▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 87 – بركة الشامان
في صباح اليوم التالي، صعد شاو شوان الجبل وهو يحمل كيس الجلد الحيواني. كان يظن أنّ من الأفضل أن يُعلِم الشامان بأنه احتفظ بالطائر.
كان كيس الجلد يحتوي على تشاتشا. ذلك الصغير اعتاد أن يُحمل داخل الكيس كثيرًا، حتى أصبح هادئًا تمامًا بداخله.
كان السكان في قمة الجبل يعرفون شاو شوان جيدًا، وبعضهم كان يحيّيه حين يراه، فيردّ عليهم بابتسامة، سواء كانوا من فريق تا للصيد أو من الفريق الآخر.
“لقد جئت.”
كان الشامان جالسًا داخل الغرفة الحجرية، ينتظر شاو شوان. اتّسعت ابتسامته حين رآه يدخل، وانفرجت التجاعيد على وجهه العجوز.
لم يكن كل الناس يحظون بمعاملة لطيفة من الشامان، فكيف بفتى في سن شاو شوان؛ كان يكاد يكون الوحيد من أبناء جيله الذي يُعامل بهذه الوداعة.
لم تكن هناك حاجة لكلمات إضافية، فدخل شاو شوان وجلس على حصيرة القش.
“تشريب!”
حين جلس شاو شوان، صدرت من تشاتشا صرخة مكتومة من داخل كيس الجلد. لعلّه شعر بالغربة عن البيئة من حوله، وما إن لامس الكيس حصيرة القش حتى أطلق تلك الصرخة القلقة.
منذ أن دخل شاو شوان، كان الشامان يرمق كيس الجلد بين الحين والآخر. ومع ظهور الصوت، اختفت ابتسامته وحلّ مكانها تعبير حائر.
مدّ شاو شوان يده وأخرج تشاتشا من كيس الجلد.
كان تشاتشا قد كبر كثيرًا مقارنة بيوم فقسه، حتى إن شاو شوان بالكاد يستطيع حمله بيد واحدة.
“هذا…؟” حدّق الشامان في الفرخ الصغير بين يدي شاو شوان.
“إنه من بيضة الطائر التي جلبتها في المرة الماضية.” روى شاو شوان القصة باختصار. “أفكّر في تدريبه كتجربة. بما أنني أستطيع تدريب سيزر، فأظن أنني أستطيع فعل الأمر نفسه مع تشاتشا.”
ظل الشامان صامتًا، “…”
ولما رآه متحيّرًا، أسرع شاو شوان يضيف: “أعني أنني أستطيع تدريب سيزر ليكون كلب صيد، فربما أستطيع تدريب تشاتشا ليكون صقرًا. قال العجوز كي إن تشاتشا ربما يكون حيوانًا مفترسًا شرسًا، وأريد أن أجرب تدريبه. قد يكون مفيدًا أثناء الصيد. وحتى إن لم يكن للصيد، فيمكنه مراقبة القبيلة وتحذيرنا من السماء إن اقترب خطر.”
خفض الشامان بصره وسأل بهدوءه المعتاد: “وماذا لو فشلت؟”
“سأقتله.” قالها شاو شوان دون تردد، فقد عاش ما يكفي ليعرف قواعد هذا المكان.
فكل ما لا ينضبط إمّا يُقتل وإمّا يُترك ليهلك. وغالبًا يختار أهل القبيلة القتل، فهو أسرع وأوضح، وأبعد عن التردد. لا عواطف دقيقة هنا، بل أفعال خشنة ووحشية.
“حسنٌ.” عاد الشامان يبتسم، وكانت ابتسامته هذه المرة أوسع من تلك التي استقبله بها، وكأنه في غاية السرور.
“دعني أراه عن قرب.”
مدّ شاو شوان ذراعه، رافعًا تشاتشا نحو وجه الشامان ليراه جيدًا. وفي الوقت نفسه جهّز يده الأخرى لصدّ أي نية من تشاتشا للعضّ. فالشامان واحد من أعلى شخصين منزلة في القبيلة، بل إن مكانته تفوق مكانة الزعيم نفسه. لم يكن شاو شوان ليدع تشاتشا يؤذيه، وإلا لتمّ سلخه حيًا.
لكنّ تشاتشا فاجأه بهدوئه غير المعتاد. فمنذ فقسه لم يكن يومًا بهذه الطاعة. عدا صرخته الأولى، بقي ساكنًا، لا يهاجم ولا ينقر.
تأمّل الشامان الفرخ المكسوّ بالزغب، فيما كان تشاتشا يحدّق فيه أيضًا بصمت.
بعد وقت قصير، رفع الشامان يده الشاحبة كقشرة الشجر، وأخذ صفيحة حجرية صغيرة من الطاولة القصيرة. كانت الصفيحة تحمل مساحيق سوداء. غمس إصبعيه فيها، ثم فركهما بإبهامه، وأغلق قبضته نصف إغلاق دون الإبهام، ثم مدّها أمام تشاتشا.
طرق الشامان رأس تشاتشا بطرف إبهامه طرقًا خفيفًا، لكن بقعة سوداء واضحة صبغت زغبه الرمادي البني. ولم يتحرّك تشاتشا، وظل ساكنًا يحدّق بالشامان، مما أدهش شاو شوان. ذلك الشيء لم يهدأ يومًا منذ ولادته.
مهما كان سبب فعل الشامان، فقد عرف شاو شوان أنه منح موافقته. وهذا يعني أنّ وجود تشاتشا في القبيلة أصبح مسموحًا رسميًا. بل بعد هذه “البركة”، لن يجرؤ أحد على إيذائه، مهما كان مزعجًا. أقصى ما يمكن فعله هو تركه.
ولم يتوقف الشامان عند هذا الحد، بل أخذ صفيحة منقوشة وناولها لشاو شوان. كانت الصفيحة نفسها التي منحها لسيزر من قبل، ما يعني أنها لتشاتشا الآن.
بل إن هذا بمثابة ضمان مزدوج لتشاتشا!
تفاجأ شاو شوان. فهو مجرد طائر عاد به كـ”غذاء محتمل”، ومع ذلك نال هذا الاهتمام الكبير! إلا إذا كان الشامان قادرًا على توقّع المستقبل ورأى ما سيكون عليه هذا الطائر.
لكن حين يختار الشامان الغموض، فلن ينتزع أحد كلمة منه. ولا أحد يجرؤ أصلًا.
كان رجلًا عجوزًا بقدمٍ في القبر، لكنه قادر دائمًا على إيقاظ الهيبة في النفوس.
أعاد شاو شوان تشاتشا إلى كيس الجلد، ثم انحنى بامتنان للشامان. فبركته ستجعل حياة تشاتشا أسهل في القبيلة.
وبعد أن انتهى أمر الطائر، تحدث الشامان بشأن أمور جديّة، وسأل شاو شوان عن تجربته في الغابة الخضراء أثناء مهمة الصيد. شاركه شاو شوان بعض التفاصيل، ولم يكتم الكثير هذه المرة، بل ذكر أنه لمح ظلال لص الغابة بصعوبة.
كان شاو شوان يعلم أنه لن يستطيع إخفاء قدرته الخاصة طويلًا، فحياته كلها ستكون هنا. لم يكن يثق بأحد، وخصوصًا بعد تا؛ فلم يكن غبيًا ليلقي ثقته كلها على الزعيم. وإن صار تا هو الزعيم يومًا، فقد يصعّب الأمور على شاو شوان. ولم يكن هذا تفكيرًا سوداويًا، بل حقيقة شعر بها خلال مهمة الصيد—لم يكن الانسجام بينهما جيدًا. وفي القبيلة، لا حقّ ولا باطل، بل كلمة القائد فقط. إن قال إنك مخطئ، فأنت مخطئ.
بعد مراقبته، قرر شاو شوان أن يثق بالشامان أكثر، فهو القائد الروحي للقبيلة. ورغم أن القبيلة معزولة ولا تتطور بسرعة، إلا أنها ليست منحرفة ولا مدمّرة، وذلك بفضل سلسلة من الشامانات عبر الأجيال. لذا ظن أن الشامان التالي لن يكون سيئًا.
قرر كشف سره تدريجيًا ليكون الشامان مهيّئًا للحقيقة حين يحين الوقت.
بعد أن أنصت الشامان بصمت، ناوله حزمتين من الأعشاب المختلطة دون أن يسأل شيئًا:
“إحداها للمعافاة، والأخرى ممزوجة بلص الغابة. استخدمهما قريبًا، لا تُبقِ الأعشاب الممزوجة باللص طويلًا.”
وضع شاو شوان الحزمتين بحذر، ثم سمع الشامان يسأله:
“مع من ستذهب في رحلة الصيد القادمة؟”
“كنت سآتي لأخبرك… أريد الذهاب مع مجموعة العم ماي في مهمة الصيد القادمة.”
لم يشطب تا اسم شاو شوان من قائمة المجموعة المتقدّمة، فقد يبدو أنه راغب في أخذه معهم مرة أخرى. لكن شاو شوان هو من رفض، مفضّلًا الذهاب مع مجموعة ماي ليحصل على فرص أفضل للتدرّب فعلًا. أما مع المجموعة المتقدّمة، فلن يستطيع مجاراة سرعتهم، ولن يستطيع حل كل المشاكل بفخّ واحد. وربما يظن تا أنه ناكر للجميل، فيكرهه أكثر.
لكن… فما المشكلة؟
لم يرد شاو شوان أن يكون في المجموعة المتقدّمة كتميمة. ولا أن يكون مجرد متفرج بعيد حين يبدأ الصيد الحقيقي.
“حسنًا، فهمت.” قال الشامان وهو يومئ.
ازداد اطمئنان شاو شوان، فتا يرتجف أمام الشامان، ولا يجرؤ على مخالفة قراراته، وكذلك والده آو، زعيم القبيلة.
حين همّ شاو شوان بالرحيل، انحنى مرة أخرى. كلما عرف أكثر عن القبيلة، ازداد اقتناعًا بأن هذا الرجل العجوز يستحق الاحترام، بلا علاقة بأي غسل أدمغة أو غيره.
وفي طريق نزوله، ذهب إلى منزلي ماي ولانغ غا ليسألهم هل واجهوا شيئًا مشابهًا عند أكلهم لبيض الطيور. لكن الإجابة كانت لا. كانت البيوض التي أكلوها عادية تمامًا؛ وتشاتشا كان حالة فريدة.
“أنت… أنت فقست بيضة!!” صُدم لانغ غا.
لم يجد شاو شوان ما يردّ به، لكنه شعر أنّ الأمر محرج أكثر منه مُلفتًا.
اقترب لانغ غا وسحب كيس الجلد لينظر إلى الداخل، بل مدّ يده ليُخرج تشاتشا ويفحصه، وهو يعرف أنّه أصبح تحت بركة الشامان.
لكن ما إن دخلت يده، حتى نقره تشاتشا نقرًا قويًا.
ولولا جلده السميك وقدرة طوطمه، لنزف دمًا.
“يا له من طائر شرس! أفضل من سيزر!” بدا أنّ لانغ غا وكيكي يشتركان في نفس معايير التقييم.
فمعظم أهل القبيلة يحكمون على الحيوانات بالمقياس نفسه: كلما ازداد شراسة، كان أفضل، وكان قتله أكثر مجدًا.
“أوه، بالمناسبة يا آ-شوان، عليك تفقد كوخك حين تعود. موسم الرطوبة على الأبواب. كوخك جديد هذا العام، لكن من الأفضل التحقق منه. وخذ كمية إضافية من الحطب الجاف.”
موسم الرطوبة؟
تذكّر شاو شوان هذا الوقت من العام الماضي. أجل، موسم الرطوبة كان على وشك الوصول.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
