Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 175

من الصِنف ذاته (1)
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

من الصِنف ذاته (1)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لكن قوّة طفلين كيف لها أن تغلب مجسّات الهيدرا؟

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

تجمد تاليس للحظة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

…

Arisu-san

وكانت عدّة مجسّات قد تجاوزت السيف الأسود ووصلت أمام تاليس!

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أيها الفتى!” رفع صوته سريعًا.

الفصل 175: من الصِنف ذاته (الجزء الأول)

لم يُكمل السيف الأسود الحديث عن هذا الموضوع. بل حدّق في الأمير الشاب بنظرة ضاغطة. “إذن يا فتى، بوصفك أصغر مَن يحمل معدّة أسطورية مضادة للصوفيين في التاريخ… ما قرارك؟”

…

ارتجف قلب تاليس. قبض على السيف الصغير وسقط جاثيًا بلا قوّة. عضّ شفته السفلى.

حدّق تاليس في السيف الصغير الأحمر الصغير بين يديه بفتورٍ ويأس.

شهق تاليس والشقية الصغيرة مذهولين، وهما يشاهدان المجسّ ينقسم إلى أطراف صغيرة لا تُحصى، تتلوّى مثل عشّ مكتظ بالأفاعي، مندفعًا نحوهم بأعداد غفيرة!

كان غائبًا عن الوعي تمامًا، حتى حين تقدّمت نحوه الشقية الصغيرة وهي ترتجف، وجاهدت في جذبه لينهض.

فعجز عن لمس الخنجر.

(نصل التطهير. أهذا هو اسمه؟)

“ما الذي فعلتَه!”

كان نصل السيف أحمر قانيًا، حتى إن لونه بدا شديد السطوع تحت ضوء القمر الشاحب.

(ما زال يتساءل عن هذا؟)

بمشقة شديدة، حاول تاليس أن يصفّي أفكاره، حتى نسي ما حوله.

مدّ ذراعه اليسرى المثخنة بالضمادات الملطخة بالدم، وقبض بقوة على كتف تاليس.

(أهذا السيف كائن حي؟ إن كان كذلك، فلماذا لم يتفعّل في يد السيف الأسود قبل الآن؟ وإن لم يكن كذلك، فما ذاك الصوت… بدا وكأنه خرج من أذني… لا، بل من أعماق قلبي. لِمَ بدا شديد الشبه بما حدث مع كاهنة قاعة القمر الساطع حين كانت تتلو صلاتها؟)

وكالتموّجات على سطح البحيرة، كانت المجسّات تتحرّك مبتعدة، مرتجفة أمامه.

وحين لمس السيف، ذكّره ذلك الاحتراق المتسلّل إلى جسده بتلك اللحظة حين خرجت الطاقة الصوفية عن السيطرة. ما الرابط بينهما؟

وقبل أن ينطق، صرخ السيف الأسود وهو يلوّح بالسيف الأحمر الصغير وسط المجسّات الهائجة.

(ثم إن “ذلك الشيء” قال: “شقيق الدم”. ما معنى هذا؟ وقال أيضًا: “مرّ وقت طويل”.)

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

هل التقى هذا الشيء—هذا العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين—من قبل؟

“وماذا تريد أن تفعل؟” عاد تنفس تاليس يضطرب، وبدت نبرته خاوية.

تدفقت الأسئلة إلى عقله الواحدة تلو الأخرى، دون جوابٍ لأيٍّ منها.

أشارت الفتاة إلى الأرض، وقد تسلّل الذهول إلى صوتها: “لقد عاد كما كان!”

ولم تجلب له إلا مزيدًا من الارتباك والحيرة.

دوّى صوت السيف الأسود البارد المتجافِي بجواره.

“ما الذي فعلتَه!”

وبدأ المجسّ يلتف حوله ويسحبه إلى الخلف.

دوّى صوت السيف الأسود في أذنه، كان ثقيلًا وحادًا.

عضّ تاليس على أسنانه.

انتفض تاليس مفزوعًا. عاد إلى وعيه وارتخت قبضته دون قصد.

“تحتاج مساعدتي.” قال بثقة.

طنين!

(يا صغيرة…)

سقط السيف الصغير الأحمر على الأرض.

وحين رأى السيف الأسود حالَه، زفر زفرة طويلة.

وبجسده الضعيف، حاول السيف الأسود أن يرفع جذعه جاهدًا.

لم يُجب السيف الأسود، بل مال إلى الجانب وقطّب حاجبيه وهو يحدّق في الظلام البعيد.

لم يعلم تاليس إن كان السبب صدمته أم جراحه، لكن السيف الأسود لم يكن بخير أبدًا، فقد ثبتت عيناه الحادتان على وجه تاليس.

أغمض تاليس عينيه غريزيًا، ورفع ذراعه اليمنى ليحمي رأسه.

“لماذا… لماذا صار يعمل فجأة؟”

انحنى تاليس، يتحسّس السيف الصغير الذي رماه السيف الأسود إليه، رغم أن مقبضه استقرّ مباشرة في راحته.

تماسك تاليس وألقى نظرة على السيف الصغير فوق الأرض. أخذ نفسًا عميقًا ورفع رأسه ليقابل نظرة السيف الأسود.

وكان هدفه الوحيد: تاليس!

“بشأن هذا…” قال الأمير الثاني بابتسامة محرجة، “أنا… لا أدري؟”

وفي اللحظة التالية، شعر بقدميه تهويان في الهواء.

اشتدّ عبوس السيف الأسود.

أومأ السيف الأسود. “نريد إنهاء كل شيء؛ وضع حد لكابوس المدينة. وإن حالفنا الحظ، قد ننقذ تلك الفتاة… إن لم تكن تلك المخلوقة قد التهمتها بعد.”

أما الشقية الصغيرة فأطلقت همهمة.

لم يبالِ السيف الأسود بكلماته، بل اكتفى بالتحديق في وجهه.

“انظرا بسرعة!”

أغمض تاليس عينيه غريزيًا، ورفع ذراعه اليمنى ليحمي رأسه.

أشارت الفتاة إلى الأرض، وقد تسلّل الذهول إلى صوتها: “لقد عاد كما كان!”

كان وجه السيف الأسود متجهّمًا بعد أن تحرّر من محنته. قبض على معصم تاليس بإحكام، مانعًا السيف الأحمر الصغير من أن يقطع عنقه.

تجمّد السيف الأسود وتاليس، ومالت أعينهما من جديد نحو السيف الصغير.

لم يعلم تاليس إن كان السبب صدمته أم جراحه، لكن السيف الأسود لم يكن بخير أبدًا، فقد ثبتت عيناه الحادتان على وجه تاليس.

السيف الصغير الذي كان يشع بالأحمر المتوهّج في يد تاليس، بدأ يتغيّر ببطء.

تألّم قلب تاليس رغمًا عنه.

النصل، بلونه القاني كالدّم، أخذ يخبو ويعتِم حتى عاد إلى لونه القديم، الأحمر الداكن الباهت، كأن الدم قد نُزِف منه كلّه.

أغمض عينيه وحاول قدر استطاعته ألّا ينظر إلى الجثث الملقاة على جانبي الطريق، وقد شوّهتها المخالب حتى غدت لا تُعرَف.

رمش تاليس مدهوشًا.

كان يقطع مجسًّا بعد آخر.

ولم يكن وحده في ذلك.

أغمض عينيه وحاول قدر استطاعته ألّا ينظر إلى الجثث الملقاة على جانبي الطريق، وقد شوّهتها المخالب حتى غدت لا تُعرَف.

ارتجف القاتل الأسطوري من عصابة أخوية الشارع الأسود وهو يهز رأسه، والحيرة تكسو وجهه.

أحد العدستين قد خُدشت.

“ما الذي…”

كان الأمر مقزّزًا للغاية.

“لو كان رامون حيًّا…” تمتم السيف الأسود وهو يحدّق في السيف الصغير الباهت ويطأطئ رأسه، قاضمًا بأسنانه بقهر.

لم يبالِ السيف الأسود بكلماته، بل اكتفى بالتحديق في وجهه.

في تلك اللحظة، دوّى صوت انفجار بعيد.

غطّت مجسّاتٌ لزجة، دافئة، مثيرة للغثيان من بقايا أطرافٍ ممزّقة عيني تاليس وهو يصرخ بغضب. حجبت رؤيته للشقية الصغيرة، ودموعها تسيل على وجهها.

بووم!

(كيف يحدث هذا… والسيف الأسود يحمل ذاك السيف، ومع ذلك لا يستطيع تدميرها أو حتى صدّها؟)

ولم يُتح لأحد أن يدرك ما يجري، إذ تحوّل بيتٌ قديم بالقرب منهم إلى غبار!

التقط النظارة المحطمة وعضّ على شفته بعنف.

انطلق مجسّ دموي هائل نحو السماء.

“لو كان رامون حيًّا…” تمتم السيف الأسود وهو يحدّق في السيف الصغير الباهت ويطأطئ رأسه، قاضمًا بأسنانه بقهر.

وفي الأفق، تجلّت هيئة الهيدرا خلف الضباب الخانق.

تنفس تاليس بذهول، وعيناه شاردتان.

شهق تاليس والشقية الصغيرة مذهولين، وهما يشاهدان المجسّ ينقسم إلى أطراف صغيرة لا تُحصى، تتلوّى مثل عشّ مكتظ بالأفاعي، مندفعًا نحوهم بأعداد غفيرة!

لقد تركت مجسّات جيزا أثرًا لا يُنسى. وبمجرد أن شعر تاليس بملمسها الدافئ اللزج المشبع بالرطوبة، علم أنه لا يريد أن يشعر بذلك مرة أخرى ما دام حيًا.

تحرّك السيف الأسود بسرعة خاطفة. تدحرج نحو تاليس والتقط السيف الصغير الأحمر من الأرض.

نظر إليه السيف الأسود، ثم ضحك فجأة: “كنت أعلم… أنت تعرف شيئًا.”

“ما الذي تنتظره؟!”

شدّ تاليس قبضته حول النظارة ذات الإطار الأسود، وضبط أنفاسه.

صرخ السيف الأسود بسطوة: “اركض!”

كان نصل السيف أحمر قانيًا، حتى إن لونه بدا شديد السطوع تحت ضوء القمر الشاحب.

ارتعش تاليس.

“خصوصًا لمن ليسوا من الفئة الفائقة. فهؤلاء يعجزون عن فرض سيطرتهم الكاملة على المعدّات الأسطورية المضادة للصوفيين…” ارتفعت كلمات السيف الأسود في الهواء. “أما أنت…”

ومن دون تردّد أو تفسير، جذب الصغيرة الشاحبة وجرى مندفِعًا في الاتجاه المعاكس للمجسّات، غير ملتفتٍ إلى أي شيء ممّا حدث.

وسط صراعه الكامل مع المجسّات، مدّ تاليس يده بيأس نحو خنجر ج.ت.

(هذه المجسّات مجددًا… إذًا… آسدا خسر حقًا؟) عضّ تاليس أسنانه.

(ثم… ) تذكر ابتسامة جيزا، ونظرتها الرقيقة الواثقة.

(أليس الصوفيون خالدين لا يُدمَّرون؟ فكيف خسر إذن؟ اللعنة. عليّ أن أواصل الركض! أما السيف الأسود… فلا يزال خلفنا، ولا يزال يحمل نصل التطهير… فلنتمنَّ له حظًا حسنًا في قتل تلك الوحوش.)

شعر تاليس بالإنهاك جسدًا وروحًا بعد نجاته. رفع نفسه عن الأرض وهو يصغي إلى الأصوات اللزجة للمجسّات خلفه، ورأى في ذهنه وجه الشقية الصغيرة العاجز حين سُحبت أخيرًا، فامتلأ قلبه بالغيظ.

لكن المجسّات بدت أسرع وأقوى هذه المرة. اندفعت عبر الشوارع الملطّخة بالجثث، ناشرةً أصواتًا مقزّزة كالسحق أينما مرّت!

“لا!” صاحت الشقية الصغيرة. استدارت وجذبت ذراع تاليس بعنف محاولةً تحريره من قبضته.

وما إن سمع تاليس الصوت حتى شعر بقشعريرة تسري في فروة رأسه، وكأن أرواح الموتى تنهض من سباتها.

ثم الثالث، فالرابع، فالخامس…

ومن دون حماية آسدا، ومن دون أن يتصدّى لهم، وصل أول مجسّ إليهم بعد أربع أو خمس خطوات فحسب من ركضهم.

كان الأمر مقزّزًا للغاية.

وكان هدفه الوحيد: تاليس!

تابع السيف الأسود بصوت عميق: “إن لم نفعل، مادمتَ هنا ومادام ذلك الشيء هنا، فلن تنعم أنت ولا كل التعساء من حولك بأي سلام. حتى لو أنقذت الفتاة، فستقع في قبضة الوحش مجددًا، حتى ولو كان هذا السيف معك.”

في تلك اللحظة، شعر تاليس بثقلٍ تحت قدمه. إذ التفّ المجسّ الأول حول كاحله بإحكام.

“اللعنة!”

تجمّد قلبه بردًا.

دوّى صوت السيف الأسود في أذنه، كان ثقيلًا وحادًا.

(كيف يحدث هذا… والسيف الأسود يحمل ذاك السيف، ومع ذلك لا يستطيع تدميرها أو حتى صدّها؟)

ومع ذلك، لم يتوقف عن التلويح بالسيف الصغير. تارةً يقطع المجسّات الملتفّة على تاليس، وتارةً يجزّ تلك التي تحاول اعتراض طريقه.

ارتطام!

“تشبّث بي!” صرخ السيف الأسود.

تعثر وسقط أرضًا!

التفّ أوّل مجسّ حول ذراع الشقية الصغيرة اليسرى.

وبدأ المجسّ يلتف حوله ويسحبه إلى الخلف.

ارتجف تاليس، ثم رفع رأسه.

“لا!” صاحت الشقية الصغيرة. استدارت وجذبت ذراع تاليس بعنف محاولةً تحريره من قبضته.

“نعم، أحتاج مساعدتك.” كرر.

لكن قوّة طفلين كيف لها أن تغلب مجسّات الهيدرا؟

وهذه المرة، خفَض رأسه ورفع سيفه الصغير واندفع بيأس لا يعرف التراجع.

سُحِبا معًا نحو كتلة المجسّات المتلويّة كالأفاعي.

ثم أومأ بثبات.

“اللعنة!”

(هذه المجسّات مجددًا… إذًا… آسدا خسر حقًا؟) عضّ تاليس أسنانه.

خدّر رأس تاليس وهو يرى القبضة حول كاحله تشتدّ أكثر.

وألقى السيف الأسود نظرة أخيرة عليه قبل أن تغمره المجسّات تمامًا.

نظر بسرعة إلى المجسّات الأخرى المقبلة من خلفهم، وكانت في ثوانٍ قليلة قد وصلت أمام عينيه!

“ما الذي…”

استطاع الآن أن يميّز الأطراف المشوّهة بين المجسّات، وكلّها كانت إما منصهرة أو مكسورة.

وبرمية قوية، شلفه السيف الأسود خارج مجال المجسّات!

ارتجف تاليس وهو يلتفت صارخًا: “أسرعي، اهربي!”

لكنّ شعورًا غريبًا تدفّق في قلبه من جديد، وبدأت عروقه تغلي في جسده بلا توقّف.

لكن الشقية الصغيرة عضّت شفتها السفلية، وتمسّكت بذراعه بقوة، هازّة رأسها بيأس.

ولم يُتح لأحد أن يدرك ما يجري، إذ تحوّل بيتٌ قديم بالقرب منهم إلى غبار!

كانا قد جُرّا لعدّة أمتار بالفعل…

لكنه لم يتحطّم.

سششوييش…

(أليس الثمن الذي أدفعه كل مرة أستخدم فيها طاقتي الصوفية كارثيًا أيضًا؟)

كان الصوت المروّع لطحن اللحم يجيء من كلّ صوب، قريبًا كان أو بعيدًا.

(لا.)

استمرّ الخوف بالزحف داخل قلب تاليس.

ارتسم على وجه السيف الأسود تعبير وحشي، ثم جذب تاليس من بين المجسّات كما لو كان يقتلع جزرة من الأرض!

(هذا سيئ. لن ننجو.)

السيف الصغير الذي كان يشع بالأحمر المتوهّج في يد تاليس، بدأ يتغيّر ببطء.

وسرعان ما غطّت المجسّات التي لا تُحصى السماء والقمر، مندفعـةً نحوهما كموجٍ هائج لا يحدّه حدّ.

نظر إليه السيف الأسود، ثم ضحك فجأة: “كنت أعلم… أنت تعرف شيئًا.”

التفّ أوّل مجسّ حول ذراع الشقية الصغيرة اليسرى.

ارتسم على وجه السيف الأسود تعبير وحشي، ثم جذب تاليس من بين المجسّات كما لو كان يقتلع جزرة من الأرض!

وثانيها غطّى ظهر تاليس.

لكن الغريب أنه لم يصطدم بأي عائق خلال ثوانٍ من اندفاعه، رغم أن كتلة المجسّات التي رآها قبل لحظات بدت مرعبة لا يمكن اختراقها.

ثم الثالث، فالرابع، فالخامس…

تألّم قلب تاليس رغمًا عنه.

قيدتهما المجسّات بإحكام، من الأطراف حتى الجسد!

لكن قبل أن يتم كلمته، قال السيف الأسود فجأة: “نصيحة واحدة.”

“لا!”

لكن الشقية الصغيرة عضّت شفتها السفلية، وتمسّكت بذراعه بقوة، هازّة رأسها بيأس.

غطّت مجسّاتٌ لزجة، دافئة، مثيرة للغثيان من بقايا أطرافٍ ممزّقة عيني تاليس وهو يصرخ بغضب. حجبت رؤيته للشقية الصغيرة، ودموعها تسيل على وجهها.

سقطت الدهشة على وجه تاليس، ثم خفض رأسه يتفحص نصل التطهير.

صرخت الشقية الصغيرة حين انفلتت قبضتها عن تاليس وسط العراك.

واتّسعت عينا تاليس حتى بدتا كأنهما ستنفجران من محجريهما وهو يشاهد وجه الشقية الصغيرة الحزين يُحجب بالمجسّات، ثم يختفي أمام بصره.

واتّسعت عينا تاليس حتى بدتا كأنهما ستنفجران من محجريهما وهو يشاهد وجه الشقية الصغيرة الحزين يُحجب بالمجسّات، ثم يختفي أمام بصره.

تراءت في عينيه نظرة آسدا العميقة، وابتسامة جيزا الرقيقة، وملامح الشقية الصغيرة الغارقة في الدموع.

(لا… لا!)

اشتدّ عبوس السيف الأسود.

وسط صراعه الكامل مع المجسّات، مدّ تاليس يده بيأس نحو خنجر ج.ت.

ولم تجلب له إلا مزيدًا من الارتباك والحيرة.

وفي لحظة بين الحياة والموت، لم يعد يكترث لأي أسرار أو آثار جانبية.

أراد تاليس أن يزحف عائدًا، لكن حين رفع رأسه ورأى نظرة السيف الأسود، أجبر قدميه على التوقّف.

كان عليه أن يستخدم الطاقة الصوفية… أو ما ظنّه طاقة صوفية!

“الاستخدام المفرط للمعدة الأسطورية المضادة للصوفيين سيضع عبئًا ثقيلًا على الجسد.” قال السيف الأسود بجفاء. “وإن عجزتَ عن السيطرة على قوتها، فسيكون الأمر خطرًا عليك.”

وقبل أن يقبض الأمير الثاني على الخنجر ليطعن نفسه، اندفع مجسٌّ آخر من خلفه وقيد ذراعه اليمنى.

لكن الغريب أنه لم يصطدم بأي عائق خلال ثوانٍ من اندفاعه، رغم أن كتلة المجسّات التي رآها قبل لحظات بدت مرعبة لا يمكن اختراقها.

ثم بدأ يشدّها إلى الخلف!

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

فعجز عن لمس الخنجر.

سووووشش!

عضّ تاليس على أسنانه.

سووووشش!

(لا.)

طأطأ تاليس رأسه وعضّ بأسنانه.

كان أشبه بفريسة وقعت في شبكة عنكبوت؛ محاصَرًا بإحكام، عاجزًا عن الحركة.

خدّر رأس تاليس وهو يرى القبضة حول كاحله تشتدّ أكثر.

لم يستطع سوى إغماض عينيه وانتظار الموت.

وما إن سمع تاليس الصوت حتى شعر بقشعريرة تسري في فروة رأسه، وكأن أرواح الموتى تنهض من سباتها.

لكن في تلك اللحظة…

ومن دون حماية آسدا، ومن دون أن يتصدّى لهم، وصل أول مجسّ إليهم بعد أربع أو خمس خطوات فحسب من ركضهم.

دوّى زئير السيف الأسود المتأخر في أذنه.

كان الأمر مقزّزًا للغاية.

“آه!”

توهّج الضوء الأحمر في الهواء، فارتجف أقرب مجسّين إلى تاليس أمام حافة السيف!

ثم تبعه فورًا صوت تمزّق اللحم يتعالى واحدًا بعد آخر.

مدّ ذراعه اليسرى المثخنة بالضمادات الملطخة بالدم، وقبض بقوة على كتف تاليس.

تحطم!

لكن في تلك اللحظة…

ارتجف تاليس حين شعر بأن قوّة السحب توقفت فجأة.

وما إن سمع تاليس الصوت حتى شعر بقشعريرة تسري في فروة رأسه، وكأن أرواح الموتى تنهض من سباتها.

وفي اللحظة التالية، انفكت المجسّات حول رأسه!

ولكن صاحبتها…

تناثرت قطرات الدم في كل اتجاه، وظهر السيف الأسود المليء بالندوب في مجال رؤيته.

كان يقطع مجسًّا بعد آخر.

شعر تاليس بأن روحه تنتعش!

“أنت تريد…”

وقبل أن ينطق، صرخ السيف الأسود وهو يلوّح بالسيف الأحمر الصغير وسط المجسّات الهائجة.

“وماذا تريد أن تفعل؟” عاد تنفس تاليس يضطرب، وبدت نبرته خاوية.

سووووشش!

دوّى صوت السيف الأسود البارد المتجافِي بجواره.

وسط الريح العاصفة الحادّة، تناثرت قطع اللحم في كل اتجاه بينما رسم النصل أقواسًا دائرية في لحم المجسّات.

بمشقة شديدة، حاول تاليس أن يصفّي أفكاره، حتى نسي ما حوله.

كان يقطع مجسًّا بعد آخر.

في تلك اللحظة، دوّى صوت انفجار بعيد.

ارتجفت المجسّات دفعةً واحدة، ثم اندفعت بجنون نحوه كثور هائج!

ارتجف قلب تاليس. (إنه فعّال!)

وبجسدٍ مغطى بالندوب والكدمات، أظهر السيف الأسود سرعة لا تتوافق مع حالته البدنية. كان جسده يرتجف أحيانًا وهو يفلت من الالتفاف، ويتهرّب سريعًا من الهجمات ويقاتل بعناد ضد المجسّات المنطلقة من كل الجهات.

“كل من هنا، بمن فيهم رامون، الملايين… ماتوا بسببك. أنت تعرف هذا جيدًا.” قال السيف الأسود دون أي مواربة. “ما شعورك؟”

أزاح السيف الأسود مجسًّا امتد نحو كتفه الأيسر. ومع ارتجاف ذراعه اليمنى، انتزع مجسًّا آخر التصق بها. ثم صرخ بغضب وهو يقطع مجسًّا كان يعصر ساق تاليس اليسرى.

ارتجف قلب تاليس. (إنه فعّال!)

كان التعب بادياً على وجه السيف الأسود. وقف وسط المجسّات التي أحاطت به من كل مكان، ولم ينتبه حتى أنّ ساقيه قد التفّت حولهما المجسّات منذ وقتٍ طويل.

ثوود!

ومع ذلك، لم يتوقف عن التلويح بالسيف الصغير. تارةً يقطع المجسّات الملتفّة على تاليس، وتارةً يجزّ تلك التي تحاول اعتراض طريقه.

“تحتاج مساعدتي.” قال بثقة.

وسط هذا الكمّ الهائل من المجسّات، وقف السيف الأسود أمام تاليس، وعيناه تمتلئان بتصميم لا يتزعزع، يتنقّل بخفة لا تهدأ.

لم يبالِ السيف الأسود بكلماته، بل اكتفى بالتحديق في وجهه.

في تلك اللحظة، بدا كحشرةٍ سقطت في شبكة عنكبوت، تقاوم وترتعش، لكنها لا تستسلم.

(ثم… ) تذكر ابتسامة جيزا، ونظرتها الرقيقة الواثقة.

راقب تاليس المشهد كلّه مدهوشًا.

وسط الريح العاصفة الحادّة، تناثرت قطع اللحم في كل اتجاه بينما رسم النصل أقواسًا دائرية في لحم المجسّات.

“تشبّث بي!” صرخ السيف الأسود.

اللحظة التي تشبّثت فيها الشقية الصغيرة بذراعه بقوة قبل أن تغمرها المجسّات ثم تسحبها وهي تصرخ.

مدّ ذراعه اليسرى المثخنة بالضمادات الملطخة بالدم، وقبض بقوة على كتف تاليس.

تركّز بصر تاليس تدريجيًا.

وبضربة واحدة من السيف الصغير، قطع فورًا ثلاثة مجسّات كانت ملتفّة على تاليس!

(لا.)

غوووف!

لكن شخصًا واحدًا لم يكن بينهما.

ارتسم على وجه السيف الأسود تعبير وحشي، ثم جذب تاليس من بين المجسّات كما لو كان يقتلع جزرة من الأرض!

وهذه المرة، خفَض رأسه ورفع سيفه الصغير واندفع بيأس لا يعرف التراجع.

تعلّق تاليس بذراع السيف الأسود وهو يسعل بلا توقف.

“ماذا؟” عقد السيف الأسود حاجبيه.

وبرمية قوية، شلفه السيف الأسود خارج مجال المجسّات!

ثم الثالث، فالرابع، فالخامس…

تدحرج تاليس على الأرض وهو يلهث.

“خصوصًا لمن ليسوا من الفئة الفائقة. فهؤلاء يعجزون عن فرض سيطرتهم الكاملة على المعدّات الأسطورية المضادة للصوفيين…” ارتفعت كلمات السيف الأسود في الهواء. “أما أنت…”

وحاولت عدّة مجسّات اللحاق به، لكن السيف الأسود قطعها دون رحمة.

(لا… لا!)

أما هو، فقد كانت المجسّات تطبق عليه بإحكام.

أما هو، فقد كانت المجسّات تطبق عليه بإحكام.

نسي تاليس أن يلتقط أنفاسه، التفّ نحو الخلف، ولم يرَ سوى السيف الأسود وقد غطّته المجسّات تقريبًا بالكامل. وما إن فجّر قوّة الإبادة مجددًا لينقذ تاليس، حتى بدأ يعاني ليفلت من قبضتها.

سقطت الدهشة على وجه تاليس، ثم خفض رأسه يتفحص نصل التطهير.

أراد تاليس أن يزحف عائدًا، لكن حين رفع رأسه ورأى نظرة السيف الأسود، أجبر قدميه على التوقّف.

ارتجف تاليس. وأخيرًا أدرك ما كان السيف الأسود يعنيه.

كان الرجل ما يزال يقاتل بلا توقف بين المجسّات.

ارتجف تاليس. وأخيرًا أدرك ما كان السيف الأسود يعنيه.

“لماذا هذا السيف الصغير… عديم الجدوى؟!” صرخ السيف الأسود وهو يحدق بالنصل الأحمر. “هذه الأشياء لا تختفي!”

تجمد تاليس للحظة.

شعر تاليس بالإنهاك جسدًا وروحًا بعد نجاته. رفع نفسه عن الأرض وهو يصغي إلى الأصوات اللزجة للمجسّات خلفه، ورأى في ذهنه وجه الشقية الصغيرة العاجز حين سُحبت أخيرًا، فامتلأ قلبه بالغيظ.

Arisu-san

(كيف يحدث هذا؟)

تدحرج تاليس على الأرض وهو يلهث.

عضّ على أسنانه، ثم بلا تفكير، صرخ: “وكيف لي أن أعرف؟! حين أمسكتُه كان لا يزال—”

وبدأ المجسّ يلتف حوله ويسحبه إلى الخلف.

وفي اللحظة التي قال فيها ذلك، ارتجفا كلاهما!

وفي تلك اللحظة، احتشد العزم في ملامحه.

فهم تاليس شيئًا ما.

لكن الغريب أنه لم يصطدم بأي عائق خلال ثوانٍ من اندفاعه، رغم أن كتلة المجسّات التي رآها قبل لحظات بدت مرعبة لا يمكن اختراقها.

انتهز أحد المجسّات الفرصة والتفّ حول عنق السيف الأسود ليخنقه حتى ارتجّ جسده.

أحد العدستين قد خُدشت.

وكانت لحظة حرجة. لم يعد السيف الأسود يلوّح بسيفه. وهو الذي كاد يغطيه المجسّات تمامًا، ألقى على تاليس نظرة عميقة.

تحوّل السيف الصغير.

“أيها الفتى!” رفع صوته سريعًا.

تدفقت الأسئلة إلى عقله الواحدة تلو الأخرى، دون جوابٍ لأيٍّ منها.

لهث تاليس ونهض بشقّ الأنفس.

لم يستطع سوى إغماض عينيه وانتظار الموت.

وكانت عدّة مجسّات قد تجاوزت السيف الأسود ووصلت أمام تاليس!

النصل، بلونه القاني كالدّم، أخذ يخبو ويعتِم حتى عاد إلى لونه القديم، الأحمر الداكن الباهت، كأن الدم قد نُزِف منه كلّه.

ثم رأى ذراع السيف الأسود تتحرك. وارتفع صوتُ الريح يشقّ الهواء.

تجمد تاليس للحظة.

اندفع ظلٌّ أسود نحو وجه الأمير وهو يدور!

وقبل أن يقبض الأمير الثاني على الخنجر ليطعن نفسه، اندفع مجسٌّ آخر من خلفه وقيد ذراعه اليمنى.

أغمض تاليس عينيه غريزيًا، ورفع ذراعه اليمنى ليحمي رأسه.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

لكن الظلّ الأسود رسم دائرة كاملة حوله قبل أن يهبط بدقة في كفّه اليمنى المرفوعة.

“انظرا بسرعة!”

قبضت أصابع الأمير على الشيء فورًا، وشعر بثقله!

ارتعش تاليس.

انحنى تاليس، يتحسّس السيف الصغير الذي رماه السيف الأسود إليه، رغم أن مقبضه استقرّ مباشرة في راحته.

استطاع الآن أن يميّز الأطراف المشوّهة بين المجسّات، وكلّها كانت إما منصهرة أو مكسورة.

وعلى الرغم من عدم رغبته في الاعتراف… كان رمي السيف الأسود دقيقًا. أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

“الصوفيون دمّروا المدينة بأكملها. أنت وأنا… علينا تحمّل المسؤولية.” زفر السيف الأسود زفرة طويلة، وكأن جراحه تحسّنت قليلًا. “لذا علينا أن نفعل شيئًا… من أجل تلك الفتاة التي كانت بقربك، أليس كذلك؟”

وألقى السيف الأسود نظرة أخيرة عليه قبل أن تغمره المجسّات تمامًا.

لكن المجسّات بدت أسرع وأقوى هذه المرة. اندفعت عبر الشوارع الملطّخة بالجثث، ناشرةً أصواتًا مقزّزة كالسحق أينما مرّت!

ورفع المجسّ الذي التفّ حوله “فريسته” وارتدّ إلى الخلف.

“هيا بنا.” قال بنبرة ثابتة. “لنذهب لملاقاة تلك الأخت اللطيفة… ولنختبر حظنا.”

كان تاليس يلهث مذهولًا، لكنه كان يعرف ما ينبغي عليه فعله.

(لا.)

(أرجوك.)

وفي اللحظة التالية، شعر بقدميه تهويان في الهواء.

عضّ على أسنانه ولوّح بالسيف الصغير، ثم اندفع إلى الأمام فوق الحطام والثلج المتناثر تحت قدميه.

الفصل 175: من الصِنف ذاته (الجزء الأول)

(هيا… تفعّل!)

انطلق مجسّ دموي هائل نحو السماء.

“آآآااااه—!”

كان تاليس يلهث مذهولًا، لكنه كان يعرف ما ينبغي عليه فعله.

وفي اللحظة التالية، صرخ تاليس بكل ما أوتي من قوة، كأنه يجد في الصراخ نوعًا من التحرير، ثم هوى بالسيف الصغير نحو المجسّات القادمة.

وألقى السيف الأسود نظرة أخيرة عليه قبل أن تغمره المجسّات تمامًا.

لامس أحد المجسّات وجهه، فغمره خَدَر مفاجئ. وامتدّ مجسّ آخر نحو يديه يصدر أصواتًا رطبة منفّرة.

استمرّ الخوف بالزحف داخل قلب تاليس.

لكنّ شعورًا غريبًا تدفّق في قلبه من جديد، وبدأت عروقه تغلي في جسده بلا توقّف.

وحين لمس السيف، ذكّره ذلك الاحتراق المتسلّل إلى جسده بتلك اللحظة حين خرجت الطاقة الصوفية عن السيطرة. ما الرابط بينهما؟

تحوّل السيف الصغير.

“اسم السيف هو نصل التطهير.” حدّق تاليس في السيف وفي طرفه القاني، وومضة من العزم تلتمع في عينيه.

بدت وكأن قوّة ما انصبّت فيه. طرفه الأحمر الباهت الذي كان خاملًا، انبعث منه ضوء حين قبض تاليس على مقبضه.

لقد تركت مجسّات جيزا أثرًا لا يُنسى. وبمجرد أن شعر تاليس بملمسها الدافئ اللزج المشبع بالرطوبة، علم أنه لا يريد أن يشعر بذلك مرة أخرى ما دام حيًا.

صار أحمرَ قانيًا متوهّجًا، كأنه عاد إلى الحياة—تمامًا كما حدث سابقًا.

كان غائبًا عن الوعي تمامًا، حتى حين تقدّمت نحوه الشقية الصغيرة وهي ترتجف، وجاهدت في جذبه لينهض.

توهّج الضوء الأحمر في الهواء، فارتجف أقرب مجسّين إلى تاليس أمام حافة السيف!

(أليس الثمن الذي أدفعه كل مرة أستخدم فيها طاقتي الصوفية كارثيًا أيضًا؟)

وفي ثوانٍ معدودة، ذبلت أجسادهما الدافئة القوية وتقلّصت إلى أطراف رمادية. تصاعدت أصوات الشواء في الهواء، وخرج منهما بخارٌ أحمر قبل أن يتحوّلا إلى رماد. لقد احترقا حيّين!

كان الصوت المروّع لطحن اللحم يجيء من كلّ صوب، قريبًا كان أو بعيدًا.

ارتجف قلب تاليس. (إنه فعّال!)

وتذكر قول غيلبرت له إن عليه حماية نفسه حين يداهمه البلاء.

لم يتوقف، بل اندفع بجنون إلى الأمام.

خدّر رأس تاليس وهو يرى القبضة حول كاحله تشتدّ أكثر.

ولم يكن بعيدًا عنه، وبينما كانت تقاتل غليوارد ونيكولاس، التفتت صوفية الدم جانبًا وكأنها تفكّر. نظرت إلى اتجاه تاليس.

غوووف!

لقد تركت مجسّات جيزا أثرًا لا يُنسى. وبمجرد أن شعر تاليس بملمسها الدافئ اللزج المشبع بالرطوبة، علم أنه لا يريد أن يشعر بذلك مرة أخرى ما دام حيًا.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

كان الأمر مقزّزًا للغاية.

انحنى تاليس، يتحسّس السيف الصغير الذي رماه السيف الأسود إليه، رغم أن مقبضه استقرّ مباشرة في راحته.

وهذه المرة، خفَض رأسه ورفع سيفه الصغير واندفع بيأس لا يعرف التراجع.

لكنّ شعورًا غريبًا تدفّق في قلبه من جديد، وبدأت عروقه تغلي في جسده بلا توقّف.

لكن الغريب أنه لم يصطدم بأي عائق خلال ثوانٍ من اندفاعه، رغم أن كتلة المجسّات التي رآها قبل لحظات بدت مرعبة لا يمكن اختراقها.

واتّسعت عينا تاليس حتى بدتا كأنهما ستنفجران من محجريهما وهو يشاهد وجه الشقية الصغيرة الحزين يُحجب بالمجسّات، ثم يختفي أمام بصره.

ثبت تاليس بصره على الأرض، ولم يدع المجسّات الهادرة أمامه تشغله. كان يركض قدمًا دون توقّف.

ثم الثالث، فالرابع، فالخامس…

واقتحم كتلة المجسّات التي كانت تبتلع السيف الأسود دون أي شكل أو تماسك.

في تلك اللحظة، بدا كحشرةٍ سقطت في شبكة عنكبوت، تقاوم وترتعش، لكنها لا تستسلم.

وانهار جدار اللحم المكوّن من المجسّات فور ملامسته، وتناثر الرماد من حوله بلا انقطاع.

“بشأن هذا…” قال الأمير الثاني بابتسامة محرجة، “أنا… لا أدري؟”

وأيّ جزء من جسده كانت تلتفّ حوله مجسّات، كان يوجّه إليه رأس السيف. وفي ثوانٍ قليلة، ترتجف المجسّات قليلًا، ثم تُفلِت قبضتها وتتحوّل إلى رماد.

كان يقطع مجسًّا بعد آخر.

وكالتموّجات على سطح البحيرة، كانت المجسّات تتحرّك مبتعدة، مرتجفة أمامه.

تاليس مسح بعينيه الشاحبتين الذابلتين على السلاح القاني في يده.

وبسرعة أكبر من ذي قبل، تراجعت عائدة إلى مصدرها.

ثبت تاليس بصره على الأرض، ولم يدع المجسّات الهادرة أمامه تشغله. كان يركض قدمًا دون توقّف.

لكن تاليس لم يكترث لشيء. كان يندفع وحده، رافعًا السيف.

لكنه تذكر أيضًا مكانته.

وفي اللحظة التالية، شعر بقدميه تهويان في الهواء.

ارتجف قلب تاليس. قبض على السيف الصغير وسقط جاثيًا بلا قوّة. عضّ شفته السفلى.

أصابه الذعر، وبدأ يسقط نحو الأرض!

في تلك اللحظة، بدا كحشرةٍ سقطت في شبكة عنكبوت، تقاوم وترتعش، لكنها لا تستسلم.

لكنه لم يتحطّم.

لكنها في النهاية…

ثوود!

لكن المشهد عاد يتكرّر في ذهنه.

تعالى صوت خافت.

تاليس مسح بعينيه الشاحبتين الذابلتين على السلاح القاني في يده.

وتفجّرت آلام في رأسه، كأنه اصطدم بجدار سميك.

استطاع الآن أن يميّز الأطراف المشوّهة بين المجسّات، وكلّها كانت إما منصهرة أو مكسورة.

لكنّ شيئًا ما أمسك به في اللحظة الأخيرة.

تراءت في عينيه نظرة آسدا العميقة، وابتسامة جيزا الرقيقة، وملامح الشقية الصغيرة الغارقة في الدموع.

“يكفي!”

عضّ تاليس على أسنانه.

دوّى صوت السيف الأسود البارد المتجافِي بجواره.

شعر تاليس بالإنهاك جسدًا وروحًا بعد نجاته. رفع نفسه عن الأرض وهو يصغي إلى الأصوات اللزجة للمجسّات خلفه، ورأى في ذهنه وجه الشقية الصغيرة العاجز حين سُحبت أخيرًا، فامتلأ قلبه بالغيظ.

ارتجف تاليس، ثم رفع رأسه.

ارتجف تاليس حين شعر بأن قوّة السحب توقفت فجأة.

كان وجه السيف الأسود متجهّمًا بعد أن تحرّر من محنته. قبض على معصم تاليس بإحكام، مانعًا السيف الأحمر الصغير من أن يقطع عنقه.

(يا صغيرة…)

“يكفي.” قالها ببرود، ثم أطلق ذراع تاليس والسيف معه.

(أرجوك.)

وعندها فقط تمكّن تاليس المرتجف من التقاط أنفاسه.

كان الصوت المروّع لطحن اللحم يجيء من كلّ صوب، قريبًا كان أو بعيدًا.

تلفّت حوله بعد نجاته، فرأى المجسّات تتراجع مهزومة. انسحبت متناثرة، وتمدّدت بلا حراك، وذبلت، أو اختفت في الظلام.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

كأن شيئًا مما مرّوا به لم يحدث.

تجهم تاليس. حدّق في السيف الأسود، ولم يعلم إن كان ينظر إليه بغضب أم بضيق.

لكن شخصًا واحدًا لم يكن بينهما.

وتفجّرت آلام في رأسه، كأنه اصطدم بجدار سميك.

ركض تاليس خطوتين مذهولًا. لم ير أمامه سوى جثث مبعثرة، ومجسّات ذابلة. لا شيء آخر.

كان الصوت المروّع لطحن اللحم يجيء من كلّ صوب، قريبًا كان أو بعيدًا.

“فات الأوان.” قال السيف الأسود وهو يحدّق في الظلام البعيد بنظرة حادّة، وصوته منهك قليلًا. “لن تلحق بها بعد الآن.”

قبضت أصابع الأمير على الشيء فورًا، وشعر بثقله!

ارتجف قلب تاليس. قبض على السيف الصغير وسقط جاثيًا بلا قوّة. عضّ شفته السفلى.

كان يقطع مجسًّا بعد آخر.

ثم ضغط بيده اليسرى على شيء تحته.

لكن قوّة طفلين كيف لها أن تغلب مجسّات الهيدرا؟

كان شيئًا صلبًا.

“ما علاقتك بذلك المكان؟” سأل السيف الأسود بجدية.

خفض تاليس رأسه، وارتجف.

كان أشبه بفريسة وقعت في شبكة عنكبوت؛ محاصَرًا بإحكام، عاجزًا عن الحركة.

كانت نظارة الشقية الصغيرة.

تعلّق تاليس بذراع السيف الأسود وهو يسعل بلا توقف.

تلك النظارة السوداء الإطار، التي لم تكن تناسبها.

لقد تركت مجسّات جيزا أثرًا لا يُنسى. وبمجرد أن شعر تاليس بملمسها الدافئ اللزج المشبع بالرطوبة، علم أنه لا يريد أن يشعر بذلك مرة أخرى ما دام حيًا.

أحد العدستين قد خُدشت.

تاليس مسح بعينيه الشاحبتين الذابلتين على السلاح القاني في يده.

ولكن صاحبتها…

قال السيف الأسود وهو يهزّ رأسه ويسوّي ملامحه بنبرة خافتة: “ألديك أي تفسيرات لهذا؟”

تألّم قلب تاليس رغمًا عنه.

وقبل أن ينطق، صرخ السيف الأسود وهو يلوّح بالسيف الأحمر الصغير وسط المجسّات الهائجة.

(يا صغيرة…)

تحطم!

لقد جرّها بعيدًا عن الملك نوڤين، وعن آسدا، وعن مجسّات جيزا.

وحين لمس السيف، ذكّره ذلك الاحتراق المتسلّل إلى جسده بتلك اللحظة حين خرجت الطاقة الصوفية عن السيطرة. ما الرابط بينهما؟

لكنها في النهاية…

لكن تاليس لم يكترث لشيء. كان يندفع وحده، رافعًا السيف.

وحين بلغت الفكرة ذهنه، شعر بأن حلقه ينغلق، وكأن صخرة ثقيلة تهبط فوق صدره.

“هيا بنا.” قال بنبرة ثابتة. “لنذهب لملاقاة تلك الأخت اللطيفة… ولنختبر حظنا.”

(لا.)

ثم تبعه فورًا صوت تمزّق اللحم يتعالى واحدًا بعد آخر.

التقط النظارة المحطمة وعضّ على شفته بعنف.

وفجأة خطرت بباله صورة غيلبرت ويودل، وكذلك جينيس.

لكن المشهد عاد يتكرّر في ذهنه.

وفي ضوء القمر، بدا الطرف القاني لامعًا، أخّاذًا.

اللحظة التي تشبّثت فيها الشقية الصغيرة بذراعه بقوة قبل أن تغمرها المجسّات ثم تسحبها وهي تصرخ.

نظر بسرعة إلى المجسّات الأخرى المقبلة من خلفهم، وكانت في ثوانٍ قليلة قد وصلت أمام عينيه!

(لا.)

تحوّل السيف الصغير.

جلس السيف الأسود وهو يمسك صدره، يترنّح قليلًا. وبصق دمًا على الأرض، ثم ما إن استعاد أنفاسه حتى رفع رأسه.

نظر إليه السيف الأسود، ثم ضحك فجأة: “كنت أعلم… أنت تعرف شيئًا.”

أغمض تاليس عينيه بإحكام، ثم خفضهما.

بانت الدهشة على وجهه وهو يلتفت في اتجاه نظرة السيف الأسود—الاتجاه الذي غادر إليه كيليكا. “تريد… البحث عن صوفية الدم؟”

وحين رأى السيف الأسود حالَه، زفر زفرة طويلة.

هذه المرة، أطال السيف الأسود النظر إليه قبل أن يفتح فمه ببطء.

“كنت أعرف. فعلتَ شيئًا…” قال وهو يحدّق في المجسّات السوداء الذابلة وقد تحوّلت إلى رماد. “السيف الصغير لا يستجيب إلا لك. ويبدو أن قدرته على تقييد الصوفيين لا تُفعَّل إلا بين يديك.”

وحين رأى السيف الأسود حالَه، زفر زفرة طويلة.

ارتجف تاليس وهو لا يزال غارقًا في حزنه الذي لا يُوصف.

وبجسدٍ مغطى بالندوب والكدمات، أظهر السيف الأسود سرعة لا تتوافق مع حالته البدنية. كان جسده يرتجف أحيانًا وهو يفلت من الالتفاف، ويتهرّب سريعًا من الهجمات ويقاتل بعناد ضد المجسّات المنطلقة من كل الجهات.

تاليس مسح بعينيه الشاحبتين الذابلتين على السلاح القاني في يده.

ثم بدأ يشدّها إلى الخلف!

قال السيف الأسود وهو يهزّ رأسه ويسوّي ملامحه بنبرة خافتة: “ألديك أي تفسيرات لهذا؟”

لم يُكمل السيف الأسود الحديث عن هذا الموضوع. بل حدّق في الأمير الشاب بنظرة ضاغطة. “إذن يا فتى، بوصفك أصغر مَن يحمل معدّة أسطورية مضادة للصوفيين في التاريخ… ما قرارك؟”

تجهم تاليس. حدّق في السيف الأسود، ولم يعلم إن كان ينظر إليه بغضب أم بضيق.

قطّب تاليس، ونظر إلى السيف الصغير في يده.

(ما زال يتساءل عن هذا؟)

وعندها فقط تمكّن تاليس المرتجف من التقاط أنفاسه.

لزم تاليس الصمت، ولم يتكلم إلا بعد لحظة طويلة.

دوّى صوت السيف الأسود البارد المتجافِي بجواره.

“تفسيرات؟” ضحك تاليس ببرودة ممزوجة بأسى عظيم. “ليذهب التفسير إلى الجحيم.”

كان يقطع مجسًّا بعد آخر.

لم يبالِ السيف الأسود بكلماته، بل اكتفى بالتحديق في وجهه.

ومن دون تردّد أو تفسير، جذب الصغيرة الشاحبة وجرى مندفِعًا في الاتجاه المعاكس للمجسّات، غير ملتفتٍ إلى أي شيء ممّا حدث.

وبعد ثوانٍ، نطق فجأة:

وبعد لحظة، ازدادت نبرته برودة: “ألا تدرك؟ لقد انتهى بها الحال هكذا بسببك.”

“الطموح الأزرق.”

(ما زال يتساءل عن هذا؟)

أجابه تاليس شاردًا: “ماذا؟”

انتهز أحد المجسّات الفرصة والتفّ حول عنق السيف الأسود ليخنقه حتى ارتجّ جسده.

“ما علاقتك بذلك المكان؟” سأل السيف الأسود بجدية.

“الطموح الأزرق.”

في تلك اللحظة، لم يشعر تاليس إلا بالغضب يكتنف صدره، ولم يُبدِ أي رغبة في الاعتراف بما قاله السيف الأسود، فردّ ببرود: “لا رابطة ملعونة تربطني به!”

دوّى زئير السيف الأسود المتأخر في أذنه.

طأطأ تاليس رأسه وعضّ بأسنانه.

وأيّ جزء من جسده كانت تلتفّ حوله مجسّات، كان يوجّه إليه رأس السيف. وفي ثوانٍ قليلة، ترتجف المجسّات قليلًا، ثم تُفلِت قبضتها وتتحوّل إلى رماد.

أغمض عينيه وحاول قدر استطاعته ألّا ينظر إلى الجثث الملقاة على جانبي الطريق، وقد شوّهتها المخالب حتى غدت لا تُعرَف.

“هذا السيف لا يكون ذا جدوى إلا في يدك.” حدّق السيف الأسود في عينيه. “وبما أن هذا السلاح في حوزتنا، فلابد أن نتحرك.”

لم يُجب السيف الأسود، بل مال إلى الجانب وقطّب حاجبيه وهو يحدّق في الظلام البعيد.

اشتدّ عبوس السيف الأسود.

وبعد لحظة، ازدادت نبرته برودة: “ألا تدرك؟ لقد انتهى بها الحال هكذا بسببك.”

رفع تاليس رأسه مرتجفًا، وبعينين دامعتين متلألئتين، نظر إلى السيف الأسود.

لامس أحد المجسّات وجهه، فغمره خَدَر مفاجئ. وامتدّ مجسّ آخر نحو يديه يصدر أصواتًا رطبة منفّرة.

“كل من هنا، بمن فيهم رامون، الملايين… ماتوا بسببك. أنت تعرف هذا جيدًا.” قال السيف الأسود دون أي مواربة. “ما شعورك؟”

تعالى صوت خافت.

تنفس تاليس بذهول، وعيناه شاردتان.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

“هذه هي الكارثة التي جرّتها تلك الوحوش علينا.” قال السيف الأسود بجفاء. “قبل اثني عشر عامًا، رأيت مأساة مشابهة. جثث في كل مكان، وركام لا ينتهي، ورفاق يُنتزعون مني، وأبرياء يُسحبون إلى الهاوية. لا مبالاة تلك الوحوش ونظراتها البغيضة جعلت الأمر كأن أحدًا لا يقع في مرمى أبصارهم…”

صار أحمرَ قانيًا متوهّجًا، كأنه عاد إلى الحياة—تمامًا كما حدث سابقًا.

“بالنسبة لتلك الوحوش، نحن مجرد حشرات تستطيع التفكير والكلام. وأمام هدفهم، حتى لو كان سخيفًا وغريبًا، فنحن لا شيء.”

طأطأ تاليس رأسه وعضّ بأسنانه.

عضّ تاليس على أسنانه وضاقت عيناه. “إلامَ تلمّح؟”

نسي تاليس أن يلتقط أنفاسه، التفّ نحو الخلف، ولم يرَ سوى السيف الأسود وقد غطّته المجسّات تقريبًا بالكامل. وما إن فجّر قوّة الإبادة مجددًا لينقذ تاليس، حتى بدأ يعاني ليفلت من قبضتها.

“الصوفيون دمّروا المدينة بأكملها. أنت وأنا… علينا تحمّل المسؤولية.” زفر السيف الأسود زفرة طويلة، وكأن جراحه تحسّنت قليلًا. “لذا علينا أن نفعل شيئًا… من أجل تلك الفتاة التي كانت بقربك، أليس كذلك؟”

عضّ على أسنانه، ثم بلا تفكير، صرخ: “وكيف لي أن أعرف؟! حين أمسكتُه كان لا يزال—”

شدّ تاليس قبضته حول النظارة ذات الإطار الأسود، وضبط أنفاسه.

“اسم السيف هو نصل التطهير.” حدّق تاليس في السيف وفي طرفه القاني، وومضة من العزم تلتمع في عينيه.

“تحتاج مساعدتي.” قال بثقة.

هذه المرة، أطال السيف الأسود النظر إليه قبل أن يفتح فمه ببطء.

أومأ السيف الأسود ببطء.

“ما علاقتك بذلك المكان؟” سأل السيف الأسود بجدية.

“هذا السيف لا يكون ذا جدوى إلا في يدك.” حدّق السيف الأسود في عينيه. “وبما أن هذا السلاح في حوزتنا، فلابد أن نتحرك.”

كان نصل السيف أحمر قانيًا، حتى إن لونه بدا شديد السطوع تحت ضوء القمر الشاحب.

“نعم، أحتاج مساعدتك.” كرر.

سقطت الدهشة على وجه تاليس، ثم خفض رأسه يتفحص نصل التطهير.

“وماذا تريد أن تفعل؟” عاد تنفس تاليس يضطرب، وبدت نبرته خاوية.

طنين!

هذه المرة، أطال السيف الأسود النظر إليه قبل أن يفتح فمه ببطء.

“يكفي!”

“انظر حولك. انظر إلى الخراب الذي خلّفوه…” نهض السيف الأسود من الأرض متمايلًا، وألقى بصره إلى الأفق. “ذلك الشيء ما يزال يعيث فسادًا حتى الآن… أظن أن مدينة سحب التنين عاجزة عن السيطرة على الوضع.”

ومع ذلك، لم يتوقف عن التلويح بالسيف الصغير. تارةً يقطع المجسّات الملتفّة على تاليس، وتارةً يجزّ تلك التي تحاول اعتراض طريقه.

ارتجف تاليس. وأخيرًا أدرك ما كان السيف الأسود يعنيه.

“حسنًا، سأذهب معك—”

“أنت تريد…”

كان وجه السيف الأسود متجهّمًا بعد أن تحرّر من محنته. قبض على معصم تاليس بإحكام، مانعًا السيف الأحمر الصغير من أن يقطع عنقه.

بانت الدهشة على وجهه وهو يلتفت في اتجاه نظرة السيف الأسود—الاتجاه الذي غادر إليه كيليكا. “تريد… البحث عن صوفية الدم؟”

ومن دون حماية آسدا، ومن دون أن يتصدّى لهم، وصل أول مجسّ إليهم بعد أربع أو خمس خطوات فحسب من ركضهم.

أومأ السيف الأسود. “نريد إنهاء كل شيء؛ وضع حد لكابوس المدينة. وإن حالفنا الحظ، قد ننقذ تلك الفتاة… إن لم تكن تلك المخلوقة قد التهمتها بعد.”

انتفض تاليس مفزوعًا. عاد إلى وعيه وارتخت قبضته دون قصد.

اشتدّ تنفس تاليس شيئًا فشيئًا.

(لا… لا!)

تابع السيف الأسود بصوت عميق: “إن لم نفعل، مادمتَ هنا ومادام ذلك الشيء هنا، فلن تنعم أنت ولا كل التعساء من حولك بأي سلام. حتى لو أنقذت الفتاة، فستقع في قبضة الوحش مجددًا، حتى ولو كان هذا السيف معك.”

“الطموح الأزرق.”

قطّب تاليس، ونظر إلى السيف الصغير في يده.

ومع ذلك، لم يتوقف عن التلويح بالسيف الصغير. تارةً يقطع المجسّات الملتفّة على تاليس، وتارةً يجزّ تلك التي تحاول اعتراض طريقه.

وبعد ثوانٍ، تمتم بصوت خافت: “نصل التطهير.”

تلك النظارة السوداء الإطار، التي لم تكن تناسبها.

“ماذا؟” عقد السيف الأسود حاجبيه.

لكن قبل أن يتم كلمته، قال السيف الأسود فجأة: “نصيحة واحدة.”

“اسم السيف هو نصل التطهير.” حدّق تاليس في السيف وفي طرفه القاني، وومضة من العزم تلتمع في عينيه.

“خصوصًا لمن ليسوا من الفئة الفائقة. فهؤلاء يعجزون عن فرض سيطرتهم الكاملة على المعدّات الأسطورية المضادة للصوفيين…” ارتفعت كلمات السيف الأسود في الهواء. “أما أنت…”

نظر إليه السيف الأسود، ثم ضحك فجأة: “كنت أعلم… أنت تعرف شيئًا.”

ولم يُتح لأحد أن يدرك ما يجري، إذ تحوّل بيتٌ قديم بالقرب منهم إلى غبار!

“ليس أكثر مما تعرفه أنت.” قال تاليس ببرود، بعينين فارغتين.

تابع السيف الأسود بصوت عميق: “إن لم نفعل، مادمتَ هنا ومادام ذلك الشيء هنا، فلن تنعم أنت ولا كل التعساء من حولك بأي سلام. حتى لو أنقذت الفتاة، فستقع في قبضة الوحش مجددًا، حتى ولو كان هذا السيف معك.”

لم يُكمل السيف الأسود الحديث عن هذا الموضوع. بل حدّق في الأمير الشاب بنظرة ضاغطة. “إذن يا فتى، بوصفك أصغر مَن يحمل معدّة أسطورية مضادة للصوفيين في التاريخ… ما قرارك؟”

لم يتوقف، بل اندفع بجنون إلى الأمام.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

أجابه تاليس شاردًا: “ماذا؟”

حدّق في نصل التطهير بين يديه.

في تلك اللحظة، بدا كحشرةٍ سقطت في شبكة عنكبوت، تقاوم وترتعش، لكنها لا تستسلم.

لم يسمع إلا عواء الريح الجليدية وصوت تلاطم الهيدرا.

ثوود!

تراءت في عينيه نظرة آسدا العميقة، وابتسامة جيزا الرقيقة، وملامح الشقية الصغيرة الغارقة في الدموع.

وعندها فقط تمكّن تاليس المرتجف من التقاط أنفاسه.

وترددت في أذنيه صرخات أبناء الشمال وهم يفرون بحياتهم.

لم يسمع إلا عواء الريح الجليدية وصوت تلاطم الهيدرا.

وفي تلك اللحظة، احتشد العزم في ملامحه.

“ماذا؟” عقد السيف الأسود حاجبيه.

“حسنًا، سأذهب معك—”

غوووف!

لكن قبل أن يتم كلمته، قال السيف الأسود فجأة: “نصيحة واحدة.”

(لا.)

تجمد تاليس للحظة.

انتهز أحد المجسّات الفرصة والتفّ حول عنق السيف الأسود ليخنقه حتى ارتجّ جسده.

“الاستخدام المفرط للمعدة الأسطورية المضادة للصوفيين سيضع عبئًا ثقيلًا على الجسد.” قال السيف الأسود بجفاء. “وإن عجزتَ عن السيطرة على قوتها، فسيكون الأمر خطرًا عليك.”

“فات الأوان.” قال السيف الأسود وهو يحدّق في الظلام البعيد بنظرة حادّة، وصوته منهك قليلًا. “لن تلحق بها بعد الآن.”

سقطت الدهشة على وجه تاليس، ثم خفض رأسه يتفحص نصل التطهير.

“انظرا بسرعة!”

وفي ضوء القمر، بدا الطرف القاني لامعًا، أخّاذًا.

وتفجّرت آلام في رأسه، كأنه اصطدم بجدار سميك.

“خطر؟” تمتم بحيرة.

وبعد ثوانٍ، تمتم بصوت خافت: “نصل التطهير.”

“خصوصًا لمن ليسوا من الفئة الفائقة. فهؤلاء يعجزون عن فرض سيطرتهم الكاملة على المعدّات الأسطورية المضادة للصوفيين…” ارتفعت كلمات السيف الأسود في الهواء. “أما أنت…”

أما هو، فقد كانت المجسّات تطبق عليه بإحكام.

“فعليك أن تفكر جيدًا.” جاءت نبرته قاسية لا تلين.

جلس السيف الأسود وهو يمسك صدره، يترنّح قليلًا. وبصق دمًا على الأرض، ثم ما إن استعاد أنفاسه حتى رفع رأسه.

عقد تاليس حاجبيه بقوة.

لكن المجسّات بدت أسرع وأقوى هذه المرة. اندفعت عبر الشوارع الملطّخة بالجثث، ناشرةً أصواتًا مقزّزة كالسحق أينما مرّت!

وفجأة خطرت بباله صورة غيلبرت ويودل، وكذلك جينيس.

(أهذا السيف كائن حي؟ إن كان كذلك، فلماذا لم يتفعّل في يد السيف الأسود قبل الآن؟ وإن لم يكن كذلك، فما ذاك الصوت… بدا وكأنه خرج من أذني… لا، بل من أعماق قلبي. لِمَ بدا شديد الشبه بما حدث مع كاهنة قاعة القمر الساطع حين كانت تتلو صلاتها؟)

تذكر نظراتهم… رغم أنه لم يرَ عيني يودل قط.

ولم يُتح لأحد أن يدرك ما يجري، إذ تحوّل بيتٌ قديم بالقرب منهم إلى غبار!

وتذكر قول غيلبرت له إن عليه حماية نفسه حين يداهمه البلاء.

هل التقى هذا الشيء—هذا العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين—من قبل؟

لكنه تذكر أيضًا مكانته.

جلس السيف الأسود وهو يمسك صدره، يترنّح قليلًا. وبصق دمًا على الأرض، ثم ما إن استعاد أنفاسه حتى رفع رأسه.

(أليس الثمن الذي أدفعه كل مرة أستخدم فيها طاقتي الصوفية كارثيًا أيضًا؟)

تراءت في عينيه نظرة آسدا العميقة، وابتسامة جيزا الرقيقة، وملامح الشقية الصغيرة الغارقة في الدموع.

(ثم… ) تذكر ابتسامة جيزا، ونظرتها الرقيقة الواثقة.

“تفسيرات؟” ضحك تاليس ببرودة ممزوجة بأسى عظيم. “ليذهب التفسير إلى الجحيم.”

لن تدعه يمضي.

(لا.)

“كنت تحاول إقناعي بالذهاب معك إلى الصوفي.” ضحك تاليس ببرود. “والآن تقول هذا؟”

“لا!”

“وما جوابك؟” رفع السيف الأسود حاجبيه قليلًا.

(نصل التطهير. أهذا هو اسمه؟)

تركّز بصر تاليس تدريجيًا.

لم يسمع إلا عواء الريح الجليدية وصوت تلاطم الهيدرا.

رفع رأسه وحدّق مباشرة في عيني السيف الأسود الحادتين.

ثوود!

ثم أومأ بثبات.

وسط صراعه الكامل مع المجسّات، مدّ تاليس يده بيأس نحو خنجر ج.ت.

“هيا بنا.” قال بنبرة ثابتة. “لنذهب لملاقاة تلك الأخت اللطيفة… ولنختبر حظنا.”

وسط هذا الكمّ الهائل من المجسّات، وقف السيف الأسود أمام تاليس، وعيناه تمتلئان بتصميم لا يتزعزع، يتنقّل بخفة لا تهدأ.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لن تدعه يمضي.

شعر تاليس بأن روحه تنتعش!

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط