من الارتباك والحيرة.
“ما الذي فعلتَه!”
دوّى صوت السيف الأسود في أذنه، كان ثقيلًا وحادًا.
انتفض تاليس مفزوعًا. عاد إلى وعيه وارتخت قبضته دون قصد.
طنين!
سقط السيف الصغير الأحمر على الأرض.
وبجسده الضعيف، حاول السيف الأسود أن يرفع جذعه جاهدًا.
لم يعلم تاليس إن كان السبب صدمته أم جراحه، لكن السيف الأسود لم يكن بخير أبدًا، فقد ثبتت عيناه الحادتان على وجه تاليس.
“لماذا… لماذا صار يعمل فجأة؟”
تماسك تاليس وألقى نظرة على السيف الصغير فوق الأرض. أخذ نفسًا عميقًا ورفع رأسه ليقابل نظرة السيف الأسود.
“بشأن هذا…” قال الأمير الثاني بابتسامة محرجة، “أنا… لا أدري؟”
اشتدّ عبوس السيف الأسود.
أما الشقية الصغيرة فأطلقت همهمة.
“انظرا بسرعة!”
أشارت الفتاة إلى الأرض، وقد تسلّل الذهول إلى صوتها: “لقد عاد كما كان!”
تجمّد السيف الأسود وتاليس، ومالت أعينهما من جديد نحو السيف الصغير.
السيف الصغير الذي كان يشع بالأحمر المتوهّج في يد تاليس، بدأ يتغيّر ببطء.
النصل، بلونه القاني كالدّم، أخذ يخبو ويعتِم حتى عاد إلى لونه القديم، الأحمر الداكن الباهت، كأن الدم قد نُزِف منه كلّه.
رمش تاليس مدهوشًا.
ولم يكن وحده في ذلك.
ارتجف القاتل الأسطوري من عصابة أخوية الشارع الأسود وهو يهز رأسه، والحيرة تكسو وجهه.
“ما الذي…”
“لو كان رامون حيًّا…” تمتم السيف الأسود وهو يحدّق في السيف الصغير الباهت ويطأطئ رأسه، قاضمًا بأسنانه بقهر.
في تلك اللحظة، دوّى صوت انفجار بعيد.
بووم!
ولم يُتح لأحد أن يدرك ما يجري، إذ تحوّل بيتٌ قديم بالقرب منهم إلى غبار!
انطلق مجسّ دموي هائل نحو السماء.
وفي الأفق، تجلّت هيئة الهيدرا خلف الضباب الخانق.
شهق تاليس والشقية الصغيرة مذهولين، وهما يشاهدان المجسّ ينقسم إلى أطراف صغيرة لا تُحصى، تتلوّى مثل عشّ مكتظ بالأفاعي، مندفعًا نحوهم بأعداد غفيرة!
تحرّك السيف الأسود بسرعة خاطفة. تدحرج نحو تاليس والتقط السيف الصغير الأحمر من الأرض.
“ما الذي تنتظره؟!”
صرخ السيف الأسود بسطوة: “اركض!”
ارتعش تاليس.
ومن دون تردّد أو تفسير، جذب الصغيرة الشاحبة وجرى مندفِعًا في الاتجاه المعاكس للمجسّات، غير ملتفتٍ إلى أي شيء ممّا حدث.
(هذه المجسّات مجددًا… إذًا… آسدا خسر حقًا؟) عضّ تاليس أسنانه.
(أليس الصوفيون خالدين لا يُدمَّرون؟ فكيف خسر إذن؟ اللعنة. عليّ أن أواصل الركض! أما السيف الأسود… فلا يزال خلفنا، ولا يزال يحمل نصل التطهير… فلنتمنَّ له حظًا حسنًا في قتل تلك الوحوش.)
لكن المجسّات بدت أسرع وأقوى هذه المرة. اندفعت عبر الشوارع الملطّخة بالجثث، ناشرةً أصواتًا مقزّزة كالسحق أينما مرّت!
وما إن سمع تاليس الصوت حتى شعر بقشعريرة تسري في فروة رأسه، وكأن أرواح الموتى تنهض من سباتها.
ومن دون حماية آسدا، ومن دون أن يتصدّى لهم، وصل أول مجسّ إليهم بعد أربع أو خمس خطوات فحسب من ركضهم.
وكان هدفه الوحيد: تاليس!
في تلك اللحظة، شعر تاليس بثقلٍ تحت قدمه. إذ التفّ المجسّ الأول حول كاحله بإحكام.
تجمّد قلبه بردًا.
(كيف يحدث هذا… والسيف الأسود يحمل ذاك السيف، ومع ذلك لا يستطيع تدميرها أو حتى صدّها؟)
ارتطام!
تعثر وسقط أرضًا!
وبدأ المجسّ يلتف حوله ويسحبه إلى الخلف.
“لا!” صاحت الشقية الصغيرة. استدارت وجذبت ذراع تاليس بعنف محاولةً تحريره من قبضته.
لكن قوّة طفلين كيف لها أن تغلب مجسّات الهيدرا؟
سُحِبا معًا نحو كتلة المجسّات المتلويّة كالأفاعي.
“اللعنة!”
خدّر رأس تاليس وهو يرى القبضة حول كاحله تشتدّ أكثر.
نظر بسرعة إلى المجسّات الأخرى المقبلة من خلفهم، وكانت في ثوانٍ قليلة قد وصلت أمام عينيه!
استطاع الآن أن يميّز الأطراف المشوّهة بين المجسّات، وكلّها كانت إما منصهرة أو مكسورة.
ارتجف تاليس وهو يلتفت صارخًا: “أسرعي، اهربي!”
لكن الشقية الصغيرة عضّت شفتها السفلية، وتمسّكت بذراعه بقوة، هازّة رأسها بيأس.
كانا قد جُرّا لعدّة أمتار بالفعل…
سششوييش…
كان الصوت المروّع لطحن اللحم يجيء من كلّ صوب، قريبًا كان أو بعيدًا.
استمرّ الخوف بالزحف داخل قلب تاليس.
(هذا سيئ. لن ننجو.)
وسرعان ما غطّت المجسّات التي لا تُحصى السماء والقمر، مندفعـةً نحوهما كموجٍ هائج لا يحدّه حدّ.
التفّ أوّل مجسّ حول ذراع الشقية الصغيرة اليسرى.
وثانيها غطّى ظهر تاليس.
ثم الثالث، فالرابع، فالخامس…
قيدتهما المجسّات بإحكام، من الأطراف حتى الجسد!
“لا!”
غطّت مجسّاتٌ لزجة، دافئة، مثيرة للغثيان من بقايا أطرافٍ ممزّقة عيني تاليس وهو يصرخ بغضب. حجبت رؤيته للشقية الصغيرة، ودموعها تسيل على وجهها.
صرخت الشقية الصغيرة حين انفلتت قبضتها عن تاليس وسط العراك.
واتّسعت عينا تاليس حتى بدتا كأنهما ستنفجران من محجريهما وهو يشاهد وجه الشقية الصغيرة الحزين يُحجب بالمجسّات، ثم يختفي أمام بصره.
(لا… لا!)
وسط صراعه الكامل مع المجسّات، مدّ تاليس يده بيأس نحو خنجر ج.ت.
وفي لحظة بين الحياة والموت، لم يعد يكترث لأي أسرار أو آثار جانبية.
كان عليه أن يستخدم الطاقة الصوفية… أو ما ظنّه طاقة صوفية!
وقبل أن يقبض الأمير الثاني على الخنجر ليطعن نفسه، اندفع مجسٌّ آخر من خلفه وقيد ذراعه اليمنى.
ثم بدأ يشدّها إلى الخلف!
فعجز عن لمس الخنجر.
عضّ تاليس على أسنانه.
(لا.)
كان أشبه بفريسة وقعت في شبكة عنكبوت؛ محاصَرًا بإحكام، عاجزًا عن الحركة.
لم يستطع سوى إغماض عينيه وانتظار الموت.
لكن في تلك اللحظة…
دوّى زئير السيف الأسود المتأخر في أذنه.
“آه!”
ثم تبعه فورًا صوت تمزّق اللحم يتعالى واحدًا بعد آخر.
تحطم!
ارتجف تاليس حين شعر بأن قوّة السحب توقفت فجأة.
وفي اللحظة التالية، انفكت المجسّات حول رأسه!
تناثرت قطرات الدم في كل اتجاه، وظهر السيف الأسود المليء بالندوب في مجال رؤيته.
شعر تاليس بأن روحه تنتعش!
وقبل أن ينطق، صرخ السيف الأسود وهو يلوّح بالسيف الأحمر الصغير وسط المجسّات الهائجة.
سووووشش!
وسط الريح العاصفة الحادّة، تناثرت قطع اللحم في كل اتجاه بينما رسم النصل أقواسًا دائرية في لحم المجسّات.
كان يقطع مجسًّا بعد آخر.
ارتجفت المجسّات دفعةً واحدة، ثم اندفعت بجنون نحوه كثور هائج!
وبجسدٍ مغطى بالندوب والكدمات، أظهر السيف الأسود سرعة لا تتوافق مع حالته البدنية. كان جسده يرتجف أحيانًا وهو يفلت من الالتفاف، ويتهرّب سريعًا من الهجمات ويقاتل بعناد ضد المجسّات المنطلقة من كل الجهات.
أزاح السيف الأسود مجسًّا امتد نحو كتفه الأيسر. ومع ارتجاف ذراعه اليمنى، انتزع مجسًّا آخر التصق بها. ثم صرخ بغضب وهو يقطع مجسًّا كان يعصر ساق تاليس اليسرى.
كان التعب بادياً على وجه السيف الأسود. وقف وسط المجسّات التي أحاطت به من كل مكان، ولم ينتبه حتى أنّ ساقيه قد التفّت حولهما المجسّات منذ وقتٍ طويل.
ومع ذلك، لم يتوقف عن التلويح بالسيف الصغير. تارةً يقطع المجسّات الملتفّة على تاليس، وتارةً يجزّ تلك التي تحاول اعتراض طريقه.
وسط هذا الكمّ الهائل من المجسّات، وقف السيف الأسود أمام تاليس، وعيناه تمتلئان بتصميم لا يتزعزع، يتنقّل بخفة لا تهدأ.
في تلك اللحظة، بدا كحشرةٍ سقطت في شبكة عنكبوت، تقاوم وترتعش، لكنها لا تستسلم.
راقب تاليس المشهد كلّه مدهوشًا.
“تشبّث بي!” صرخ السيف الأسود.
مدّ ذراعه اليسرى المثخنة بالضمادات الملطخة بالدم، وقبض بقوة على كتف تاليس.
وبضربة واحدة من السيف الصغير، قطع فورًا ثلاثة مجسّات كانت ملتفّة على تاليس!
غوووف!
ارتسم على وجه السيف الأسود تعبير وحشي، ثم جذب تاليس من بين المجسّات كما لو كان يقتلع جزرة من الأرض!
تعلّق تاليس بذراع السيف الأسود وهو يسعل بلا توقف.
وبرمية قوية، شلفه السيف الأسود خارج مجال المجسّات!
تدحرج تاليس على الأرض وهو يلهث.
وحاولت عدّة مجسّات اللحاق به، لكن السيف الأسود قطعها دون رحمة.
أما هو، فقد كانت المجسّات تطبق عليه بإحكام.
نسي تاليس أن يلتقط أنفاسه، التفّ نحو الخلف، ولم يرَ سوى السيف الأسود وقد غطّته المجسّات تقريبًا بالكامل. وما إن فجّر قوّة الإبادة مجددًا لينقذ تاليس، حتى بدأ يعاني ليفلت من قبضتها.
أراد تاليس أن يزحف عائدًا، لكن حين رفع رأسه ورأى نظرة السيف الأسود، أجبر قدميه على التوقّف.
كان الرجل ما يزال يقاتل بلا توقف بين المجسّات.
“لماذا هذا السيف الصغير… عديم الجدوى؟!” صرخ السيف الأسود وهو يحدق بالنصل الأحمر. “هذه الأشياء لا تختفي!”
شعر تاليس بالإنهاك جسدًا وروحًا بعد نجاته. رفع نفسه عن الأرض وهو يصغي إلى الأصوات اللزجة للمجسّات خلفه، ورأى في ذهنه وجه الشقية الصغيرة العاجز حين سُحبت أخيرًا، فامتلأ قلبه بالغيظ.
(كيف يحدث هذا؟)
عضّ على أسنانه، ثم بلا تفكير، صرخ: “وكيف لي أن أعرف؟! حين أمسكتُه كان لا يزال—”
وفي اللحظة التي قال فيها ذلك، ارتجفا كلاهما!
فهم تاليس شيئًا ما.
انتهز أحد المجسّات الفرصة والتفّ حول عنق السيف الأسود ليخنقه حتى ارتجّ جسده.
وكانت لحظة حرجة. لم يعد السيف الأسود يلوّح بسيفه. وهو الذي كاد يغطيه المجسّات تمامًا، ألقى على تاليس نظرة عميقة.
“أيها الفتى!” رفع صوته سريعًا.
لهث تاليس ونهض بشقّ الأنفس.
وكانت عدّة مجسّات قد تجاوزت السيف الأسود ووصلت أمام تاليس!
ثم رأى ذراع السيف الأسود تتحرك. وارتفع صوتُ الريح يشقّ الهواء.
اندفع ظلٌّ أسود نحو وجه الأمير وهو يدور!
أغمض تاليس عينيه غريزيًا، ورفع ذراعه اليمنى ليحمي رأسه.
لكن الظلّ الأسود رسم دائرة كاملة حوله قبل أن يهبط بدقة في كفّه اليمنى المرفوعة.
قبضت أصابع الأمير على الشيء فورًا، وشعر بثقله!
انحنى تاليس، يتحسّس السيف الصغير الذي رماه السيف الأسود إليه، رغم أن مقبضه استقرّ مباشرة في راحته.
وعلى الرغم من عدم رغبته في الاعتراف… كان رمي السيف الأسود دقيقًا. أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
وألقى السيف الأسود نظرة أخيرة عليه قبل أن تغمره المجسّات تمامًا.
ورفع المجسّ الذي التفّ حوله “فريسته” وارتدّ إلى الخلف.
كان تاليس يلهث مذهولًا، لكنه كان يعرف ما ينبغي عليه فعله.
(أرجوك.)
عضّ على أسنانه ولوّح بالسيف الصغير، ثم اندفع إلى الأمام فوق الحطام والثلج المتناثر تحت قدميه.
(هيا… تفعّل!)
“آآآااااه—!”
وفي اللحظة التالية، صرخ تاليس بكل ما أوتي من قوة، كأنه يجد في الصراخ نوعًا من التحرير، ثم هوى بالسيف الصغير نحو المجسّات القادمة.
لامس أحد المجسّات وجهه، فغمره خَدَر مفاجئ. وامتدّ مجسّ آخر نحو يديه يصدر أصواتًا رطبة منفّرة.
لكنّ شعورًا غريبًا تدفّق في قلبه من جديد، وبدأت عروقه تغلي في جسده بلا توقّف.
تحوّل السيف الصغير.
بدت وكأن قوّة ما انصبّت فيه. طرفه الأحمر الباهت الذي كان خاملًا، انبعث منه ضوء حين قبض تاليس على مقبضه.
صار أحمرَ قانيًا متوهّجًا، كأنه عاد إلى الحياة—تمامًا كما حدث سابقًا.
توهّج الضوء الأحمر في الهواء، فارتجف أقرب مجسّين إلى تاليس أمام حافة السيف!
وفي ثوانٍ معدودة، ذبلت أجسادهما الدافئة القوية وتقلّصت إلى أطراف رمادية. تصاعدت أصوات الشواء في الهواء، وخرج منهما بخارٌ أحمر قبل أن يتحوّلا إلى رماد. لقد احترقا حيّين!
ارتجف قلب تاليس. (إنه فعّال!)
لم يتوقف، بل اندفع بجنون إلى الأمام.
ولم يكن بعيدًا عنه، وبينما كانت تقاتل غليوارد ونيكولاس، التفتت صوفية الدم جانبًا وكأنها تفكّر. نظرت إلى اتجاه تاليس.
لقد تركت مجسّات جيزا أثرًا لا يُنسى. وبمجرد أن شعر تاليس بملمسها الدافئ اللزج المشبع بالرطوبة، علم أنه لا يريد أن يشعر بذلك مرة أخرى ما دام حيًا.
كان الأمر مقزّزًا للغاية.
وهذه المرة، خفَض رأسه ورفع سيفه الصغير واندفع بيأس لا يعرف التراجع.
لكن الغريب أنه لم يصطدم بأي عائق خلال ثوانٍ من اندفاعه، رغم أن كتلة المجسّات التي رآها قبل لحظات بدت مرعبة لا يمكن اختراقها.
ثبت تاليس بصره على الأرض، ولم يدع المجسّات الهادرة أمامه تشغله. كان يركض قدمًا دون توقّف.
واقتحم كتلة المجسّات التي كانت تبتلع السيف الأسود دون أي شكل أو تماسك.
وانهار جدار اللحم المكوّن من المجسّات فور ملامسته، وتناثر الرماد من حوله بلا انقطاع.
وأيّ جزء من جسده كانت تلتفّ حوله مجسّات، كان يوجّه إليه رأس السيف. وفي ثوانٍ قليلة، ترتجف المجسّات قليلًا، ثم تُفلِت قبضتها وتتحوّل إلى رماد.
وكالتموّجات على سطح البحيرة، كانت المجسّات تتحرّك مبتعدة، مرتجفة أمامه.
وبسرعة أكبر من ذي قبل، تراجعت عائدة إلى مصدرها.
لكن تاليس لم يكترث لشيء. كان يندفع وحده، رافعًا السيف.
وفي اللحظة التالية، شعر بقدميه تهويان في الهواء.
أصابه الذعر، وبدأ يسقط نحو الأرض!
لكنه لم يتحطّم.
ثوود!
تعالى صوت خافت.
وتفجّرت آلام في رأسه، كأنه اصطدم بجدار سميك.
لكنّ شيئًا ما أمسك به في اللحظة الأخيرة.
“يكفي!”
دوّى صوت السيف الأسود البارد المتجافِي بجواره.
ارتجف تاليس، ثم رفع رأسه.
كان وجه السيف الأسود متجهّمًا بعد أن تحرّر من محنته. قبض على معصم تاليس بإحكام، مانعًا السيف الأحمر الصغير من أن يقطع عنقه.
“يكفي.” قالها ببرود، ثم أطلق ذراع تاليس والسيف معه.
وعندها فقط تمكّن تاليس المرتجف من التقاط أنفاسه.
تلفّت حوله بعد نجاته، فرأى المجسّات تتراجع مهزومة. انسحبت متناثرة، وتمدّدت بلا حراك، وذبلت، أو اختفت في الظلام.
كأن شيئًا مما مرّوا به لم يحدث.
لكن شخصًا واحدًا لم يكن بينهما.
ركض تاليس خطوتين مذهولًا. لم ير أمامه سوى جثث مبعثرة، ومجسّات ذابلة. لا شيء آخر.
“فات الأوان.” قال السيف الأسود وهو يحدّق في الظلام البعيد بنظرة حادّة، وصوته منهك قليلًا. “لن تلحق بها بعد الآن.”
ارتجف قلب تاليس. قبض على السيف الصغير وسقط جاثيًا بلا قوّة. عضّ شفته السفلى.
ثم ضغط بيده اليسرى على شيء تحته.
كان شيئًا صلبًا.
خفض تاليس رأسه، وارتجف.
كانت نظارة الشقية الصغيرة.
تلك النظارة السوداء الإطار، التي لم تكن تناسبها.
أحد العدستين قد خُدشت.
ولكن صاحبتها…
تألّم قلب تاليس رغمًا عنه.
(يا صغيرة…)
لقد جرّها بعيدًا عن الملك نوڤين، وعن آسدا، وعن مجسّات جيزا.
لكنها في النهاية…
وحين بلغت الفكرة ذهنه، شعر بأن حلقه ينغلق، وكأن صخرة ثقيلة تهبط فوق صدره.
(لا.)
التقط النظارة المحطمة وعضّ على شفته بعنف.
لكن المشهد عاد يتكرّر في ذهنه.
اللحظة التي تشبّثت فيها الشقية الصغيرة بذراعه بقوة قبل أن تغمرها المجسّات ثم تسحبها وهي تصرخ.
(لا.)
جلس السيف الأسود وهو يمسك صدره، يترنّح قليلًا. وبصق دمًا على الأرض، ثم ما إن استعاد أنفاسه حتى رفع رأسه.
أغمض تاليس عينيه بإحكام، ثم خفضهما.
وحين رأى السيف الأسود حالَه، زفر زفرة طويلة.
“كنت أعرف. فعلتَ شيئًا…” قال وهو يحدّق في المجسّات السوداء الذابلة وقد تحوّلت إلى رماد. “السيف الصغير لا يستجيب إلا لك. ويبدو أن قدرته على تقييد الصوفيين لا تُفعَّل إلا بين يديك.”
ارتجف تاليس وهو لا يزال غارقًا في حزنه الذي لا يُوصف.
تاليس مسح بعينيه الشاحبتين الذابلتين على السلاح القاني في يده.
قال السيف الأسود وهو يهزّ رأسه ويسوّي ملامحه بنبرة خافتة: “ألديك أي تفسيرات لهذا؟”
تجهم تاليس. حدّق في السيف الأسود، ولم يعلم إن كان ينظر إليه بغضب أم بضيق.
(ما زال يتساءل عن هذا؟)
لزم تاليس الصمت، ولم يتكلم إلا بعد لحظة طويلة.
“تفسيرات؟” ضحك تاليس ببرودة ممزوجة بأسى عظيم. “ليذهب التفسير إلى الجحيم.”
لم يبالِ السيف الأسود بكلماته، بل اكتفى بالتحديق في وجهه.
وبعد ثوانٍ، نطق فجأة:
“الطموح الأزرق.”
أجابه تاليس شاردًا: “ماذا؟”
“ما علاقتك بذلك المكان؟” سأل السيف الأسود بجدية.
في تلك اللحظة، لم يشعر تاليس إلا بالغضب يكتنف صدره، ولم يُبدِ أي رغبة في الاعتراف بما قاله السيف الأسود، فردّ ببرود: “لا رابطة ملعونة تربطني به!”
طأطأ تاليس رأسه وعضّ بأسنانه.
أغمض عينيه وحاول قدر استطاعته ألّا ينظر إلى الجثث الملقاة على جانبي الطريق، وقد شوّهتها المخالب حتى غدت لا تُعرَف.
لم يُجب السيف الأسود، بل مال إلى الجانب وقطّب حاجبيه وهو يحدّق في الظلام البعيد.
وبعد لحظة، ازدادت نبرته برودة: “ألا تدرك؟ لقد انتهى بها الحال هكذا بسببك.”
رفع تاليس رأسه مرتجفًا، وبعينين دامعتين متلألئتين، نظر إلى السيف الأسود.
“كل من هنا، بمن فيهم رامون، الملايين… ماتوا بسببك. أنت تعرف هذا جيدًا.” قال السيف الأسود دون أي مواربة. “ما شعورك؟”
تنفس تاليس بذهول، وعيناه شاردتان.
“هذه هي الكارثة التي جرّتها تلك الوحوش علينا.” قال السيف الأسود بجفاء. “قبل اثني عشر عامًا، رأيت مأساة مشابهة. جثث في كل مكان، وركام لا ينتهي، ورفاق يُنتزعون مني، وأبرياء يُسحبون إلى الهاوية. لا مبالاة تلك الوحوش ونظراتها البغيضة جعلت الأمر كأن أحدًا لا يقع في مرمى أبصارهم…”
“بالنسبة لتلك الوحوش، نحن مجرد حشرات تستطيع التفكير والكلام. وأمام هدفهم، حتى لو كان سخيفًا وغريبًا، فنحن لا شيء.”
عضّ تاليس على أسنانه وضاقت عيناه. “إلامَ تلمّح؟”
“الصوفيون دمّروا المدينة بأكملها. أنت وأنا… علينا تحمّل المسؤولية.” زفر السيف الأسود زفرة طويلة، وكأن جراحه تحسّنت قليلًا. “لذا علينا أن نفعل شيئًا… من أجل تلك الفتاة التي كانت بقربك، أليس كذلك؟”
شدّ تاليس قبضته حول النظارة ذات الإطار الأسود، وضبط أنفاسه.
“تحتاج مساعدتي.” قال بثقة.
أومأ السيف الأسود ببطء.
“هذا السيف لا يكون ذا جدوى إلا في يدك.” حدّق السيف الأسود في عينيه. “وبما أن هذا السلاح في حوزتنا، فلابد أن نتحرك.”
“نعم، أحتاج مساعدتك.” كرر.
“وماذا تريد أن تفعل؟” عاد تنفس تاليس يضطرب، وبدت نبرته خاوية.
هذه المرة، أطال السيف الأسود النظر إليه قبل أن يفتح فمه ببطء.
“انظر حولك. انظر إلى الخراب الذي خلّفوه…” نهض السيف الأسود من الأرض متمايلًا، وألقى بصره إلى الأفق. “ذلك الشيء ما يزال يعيث فسادًا حتى الآن… أظن أن مدينة سحب التنين عاجزة عن السيطرة على الوضع.”
ارتجف تاليس. وأخيرًا أدرك ما كان السيف الأسود يعنيه.
“أنت تريد…”
بانت الدهشة على وجهه وهو يلتفت في اتجاه نظرة السيف الأسود—الاتجاه الذي غادر إليه كيليكا. “تريد… البحث عن صوفية الدم؟”
أومأ السيف الأسود. “نريد إنهاء كل شيء؛ وضع حد لكابوس المدينة. وإن حالفنا الحظ، قد ننقذ تلك الفتاة… إن لم تكن تلك المخلوقة قد التهمتها بعد.”
اشتدّ تنفس تاليس شيئًا فشيئًا.
تابع السيف الأسود بصوت عميق: “إن لم نفعل، مادمتَ هنا ومادام ذلك الشيء هنا، فلن تنعم أنت ولا كل التعساء من حولك بأي سلام. حتى لو أنقذت الفتاة، فستقع في قبضة الوحش مجددًا، حتى ولو كان هذا السيف معك.”
قطّب تاليس، ونظر إلى السيف الصغير في يده.
وبعد ثوانٍ، تمتم بصوت خافت: “نصل التطهير.”
“ماذا؟” عقد السيف الأسود حاجبيه.
“اسم السيف هو نصل التطهير.” حدّق تاليس في السيف وفي طرفه القاني، وومضة من العزم تلتمع في عينيه.
نظر إليه السيف الأسود، ثم ضحك فجأة: “كنت أعلم… أنت تعرف شيئًا.”
“ليس أكثر مما تعرفه أنت.” قال تاليس ببرود، بعينين فارغتين.
لم يُكمل السيف الأسود الحديث عن هذا الموضوع. بل حدّق في الأمير الشاب بنظرة ضاغطة. “إذن يا فتى، بوصفك أصغر مَن يحمل معدّة أسطورية مضادة للصوفيين في التاريخ… ما قرارك؟”
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
حدّق في نصل التطهير بين يديه.
لم يسمع إلا عواء الريح الجليدية وصوت تلاطم الهيدرا.
تراءت في عينيه نظرة آسدا العميقة، وابتسامة جيزا الرقيقة، وملامح الشقية الصغيرة الغارقة في الدموع.
وترددت في أذنيه صرخات أبناء الشمال وهم يفرون بحياتهم.
وفي تلك اللحظة، احتشد العزم في ملامحه.
“حسنًا، سأذهب معك—”
لكن قبل أن يتم كلمته، قال السيف الأسود فجأة: “نصيحة واحدة.”
تجمد تاليس للحظة.
“الاستخدام المفرط للمعدة الأسطورية المضادة للصوفيين سيضع عبئًا ثقيلًا على الجسد.” قال السيف الأسود بجفاء. “وإن عجزتَ عن السيطرة على قوتها، فسيكون الأمر خطرًا عليك.”
سقطت الدهشة على وجه تاليس، ثم خفض رأسه يتفحص نصل التطهير.
وفي ضوء القمر، بدا الطرف القاني لامعًا، أخّاذًا.
“خطر؟” تمتم بحيرة.
“خصوصًا لمن ليسوا من الفئة الفائقة. فهؤلاء يعجزون عن فرض سيطرتهم الكاملة على المعدّات الأسطورية المضادة للصوفيين…” ارتفعت كلمات السيف الأسود في الهواء. “أما أنت…”
“فعليك أن تفكر جيدًا.” جاءت نبرته قاسية لا تلين.
عقد تاليس حاجبيه بقوة.
وفجأة خطرت بباله صورة غيلبرت ويودل، وكذلك جينيس.
تذكر نظراتهم… رغم أنه لم يرَ عيني يودل قط.
وتذكر قول غيلبرت له إن عليه حماية نفسه حين يداهمه البلاء.
لكنه تذكر أيضًا مكانته.
(أليس الثمن الذي أدفعه كل مرة أستخدم فيها طاقتي الصوفية كارثيًا أيضًا؟)
(ثم… ) تذكر ابتسامة جيزا، ونظرتها الرقيقة الواثقة.
لن تدعه يمضي.
“كنت تحاول إقناعي بالذهاب معك إلى الصوفي.” ضحك تاليس ببرود. “والآن تقول هذا؟”
“وما جوابك؟” رفع السيف الأسود حاجبيه قليلًا.
تركّز بصر تاليس تدريجيًا.
رفع رأسه وحدّق مباشرة في عيني السيف الأسود الحادتين.
ثم أومأ بثبات.
“هيا بنا.” قال بنبرة ثابتة. “لنذهب لملاقاة تلك الأخت اللطيفة… ولنختبر حظنا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
