الكلب الصالح يكون عيني الصياد وأذنيه
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
نظر تا بنفس الاتجاه، فإذا بالذئب المعلّم بعلامة الشامان يركض صاعدًا الجبل. كان يركض ببهجة طفولية لا تليق بذئبٍ قط! بدا سخيفًا مقارنةً بذئاب الغابة!
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
Arisu-san
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
إذ كان يتوق لرؤية المشهد المنقوش على جدار كهف الأيتام ينبض بالحياة مجددًا. لكن بما أنّ أحدهم غطّاه بمسحوق الحجر عمدًا، فقد اختار ألّا يكشف ذلك بسهولة. وقبل مغادرته الكهف، كان قد نشر طبقة من مسحوق الحجر على اللوحة، بينما كان الآخرون يصطادون السمك. وأغلق النافذة الحجرية أيضًا؛ ولم يلحظ أحد شيئًا.
Arisu-san
ولم يكن تا يرى في سيزر أي قيمة. وفي رأيه كان من الأفضل ذبحه وتقديم لحمه للقبيلة، فهو لا يزيد إلا استهلاكًا للطعام. وكلما فكّر في ذلك، ازداد استياءً من خيارات شاو شوان. ولولا طلبه بركة الأسلاف، لما سمح بانضمام هذا الشاب إلى المجموعة المتقدمة حتى لو أصبح محاربًا متوسطًا ممتازًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم يكن بينهما وُدّ. فوقت أن كان العجوز كي في ذروة قوته، لم يكن تا سوى محارب شاب، كما هو حال ماو اليوم. وعندما ترك العجوز كي فريق الصيد، لم يكن تا سوى قائد مجموعة صغيرة. لكن العجوز كي سمع من رفاق قدامى أنّ تا لا يُعير مهارة نصب الفخاخ أي اهتمام؛ بل ازداد إهماله لها بمرور السنين. وحتى في المجموعة المتقدمة، لم يكن سوى قلّة يعرفون شيئًا بسيطًا عنها، ولا يوجد بينهم خبير واحد.
الفصل 68 – الكلب الصالح يكون عيني الصياد وأذنيه
أفرغ شاو شوان بضع ثمار من الكيس، ثم أعاده إلى جيبه، وابتسم: “هناك قولٌ يقول إنّ الكلب الجيّد يكون عيني الصياد وأذنيه. أحاول تدريب سيزر ليصبح كلبًا جيدًا. ربما يعيننا في مهمات الصيد لاحقًا.”
كان جميع السكان في منطقة سفح الجبل يعلمون أنّ العجوز كي لم يعُد يتولّى أيّ عمل في صناعة الأدوات الحجرية. لم يكن الناس يعرفون ما الذي يفعله طوال اليوم، غير أنّه كلّ صباح، كان يجلس على ظهر الذئب، وعصاه في حضنه، ولا يعود إلى بيته إلا في ساعة متأخرة من الليل…
وبينما كان تا والعجوز كي يحدّقان أحدهما في الآخر بشيء من العداء، عاد شاو شوان من تأملاته، وقال: “هاه؟”
ومع أنّ العجوز كي لم يعد يحتاج ليتبادل شيئًا مقابل الطعام، فإنّ صيد شاو شوان كان يفيض عن حاجتهما معًا. وفي قول شاو شوان، إنّه “يدفع رسوم التعليم” باللحم، ولم يرفض العجوز كي عرضه بعد أن فكّر فيه مليًّا.
“الكلب… ذئبٌ مُدرّب.”
شخصٌ يضع الفخاخ، والآخر يبذل جهده في تحطيمها. وبرغم أنّ العجوز كي كان مرهقًا هذه الأيام، إلا أنّ مزاجه كان حسنًا، إذ وجد أخيرًا فرصة ليُمارس ويُظهر كلّ ما تعلّمه منذ رحيله عن فريق الصيد. وبرغم أنّ مهارته لم تعد كما كانت في ذروة شبابه، إلا أنّها كانت كافية لتنفع شاو شوان.
في الأصل، كان تا يعتزم ضمّ شاو شوان إلى المجموعة المتقدمة—خطوة يُجرّب فيها حظّه. فقد ظنّ أنّ الشاب المبارك من الأسلاف سيجلب الحظ لفريقه. فلو انضمّ شاو شوان لمجموعته، لارتفعت فرص نجاح الصيد، واتسعت الغنائم.
وكان العجوز كي يضحك في سرّه كلّما رأى شاو شوان يُجلد بتلك الفخاخ والحبال يومًا بعد يوم. ففي شبابه، كان يُجلَد بالطريقة ذاتها. لكنه لم يكن موهوبًا مثل شاو شوان، واستغرقت “تجربته” تلك وقتًا أطول بكثير—إلى حدّ أنّه حتى الآن يرفض تذكّر تلك الأيام. ولهذا، فقد استغلّ كل دقيقة ليُطيل على شاو شوان ذلك “الشعور الغامض”.
ومع كون قائدي الفريقين مرشحين لمنصب الزعيم، فقد كانت المنافسة بينهما محتدمة. ورؤية الفريق الآخر يتفوّق لفترة طويلة جعلت تا قلقًا. ومع حدوث معجزة الأسلاف، صارت عينه على شاو شوان، الذي كان مقاربًا لسنّ ابنه.
وكان العجوز كي يعلم يقينًا أنّ شاو شوان شديد الموهبة. وربما بعد مدة، لن تعود أيٌّ من فخاخه قادرة على إيقافه. ولو كان في ذروة قوته، لكان قادرًا أن “يجلده” لوقت أطول.
إذ كان يتوق لرؤية المشهد المنقوش على جدار كهف الأيتام ينبض بالحياة مجددًا. لكن بما أنّ أحدهم غطّاه بمسحوق الحجر عمدًا، فقد اختار ألّا يكشف ذلك بسهولة. وقبل مغادرته الكهف، كان قد نشر طبقة من مسحوق الحجر على اللوحة، بينما كان الآخرون يصطادون السمك. وأغلق النافذة الحجرية أيضًا؛ ولم يلحظ أحد شيئًا.
“آه…” تنفّس العجوز كي بفتور، غير أنّ الحزن لم يكن كما اعتاد أن يكون.
فقد ركض سيزر نحوه فرحًا، يحمل في فمه كيسًا صغيرًا من جلد الحيوان. وضعه أمام شاو شوان وجلس ينتظر الثناء.
“عمّا تتنهّد؟” صعد شاو شوان الجبل، وجهه مغطّى بالطين، وجلس إلى جانب العجوز كي. فقد صنع هذا اليوم عدة فخاخ متقدمة، وحين حاول شاو شوان تفادي السهم القصير المنطلق من بين الأدغال، تلقّى كرة من الطين مباشرة في وجهه. وكأنّ ذلك الطين كان يعلم أنّه سيمرّ في تلك اللحظة، وكان ينتظره فحسب. وبما أن الوقت كان ضيقًا ولم يسعه أن يتفاداه، اضطرّ لأن يستقبله بوجهه. فماذا لو لم يكن طينًا بل شيئًا أشدّ خطرًا؟
وعلى الرغم من أنّ الفريق كان يجلب الكثير من الوحوش المفترسة—حسبما يرى الناس—إلا أنّ الحقيقة أنّهم لم ينجزوا كثيرًا من مهامهم. ونتائجهم كانت أدنى من نتائج الفريق الآخر.
شاو شوان شعر بأنّ أمامه الكثير ليتعلّمه.
وبينما كان تا والعجوز كي يحدّقان أحدهما في الآخر بشيء من العداء، عاد شاو شوان من تأملاته، وقال: “هاه؟”
فبالنسبة لمن يكون مطاردًا، لا يُعدّ خبيرًا إلا إن استطاع رؤية مختلف الفخاخ من النظرة الأولى. أمّا الذي يكون صيادًا، فلا يكون خبيرًا إلا إن استطاع نصب فخّ يضمن به القتل.
شاو شوان شعر بأنّ أمامه الكثير ليتعلّمه.
ومع ذلك، فقد كان الكثير في القبيلة يرون أنّ تعلّم تلك المهارة لا فائدة منه تقريبًا. من يملك وقتًا لينصب فخاخًا أثناء الصيد؟ فالجميع يقاتل بعنف وقوة مباشرة!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
غير أنّ شاو شوان كان يشعر في نفسه أنّه ربما ستعود تلك المهارة بنفع عظيم فيما بعد.
فأجابه شاو شوان بهمهمة قصيرة “همم”، ولم يُفصح أكثر.
وكان العجوز كي يُطلق انتقاداته القاسية على حركات شاو شوان، ثم يراقبه ليرى ردّ فعله. ورآه يُمعن النظر في منطقة الفخاخ وهو يفكّر، فشعر بالارتياح. فلم يُظهر شاو شوان ضيقًا ولا نفورًا من توبيخه.
وبينما كان تا والعجوز كي يحدّقان أحدهما في الآخر بشيء من العداء، عاد شاو شوان من تأملاته، وقال: “هاه؟”
وبرغم أنّ العجوز كي كان ينتقد بعنف، إلا أنّه في أعماقه كان يخشى أن يتبرّم الفتى منه. فمن النادر أن يجد موهبة شابة يحمل إليها مهارات حياته. ولو انسحب شاو شوان في منتصف الطريق، لكان العجوز كي سيبصق دماً من صدره.
أما شاو شوان فلم يهتم بنظرات الغير، إذ كان سعيدًا بتقدم سيزر في تدريبه.
…
Arisu-san
كان العجوز كي قد أخبر شاو شوان أنّه في شبابه أدّى بصورة أفضل، ولكن فقط لأنّ تدريبه استمرّ لأكثر من مئة يوم. أمّا شاو شوان، فقد مضت عليه أقلّ من عشرين يومًا… أقلّ من عشرين يومًا…
ومع اقتراب رحلة الصيد التالية، كان تا يعتزم التشاور مع الشامان خلال الأيام القادمة لطلب السماح باستثناءٍ نادر. أمّا الزعيم… فهو والده، ولا شكّ أنّه سيقف في صفّه، فلا عقبة هناك.
كان شاو شوان ما يزال يسترجع ملاحظات العجوز كي، ويقارنها بحركاته، حين شعر العجوز كي بشيء، فرفع بصره نحو جهة في الجبل. لم يكن هناك أحد قبل دقيقة، ولكن الآن يقف شخصٌ هناك.
لم يكن بينهما وُدّ. فوقت أن كان العجوز كي في ذروة قوته، لم يكن تا سوى محارب شاب، كما هو حال ماو اليوم. وعندما ترك العجوز كي فريق الصيد، لم يكن تا سوى قائد مجموعة صغيرة. لكن العجوز كي سمع من رفاق قدامى أنّ تا لا يُعير مهارة نصب الفخاخ أي اهتمام؛ بل ازداد إهماله لها بمرور السنين. وحتى في المجموعة المتقدمة، لم يكن سوى قلّة يعرفون شيئًا بسيطًا عنها، ولا يوجد بينهم خبير واحد.
لقد كان “تا”، قائد فريق الصيد الذي ينتمي إليه شاو شوان، وهو الابن الشرعي لزعيم القبيلة، وأحد قلائل محاربي الطوطم من الدرجة العليا، ومرشحًا لمنصب الزعيم القادم.
وبرغم أنه لا يوجد قانون يمنع انضمام المحاربين حديثي الاستيقاظ إلى المجموعة المتقدمة، إلا أنّ اختيارهم كان دائمًا يقع على المحاربين الأكبر سنًا، ممن لديهم خبرة كافية ليحافظوا على حياتهم في المهمات. ولم يكن هناك أي سابقة لانضمام محارب مستيقظ حديثًا إلى تلك المجموعة.
وقد عرفه العجوز كي بنظرة واحدة.
أفرغ شاو شوان بضع ثمار من الكيس، ثم أعاده إلى جيبه، وابتسم: “هناك قولٌ يقول إنّ الكلب الجيّد يكون عيني الصياد وأذنيه. أحاول تدريب سيزر ليصبح كلبًا جيدًا. ربما يعيننا في مهمات الصيد لاحقًا.”
لم يكن بينهما وُدّ. فوقت أن كان العجوز كي في ذروة قوته، لم يكن تا سوى محارب شاب، كما هو حال ماو اليوم. وعندما ترك العجوز كي فريق الصيد، لم يكن تا سوى قائد مجموعة صغيرة. لكن العجوز كي سمع من رفاق قدامى أنّ تا لا يُعير مهارة نصب الفخاخ أي اهتمام؛ بل ازداد إهماله لها بمرور السنين. وحتى في المجموعة المتقدمة، لم يكن سوى قلّة يعرفون شيئًا بسيطًا عنها، ولا يوجد بينهم خبير واحد.
نظر تا بنفس الاتجاه، فإذا بالذئب المعلّم بعلامة الشامان يركض صاعدًا الجبل. كان يركض ببهجة طفولية لا تليق بذئبٍ قط! بدا سخيفًا مقارنةً بذئاب الغابة!
وبطبيعة الحال، لم يكن العجوز كي يحمل له أي تقدير.
ولم يُخبر أحدًا عن ذلك التقدم، وطلب من كيكي وتوو ألا يتفوهوا به.
وكذلك، لم يكن تا ينظر إليه بعين الصداقة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
في الأصل، كان تا يعتزم ضمّ شاو شوان إلى المجموعة المتقدمة—خطوة يُجرّب فيها حظّه. فقد ظنّ أنّ الشاب المبارك من الأسلاف سيجلب الحظ لفريقه. فلو انضمّ شاو شوان لمجموعته، لارتفعت فرص نجاح الصيد، واتسعت الغنائم.
“عمّا تتنهّد؟” صعد شاو شوان الجبل، وجهه مغطّى بالطين، وجلس إلى جانب العجوز كي. فقد صنع هذا اليوم عدة فخاخ متقدمة، وحين حاول شاو شوان تفادي السهم القصير المنطلق من بين الأدغال، تلقّى كرة من الطين مباشرة في وجهه. وكأنّ ذلك الطين كان يعلم أنّه سيمرّ في تلك اللحظة، وكان ينتظره فحسب. وبما أن الوقت كان ضيقًا ولم يسعه أن يتفاداه، اضطرّ لأن يستقبله بوجهه. فماذا لو لم يكن طينًا بل شيئًا أشدّ خطرًا؟
وعلى الرغم من أنّ الفريق كان يجلب الكثير من الوحوش المفترسة—حسبما يرى الناس—إلا أنّ الحقيقة أنّهم لم ينجزوا كثيرًا من مهامهم. ونتائجهم كانت أدنى من نتائج الفريق الآخر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومع كون قائدي الفريقين مرشحين لمنصب الزعيم، فقد كانت المنافسة بينهما محتدمة. ورؤية الفريق الآخر يتفوّق لفترة طويلة جعلت تا قلقًا. ومع حدوث معجزة الأسلاف، صارت عينه على شاو شوان، الذي كان مقاربًا لسنّ ابنه.
شخصٌ يضع الفخاخ، والآخر يبذل جهده في تحطيمها. وبرغم أنّ العجوز كي كان مرهقًا هذه الأيام، إلا أنّ مزاجه كان حسنًا، إذ وجد أخيرًا فرصة ليُمارس ويُظهر كلّ ما تعلّمه منذ رحيله عن فريق الصيد. وبرغم أنّ مهارته لم تعد كما كانت في ذروة شبابه، إلا أنّها كانت كافية لتنفع شاو شوان.
وقد سمع بتفاصيل عن مهمة الصيد السابقة، وكلّما عرف أكثر، ازداد إعجابه بالفتى. كان يتخيّله في البداية مجرد شاب أقوى بقليل من ابنه، يملك قدرة نظر ليلي أفضل وحظًا طيبًا. لكن بعد الاختبار الذي أجراه كيكي، اكتشف أنّ تقدّم الفتى سريع، ربما لهذا كان الشامان يُفضّله؟
كان تا على وشك المغادرة بخيبة، لكنه توقّف عند سماع ذلك، وأصغى.
ولم يُخبر أحدًا عن ذلك التقدم، وطلب من كيكي وتوو ألا يتفوهوا به.
“الكلب… ذئبٌ مُدرّب.”
وبرغم أنه لا يوجد قانون يمنع انضمام المحاربين حديثي الاستيقاظ إلى المجموعة المتقدمة، إلا أنّ اختيارهم كان دائمًا يقع على المحاربين الأكبر سنًا، ممن لديهم خبرة كافية ليحافظوا على حياتهم في المهمات. ولم يكن هناك أي سابقة لانضمام محارب مستيقظ حديثًا إلى تلك المجموعة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومع اقتراب رحلة الصيد التالية، كان تا يعتزم التشاور مع الشامان خلال الأيام القادمة لطلب السماح باستثناءٍ نادر. أمّا الزعيم… فهو والده، ولا شكّ أنّه سيقف في صفّه، فلا عقبة هناك.
أفرغ شاو شوان بضع ثمار من الكيس، ثم أعاده إلى جيبه، وابتسم: “هناك قولٌ يقول إنّ الكلب الجيّد يكون عيني الصياد وأذنيه. أحاول تدريب سيزر ليصبح كلبًا جيدًا. ربما يعيننا في مهمات الصيد لاحقًا.”
وكان قد سمع أنّ شاو شوان يتدرّب هنا، فجاء ليراه. فلم يجد إلا أنّ الفتى يتعلم نصب الفخاخ على يد شيخٍ متقاعد من فريق الصيد! يا لضياع الموهبة! يا لخيبة الأمل!
Arisu-san
وبينما كان تا والعجوز كي يحدّقان أحدهما في الآخر بشيء من العداء، عاد شاو شوان من تأملاته، وقال: “هاه؟”
“كلب؟”
نظر تا بنفس الاتجاه، فإذا بالذئب المعلّم بعلامة الشامان يركض صاعدًا الجبل. كان يركض ببهجة طفولية لا تليق بذئبٍ قط! بدا سخيفًا مقارنةً بذئاب الغابة!
كان شاو شوان يدرب سيزر على العثور على الأشياء بالرائحة. بدأ بالثياب، ثم العظام، ثم الثمار. والآن يريد تدريبه على العثور على شيءٍ برائحة أضعف.
ولم يكن تا يرى في سيزر أي قيمة. وفي رأيه كان من الأفضل ذبحه وتقديم لحمه للقبيلة، فهو لا يزيد إلا استهلاكًا للطعام. وكلما فكّر في ذلك، ازداد استياءً من خيارات شاو شوان. ولولا طلبه بركة الأسلاف، لما سمح بانضمام هذا الشاب إلى المجموعة المتقدمة حتى لو أصبح محاربًا متوسطًا ممتازًا.
“آه…” تنفّس العجوز كي بفتور، غير أنّ الحزن لم يكن كما اعتاد أن يكون.
أما شاو شوان فلم يهتم بنظرات الغير، إذ كان سعيدًا بتقدم سيزر في تدريبه.
وبرغم أنّ العجوز كي كان ينتقد بعنف، إلا أنّه في أعماقه كان يخشى أن يتبرّم الفتى منه. فمن النادر أن يجد موهبة شابة يحمل إليها مهارات حياته. ولو انسحب شاو شوان في منتصف الطريق، لكان العجوز كي سيبصق دماً من صدره.
فقد ركض سيزر نحوه فرحًا، يحمل في فمه كيسًا صغيرًا من جلد الحيوان. وضعه أمام شاو شوان وجلس ينتظر الثناء.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“عمل رائع!” أثنى عليه شاو شوان بسخاء، وقذفه بقطعة لحم كان قد حضّرها مكافأة لإتمام المهمة.
“آه…” تنفّس العجوز كي بفتور، غير أنّ الحزن لم يكن كما اعتاد أن يكون.
“ما الذي تفعله يا آ-شوان؟” سأل العجوز كي بفضول.
ومع ذلك، فقد كان الكثير في القبيلة يرون أنّ تعلّم تلك المهارة لا فائدة منه تقريبًا. من يملك وقتًا لينصب فخاخًا أثناء الصيد؟ فالجميع يقاتل بعنف وقوة مباشرة!
أفرغ شاو شوان بضع ثمار من الكيس، ثم أعاده إلى جيبه، وابتسم: “هناك قولٌ يقول إنّ الكلب الجيّد يكون عيني الصياد وأذنيه. أحاول تدريب سيزر ليصبح كلبًا جيدًا. ربما يعيننا في مهمات الصيد لاحقًا.”
شاو شوان شعر بأنّ أمامه الكثير ليتعلّمه.
كان تا على وشك المغادرة بخيبة، لكنه توقّف عند سماع ذلك، وأصغى.
فأجابه شاو شوان بهمهمة قصيرة “همم”، ولم يُفصح أكثر.
“كلب جيّد؟” استغرب العجوز كي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“حتى أخبث ثعلب لا يفلت من أنف كلبٍ مدرّب.” قال شاو شوان.
لم يكن بينهما وُدّ. فوقت أن كان العجوز كي في ذروة قوته، لم يكن تا سوى محارب شاب، كما هو حال ماو اليوم. وعندما ترك العجوز كي فريق الصيد، لم يكن تا سوى قائد مجموعة صغيرة. لكن العجوز كي سمع من رفاق قدامى أنّ تا لا يُعير مهارة نصب الفخاخ أي اهتمام؛ بل ازداد إهماله لها بمرور السنين. وحتى في المجموعة المتقدمة، لم يكن سوى قلّة يعرفون شيئًا بسيطًا عنها، ولا يوجد بينهم خبير واحد.
“كلب؟”
وقد عرفه العجوز كي بنظرة واحدة.
وكان تا منصتًا أيضًا، وقد استهواه الحديث عن الاستفادة من حاسة الشمّ لدى الذئاب.
وكان العجوز كي يضحك في سرّه كلّما رأى شاو شوان يُجلد بتلك الفخاخ والحبال يومًا بعد يوم. ففي شبابه، كان يُجلَد بالطريقة ذاتها. لكنه لم يكن موهوبًا مثل شاو شوان، واستغرقت “تجربته” تلك وقتًا أطول بكثير—إلى حدّ أنّه حتى الآن يرفض تذكّر تلك الأيام. ولهذا، فقد استغلّ كل دقيقة ليُطيل على شاو شوان ذلك “الشعور الغامض”.
“الكلب… ذئبٌ مُدرّب.”
“الذئاب تملك أنفًا حادًا.” قالها شاو شوان مبتسمًا.
كان شاو شوان يدرب سيزر على العثور على الأشياء بالرائحة. بدأ بالثياب، ثم العظام، ثم الثمار. والآن يريد تدريبه على العثور على شيءٍ برائحة أضعف.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“الذئاب تملك أنفًا حادًا.” قالها شاو شوان مبتسمًا.
كان تا على وشك المغادرة بخيبة، لكنه توقّف عند سماع ذلك، وأصغى.
“هل علّمك الشامان هذا؟ طريقة جيدة.” قال العجوز كي بلا اهتمام كبير.
“الذئاب تملك أنفًا حادًا.” قالها شاو شوان مبتسمًا.
فأجابه شاو شوان بهمهمة قصيرة “همم”، ولم يُفصح أكثر.
كان شاو شوان ما يزال يسترجع ملاحظات العجوز كي، ويقارنها بحركاته، حين شعر العجوز كي بشيء، فرفع بصره نحو جهة في الجبل. لم يكن هناك أحد قبل دقيقة، ولكن الآن يقف شخصٌ هناك.
إذ كان يتوق لرؤية المشهد المنقوش على جدار كهف الأيتام ينبض بالحياة مجددًا. لكن بما أنّ أحدهم غطّاه بمسحوق الحجر عمدًا، فقد اختار ألّا يكشف ذلك بسهولة. وقبل مغادرته الكهف، كان قد نشر طبقة من مسحوق الحجر على اللوحة، بينما كان الآخرون يصطادون السمك. وأغلق النافذة الحجرية أيضًا؛ ولم يلحظ أحد شيئًا.
كان تا على وشك المغادرة بخيبة، لكنه توقّف عند سماع ذلك، وأصغى.
ولمّا فرغوا من الراحة واستعدّوا للعودة إلى البيت، ألقى شاو شوان نظرة إلى حيث كان يقف تا، ثم ابتسم بسخرية خفيفة، قبل أن يحمل صندوق أدوات العجوز كي ويرحل برفقته.
كان جميع السكان في منطقة سفح الجبل يعلمون أنّ العجوز كي لم يعُد يتولّى أيّ عمل في صناعة الأدوات الحجرية. لم يكن الناس يعرفون ما الذي يفعله طوال اليوم، غير أنّه كلّ صباح، كان يجلس على ظهر الذئب، وعصاه في حضنه، ولا يعود إلى بيته إلا في ساعة متأخرة من الليل…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان جميع السكان في منطقة سفح الجبل يعلمون أنّ العجوز كي لم يعُد يتولّى أيّ عمل في صناعة الأدوات الحجرية. لم يكن الناس يعرفون ما الذي يفعله طوال اليوم، غير أنّه كلّ صباح، كان يجلس على ظهر الذئب، وعصاه في حضنه، ولا يعود إلى بيته إلا في ساعة متأخرة من الليل…
كان تا على وشك المغادرة بخيبة، لكنه توقّف عند سماع ذلك، وأصغى.
