Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سجلات الحروب البدائية 67

التدريب
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

التدريب

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وكان ذلك تدريبًا قاسيًا، ومَسْلكًا شاذًّا، يكفي ليحطّم أعصاب أيّ ضعيف الإرادة. فالإنسان إن صار متوترًا أكثر من اللازم، يصبح مهووسًا، ويتخيل الفخوخ في كل مكان.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

وحين انتهى شاو شوان من تفكيك كل شيء ودفن الفخوخ، جلس بجانب العجوز كي ينتظر تعليقاته.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

لم يهبط شاو شوان مباشرةً بعد أن تفادى الهجمة الأولى، بل أمسك بفرع صغير، ودحرج جسده بخفة، مستفيدًا من قوة ذلك الغصن كي يقفز فوق غصنٍ أكبر ممتدّ فوق الطريق، دون أن يلامس ورقة واحدة منه.

Arisu-san

الفصل 67 – التدريب

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 67 – التدريب

الفصل 67 – التدريب

ومن وضعه ذاك، لم يكن أحد ليعرف ما الذي ينوي فعله، لكن في اللحظة نفسها التي غيّر فيها هيئته، انطلقت إبرٌ حادّة من الجهة الأخرى من الطريق، وانحرفت عن جسده ببضعة سنتمترات فقط. كانت قد أُطلقت مع رؤوس السهام نفسها، لكن دون ضجيج. وبسبب الطنين الذي سبق من الجهة اليمنى، فإن أغلب الناس سيركّزون دفاعهم نحو تلك الجهة غريزيًا، متجاهلين الاغتيال الأشدّ خفاءً من الجهة المقابلة. ولو لم يلتوِ جسد شاو شوان تلك الالتواءة، لكانت الإبر قد أصابته بسهولة، حتى وإن نجا من السهام الحجرية.

***

وكان هذا تدريب شاو شوان اليومي: العجوز كي ينصب الفخوخ… وشاو شوان يجتازها.

على تلٍّ صغيرٍ قريبٍ من ساحة تدريب القبيلة، لم تكن الأشجار هناك سميكة الجذوع، لكنها كانت وفيرة العدد. أوراقٌ خضراء نضِرة غطّت كل الأغصان، والشجيرات والأعشاب القريبة كانت تنمو نموًّا جامحًا. في هذا الفصل من السنة، كانت النباتات في أوج ازدهارها.

كان العجوز كي يعلّم شاو شوان فنّ نصب الفخوخ، لكن طريقة التعليم تغيّرت بعد يومين فقط.

كان هناك ممرٌّ صغيرٌ من الحصى، وطريقٌ يطؤه الناس باستمرار. وعلى جانبيه، ارتفعت نباتات عاميّة إلى ارتفاع خصر الإنسان. أمّا أبعد قليلًا، فبوسع المرء أن يختبئ خلف الأغصان والأوراق دون أن يلحظه أحد.

كان شاو شوان يمسك بسيفٍ حجريٍّ طوله نصف ذراع، ويسير على ذلك الدرب الحجريّ الذي لا يبدو مختلفًا عن غيره.

كان شاو شوان يمسك بسيفٍ حجريٍّ طوله نصف ذراع، ويسير على ذلك الدرب الحجريّ الذي لا يبدو مختلفًا عن غيره.

لمع ظلٌّ رماديٌّ كالسيف.

هطلت الأمطار في اليوم السابق، فغُسلت الأتربة العالقة على العشب والأوراق، وانتشر في الهواء عبيرٌ خافت لزهور مجهولة.

وباختصار… كان شاو شوان هو الطريدة.

ومن بعيد، كانت تُسمَع دويّاتٌ عميقة تتردّد بين الجبال. تلك الجبال لم يكن فيها شيءٌ من الخضرة. وبالمقارنة معها، كانت تلك التلال القريبة أكثر هدوءًا بكثير، ولا يبدو أنّ ثمّة خطرًا فيها.

ورغم أن شاو شوان شعر أنّه يجرّ نفسه إلى العذاب، إلّا أنّه وافق على اتباع تعليمات العجوز كي، وأن يختبر القتلة الخفيّين المختبئين خلف الأغصان والحجارة والأوراق.

لكنّ شاو شوان قبض على السيف الحجري بإحكام، وبدت ملامحه شديدة الجديّة، ولم يجرؤ على أدنى تهاون.

وأمام تلك الفخوخ، إن لم تستطع كشفها وتحطيمها، فسوف تكون في خطرٍ حقيقيٍّ في ساحة الصيد.

كان العجوز كي يعلّم شاو شوان فنّ نصب الفخوخ، لكن طريقة التعليم تغيّرت بعد يومين فقط.

وعلى عكس الخبراء الذين يتحدث العجوز كي عنهم، لم يستطع شاو شوان بعد رؤية كل الفخوخ أو قطع روابطها في كل مرة. ومع سماعه تفسيرات العجوز كي اليومية، صار أحيانًا يتساءل: (هل أتعلم ببطء؟ هل أنا غبي؟)

وفق نظرية العجوز كي، إن أردتَ أن تصطاد دبًّا، فعليك أن تفكّر كما يفكّر الدبّ. وإن أردت افتراس وحش، فعليك أن تضع نفسك في موضعه. وبعبارة أخرى: إن أردت صنع فخٍّ كاملٍ قادرٍ على قتل أيّ مَن يدخله، فعليك أن تختبر بنفسك الأسرار العميقة الكامنة في كل فخ.

“لم أصل إلى تلك المرتبة، حتى في أفضل أيامي.”

وأمام تلك الفخوخ، إن لم تستطع كشفها وتحطيمها، فسوف تكون في خطرٍ حقيقيٍّ في ساحة الصيد.

هممم!

ورغم أن شاو شوان شعر أنّه يجرّ نفسه إلى العذاب، إلّا أنّه وافق على اتباع تعليمات العجوز كي، وأن يختبر القتلة الخفيّين المختبئين خلف الأغصان والحجارة والأوراق.

وحين هبط على الأرض، مدّ يده وأمسك بطرف غصنٍ يغير به مسار سقوطه. ثم أدار جسده في الهواء وهبط متدحرجًا، مبددًا أثر الصدمة. وفي الوقت نفسه، لمح بطرف عينه وتدًا حجريًّا سميكًا يهجم نحوه كالحربة.

وباختصار… كان شاو شوان هو الطريدة.

لم يعكس السيف الحجري ضوء الشمس، لكن وهو يشقّ الوتد الحجري، لمع نور رماديّ خافت وسط الغابة.

بدأ شاو شوان يسير في ذلك الدرب الحجريّ، والسيف في يده مُحكَم القبضة. ألقى نظرة على الطريق أمامه، ثم أسرع في مشيته، وقد ظهر التردّد لوهلةٍ في عينيه.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هممم!

هممم!

كان ذلك أشبه بصوت ارتجافٍ يصدر عن وترٍ رقيقٍ لوحشٍ ما.

وجاء الصوت من الجهة اليمنى للطريق، ومن الواضح أنّها أربعة أوتار على الأقل!

وعلى عكس الخبراء الذين يتحدث العجوز كي عنهم، لم يستطع شاو شوان بعد رؤية كل الفخوخ أو قطع روابطها في كل مرة. ومع سماعه تفسيرات العجوز كي اليومية، صار أحيانًا يتساءل: (هل أتعلم ببطء؟ هل أنا غبي؟)

لم يتوقّف شاو شوان، بل بدأ يعدو. دفع الأرض بقوة قدميه وقفز عاليًا في الهواء. وبحركةٍ سريعة لذراعه، لمع السيف يمينًا ويسارًا، وتعالى طَرقٌ متتالٍ: إنها أصوات تصادم رؤوس السهام الحجرية مع السيف الحجري. وقد تفادى شاو شوان سهمين، وصدّ آخرين. وفي اللحظة التي قفز فيها، التوى جسده بطريقة غريبة مضحكة؛ الرأس، والذراعان، والساقان، كلٌّ منها اتخذ اتجاهًا مختلفًا.

وعلى عكس الخبراء الذين يتحدث العجوز كي عنهم، لم يستطع شاو شوان بعد رؤية كل الفخوخ أو قطع روابطها في كل مرة. ومع سماعه تفسيرات العجوز كي اليومية، صار أحيانًا يتساءل: (هل أتعلم ببطء؟ هل أنا غبي؟)

ومن وضعه ذاك، لم يكن أحد ليعرف ما الذي ينوي فعله، لكن في اللحظة نفسها التي غيّر فيها هيئته، انطلقت إبرٌ حادّة من الجهة الأخرى من الطريق، وانحرفت عن جسده ببضعة سنتمترات فقط. كانت قد أُطلقت مع رؤوس السهام نفسها، لكن دون ضجيج. وبسبب الطنين الذي سبق من الجهة اليمنى، فإن أغلب الناس سيركّزون دفاعهم نحو تلك الجهة غريزيًا، متجاهلين الاغتيال الأشدّ خفاءً من الجهة المقابلة. ولو لم يلتوِ جسد شاو شوان تلك الالتواءة، لكانت الإبر قد أصابته بسهولة، حتى وإن نجا من السهام الحجرية.

لم يتوقّف شاو شوان، بل بدأ يعدو. دفع الأرض بقوة قدميه وقفز عاليًا في الهواء. وبحركةٍ سريعة لذراعه، لمع السيف يمينًا ويسارًا، وتعالى طَرقٌ متتالٍ: إنها أصوات تصادم رؤوس السهام الحجرية مع السيف الحجري. وقد تفادى شاو شوان سهمين، وصدّ آخرين. وفي اللحظة التي قفز فيها، التوى جسده بطريقة غريبة مضحكة؛ الرأس، والذراعان، والساقان، كلٌّ منها اتخذ اتجاهًا مختلفًا.

طق! طق! طق!

الفصل 67 – التدريب

غرست الإبر القاسية نفسها في جذع شجرةٍ مقابلة، واخترقت الخشب نصفه!

وكان هذا تدريب شاو شوان اليومي: العجوز كي ينصب الفخوخ… وشاو شوان يجتازها.

لم يهبط شاو شوان مباشرةً بعد أن تفادى الهجمة الأولى، بل أمسك بفرع صغير، ودحرج جسده بخفة، مستفيدًا من قوة ذلك الغصن كي يقفز فوق غصنٍ أكبر ممتدّ فوق الطريق، دون أن يلامس ورقة واحدة منه.

وجاء الصوت من الجهة اليمنى للطريق، ومن الواضح أنّها أربعة أوتار على الأقل!

وما إن هبط على الأرض حتى اندفع راكضًا. وبعد خطوة واحدة فقط، انغرس في الأرض سهمٌ حجريّ بسمك الإصبع في الموضع الذي كان يقف فيه قبل ثانية. تكررت المشاهد، إذ كانت رؤوس السهام تُدقّ الأرض تباعًا إثر خطواته، لكنّه لم يتوقف، ولم يتأثر بأيٍّ منها.

ومن بعيد، كانت تُسمَع دويّاتٌ عميقة تتردّد بين الجبال. تلك الجبال لم يكن فيها شيءٌ من الخضرة. وبالمقارنة معها، كانت تلك التلال القريبة أكثر هدوءًا بكثير، ولا يبدو أنّ ثمّة خطرًا فيها.

ولم يكن مسار جريه مستقيمًا، ولا كان يركض وفق أي إيقاعٍ مألوف.

وفي قفزة أخرى، ضغط بقدمه على فرعٍ قريب واندفع عاليًا مرة أخرى. وبين قفزتين متتاليتين، تفادى جميع السهام المنطلقة في الهواء. ثم حرّك معصمه، فاستقرّت خمس حصواتٍ صغيرة بين أصابعه، وانطلقت نحو الشجيرات أمامه. وفي اللحظة التالية، سُمعت فرقعة خشبٍ في الأدغال.

على تلٍّ صغيرٍ قريبٍ من ساحة تدريب القبيلة، لم تكن الأشجار هناك سميكة الجذوع، لكنها كانت وفيرة العدد. أوراقٌ خضراء نضِرة غطّت كل الأغصان، والشجيرات والأعشاب القريبة كانت تنمو نموًّا جامحًا. في هذا الفصل من السنة، كانت النباتات في أوج ازدهارها.

وحين هبط على الأرض، مدّ يده وأمسك بطرف غصنٍ يغير به مسار سقوطه. ثم أدار جسده في الهواء وهبط متدحرجًا، مبددًا أثر الصدمة. وفي الوقت نفسه، لمح بطرف عينه وتدًا حجريًّا سميكًا يهجم نحوه كالحربة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لمع ظلٌّ رماديٌّ كالسيف.

لم يكن معدنًا، لكن كلّ من رآه شعر بقسوة حدّه وبرودته القاتلة.

لم يعكس السيف الحجري ضوء الشمس، لكن وهو يشقّ الوتد الحجري، لمع نور رماديّ خافت وسط الغابة.

رفع شاو شوان رأسه نحو مكانٍ قريب وسأل:

لم يكن معدنًا، لكن كلّ من رآه شعر بقسوة حدّه وبرودته القاتلة.

ومن بعيد، كانت تُسمَع دويّاتٌ عميقة تتردّد بين الجبال. تلك الجبال لم يكن فيها شيءٌ من الخضرة. وبالمقارنة معها، كانت تلك التلال القريبة أكثر هدوءًا بكثير، ولا يبدو أنّ ثمّة خطرًا فيها.

ولم تمضِ سوى بضعة أنفاس منذ أن وطأت قدم شاو شوان الطريق.

ولما التفت إلى ما خلفه، رأى السهام الحجرية والإبر الخشبية والأوتاد، متناثرة مع أوتادٍ مرتجفة وأحجارٍ محطّمة. قبل دقيقة واحدة، لم يكن سوى دربٍ هادئٍ تحفّه الأعشاب.

وباختصار… كان شاو شوان هو الطريدة.

رفع شاو شوان رأسه نحو مكانٍ قريب وسأل:

“كيف كان أدائي؟”

“كيف كان أدائي؟”

كان ذلك أشبه بصوت ارتجافٍ يصدر عن وترٍ رقيقٍ لوحشٍ ما.

“سيئ.” قالها العجوز كي بوجهٍ جامد، وهو جالس على صخرة.

الفصل 67 – التدريب

مسح شاو شوان رأسه: “وأنا أشعر بالأمر نفسه.”

لم يهبط شاو شوان مباشرةً بعد أن تفادى الهجمة الأولى، بل أمسك بفرع صغير، ودحرج جسده بخفة، مستفيدًا من قوة ذلك الغصن كي يقفز فوق غصنٍ أكبر ممتدّ فوق الطريق، دون أن يلامس ورقة واحدة منه.

لم يحتج العجوز كي للكلام أكثر؛ أعاد شاو شوان تفكيك كل الفخوخ، سواء التي أُطلقت أو التي بقيت خاملة. كان عليه أن يزيلها كلّها لئلا يعرض أبناء القبيلة للخطر. وبعض الحفر الصغيرة في الأرض لم يكن يلحظها الناس عادة.

وما إن هبط على الأرض حتى اندفع راكضًا. وبعد خطوة واحدة فقط، انغرس في الأرض سهمٌ حجريّ بسمك الإصبع في الموضع الذي كان يقف فيه قبل ثانية. تكررت المشاهد، إذ كانت رؤوس السهام تُدقّ الأرض تباعًا إثر خطواته، لكنّه لم يتوقف، ولم يتأثر بأيٍّ منها.

وكان هذا تدريب شاو شوان اليومي: العجوز كي ينصب الفخوخ… وشاو شوان يجتازها.

على تلٍّ صغيرٍ قريبٍ من ساحة تدريب القبيلة، لم تكن الأشجار هناك سميكة الجذوع، لكنها كانت وفيرة العدد. أوراقٌ خضراء نضِرة غطّت كل الأغصان، والشجيرات والأعشاب القريبة كانت تنمو نموًّا جامحًا. في هذا الفصل من السنة، كانت النباتات في أوج ازدهارها.

وكان ذلك تدريبًا قاسيًا، ومَسْلكًا شاذًّا، يكفي ليحطّم أعصاب أيّ ضعيف الإرادة. فالإنسان إن صار متوترًا أكثر من اللازم، يصبح مهووسًا، ويتخيل الفخوخ في كل مكان.

والواقع أنّ شاو شوان شعر بذلك فعلًا في أول يومين؛ فعندما يعود للقبيلة، كان يختلج كلما سمع صوتًا طفيفًا. كان الأمر مبالغًا فيه، لكنه تعافى بعد ذلك.

ولم يكن مسار جريه مستقيمًا، ولا كان يركض وفق أي إيقاعٍ مألوف.

تنفّس العجوز كي بارتياح وهو ينظر إلى شاو شوان المشغول بتفكيك الفخوخ. في البدء، كان قلقًا من أنّ أسلوبه العنيف قد ينعكس سلبًا على الصبي. وقد خطط لإرشاده بعد خمسة أيام. لكن على غير توقع، كان شاو شوان قد تأقلم تمامًا قبل أن يفعل شيئًا!

“لم أصل إلى تلك المرتبة، حتى في أفضل أيامي.”

في البداية، كان شاو شوان يصاب كثيرًا، لكنه سرعان ما صار يتفادى كلّ الفخوخ بصعوبة، ثم بلا إصابات، ثم صار يتقن قطع بعض الروابط بين الفخوخ المترابطة… وكل ذلك حدث خلال نصف شهر!

وفي قفزة أخرى، ضغط بقدمه على فرعٍ قريب واندفع عاليًا مرة أخرى. وبين قفزتين متتاليتين، تفادى جميع السهام المنطلقة في الهواء. ثم حرّك معصمه، فاستقرّت خمس حصواتٍ صغيرة بين أصابعه، وانطلقت نحو الشجيرات أمامه. وفي اللحظة التالية، سُمعت فرقعة خشبٍ في الأدغال.

لقد تجاوز كل تصوّرات العجوز كي، لكنّه خشي أن يصيبه الغرور، فظلّ يتعمّد العبوس، ويوجّه أقسى النقد عند أدنى خطأ.

ومن وضعه ذاك، لم يكن أحد ليعرف ما الذي ينوي فعله، لكن في اللحظة نفسها التي غيّر فيها هيئته، انطلقت إبرٌ حادّة من الجهة الأخرى من الطريق، وانحرفت عن جسده ببضعة سنتمترات فقط. كانت قد أُطلقت مع رؤوس السهام نفسها، لكن دون ضجيج. وبسبب الطنين الذي سبق من الجهة اليمنى، فإن أغلب الناس سيركّزون دفاعهم نحو تلك الجهة غريزيًا، متجاهلين الاغتيال الأشدّ خفاءً من الجهة المقابلة. ولو لم يلتوِ جسد شاو شوان تلك الالتواءة، لكانت الإبر قد أصابته بسهولة، حتى وإن نجا من السهام الحجرية.

وحين انتهى شاو شوان من تفكيك كل شيء ودفن الفخوخ، جلس بجانب العجوز كي ينتظر تعليقاته.

لم يتوقّف شاو شوان، بل بدأ يعدو. دفع الأرض بقوة قدميه وقفز عاليًا في الهواء. وبحركةٍ سريعة لذراعه، لمع السيف يمينًا ويسارًا، وتعالى طَرقٌ متتالٍ: إنها أصوات تصادم رؤوس السهام الحجرية مع السيف الحجري. وقد تفادى شاو شوان سهمين، وصدّ آخرين. وفي اللحظة التي قفز فيها، التوى جسده بطريقة غريبة مضحكة؛ الرأس، والذراعان، والساقان، كلٌّ منها اتخذ اتجاهًا مختلفًا.

وفي رأي العجوز كي، أسوأ طريقة لمواجهة فخٍّ هي مواجهته مباشرة. فإذا كان بالإمكان تفاديه، فلماذا يخاطر الإنسان بنفسه؟

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وبرأيه، الخبراء الحقيقيون هم أولئك الذين يعثرون على نقطة الكسر فورًا، فيفكّكون سلسلة الفخوخ بأقل جهد. والأعظم منهم من يجعل فخوخ العدو نفسها تعمل لصالحه!

على تلٍّ صغيرٍ قريبٍ من ساحة تدريب القبيلة، لم تكن الأشجار هناك سميكة الجذوع، لكنها كانت وفيرة العدد. أوراقٌ خضراء نضِرة غطّت كل الأغصان، والشجيرات والأعشاب القريبة كانت تنمو نموًّا جامحًا. في هذا الفصل من السنة، كانت النباتات في أوج ازدهارها.

وما يسمّى “هزيمة الخصم دون قتال” يشير إلى ذلك المعنى نفسه. لكن شاو شوان ما يزال أمامه طريق طويل.

لم يهبط شاو شوان مباشرةً بعد أن تفادى الهجمة الأولى، بل أمسك بفرع صغير، ودحرج جسده بخفة، مستفيدًا من قوة ذلك الغصن كي يقفز فوق غصنٍ أكبر ممتدّ فوق الطريق، دون أن يلامس ورقة واحدة منه.

وعلى عكس الخبراء الذين يتحدث العجوز كي عنهم، لم يستطع شاو شوان بعد رؤية كل الفخوخ أو قطع روابطها في كل مرة. ومع سماعه تفسيرات العجوز كي اليومية، صار أحيانًا يتساءل: (هل أتعلم ببطء؟ هل أنا غبي؟)

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ولو علم العجوز كي بما يدور في ذهنه، لجنّ جنونه—فغيره لا يبلغ هذا المستوى بعد مئةٍ وخمسين يومًا، بينما هو يتمنى أن ينجز أسرع؟!

وما إن هبط على الأرض حتى اندفع راكضًا. وبعد خطوة واحدة فقط، انغرس في الأرض سهمٌ حجريّ بسمك الإصبع في الموضع الذي كان يقف فيه قبل ثانية. تكررت المشاهد، إذ كانت رؤوس السهام تُدقّ الأرض تباعًا إثر خطواته، لكنّه لم يتوقف، ولم يتأثر بأيٍّ منها.

وما كان لدى العجوز كي من مهارات، بعضها منسوب إلى أجيالٍ قبله. بعضهم كان محافظًا في فن الفخوخ، وبعضهم كان أكثر خبثًا وقسوة. لكنهم جميعًا اتفقوا على أمر واحد: اختيار التلميذ المناسب، وتمرير العلم إلى الجيل التالي.

وحين هبط على الأرض، مدّ يده وأمسك بطرف غصنٍ يغير به مسار سقوطه. ثم أدار جسده في الهواء وهبط متدحرجًا، مبددًا أثر الصدمة. وفي الوقت نفسه، لمح بطرف عينه وتدًا حجريًّا سميكًا يهجم نحوه كالحربة.

رفع العجوز كي رأسه نحو السماء، وتذكّر أيامه: “في أيامي، مررت بكل ما تمرّ به الآن… لكنني فعلته أفضل.”

في البداية، كان شاو شوان يصاب كثيرًا، لكنه سرعان ما صار يتفادى كلّ الفخوخ بصعوبة، ثم بلا إصابات، ثم صار يتقن قطع بعض الروابط بين الفخوخ المترابطة… وكل ذلك حدث خلال نصف شهر!

قال شاو شوان: “كنتَ مذهلًا.”

ولو علم العجوز كي بما يدور في ذهنه، لجنّ جنونه—فغيره لا يبلغ هذا المستوى بعد مئةٍ وخمسين يومًا، بينما هو يتمنى أن ينجز أسرع؟!

ولم يتعمّد الابتعاد عن ذكر مسألة ساق العجوز المفقودة، إذ إن ذلك جرح كبرياءه. ما دام العجوز نفسه قد تجاوز الأمر، فلا حاجة لغيره أن يتصنّع الشفقة. فالعجوز كي لا يحتاجها.

وعلى عكس الخبراء الذين يتحدث العجوز كي عنهم، لم يستطع شاو شوان بعد رؤية كل الفخوخ أو قطع روابطها في كل مرة. ومع سماعه تفسيرات العجوز كي اليومية، صار أحيانًا يتساءل: (هل أتعلم ببطء؟ هل أنا غبي؟)

سأل شاو شوان: “كم استغرق منك أن تصبح خبيرًا مطلقًا؟”

أجاب العجوز كي.

وما كان لدى العجوز كي من مهارات، بعضها منسوب إلى أجيالٍ قبله. بعضهم كان محافظًا في فن الفخوخ، وبعضهم كان أكثر خبثًا وقسوة. لكنهم جميعًا اتفقوا على أمر واحد: اختيار التلميذ المناسب، وتمرير العلم إلى الجيل التالي.

“لم أصل إلى تلك المرتبة، حتى في أفضل أيامي.”

لقد تجاوز كل تصوّرات العجوز كي، لكنّه خشي أن يصيبه الغرور، فظلّ يتعمّد العبوس، ويوجّه أقسى النقد عند أدنى خطأ.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 67 – التدريب

ولم يتعمّد الابتعاد عن ذكر مسألة ساق العجوز المفقودة، إذ إن ذلك جرح كبرياءه. ما دام العجوز نفسه قد تجاوز الأمر، فلا حاجة لغيره أن يتصنّع الشفقة. فالعجوز كي لا يحتاجها.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط