Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 187

انقضاء الليل، وبزوغ النهار

انقضاء الليل، وبزوغ النهار

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

قطّب تاليس حاجبيه بقلق يسير.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

تنهد وأغمض عينيه.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

لكن هذه المرّة، وهو يحدّق بالبطل الأسطوري الذي “رقص مع التنين”، لم يستطع إلا أن ترتفع زاوية شفتيه بسخرية، دون أن يبقى على وجهه أثر للجدية.

Arisu-san

اتّكأ الأمير للخلف، ونظر نحو جرف السماء القريب، إلى تمثال رايكارو المهيب وهو يمسك بحربته، مراقبًا المدينة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وبينما كان الحارس يتحمّل ألم جرحه، دفع بكل قوّته نحو الأمام، وهو يزمجر:

الفصل 187: انقضاء الليل، وبزوغ النهار

رأى جسمًا كرويًا يتدحرج إلى قدميه، يتمايل قليلًا.

الآرك الرابع: دم التنين

رفع الملك رأسه وحدّق في التمثال العالي فوقه. “بل المجد الذي سطع على أبطال الماضي… ذاك الذي فقدناه منذ زمن طويل.”

***

ولدى قوله هذا، أطلق الملك نوڤين ضحكة مشوبة بامتعاض. ازدادت تجاعيد وجهه عمقًا. “أوه نعم، وهناك أمير من خصومنا يتجوّل في الشارع مع حفيدتي في منتصف الليل.”

انقضت الليلة الطويلة. وظهر ضوء خافت في السماء الشرقية.

رمشت الشقية الصغيرة ولمست نظّارتها بقلق.

بعد نجاته من الكارثة، اتّكأ تاليس بضعف على جدار منهار، متفاديًا الثلج المتساقط القليل. رفع رأسه نحو السماء بفتور، وتتابعت أحداث ليلة الأمس أمام عينيه، مشهدًا بعد آخر.

ظل تاليس واقفًا في مكانه، يحدّق بذهول في ظهر المُغتال وهو يبتعد.

الإرهاق والتعب والجوع عذبوا جسده وروحه، حتى إن كل خلية فيه كانت تحتجّ على إرهاقه لنفسه.

اندفعت الدماء من جرح المُغتال.

النسيم البارد والحصى الحادة تحت مؤخرته منحاه إحساسًا غريبًا بالألفة. وجعله ذلك يفكّر بأيامه في الأخوية؛ أيام صراعه مع كوايد بشجاعته ودهائه، والكلاب الضالّة، و”الخراف السمينة”، أو أطفال المنازل الأخرى.

كان حرس الملك أسرع منه بكثير. فبعد أن خاضوا حروبًا عديدة، شعروا غريزيًا بأنّ أمرًا ما يحدث، ورفعوا رؤوسهم منذ زمن.

أطلق ضحكة لا إرادية.

“أسرعوا!”

مترنّحًا ومرهقًا، تثاءب تاليس بعينين نصف مغمضتين، تثاؤبًا غير لائق. ثم أدار رأسه بكسل، موجّهًا نظره نحو الشقية الصغيرة التي كانت تتكئ على الجدار أيضًا.

(ماذا؟)

كانت تلك الصغيرة، المذهولة المتّسخة، تمسك النظّارة ذات الإطار الأسود بيديها، وعلامات التوتر والارتباك تعلو وجهها. لم يستطع تاليس إلا أن يقطّب حاجبيه.

“طنين! رنين! شق!”

“لا تقلقي، فقط ارتديها.” تمتم تاليس بخمول، “لو كانت تضايقها حقًا، لابتلعتك.”

“أسرعوا!”

(لماذا كانت ستمازحك بنفخةٍ من أنفاسها؟)

الإرهاق والتعب والجوع عذبوا جسده وروحه، حتى إن كل خلية فيه كانت تحتجّ على إرهاقه لنفسه.

التفتت الشقية الصغيرة بتردّد، وكأنها على وشك البكاء، وألقت نظرة عاجزة نحو تاليس.

فتح تاليس عينيه. وكتم كل همومه، ثم ابتسم لها ابتسامة مطمئنة.

حدّقت بعينيها المنتفختين المُحمرّتين. كان وجهها الصغير ملطخًا بالقذارة، وشعرها الأشقر البلاتيني مغطّى ببقع سوداء وبيضاء.

حدّق الملك نوڤين فيه ثلاث ثوانٍ كاملة دون أن ينطق. ثم ارتسم على وجهه تعبير عميق الدلالة، وتكلّم بلهجة غامضة تُجبر السامع على التفكير فيما وراءها. “أتدري، لقد فكّرت في كلماتك لاحقًا.”

وجد تاليس المنظر مضحكًا.

تقاطع خنجرَا المُغتال فورًا، وانزلقا عبر آخر حارسٍ كان يحجب الطريق أمام تاليس.

شهقت الشقية الصغيرة وضمت شفتيها وهي تقول بصوت خافت: “لكن… لكن…”

وجّه الحارس ضربة أخرى بسيفه ذي المقبض الأبيض، ورسم جرحًا جديدًا فوق كتف المُغتال.

تنهد تاليس. وبينما كانت الشقية لا تزال تهمهم بعبارات “لكن” بقلق، مدّ يده وانتزع النظّارة من يدها.

ولدى قوله هذا، أطلق الملك نوڤين ضحكة مشوبة بامتعاض. ازدادت تجاعيد وجهه عمقًا. “أوه نعم، وهناك أمير من خصومنا يتجوّل في الشارع مع حفيدتي في منتصف الليل.”

“آه! مهلاً.” فزعت الشقية قليلًا، مائلة بجسدها، ومدّت يدًا متوترة نحوه. “إيّاك أن تسقطها…”

“لقد فقدتُ كامل منطقة الدرع.” قطّب الملك نوڤين جبينه وتقدّم بخطوات واسعة نحو عارضة بيتٍ منهار، يتفحص الدمار بنظرة قاتمة. “عدد السكان الذين تمّ إجلاؤهم لا يصل حتى إلى ثلث سكان المقاطعة… أمّا المناطق الأخرى فليست متضررة بهذا السوء…”

لكن، قبل أن تتمكّن من فعل شيء، فتح تاليس إطار النظّارة ووضعها بسرعة على وجهها.

ظهر جمع من الرجال يحملون المشاعل ومصابيح أبدية.

اهتزّ وجه الشقية قليلًا بين يديه، ولم تتفاعل إلا عندما انزلقت أصابعه خلف أذنيها وثبّتت ذراعي الإطار. فتحت الشقية عينيها الضيقتين خلف عدستي الإطار الأسود.

تنهد وأغمض عينيه.

حدّقت في تاليس بذهول، عاجزة عن التفاعل، حتى عندما ربّت على شعرها المبعثر كما لو كان يداعب هِرّة صغيرة.

“طلبات النبلاء المتصنعين لإعفاءات ضريبية باسم الإغاثة، بينما غايتهم جمع الثروة؛ الشكوك والمخاوف المتنامية بين التوابع والجيش؛ محاولات الآرشيدوقات لاستغلال الحادثة؛ المعبد، ودول أخرى سترسل مبعوثيها للتقصي، والجواسيس الأجانب سيبدأون بالتخفّي.”

“حسنًا.” زفر تاليس براحة، رافعًا حاجبيه. “إن جاءت تلك السيدة للمطالبة بالنظّارة يومًا ما، قولي لها إن تاليس جيدستار الشرير هو من أجبرك على ارتدائها.”

“لقد صنعنا عداوة معهم قبل وصولنا إلى إكستيدت. الأمر له علاقة بامرأة من عشيرة الدم تُدعى سيرينا من عائلة كورليوني.” رفع تاليس ذقنه، وبلا تردد سلّم تلك المرأة الطموحة، الماكرة، السامّة إلى الملك العجوز. “يبدو أن الكارثة كانت تستخدمها لهدف ما. ربما هم يكرهون مملكتينا وعائلتينا الملكيتين؟”

رمشت الشقية الصغيرة، مطبقة شفتيها الصغيرة. حاولت قول شيء مرارًا، لكنها استسلمت أخيرًا، وحدّقت فيه باستسلام.

الفصل 187: انقضاء الليل، وبزوغ النهار

انفجر تاليس ضاحكًا.

“لقد صنعنا عداوة معهم قبل وصولنا إلى إكستيدت. الأمر له علاقة بامرأة من عشيرة الدم تُدعى سيرينا من عائلة كورليوني.” رفع تاليس ذقنه، وبلا تردد سلّم تلك المرأة الطموحة، الماكرة، السامّة إلى الملك العجوز. “يبدو أن الكارثة كانت تستخدمها لهدف ما. ربما هم يكرهون مملكتينا وعائلتينا الملكيتين؟”

وعندما رأته، لم تستطع الشقية — وقد تأثرت بالأجواء — إلا أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها بعد بضع ثوانٍ. “قد تأتي للبحث عنك في الكوكبة…”

“لا تفزعوا!” ارتفع صوت الملك نوڤين واضحًا جليًا. “أرسلوا إشارة—”

ضحك تاليس بينما فكّر في نفسه: (حقًا… سيكون أمرًا رائعًا إن عادت ملكة السماء لأجلي).

دفع أحد الحراس تاليس خطوة إلى الخلف.

كانت كلمات التنين العظيم الأخيرة قد أقلقته كثيرًا. واتّشح وجهه بالقتامة عندما تذكّرها.

وبزغ أول خيطٍ باهت من الضوء في السماء الشرقية. انتهت ليلتهم… وكان النهار على وشك البزوغ.

(اسم تنّيني، أهو كذلك؟ لغة التنّين…)

“وعلى صعيد آخر، لديّ أربعة آرشيدوقات يختبئون في قصر الروح البطولية، ينتظرون فرصة ليضحكوا على ملكهم المُنتخَب.”

تنهد وأغمض عينيه.

الفصل 187: انقضاء الليل، وبزوغ النهار

(يا أبي، كيسل… ما الذي اقترفتَه في شبابك الجاهل؟)

تلاشت “خطيئة نهر الجحيم”، وعاد مجرى الزمن إلى حاله الطبيعي.

رمشت الشقية الصغيرة، وقد أحسّت بمشاعره. أمسكت بمعصم تاليس، مقلّدة ما فعله معها سابقًا.

مترنّحًا ومرهقًا، تثاءب تاليس بعينين نصف مغمضتين، تثاؤبًا غير لائق. ثم أدار رأسه بكسل، موجّهًا نظره نحو الشقية الصغيرة التي كانت تتكئ على الجدار أيضًا.

حاولت أن تبدو جادة قدر استطاعتها. “لا بأس؛ لقد انتهى الأمر.”

حدّقت في تاليس بذهول، عاجزة عن التفاعل، حتى عندما ربّت على شعرها المبعثر كما لو كان يداعب هِرّة صغيرة.

فتح تاليس عينيه. وكتم كل همومه، ثم ابتسم لها ابتسامة مطمئنة.

(ماذا؟)

اتّكأ الأمير للخلف، ونظر نحو جرف السماء القريب، إلى تمثال رايكارو المهيب وهو يمسك بحربته، مراقبًا المدينة.

حدّق الملك نوڤين فيه دون أن ينطق بكلمة. وفي تلك اللحظة، ظنّ تاليس أن هيبة نوڤين السابع مشبعةٌ بالحزن والإرهاق.

لكن هذه المرّة، وهو يحدّق بالبطل الأسطوري الذي “رقص مع التنين”، لم يستطع إلا أن ترتفع زاوية شفتيه بسخرية، دون أن يبقى على وجهه أثر للجدية.

استنفر أحد حرّاس النصل الأبيض فورًا، واستلّ سيفه صارخًا بغضب: “ليست صخرة! إنّه—”

(فارس التنين. هه.)

“ولعلّ هذه الهالة المتألّقة هي ما شيّد إكستيدت. تلك الهالة التي دفعت التنين إلى اتّباعه طواعية.” ثم اسودّ تعبير الملك نوڤين. “وهي نفسها التي جعلت التنين لا يلتفت إلى أحفاده الذين يجري دمه في عروقهم، ولهذا ترفض أن تأتي إلينا.”

وفي تلك اللحظة، دوّى صوت خطوات مهرولة من بعيد.

كان الشيء الهاوي من جرف السماء جسمًا رماديًا.

“أسرعوا!”

حدّقت بعينيها المنتفختين المُحمرّتين. كان وجهها الصغير ملطخًا بالقذارة، وشعرها الأشقر البلاتيني مغطّى ببقع سوداء وبيضاء.

“إنهما هناك!”

(ماذا؟)

زفر تاليس وسط الركام. ثم ابتسم بتعب للشقية الصغيرة التي بدا عليها الارتباك قليلًا. “لقد وصلوا.”

خطر في ذهن تاليس خاطرٌ سريع، فاندفع ليتدحرج جانبًا بشكل غير رشيق ليتفادى النصل.

لكن صداعًا بدأ يتنامى في رأسه من وضعه الحالي.

تنفّس ببطء، ورأسه ما يزال منحنِيًا، يحدّق في عيني الملك المنتخب الذي حكم إكستيدت ثلاثين سنة… رأس الملك نوڤين السابع، المنفصل عن جسده.

(اللعنة. ما حدث الليلة الماضية… كيف أفسّره؟)

عادت الندبة في صدره لتوخزه بألم خافت. تحرّك الملك نوڤين قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دقيقة عميقة المعنى.

ازدادت السماء إشراقًا.

(آمل أن أعود إلى الكوكبة قبل أن يعثروا على أي شيء.)

ظهر جمع من الرجال يحملون المشاعل ومصابيح أبدية.

متمدّدًا بيأس وسط الأنقاض، شاهد تاليس رجلًا مسنًّا، مسلّحًا، ذا هيبة، يقترب منهم، يرافقه نحو عشرة من الجنود النخبة الملثمين المدرّعين، بثياب رمادية يلفّهم السكون.

متمدّدًا بيأس وسط الأنقاض، شاهد تاليس رجلًا مسنًّا، مسلّحًا، ذا هيبة، يقترب منهم، يرافقه نحو عشرة من الجنود النخبة الملثمين المدرّعين، بثياب رمادية يلفّهم السكون.

“وأما نحن الإكستيدتيين الذين نعتبر أنفسنا أبناء الشمال وأبناء التنين… همف. أبناء التنين؟”

“يبدو أن ضيفنا القادم من الكوكبة كان يقضي وقتًا ممتعًا.”

هزّ تاليس كتفيه وقد شعر بالحرج. “وأنا أيضًا أشعر بالأسف.”

حاكم إكستيدت ومدينة سحب التنين، المبجّل نوڤين السابع، كان يحدّق بالطفلين المتهالكين أمامه، مجعد الحاجبين، بصوت عجوز ضعيف: “ومع حفيدتي أيضًا؟”

“أبقوه حيًّا! لِنُجبره على أن يخبرنا بمن دبّر كل هذا!”

سحب تاليس نفسًا عميقًا وحاول الوقوف بصعوبة. أما الشقية الصغيرة فكانت قد نهضت بالفعل. نفض تاليس الغبار والثلج عن ثيابه بينما كانت أفكاره تتسارع. قال ببرود: “نعم، لقد تركت لنا سحب التنين الكثير من الذكريات الممتعة الليلة الماضية.”

هسّ!

تغيّرت ملامح الملك نوڤين، وكأنه وجد الأمر مسليًا. “تاليس جيدستار… ألم يكن لديك ما تشرحه لي؟”

صرخ الحارس: “احذروا!”

كان حرّاس النصل الأبيض من حوله بوجوه صارمة، واقفين بثبات خلف الملك.

نال تاليس قِربة ماء من أحد حرّاس النصل الأبيض العابسِين، وحاول أن يُغيّر الموضوع. “وعلى ذكر ذلك، يا جلالتكم، ما حجم الأضرار في مدينة سحب التنين؟”

كانت أفكار تاليس تدور بسرعة.

لم يستطع تاليس أن يغفل عن كون الملك العجوز أشار إلى ملكة السماء باستخدام (ذلك التنين)، بدلًا من لقبها الرسمي—جلالتها الملكة كلوريسيس.

نظر نحو الشقية خلفه. كانت الفتاة تحمل خوفًا من الملك نوڤين لا يمكن كسره. بدأت ترتجف ما إن رأته، متقلّصة في رعب، متجنّبة لقاء عينيه.

رفع الملك نوڤين رأسه وتابع بنبرة معقّدة:

(عليّ أن أقدّم تفسيرًا مقنعًا.)

“مختلّ قام بخطفنا.” حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. “ثم… لقد رأيتَ ما فعله.”

“مختلّ قام بخطفنا.” حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. “ثم… لقد رأيتَ ما فعله.”

ضحك الملك العجوز فجأة.

مسح الملك نوڤين المكان بنظره — ما تبقّى من مقاطعة الدرع. وفي ضوء النار الخافت، بدا وجهه العجوز مكللًا بالكآبة.

وحين أنهى كلامه، لاحظ تشنّج قبضتي الملك نوڤين.

عاد بنظره إلى تاليس. شعر الأخير بالاختناق أمام الغمّ والتعب خلف نظرات الملك. “لماذا؟ لماذا سيخطفك ذلك ‘الكارثة’؟”

“وعلى صعيد آخر، لديّ أربعة آرشيدوقات يختبئون في قصر الروح البطولية، ينتظرون فرصة ليضحكوا على ملكهم المُنتخَب.”

أظهر تاليس ملامح من يلعن حظه، ثم زفر بضيق.

التفتت الشقية الصغيرة بتردّد، وكأنها على وشك البكاء، وألقت نظرة عاجزة نحو تاليس.

“لقد صنعنا عداوة معهم قبل وصولنا إلى إكستيدت. الأمر له علاقة بامرأة من عشيرة الدم تُدعى سيرينا من عائلة كورليوني.” رفع تاليس ذقنه، وبلا تردد سلّم تلك المرأة الطموحة، الماكرة، السامّة إلى الملك العجوز. “يبدو أن الكارثة كانت تستخدمها لهدف ما. ربما هم يكرهون مملكتينا وعائلتينا الملكيتين؟”

(ملك فاضل؟ شخص مثل كيسل؟)

“عشيرة الدم؟”

ازدادت ملامح الملك نوڤين قتامة مع كل جملة ينطقها. وهبط قلب تاليس قليلًا.

تنفّس الملك نوڤين وأطلق شخيرًا يشبه الضحكة وهو يراقبه. “سأجعل الغرفة السرّية تُحقق في هذا الأمر.”

في النهاية، توقّف طرف خنجر المُغتال أمام أنف تاليس.

ردّ تاليس بابتسامة مُنهكة خالية من الضرر، وهو يواجه نظرة الملك العميقة.

ومع سقوط الخنجرين، هَوَى المُغتال إلى الأرض، وتدحرج مبتعدًا عن تاليس. وكان الفتى قد أحاط به حرس النصل الأبيض بإحكام بعدما تحرّكوا بسرعة لحمايته.

عندها فقط لاحظ الملك نوڤين مظهر الطفلين البائس. ارتفع حاجبه. “يبدو أنكما استمتعتما كثيرًا.”

بعد نجاته من الكارثة، اتّكأ تاليس بضعف على جدار منهار، متفاديًا الثلج المتساقط القليل. رفع رأسه نحو السماء بفتور، وتتابعت أحداث ليلة الأمس أمام عينيه، مشهدًا بعد آخر.

ارتجفت الشقية الصغيرة. نشر تاليس يديه. “كما ترى.”

وفي اللحظة التالية، صار المُغتال على بُعد متر واحد منه، واندفع نحو الحارسين اللذين وقفا أمام تاليس ليحمياه.

“صحيح. لا تتاح لك رؤية هيدرا تعيث فسادًا في مدينة سحب التنين كل يوم، ولا عودة ملكة السماء إلى الظهور.” هزّ الملك العجوز رأسه وقد ارتسمت على وجهه نظرة عميقة.

بدا كأنّ شيئًا ما يهوي من أعلى جرف السماء.

قطّب تاليس حاجبيه بقلق يسير.

“طنين!”

(آمل أن أعود إلى الكوكبة قبل أن يعثروا على أي شيء.)

لكن، قبل أن تتمكّن من فعل شيء، فتح تاليس إطار النظّارة ووضعها بسرعة على وجهها.

لوّح نوڤين السابع بيده فتقدّم بيروقراطي. همس الملك نوڤين في أذنه فهزّ الآخر رأسه وهو يدوّن شيئًا في دفتره.

في النهاية، توقّف طرف خنجر المُغتال أمام أنف تاليس.

غادر البيروقراطي لتنفيذ الأمر بينما تابع الملك العجوز السير عبر الشارع الخالي، يتقدّم حرّاس النصل الأبيض. وتبع تاليس والشقية الصغيرة الملك تحت حراسة هؤلاء الرجال.

مترنّحًا ومرهقًا، تثاءب تاليس بعينين نصف مغمضتين، تثاؤبًا غير لائق. ثم أدار رأسه بكسل، موجّهًا نظره نحو الشقية الصغيرة التي كانت تتكئ على الجدار أيضًا.

نال تاليس قِربة ماء من أحد حرّاس النصل الأبيض العابسِين، وحاول أن يُغيّر الموضوع. “وعلى ذكر ذلك، يا جلالتكم، ما حجم الأضرار في مدينة سحب التنين؟”

فتح تاليس عينيه. وكتم كل همومه، ثم ابتسم لها ابتسامة مطمئنة.

وحين أنهى كلامه، لاحظ تشنّج قبضتي الملك نوڤين.

كانت أفكار تاليس تدور بسرعة.

“لقد رأيتَ. انظر إلى هذا، يبدو وكأنه خاض حربًا.” حمل صوت الملك العجوز نبرة إنهاك وحزن. “تلك اللعينة… تلك الكارثة.”

تركّز بصر تاليس. اندفعت خطيئة نهر الجحيم في عينيه كموجةٍ عاتية.

أمال تاليس رأسه وأطرف بعينيه.

أظهر تاليس ملامح من يلعن حظه، ثم زفر بضيق.

“لقد فقدتُ كامل منطقة الدرع.” قطّب الملك نوڤين جبينه وتقدّم بخطوات واسعة نحو عارضة بيتٍ منهار، يتفحص الدمار بنظرة قاتمة. “عدد السكان الذين تمّ إجلاؤهم لا يصل حتى إلى ثلث سكان المقاطعة… أمّا المناطق الأخرى فليست متضررة بهذا السوء…”

ضحك الملك العجوز فجأة.

تنفّس تاليس الصعداء. “هذا مُطمئِن.”

“لا تستخفّوا… بحرس التنين الامبراطوريين!”

على الأقل نُفِّذت عمليته مع السيف الأسود في الوقت المناسب.

توقّف نَفَس تاليس. ومرّت ثوانٍ عديدة.

“مطمئِن…؟ مُطمئِن؟”

حدّق الملك نوڤين بتمثال ملك فرسان التنين وزفر بانفعالٍ عميق قائلًا: “لعلّ بطلًا حقيقيًا مثل رايكارو يملك فعلًا القدرة المجيدة على أن يجعل الآخرين يطيعونه بلا تردّد، ويتبعونه طوعًا، ويموتون لأجله بلا خوف، ويضحّون بأنفسهم دون أدنى ندم.

تمتم الملك، يكرر ما قاله تاليس.

صرخ الحارس: “احذروا!”

حدّق في رجل مقطوع الرأس يبرز من تحت الركام، ثم تنهّد ونظر نحو تاليس بهدوء. تحوّلت تعابير وجوه عشرات من الحرس النخبة المحيطين بالملك إلى كآبة.

“لسنا مولودين لنكون أدوات للمؤامرات والمكائد والحِيَل.” بدا الملك نوڤين غير مبالٍ، لكن كلماته حملت وقار السنين وهدوءها. “ربما، في العاصفة التي ستواجهها عائلة والتون، ما ينبغي الاتكال عليه ليس النبلاء الشيوخ الذين يجيدون وزن المصالح والمفاسد، ويتقنون الصراع على السلطة والنفوذ، ويفهمون متى يتقدّمون ومتى يتراجعون. ولا اهتماماتهم القصيرة النظر المتكررة، ولا نزاعات السلطة التي يمكن تحريكها ذهابًا وإيابًا بين الناس بحفنة من الأوراق.”

اختنق الأمير بالماء الذي كان يشربه. وإلى جانبه، خفّضت الشقية الصغيرة رأسها حتى كاد يلامس الأرض، كأنها تحاول أن تحفر لنفسها حفرة.

لكن المُغتال كان قد خرج من الحصار بالفعل، واندفع هاربًا في العتمة، يبتلعه الظلام والأنقاض.

وبينما كان تاليس يسعل بلا توقف، أخذ الملك نوڤين نَفَسًا عميقًا وحدّق في الخراب من حوله. “أتعلم… لم نتمكن من استدعاء الجيش لمواجهة تلك الكارثة…”

“ذكرتُ لك من قبل أنّ لديك ’ملكًا فاضلًا’.” قالها بصوت خافت.

أغمض الملك العجوز نصف عينيه. بدا الإرهاق واضحًا في وجهه المتجعد. كان صوته رتيبًا مفلطحًا، لكنه مريب على نحو غريب. “لم نفعل سوى جعل حرّاس النصل الأبيض يرتدون معداتهم المضادة للصوفيّين ويواجهون الوحش على شكل وحدات متفرقة، وكثير منهم لم يرسلوا أي تقارير حتى الآن—على الأرجح تكبّدوا خسائر فادحة.”

عادت الندبة في صدره لتوخزه بألم خافت. تحرّك الملك نوڤين قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دقيقة عميقة المعنى.

ازداد تنفّس حرّاس النصل الأبيض ثِقَلًا.

“طنين! رنين! شق!”

“نيكولاس وغليوارد طارد كلٌّ منهما العدو وحده وهو يحمل سلاحه. والآن، اختفت الكارثة، لكن حتى هذه اللحظة لم نتلقّ أي خبر عنهما.”

(ماذا؟)

اتسعت عينا تاليس بينما انتزع الجندي بجانبه قربة الماء منه بفظاظة. ركل الملك نوڤين لوحًا جانبيًا وأكمل حديثه الخالي من العاطفة المفعم بالأسى.

“—بانّيت تشارلتون!”

“رأى كثير من الناس الهيدرا، وانتشر الخوف في أرجاء المدينة. مدينة سحب التنين في حالة فوضى. اضطررنا إلى إخلاء المناطق المجاورة مثل مقاطعة الدرع. وبسبب تدفّق الناس إلى المقاطعات الأخرى، أصبحت تلك المقاطعات مكتظة.”

تخطّى المُغتال الرجال الثلاثة، وحطّ ثابتًا على الأرض. وبحركة أصابعه، ظهر خنجران في كفّيه.

اشتدّ تنفّس الرجل العجوز. “وكانت فرق الدورية مشغولة بالإمساك بمن اغتنموا الفوضى ليستولوا على ممتلكات الآخرين غير المراقَبة.

ارتجفت الشقية الصغيرة. نشر تاليس يديه. “كما ترى.”

“لولا الظهور المفاجئ لملكة السماء، الذي هدّأ بعض النفوس، لكنتُ أول ملك إكستيدتي يُخضِع شعبه بالقوّة.”

الشيء الوحيد الظاهر من وجهه كان زوجًا من العينين الطويلتين الضيّقتين، تلمعان ببريقٍ بارد في مجال رؤية تاليس.

بدا الملك نوڤين هادئًا. كانت نظرته حزينة وصوته عميقًا ثقيلًا.

“لقد صنعنا عداوة معهم قبل وصولنا إلى إكستيدت. الأمر له علاقة بامرأة من عشيرة الدم تُدعى سيرينا من عائلة كورليوني.” رفع تاليس ذقنه، وبلا تردد سلّم تلك المرأة الطموحة، الماكرة، السامّة إلى الملك العجوز. “يبدو أن الكارثة كانت تستخدمها لهدف ما. ربما هم يكرهون مملكتينا وعائلتينا الملكيتين؟”

“غرق الإداريون في الإجابة عن أسئلة النبلاء والتوابع، حتى لا يُقدم أحد متهوّر على جلب مجموعة من الرجال من داخل المدينة أو خارجها، فقط ليمنعوه من إرسال الطعام إلى الكارثة…”

اندفع الدم.

تنهد الملك نوڤين بيأس. “لحسن الحظ، كان بعضهم سكارى تمامًا بعد مأدبة الليلة الماضية، وإلا لكان الإداريون غارقين في عمل إضافي.

وسقط خنجر المُغتال الآخر من يده اليمنى المرتجفة. رفع رأسه وألقى نظرة أخيرة على تاليس. كانت النظرة الباردة الجامدة في عينيه كفيلة بأن تُقشعرّ لها بشرة الفتى.

“وعلى صعيد آخر، لديّ أربعة آرشيدوقات يختبئون في قصر الروح البطولية، ينتظرون فرصة ليضحكوا على ملكهم المُنتخَب.”

“أتدري، حتى قبل ثلاثمئة عام، حين تكبّدت مدينة سحب التنين خسائر مدمّرة، واستُنزفت آخر جيوشها، ونفد طعامها، وشارفت على الفناء، وحتى حين مات (ملك الغضب) نهاية مأساوية بطولية في المعركة ضد قوات جناح الليل المتحالفة من شبه الجزيرة الشرقية… لم يظهر ذلك التنين قط.” خفّض نوڤين السابع رأسه وحدّق في تاليس.

ولدى قوله هذا، أطلق الملك نوڤين ضحكة مشوبة بامتعاض. ازدادت تجاعيد وجهه عمقًا. “أوه نعم، وهناك أمير من خصومنا يتجوّل في الشارع مع حفيدتي في منتصف الليل.”

“ولعلّ هذه الهالة المتألّقة هي ما شيّد إكستيدت. تلك الهالة التي دفعت التنين إلى اتّباعه طواعية.” ثم اسودّ تعبير الملك نوڤين. “وهي نفسها التي جعلت التنين لا يلتفت إلى أحفاده الذين يجري دمه في عروقهم، ولهذا ترفض أن تأتي إلينا.”

هزّ تاليس كتفيه وقد شعر بالحرج. “وأنا أيضًا أشعر بالأسف.”

وفي اللحظة التالية، هبط الرجل الرمادي على الأرض بسرعة لا يمكن تخيّلها.

تجاهل الملك نوڤين ما قاله وهزّ رأسه بتعبير معقد، مطلقًا تنهيدة طويلة. “أما ترتيبات العمل اللازمة لإصلاح هذا الخراب… هل يمكنك أن تتخيل؟”

رمشت الشقية الصغيرة، وقد أحسّت بمشاعره. أمسكت بمعصم تاليس، مقلّدة ما فعله معها سابقًا.

امتلأت عينا الملك بالأسى.

(أكانت المعركة قبل قليل عنيفة إلى هذا الحد حتى تخلخلت صخور جرف السماء بسبب الاهتزازات؟)

“مئات القتلى، عائلات ممزقة، جرحى بحاجة إلى إنقاذ، منطقة سقطت في ليلة واحدة، ممتلكات وأصول متضررة… وكلها تحتاج إلى دعم حكومي ضخم لا نملكه أصلًا.

صُدم تاليس والشقية الصغيرة معًا، قبل أن تقترب الأخيرة منه غريزيًا.

“نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…”

“أوقفوه!” زمجر الملك نوڤين الغارق في الحماية، “احموه!”

“طلبات النبلاء المتصنعين لإعفاءات ضريبية باسم الإغاثة، بينما غايتهم جمع الثروة؛ الشكوك والمخاوف المتنامية بين التوابع والجيش؛ محاولات الآرشيدوقات لاستغلال الحادثة؛ المعبد، ودول أخرى سترسل مبعوثيها للتقصي، والجواسيس الأجانب سيبدأون بالتخفّي.”

رفع الملك رأسه وحدّق في التمثال العالي فوقه. “بل المجد الذي سطع على أبطال الماضي… ذاك الذي فقدناه منذ زمن طويل.”

“وبسماع التجار لهذه الأخبار، ستبتعد القوافل التجارية شهرًا كاملًا على الأقل، وسترتفع أسعار البضائع وينخفض عدد اليد العاملة. وكل هذا سيؤثر في إنتاجية السنوات المقبلة…”

لكن، قبل أن تتمكّن من فعل شيء، فتح تاليس إطار النظّارة ووضعها بسرعة على وجهها.

ازدادت ملامح الملك نوڤين قتامة مع كل جملة ينطقها. وهبط قلب تاليس قليلًا.

تجمّدت الشقية الصغيرة مكانها من الرعب. التقط تاليس أنفاسًا مرتجفة. لم يستطع أن يردّ، بل لم يرَ سوى خنجرَي المُغتال يهجمان عليه، والشفرتان تقتربان.

“الشتاء القارس يقترب,” قال الملك العجوز وهو يتنهد، “ومنذ اغتيال موريا… سيكون شتاء هذا العام شتاءً عسيرًا آخر.”

“وبسماع التجار لهذه الأخبار، ستبتعد القوافل التجارية شهرًا كاملًا على الأقل، وسترتفع أسعار البضائع وينخفض عدد اليد العاملة. وكل هذا سيؤثر في إنتاجية السنوات المقبلة…”

حدّق تاليس في وجه الملك نوڤين فهبط قلبه أكثر. ألقى نظرة على الأنقاض من حوله، متأملًا جثثًا تبرز من بين الركام.

لكن، قبل أن تتمكّن من فعل شيء، فتح تاليس إطار النظّارة ووضعها بسرعة على وجهها.

وتذكّر الصوفيَّينِ اللذين بدأ القتال بينهما بسببه هو، ممّا أدى إلى هذا الخراب.

ابتسم الملك نوڤين ابتسامة مُرة وقال ببطء: “لماذا… لم يُقضَ عليهم تمامًا في ذلك الوقت؟”

“أقدّم اعتذاري العميق,” قال تاليس بحزن، وقد امتلأت كلماته بالأسى.

سحب تاليس نفسًا عميقًا وحاول الوقوف بصعوبة. أما الشقية الصغيرة فكانت قد نهضت بالفعل. نفض تاليس الغبار والثلج عن ثيابه بينما كانت أفكاره تتسارع. قال ببرود: “نعم، لقد تركت لنا سحب التنين الكثير من الذكريات الممتعة الليلة الماضية.”

حدّق الملك نوڤين فيه دون أن ينطق بكلمة. وفي تلك اللحظة، ظنّ تاليس أن هيبة نوڤين السابع مشبعةٌ بالحزن والإرهاق.

“مختلّ قام بخطفنا.” حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. “ثم… لقد رأيتَ ما فعله.”

بعد بضع ثوانٍ، جذب الملك العجوز نَفَسًا عميقًا.

وعندما رأته، لم تستطع الشقية — وقد تأثرت بالأجواء — إلا أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها بعد بضع ثوانٍ. “قد تأتي للبحث عنك في الكوكبة…”

“أتدري… أحيانًا، أشعر بالإعجاب تجاه الكوكبة.” كانت كلمات الملك تفوح بعجز مرير. “فعلى الأقل لديكم (ملك فاضل).”

“أتدري، حتى قبل ثلاثمئة عام، حين تكبّدت مدينة سحب التنين خسائر مدمّرة، واستُنزفت آخر جيوشها، ونفد طعامها، وشارفت على الفناء، وحتى حين مات (ملك الغضب) نهاية مأساوية بطولية في المعركة ضد قوات جناح الليل المتحالفة من شبه الجزيرة الشرقية… لم يظهر ذلك التنين قط.” خفّض نوڤين السابع رأسه وحدّق في تاليس.

ارتفع حاجبا تاليس في دهشة، ورفع رأسه بحيرة. “هاه؟”

“رأى كثير من الناس الهيدرا، وانتشر الخوف في أرجاء المدينة. مدينة سحب التنين في حالة فوضى. اضطررنا إلى إخلاء المناطق المجاورة مثل مقاطعة الدرع. وبسبب تدفّق الناس إلى المقاطعات الأخرى، أصبحت تلك المقاطعات مكتظة.”

(ملك فاضل؟ شخص مثل كيسل؟)

كانوا يقفون عند حافة حفرة واسعة تختلف بوضوح عن غيرها. حملق تاليس في الحفرة التي حُفرت بلا شكّ بمخلب ضخم، ثم قطّب حاجبيه. “نعم.”

تدحرجت عينا تاليس في ارتباك، وظهر على وجهه تعبير لا يدل على فهم.

“نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…”

ومع ذلك، اكتفى الملك نوڤين بهزّ رأسه بلا مبالاة وأطلق شخيرًا قصيرًا. “لا علينا. سيبقى حظر التجول، فثمّة أسرار لا يمكننا كشفها.” قالها بصوت مسطّح. “قبل ذلك، لِنَرَى الخراب الذي خلّفته لنا هذه الكارثة.”

Arisu-san

تابع الملك نوڤين سيره بتعبير قاتم. لم يكن أمام تاليس سوى حكّ مؤخرة رأسه واتباعه، وهو غارق في الحيرة.

كانت أفكار تاليس تدور بسرعة.

أضاءت ألسنة النار الطريق. أثقلت المناظرُ أمامهم—من دمارٍ لا يُحصى وجثثٍ مبعثرة—قلوبهم.

لوّح المحارب الذي يقف أمام المجموعة بسيفه، وصدّ الحزمة الأخرى. وتردّد في الحال صوتٌ حادّ لاحتكاك الشفرات في الهواء.

ما خلّفته الهيدرا من تحطيم، وما حفرتْه مجسّاتها من حُفر، وما خلّفته من ضحايا ماتوا اختناقًا… كل ما امتدّ أمام أعينهم كان مأساةً تُتبِعُ أخرى.

حدّقت بعينيها المنتفختين المُحمرّتين. كان وجهها الصغير ملطخًا بالقذارة، وشعرها الأشقر البلاتيني مغطّى ببقع سوداء وبيضاء.

“أبناء عاهرة.”

حدّق الملك نوڤين فيه دون أن ينطق بكلمة. وفي تلك اللحظة، ظنّ تاليس أن هيبة نوڤين السابع مشبعةٌ بالحزن والإرهاق.

لم تتغيّر ملامح الملك نوڤين. بدا صوته هادئًا، كأن ما حدث قبل قليل لم يُؤثر فيه.

طنننغ!

“كارثة…”

“نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…”

ومع ذلك، التقط تاليس نبرة كراهية حادّة بين كلماته.

أطلق ضحكة لا إرادية.

“معركة الإبادة… هيه، معركة الإبادة…”

وفي اللحظة التالية، هبط الرجل الرمادي على الأرض بسرعة لا يمكن تخيّلها.

ابتسم الملك نوڤين ابتسامة مُرة وقال ببطء: “لماذا… لم يُقضَ عليهم تمامًا في ذلك الوقت؟”

“يبدو أن ضيفنا القادم من الكوكبة كان يقضي وقتًا ممتعًا.”

تجمّد قلب تاليس.

في النهاية، توقّف طرف خنجر المُغتال أمام أنف تاليس.

توقّف الملك نوڤين فجأة. “هل هذا هو المكان الذي هبطت فيه ملكة السماء؟”

تخطّى المُغتال الرجال الثلاثة، وحطّ ثابتًا على الأرض. وبحركة أصابعه، ظهر خنجران في كفّيه.

كانوا يقفون عند حافة حفرة واسعة تختلف بوضوح عن غيرها. حملق تاليس في الحفرة التي حُفرت بلا شكّ بمخلب ضخم، ثم قطّب حاجبيه. “نعم.”

بعد بضع ثوانٍ، جذب الملك العجوز نَفَسًا عميقًا.

رمشت الشقية الصغيرة ولمست نظّارتها بقلق.

تدحرجت عينا تاليس في ارتباك، وظهر على وجهه تعبير لا يدل على فهم.

تغيّر وجه الملك نوڤين. “أتحدثت إليكما؟”

الشيء الوحيد الظاهر من وجهه كان زوجًا من العينين الطويلتين الضيّقتين، تلمعان ببريقٍ بارد في مجال رؤية تاليس.

جذب تاليس نَفَسًا عميقًا ولم يستطع منع نفسه من تذكّر كلمات ملكة السماء. “نعم، هذا صحيح. لقد قالت—”

بعد نجاته من الكارثة، اتّكأ تاليس بضعف على جدار منهار، متفاديًا الثلج المتساقط القليل. رفع رأسه نحو السماء بفتور، وتتابعت أحداث ليلة الأمس أمام عينيه، مشهدًا بعد آخر.

“انتظر.” قاطعه الملك العجوز ومنعه من مواصلة الكلام، ثم رمى نظرة حادّة نحو الشقية الصغيرة، حتى كادت ترتعد من الفزع. “سنتحدّث عند عودتنا.”

اهتزّ وجه الشقية قليلًا بين يديه، ولم تتفاعل إلا عندما انزلقت أصابعه خلف أذنيها وثبّتت ذراعي الإطار. فتحت الشقية عينيها الضيقتين خلف عدستي الإطار الأسود.

وضع الملك نوڤين يديه خلف ظهره قبل أن يرفع رأسه نحو السماء. وفي ضوء الفجر الخافت خلفه، ألقى نظرة معقّدة على تمثال رايكارو فوق جرف السماء.

(بانّيت تشارلتون؟ هل يكون…؟)

“لقد مرّت ستمئة سنة…” بدا حزن خفيف على محيّا الملك نوڤين. “وفي النهاية، هبط ذلك التنين ثانيةً بين البشر حين ظهرت الكوارث.”

رفع تاليس رأسه مصعوقًا. وبمساعدة المشاعل في أيدي الحراس، رأى الشكل الرمادي الذي اندفع لحظة واحدة إلى المكان أمامه.

لم يستطع تاليس أن يغفل عن كون الملك العجوز أشار إلى ملكة السماء باستخدام (ذلك التنين)، بدلًا من لقبها الرسمي—جلالتها الملكة كلوريسيس.

تنهد وأغمض عينيه.

ضحك الملك العجوز فجأة.

حدّق تاليس في وجه الملك نوڤين فهبط قلبه أكثر. ألقى نظرة على الأنقاض من حوله، متأملًا جثثًا تبرز من بين الركام.

“أتدري، حتى قبل ثلاثمئة عام، حين تكبّدت مدينة سحب التنين خسائر مدمّرة، واستُنزفت آخر جيوشها، ونفد طعامها، وشارفت على الفناء، وحتى حين مات (ملك الغضب) نهاية مأساوية بطولية في المعركة ضد قوات جناح الليل المتحالفة من شبه الجزيرة الشرقية… لم يظهر ذلك التنين قط.” خفّض نوڤين السابع رأسه وحدّق في تاليس.

“طنين!”

“كأن هذا لم يكن البلد الذي شيّدته مع عشيقها.”

قفز أحد الخنجرين من الأرض عائدًا إلى يد المُغتال بشكل غريب، بينما طار الخنجر الآخر إلى الظلام، ولا أحد يدري أين سقط.

بعد ليلة كاملة من الفوضى، كان ذهن تاليس مُنهكًا. اتّسعت عيناه، غير واثق مما يعنيه نوڤين.

أمال تاليس رأسه وأطرف بعينيه.

رفع الملك نوڤين رأسه وتابع بنبرة معقّدة:

“لولا الظهور المفاجئ لملكة السماء، الذي هدّأ بعض النفوس، لكنتُ أول ملك إكستيدتي يُخضِع شعبه بالقوّة.”

“ما الذي تمثّله إكستِدت ومدينة سحب التنين بالنسبة لها؟ وما الذي يمثّله زوجها، رايكارو، بالنسبة لها؟ وماذا تمثّل معركة الإبادة بالنسبة لها؟

“رأى كثير من الناس الهيدرا، وانتشر الخوف في أرجاء المدينة. مدينة سحب التنين في حالة فوضى. اضطررنا إلى إخلاء المناطق المجاورة مثل مقاطعة الدرع. وبسبب تدفّق الناس إلى المقاطعات الأخرى، أصبحت تلك المقاطعات مكتظة.”

“وأما نحن الإكستيدتيين الذين نعتبر أنفسنا أبناء الشمال وأبناء التنين… همف. أبناء التنين؟”

وبعد أن فقد توازنه، استدار المُغتال بسرعة، وتمكّن بمهارة، رغم الصعوبة، من صدّ السيوف الثلاثة.

أطلق الملك نوڤين شخيرًا ازدرائيًا.

“أقدّم اعتذاري العميق,” قال تاليس بحزن، وقد امتلأت كلماته بالأسى.

“حقًا؟”

“غرق الإداريون في الإجابة عن أسئلة النبلاء والتوابع، حتى لا يُقدم أحد متهوّر على جلب مجموعة من الرجال من داخل المدينة أو خارجها، فقط ليمنعوه من إرسال الطعام إلى الكارثة…”

لاحظ تاليس أنّ الشقية الصغيرة حرّكت عينيها حين انغمس الملك في الاسترسال العاطفي، وكأن لديها ما تقوله، لكنها بدت كمن تذكّر شيئًا مخيفًا، فعاد الرعب إلى وجهها. وفي النهاية، خفّضت رأسها مجددًا.

وبعد أن فقد توازنه، استدار المُغتال بسرعة، وتمكّن بمهارة، رغم الصعوبة، من صدّ السيوف الثلاثة.

“نحن أهل الكوكبة نعتبر أنفسنا ورثة الإمبراطورية، أليس كذلك؟” قال تاليس دون أن يتمالك نفسه. “لكننا في النهاية لسنا الإمبراطورية.”

لكن في تلك اللحظة، قفز الخنجران الملقيان على الأرض فجأة، كما لو كان لهما حياة خاصّة.

خفض الملك نوڤين رأسه بسرعة وثبّت نظره على تاليس. كان ذلك التحديق النافذ يحمل ضغطًا جعل الأمير الثاني يشعر بعدم الارتياح.

تجاهل الملك نوڤين ما قاله وهزّ رأسه بتعبير معقد، مطلقًا تنهيدة طويلة. “أما ترتيبات العمل اللازمة لإصلاح هذا الخراب… هل يمكنك أن تتخيل؟”

ولم يرفع عينيه عنه إلا بعد وقت قصير، قبل أن يرمي الشقية الصغيرة بنظرة، ويقول بخفوت: “أنت حميتها، أليس كذلك؟ لقد حميت حفيدتي حتى في مثل ذلك الخطر، صحيح؟”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

صُدم تاليس والشقية الصغيرة معًا، قبل أن تقترب الأخيرة منه غريزيًا.

وبينما كانت الشقية تصرخ، وقف تاليس مجمّدًا في مكانه، يترك الدم الطري تحت قدميه يتسرّب إلى حذائه دون أن يشعر. كان ذهنه خاليًا.

“أستطيع أن أرى أنّ نظرتها إليك تغيّرت.” لم تتغيّر تعابير الملك. كان يحدّق في الشقية الصغيرة دون رمشة، مما زاد توترها.

تغيّرت ملامح الملك نوڤين، وكأنه وجد الأمر مسليًا. “تاليس جيدستار… ألم يكن لديك ما تشرحه لي؟”

لمس تاليس رأسه وشعر بالشقية الصغيرة تختبئ خلف ظهره. قال بارتباك خفيف: “أم، بشأن هذا… ينبغي لنا جميعًا أن نساعد بعضنا.”

صرخ الحارس: “احذروا!”

حدّق الملك نوڤين فيه ثلاث ثوانٍ كاملة دون أن ينطق. ثم ارتسم على وجهه تعبير عميق الدلالة، وتكلّم بلهجة غامضة تُجبر السامع على التفكير فيما وراءها. “أتدري، لقد فكّرت في كلماتك لاحقًا.”

لوّح نوڤين السابع بيده فتقدّم بيروقراطي. همس الملك نوڤين في أذنه فهزّ الآخر رأسه وهو يدوّن شيئًا في دفتره.

جمُدَت يد تاليس التي كانت تلامس رأسه. قال باندهاش وشيء من الارتباك:

(كان ذلك على وشك أن يودي بي… لقد كان قريبًا جدًا! من يكون هذا؟)

(ماذا؟)

“أستطيع أن أرى أنّ نظرتها إليك تغيّرت.” لم تتغيّر تعابير الملك. كان يحدّق في الشقية الصغيرة دون رمشة، مما زاد توترها.

“لسنا مولودين لنكون أدوات للمؤامرات والمكائد والحِيَل.” بدا الملك نوڤين غير مبالٍ، لكن كلماته حملت وقار السنين وهدوءها. “ربما، في العاصفة التي ستواجهها عائلة والتون، ما ينبغي الاتكال عليه ليس النبلاء الشيوخ الذين يجيدون وزن المصالح والمفاسد، ويتقنون الصراع على السلطة والنفوذ، ويفهمون متى يتقدّمون ومتى يتراجعون. ولا اهتماماتهم القصيرة النظر المتكررة، ولا نزاعات السلطة التي يمكن تحريكها ذهابًا وإيابًا بين الناس بحفنة من الأوراق.”

كان الشيء الهاوي من جرف السماء جسمًا رماديًا.

رفع الملك رأسه وحدّق في التمثال العالي فوقه. “بل المجد الذي سطع على أبطال الماضي… ذاك الذي فقدناه منذ زمن طويل.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

حدّق تاليس في الحراس من حوله بحيرةٍ خفيفة، غير أنّهم كانوا يكتفون بمسح المكان بنظراتٍ حذرة فيما انتظروا في صمتٍ ملكهم.

طنننغ!

حدّق الملك نوڤين بتمثال ملك فرسان التنين وزفر بانفعالٍ عميق قائلًا: “لعلّ بطلًا حقيقيًا مثل رايكارو يملك فعلًا القدرة المجيدة على أن يجعل الآخرين يطيعونه بلا تردّد، ويتبعونه طوعًا، ويموتون لأجله بلا خوف، ويضحّون بأنفسهم دون أدنى ندم.

تمتم الملك، يكرر ما قاله تاليس.

“ولعلّ هذه الهالة المتألّقة هي ما شيّد إكستيدت. تلك الهالة التي دفعت التنين إلى اتّباعه طواعية.” ثم اسودّ تعبير الملك نوڤين. “وهي نفسها التي جعلت التنين لا يلتفت إلى أحفاده الذين يجري دمه في عروقهم، ولهذا ترفض أن تأتي إلينا.”

(كان ذلك على وشك أن يودي بي… لقد كان قريبًا جدًا! من يكون هذا؟)

انبعث خاطر في قلب تاليس، ولم يستطع منع نفسه من إطلاق الكلمات: “لا ينال الملك الاحترام بحكم سلالته. إنّ مجد السلالة يقوم على أعمال الملك.”

ارتجّ تاليس.

عادت الندبة في صدره لتوخزه بألم خافت. تحرّك الملك نوڤين قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دقيقة عميقة المعنى.

“لقد مرّت ستمئة سنة…” بدا حزن خفيف على محيّا الملك نوڤين. “وفي النهاية، هبط ذلك التنين ثانيةً بين البشر حين ظهرت الكوارث.”

“ذكرتُ لك من قبل أنّ لديك ’ملكًا فاضلًا’.” قالها بصوت خافت.

لم يستطع تاليس استعادة توازنه من شدّة الصدمة. كان قلبه يخفق بعنف.

قطّب تاليس جبينه مجددًا. وفي اللحظة التالية بالذات، اضطرب قلبه.

وعندما رأته، لم تستطع الشقية — وقد تأثرت بالأجواء — إلا أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها بعد بضع ثوانٍ. “قد تأتي للبحث عنك في الكوكبة…”

هسّ!

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، نهض المُغتال واستدار. وبدماءٍ تناثرَت في الهواء، اجتاز ثلاثة رجال على التوالي ليخرج من دائرة الحصار.

رفع تاليس رأسه غريزيًا تحت السماء المعتمة.

“الشتاء القارس يقترب,” قال الملك العجوز وهو يتنهد، “ومنذ اغتيال موريا… سيكون شتاء هذا العام شتاءً عسيرًا آخر.”

كان حرس الملك أسرع منه بكثير. فبعد أن خاضوا حروبًا عديدة، شعروا غريزيًا بأنّ أمرًا ما يحدث، ورفعوا رؤوسهم منذ زمن.

“لقد مرّت ستمئة سنة…” بدا حزن خفيف على محيّا الملك نوڤين. “وفي النهاية، هبط ذلك التنين ثانيةً بين البشر حين ظهرت الكوارث.”

بدا كأنّ شيئًا ما يهوي من أعلى جرف السماء.

لكن، قبل أن تتمكّن من فعل شيء، فتح تاليس إطار النظّارة ووضعها بسرعة على وجهها.

كان يمكن سماع صفير خافت للرياح يقترب من البعيد.

“طنين!”

تجهّم الملك. “ما ذاك؟” ضيّق الملك نوڤين عينيه.

صرخ الحارس: “احذروا!”

تركّز بصر تاليس. اندفعت خطيئة نهر الجحيم في عينيه كموجةٍ عاتية.

قفز أحد الخنجرين من الأرض عائدًا إلى يد المُغتال بشكل غريب، بينما طار الخنجر الآخر إلى الظلام، ولا أحد يدري أين سقط.

كان الشيء الهاوي من جرف السماء جسمًا رماديًا.

(اللعنة. ما حدث الليلة الماضية… كيف أفسّره؟)

تابعه تاليس بنظره حتى ارتطم بالأرض على بُعد عشرين مترًا منه.

ومع ذلك، فوجئ المُغتال بأن نصل خنجره لم يستطع التقدّم قيد أنملة. فالمقاتل الذي تلقّى ضربة قاتلة حين مرّت الخناجر بجانبه قبل قليل لم يمت بعد.

“يشبه… صخرة رمادية؟” قال تاليس بحيرة.

ضحك تاليس بينما فكّر في نفسه: (حقًا… سيكون أمرًا رائعًا إن عادت ملكة السماء لأجلي).

(أكانت المعركة قبل قليل عنيفة إلى هذا الحد حتى تخلخلت صخور جرف السماء بسبب الاهتزازات؟)

صرخ الحارس: “احذروا!”

فجأةً، توقّف الجسم الرمادي الهاوي في الهواء.

بدا الملك نوڤين هادئًا. كانت نظرته حزينة وصوته عميقًا ثقيلًا.

ثم استدار الظلّ الرمادي فجأة، مبدّلًا مساره السابق، واندفع هابطًا بخطّ مستقيم من الجرف… متّجهًا مباشرة نحوهم.

بدا كأنّ شيئًا ما يهوي من أعلى جرف السماء.

تجمّد قلب تاليس. تراجع خطوة غريزيًا.

“لا تفزعوا!” ارتفع صوت الملك نوڤين واضحًا جليًا. “أرسلوا إشارة—”

“لا!”

“لا تفزعوا!” ارتفع صوت الملك نوڤين واضحًا جليًا. “أرسلوا إشارة—”

استنفر أحد حرّاس النصل الأبيض فورًا، واستلّ سيفه صارخًا بغضب: “ليست صخرة! إنّه—”

تخطّى المُغتال الرجال الثلاثة، وحطّ ثابتًا على الأرض. وبحركة أصابعه، ظهر خنجران في كفّيه.

لكنّ ذلك الظلّ الرمادي انقضّ في لحظة فوق رؤوسهم.

فتح تاليس عينيه. وكتم كل همومه، ثم ابتسم لها ابتسامة مطمئنة.

رفع تاليس رأسه مصعوقًا. وبمساعدة المشاعل في أيدي الحراس، رأى الشكل الرمادي الذي اندفع لحظة واحدة إلى المكان أمامه.

لم يستطع تاليس أن يغفل عن كون الملك العجوز أشار إلى ملكة السماء باستخدام (ذلك التنين)، بدلًا من لقبها الرسمي—جلالتها الملكة كلوريسيس.

كان رجلًا؛ جسده كلّه مكسوّ بملابس رمادية ضيّقة، حتى جبينه كان مشدودًا بقطعة قماش رمادية.

“لقد مرّت ستمئة سنة…” بدا حزن خفيف على محيّا الملك نوڤين. “وفي النهاية، هبط ذلك التنين ثانيةً بين البشر حين ظهرت الكوارث.”

الشيء الوحيد الظاهر من وجهه كان زوجًا من العينين الطويلتين الضيّقتين، تلمعان ببريقٍ بارد في مجال رؤية تاليس.

هسّ!

قفز الرجل في الهواء فوق رؤوسهم، وأفلت حبلًا من يده ليقذف به نحو اتجاههم.

“يشبه… صخرة رمادية؟” قال تاليس بحيرة.

ارتجّ تاليس.

صُدم تاليس والشقية الصغيرة معًا، قبل أن تقترب الأخيرة منه غريزيًا.

(هذا… المنزلِق الذي تركه السيف الأسود، ذلك الذي استخدمه للنزول من الجبال! وهذا الرجل يستخدمه الآن لـ…)

“انتظر.” قاطعه الملك العجوز ومنعه من مواصلة الكلام، ثم رمى نظرة حادّة نحو الشقية الصغيرة، حتى كادت ترتعد من الفزع. “سنتحدّث عند عودتنا.”

وضع الرجل الرمادي يدَيه خلف ظهره وهو في الهواء.

“نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…”

“استعدّوا!”

لكنّ ذلك الظلّ الرمادي انقضّ في لحظة فوق رؤوسهم.

صرخ نخبة حرس النصل الأبيض وردّوا سريعًا على الوضع، محيطين بالملك والطفلين.

وبعد أن فقد توازنه، استدار المُغتال بسرعة، وتمكّن بمهارة، رغم الصعوبة، من صدّ السيوف الثلاثة.

“لا تفزعوا!” ارتفع صوت الملك نوڤين واضحًا جليًا. “أرسلوا إشارة—”

“ما الذي تمثّله إكستِدت ومدينة سحب التنين بالنسبة لها؟ وما الذي يمثّله زوجها، رايكارو، بالنسبة لها؟ وماذا تمثّل معركة الإبادة بالنسبة لها؟

لكن قبل أن يكمل كلامه، مدّ الرجل في الهواء ذراعيه فجأة. وانطلقت حُزمتان من الضوء نحو حرس النصل الأبيض تحته.

قطّب تاليس حاجبيه بقلق يسير.

دفع أحد الحراس تاليس خطوة إلى الخلف.

“طنين!”

هسّ!

“وأما نحن الإكستيدتيين الذين نعتبر أنفسنا أبناء الشمال وأبناء التنين… همف. أبناء التنين؟”

شعر تاليس بقشعريرة تعبر جلده. اندفع سائلٌ حارّ لا نهاية له ورشّ وجهه. صرخت الشقية الصغيرة هلعًا.

“يبدو أن ضيفنا القادم من الكوكبة كان يقضي وقتًا ممتعًا.”

ارتجف تاليس وهو يتذوّق الطعم الكريه في فمه، ورأى الحارس بجانبه يسقط، نصلٌ قصير مغروس في عنقه، يغمره الدم، عيناه مفتوحتان على الموت.

“آه! مهلاً.” فزعت الشقية قليلًا، مائلة بجسدها، ومدّت يدًا متوترة نحوه. “إيّاك أن تسقطها…”

طنننغ!

تجاهل الملك نوڤين ما قاله وهزّ رأسه بتعبير معقد، مطلقًا تنهيدة طويلة. “أما ترتيبات العمل اللازمة لإصلاح هذا الخراب… هل يمكنك أن تتخيل؟”

لوّح المحارب الذي يقف أمام المجموعة بسيفه، وصدّ الحزمة الأخرى. وتردّد في الحال صوتٌ حادّ لاحتكاك الشفرات في الهواء.

تجمّدت الشقية الصغيرة مكانها من الرعب. التقط تاليس أنفاسًا مرتجفة. لم يستطع أن يردّ، بل لم يرَ سوى خنجرَي المُغتال يهجمان عليه، والشفرتان تقتربان.

وفي اللحظة التالية، هبط الرجل الرمادي على الأرض بسرعة لا يمكن تخيّلها.

واختفى الشعور بالخَدَر الذي يناله المرء بعد النجاة من كارثة، بعدما فاض عرقٌ بارد على جلده في تلك اللحظة.

دفّة! طق!

“مختلّ قام بخطفنا.” حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. “ثم… لقد رأيتَ ما فعله.”

هبط المُغتال الهاوي من السماء فوق أحد الحراس، مطيحًا به من وضع الوقوف وجاعلًا وجهه يرتطم بالأرض. رنّ في الهواء صوتٌ مروّع لتحطّم عظم الصدر.

رفع تاليس رأسه مصعوقًا. وبمساعدة المشاعل في أيدي الحراس، رأى الشكل الرمادي الذي اندفع لحظة واحدة إلى المكان أمامه.

بدا المُغتال غير متأثر قطّ بصدمة الهبوط، ورفع رأسه سريعًا. كانت عيناه الطويلتان الضيّقتان الموحيتان بالبرد مثبتتين على تاليس.

وعندما رأته، لم تستطع الشقية — وقد تأثرت بالأجواء — إلا أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها بعد بضع ثوانٍ. “قد تأتي للبحث عنك في الكوكبة…”

تسلّل بردٌ قارس إلى قلب تاليس. اقشعرّ جلده.

وضع الرجل الرمادي يدَيه خلف ظهره وهو في الهواء.

(هدفه… أنا؟!)

لم يستطع تاليس أن يغفل عن كون الملك العجوز أشار إلى ملكة السماء باستخدام (ذلك التنين)، بدلًا من لقبها الرسمي—جلالتها الملكة كلوريسيس.

وفي اللحظة التالية، صار المُغتال على بُعد متر واحد منه، واندفع نحو الحارسين اللذين وقفا أمام تاليس ليحمياه.

فجأةً، توقّف الجسم الرمادي الهاوي في الهواء.

“أوقفوه!” زمجر الملك نوڤين الغارق في الحماية، “احموه!”

ارتجف تاليس وهو يتذوّق الطعم الكريه في فمه، ورأى الحارس بجانبه يسقط، نصلٌ قصير مغروس في عنقه، يغمره الدم، عيناه مفتوحتان على الموت.

وبينما أصدر أوامره، أحاط حرس النصل الأبيض بالمُغتال بلا تردّد. ثلاث سيوف مائلة ذات مقابض بيضاء ونصال منحنية انطلقت نحو أسفل بطن المُغتال، وحلقه، وفخذه.

ضحك تاليس بينما فكّر في نفسه: (حقًا… سيكون أمرًا رائعًا إن عادت ملكة السماء لأجلي).

لكن الرجل استدار فجأة، وحين مرّت السيوف الثلاثة قربه، قفز في الهواء رغم الخطر المحدق.

(بانّيت تشارلتون؟ هل يكون…؟)

أدار رأسه، وشدّ بطنه، ورفع ساقيه، وبأسلوب بهلواني تلافى بصعوبة شديدة نصال الثلاثة.

وبينما أصدر أوامره، أحاط حرس النصل الأبيض بالمُغتال بلا تردّد. ثلاث سيوف مائلة ذات مقابض بيضاء ونصال منحنية انطلقت نحو أسفل بطن المُغتال، وحلقه، وفخذه.

خطر ببال تاليس خاطر مفاجئ. بدا وكأنّه رأى من قبل هذه المهارة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

ولكن ذاك الذي رآه لم يكن يومًا بهذه الخفّة، والسرعة، واللامعقولية.

وبزغ أول خيطٍ باهت من الضوء في السماء الشرقية. انتهت ليلتهم… وكان النهار على وشك البزوغ.

تخطّى المُغتال الرجال الثلاثة، وحطّ ثابتًا على الأرض. وبحركة أصابعه، ظهر خنجران في كفّيه.

الآرك الرابع: دم التنين

تقاطع خنجرَا المُغتال فورًا، وانزلقا عبر آخر حارسٍ كان يحجب الطريق أمام تاليس.

النسيم البارد والحصى الحادة تحت مؤخرته منحاه إحساسًا غريبًا بالألفة. وجعله ذلك يفكّر بأيامه في الأخوية؛ أيام صراعه مع كوايد بشجاعته ودهائه، والكلاب الضالّة، و”الخراف السمينة”، أو أطفال المنازل الأخرى.

اندفع الدم.

وبخنجر واحد فقط، اندفعت هجمات المُغتال بلا انقطاع، وقَطَع فورًا حنجرة أحد الحراس. وعندها فقط وصل كلام الحارس الأخير إلى أذن تاليس.

تجمّدت الشقية الصغيرة مكانها من الرعب. التقط تاليس أنفاسًا مرتجفة. لم يستطع أن يردّ، بل لم يرَ سوى خنجرَي المُغتال يهجمان عليه، والشفرتان تقتربان.

دفّة! طق!

كانت خطيئة نهر الجحيم قد أبْطأت إدراكه للوقت، لكنّه لم يجد فرصة للهرب. فالنصل… كان سريعًا، سريعًا أكثر ممّا يُحتمل.

“وبسماع التجار لهذه الأخبار، ستبتعد القوافل التجارية شهرًا كاملًا على الأقل، وسترتفع أسعار البضائع وينخفض عدد اليد العاملة. وكل هذا سيؤثر في إنتاجية السنوات المقبلة…”

“طنين!”

“طلبات النبلاء المتصنعين لإعفاءات ضريبية باسم الإغاثة، بينما غايتهم جمع الثروة؛ الشكوك والمخاوف المتنامية بين التوابع والجيش؛ محاولات الآرشيدوقات لاستغلال الحادثة؛ المعبد، ودول أخرى سترسل مبعوثيها للتقصي، والجواسيس الأجانب سيبدأون بالتخفّي.”

في النهاية، توقّف طرف خنجر المُغتال أمام أنف تاليس.

تسلّل بردٌ قارس إلى قلب تاليس. اقشعرّ جلده.

تلاشت “خطيئة نهر الجحيم”، وعاد مجرى الزمن إلى حاله الطبيعي.

ولدى قوله هذا، أطلق الملك نوڤين ضحكة مشوبة بامتعاض. ازدادت تجاعيد وجهه عمقًا. “أوه نعم، وهناك أمير من خصومنا يتجوّل في الشارع مع حفيدتي في منتصف الليل.”

لم يستطع تاليس استعادة توازنه من شدّة الصدمة. كان قلبه يخفق بعنف.

رفع تاليس رأسه غريزيًا تحت السماء المعتمة.

واختفى الشعور بالخَدَر الذي يناله المرء بعد النجاة من كارثة، بعدما فاض عرقٌ بارد على جلده في تلك اللحظة.

ولم يرفع عينيه عنه إلا بعد وقت قصير، قبل أن يرمي الشقية الصغيرة بنظرة، ويقول بخفوت: “أنت حميتها، أليس كذلك؟ لقد حميت حفيدتي حتى في مثل ذلك الخطر، صحيح؟”

ومع ذلك، فوجئ المُغتال بأن نصل خنجره لم يستطع التقدّم قيد أنملة. فالمقاتل الذي تلقّى ضربة قاتلة حين مرّت الخناجر بجانبه قبل قليل لم يمت بعد.

“حقًا؟”

كان حارس “النصل الأبيض” يرفع سيفه، وقد وضع درعه على ذراعه في وضع أفقي، ليستخدم كتفه وذراعه في صدّ خنجرَي المُغتال ومنعهما من التقدّم ولو مقدار شبر.

نظر نحو الشقية خلفه. كانت الفتاة تحمل خوفًا من الملك نوڤين لا يمكن كسره. بدأت ترتجف ما إن رأته، متقلّصة في رعب، متجنّبة لقاء عينيه.

خطر في ذهن تاليس خاطرٌ سريع، فاندفع ليتدحرج جانبًا بشكل غير رشيق ليتفادى النصل.

(عليّ أن أقدّم تفسيرًا مقنعًا.)

وبينما كان الحارس يتحمّل ألم جرحه، دفع بكل قوّته نحو الأمام، وهو يزمجر:

كان حارس “النصل الأبيض” يرفع سيفه، وقد وضع درعه على ذراعه في وضع أفقي، ليستخدم كتفه وذراعه في صدّ خنجرَي المُغتال ومنعهما من التقدّم ولو مقدار شبر.

“لا تستخفّوا… بحرس التنين الامبراطوريين!”

“أتدري… أحيانًا، أشعر بالإعجاب تجاه الكوكبة.” كانت كلمات الملك تفوح بعجز مرير. “فعلى الأقل لديكم (ملك فاضل).”

تراجع المُغتال خُطوتين، فيما هاجمه ثلاثة من حرس النصل الأبيض من الخلف، بهدوء وبسيوفهم المشهورة.

“أقدّم اعتذاري العميق,” قال تاليس بحزن، وقد امتلأت كلماته بالأسى.

“طنين! رنين! شق!”

زفر تاليس وسط الركام. ثم ابتسم بتعب للشقية الصغيرة التي بدا عليها الارتباك قليلًا. “لقد وصلوا.”

وبعد أن فقد توازنه، استدار المُغتال بسرعة، وتمكّن بمهارة، رغم الصعوبة، من صدّ السيوف الثلاثة.

جذب تاليس نَفَسًا عميقًا ولم يستطع منع نفسه من تذكّر كلمات ملكة السماء. “نعم، هذا صحيح. لقد قالت—”

لكن بعد أن فقد توازنه، تلقّى جرحًا في ذراعه اليسرى من الحارس الرابع الذي اندفع نحوه.

(بانّيت تشارلتون؟ هل يكون…؟)

“شششش!”

لوّح المحارب الذي يقف أمام المجموعة بسيفه، وصدّ الحزمة الأخرى. وتردّد في الحال صوتٌ حادّ لاحتكاك الشفرات في الهواء.

اندفعت الدماء من جرح المُغتال.

الآرك الرابع: دم التنين

“طنين!”

اندفعت الدماء من جرح المُغتال.

لم يعد قادرًا على إحكام قبضته على الخنجر في يده اليسرى. فسقط الخنجر على الأرض مصطدمًا بها بصوت معدني.

اشتدّ تنفّس الرجل العجوز. “وكانت فرق الدورية مشغولة بالإمساك بمن اغتنموا الفوضى ليستولوا على ممتلكات الآخرين غير المراقَبة.

وجّه الحارس ضربة أخرى بسيفه ذي المقبض الأبيض، ورسم جرحًا جديدًا فوق كتف المُغتال.

تمتم الملك، يكرر ما قاله تاليس.

“طنين!”

“لا تفزعوا!” ارتفع صوت الملك نوڤين واضحًا جليًا. “أرسلوا إشارة—”

وسقط خنجر المُغتال الآخر من يده اليمنى المرتجفة. رفع رأسه وألقى نظرة أخيرة على تاليس. كانت النظرة الباردة الجامدة في عينيه كفيلة بأن تُقشعرّ لها بشرة الفتى.

زفر تاليس وسط الركام. ثم ابتسم بتعب للشقية الصغيرة التي بدا عليها الارتباك قليلًا. “لقد وصلوا.”

ومع سقوط الخنجرين، هَوَى المُغتال إلى الأرض، وتدحرج مبتعدًا عن تاليس. وكان الفتى قد أحاط به حرس النصل الأبيض بإحكام بعدما تحرّكوا بسرعة لحمايته.

“مختلّ قام بخطفنا.” حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. “ثم… لقد رأيتَ ما فعله.”

كان تاليس يلهث ويرتجف، يحدّق في المُغتال الذي كان يضغط على جرحه وهو يرتعش.

وبينما كانت الشقية تصرخ، وقف تاليس مجمّدًا في مكانه، يترك الدم الطري تحت قدميه يتسرّب إلى حذائه دون أن يشعر. كان ذهنه خاليًا.

(كان ذلك على وشك أن يودي بي… لقد كان قريبًا جدًا! من يكون هذا؟)

أما الخنجر الآخر—الذي لم يعد إلى يد المُغتال بل طار نحو الظلمة—فقد سقط على الأرض بجانب رأس الملك، وهو يرتجف ارتجافًا خفيفًا.

اندفع المزيد من حرس النصل الأبيض نحو المُغتال الذي أصبح بلا سلاح.

تنهد الملك نوڤين بيأس. “لحسن الحظ، كان بعضهم سكارى تمامًا بعد مأدبة الليلة الماضية، وإلا لكان الإداريون غارقين في عمل إضافي.

قال الملك نوڤين وهو يضع يده على كتف تاليس ليطمئنه، بصوت مهيب خرج كأنّه يتردّد في الهواء:

هبط المُغتال الهاوي من السماء فوق أحد الحراس، مطيحًا به من وضع الوقوف وجاعلًا وجهه يرتطم بالأرض. رنّ في الهواء صوتٌ مروّع لتحطّم عظم الصدر.

“أبقوه حيًّا! لِنُجبره على أن يخبرنا بمن دبّر كل هذا!”

“لا تستخفّوا… بحرس التنين الامبراطوريين!”

لكن في تلك اللحظة، قفز الخنجران الملقيان على الأرض فجأة، كما لو كان لهما حياة خاصّة.

“أبناء عاهرة.”

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، بدا أن أحد حرس النصل الأبيض—وهو من خدم أطول من البقية—قد تعرف على المُغتال، فتحوّل وجهه فجأة.

“نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…”

صرخ الحارس: “احذروا!”

تمتم الملك، يكرر ما قاله تاليس.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، نهض المُغتال واستدار. وبدماءٍ تناثرَت في الهواء، اجتاز ثلاثة رجال على التوالي ليخرج من دائرة الحصار.

“أبقوه حيًّا! لِنُجبره على أن يخبرنا بمن دبّر كل هذا!”

كان سريعًا حدًّا جعل زوايا حركته مستحيلة للمواجهة، وكان خفيف الحركة إلى درجة أنّ حرس النصل الأبيض الواقفين في طريقه لم يستطيعوا اعتراضه.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

الحارس الذي تعرّف إلى العدو صرخ بجنون، واندفع مع رفاقه:

تابع الملك نوڤين سيره بتعبير قاتم. لم يكن أمام تاليس سوى حكّ مؤخرة رأسه واتباعه، وهو غارق في الحيرة.

“إنه (نصل الجراد المهاجر)…”

ارتجف تاليس، وسرعان ما استدار إليها.

قفز أحد الخنجرين من الأرض عائدًا إلى يد المُغتال بشكل غريب، بينما طار الخنجر الآخر إلى الظلام، ولا أحد يدري أين سقط.

ولم يرفع عينيه عنه إلا بعد وقت قصير، قبل أن يرمي الشقية الصغيرة بنظرة، ويقول بخفوت: “أنت حميتها، أليس كذلك؟ لقد حميت حفيدتي حتى في مثل ذلك الخطر، صحيح؟”

وبخنجر واحد فقط، اندفعت هجمات المُغتال بلا انقطاع، وقَطَع فورًا حنجرة أحد الحراس. وعندها فقط وصل كلام الحارس الأخير إلى أذن تاليس.

قال الملك نوڤين وهو يضع يده على كتف تاليس ليطمئنه، بصوت مهيب خرج كأنّه يتردّد في الهواء:

“—بانّيت تشارلتون!”

أظهر تاليس ملامح من يلعن حظه، ثم زفر بضيق.

وفي اللحظة التالية، ورغم الجرح الذي أصاب كتفه، عَضّ المُغتال على أسنانه وأدار جسده بأكمله في قوسٍ مخيف، ثم شقّ طريقه فورًا عبر العقبات كلّها.

تمتم الملك، يكرر ما قاله تاليس.

ارتجف حرس النصل الأبيض جميعًا… وكذلك تاليس.

لكن قبل أن يكمل كلامه، مدّ الرجل في الهواء ذراعيه فجأة. وانطلقت حُزمتان من الضوء نحو حرس النصل الأبيض تحته.

لكن المُغتال كان قد خرج من الحصار بالفعل، واندفع هاربًا في العتمة، يبتلعه الظلام والأنقاض.

واختفى الشعور بالخَدَر الذي يناله المرء بعد النجاة من كارثة، بعدما فاض عرقٌ بارد على جلده في تلك اللحظة.

ظل تاليس واقفًا في مكانه، يحدّق بذهول في ظهر المُغتال وهو يبتعد.

وفي تلك اللحظة، دوّى صوت خطوات مهرولة من بعيد.

(بانّيت تشارلتون؟ هل يكون…؟)

فجأةً، توقّف الجسم الرمادي الهاوي في الهواء.

“آآآآااااه!!” صرخة حزينة مدوية صدرت من “الشقية الصغيرة”.

ظهر جمع من الرجال يحملون المشاعل ومصابيح أبدية.

ارتجف تاليس، وسرعان ما استدار إليها.

خفض الملك نوڤين رأسه بسرعة وثبّت نظره على تاليس. كان ذلك التحديق النافذ يحمل ضغطًا جعل الأمير الثاني يشعر بعدم الارتياح.

لكن قبل أن يستدير تمامًا… شعر بشيءٍ يلمس قدمه بلطف. ارتعد جسده، ثم خفَض رأسه ببطء.

وبخنجر واحد فقط، اندفعت هجمات المُغتال بلا انقطاع، وقَطَع فورًا حنجرة أحد الحراس. وعندها فقط وصل كلام الحارس الأخير إلى أذن تاليس.

واتسعت عيناه إلى أقصى حد.

امتلأت عينا الملك بالأسى.

رأى جسمًا كرويًا يتدحرج إلى قدميه، يتمايل قليلًا.

“مختلّ قام بخطفنا.” حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. “ثم… لقد رأيتَ ما فعله.”

توقّف نَفَس تاليس. ومرّت ثوانٍ عديدة.

هبط المُغتال الهاوي من السماء فوق أحد الحراس، مطيحًا به من وضع الوقوف وجاعلًا وجهه يرتطم بالأرض. رنّ في الهواء صوتٌ مروّع لتحطّم عظم الصدر.

وبينما كانت الشقية تصرخ، وقف تاليس مجمّدًا في مكانه، يترك الدم الطري تحت قدميه يتسرّب إلى حذائه دون أن يشعر. كان ذهنه خاليًا.

صرخ نخبة حرس النصل الأبيض وردّوا سريعًا على الوضع، محيطين بالملك والطفلين.

تنفّس ببطء، ورأسه ما يزال منحنِيًا، يحدّق في عيني الملك المنتخب الذي حكم إكستيدت ثلاثين سنة… رأس الملك نوڤين السابع، المنفصل عن جسده.

اتّكأ الأمير للخلف، ونظر نحو جرف السماء القريب، إلى تمثال رايكارو المهيب وهو يمسك بحربته، مراقبًا المدينة.

كانت الدهشة المذعورة متجمّدة على وجه الملك.

“نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…”

أما الخنجر الآخر—الذي لم يعد إلى يد المُغتال بل طار نحو الظلمة—فقد سقط على الأرض بجانب رأس الملك، وهو يرتجف ارتجافًا خفيفًا.

ومع ذلك، فوجئ المُغتال بأن نصل خنجره لم يستطع التقدّم قيد أنملة. فالمقاتل الذي تلقّى ضربة قاتلة حين مرّت الخناجر بجانبه قبل قليل لم يمت بعد.

وبألمٍ، وندمٍ، وغضبٍ، ورفضٍ للهزيمة… صرخ أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض الكلمة نفسها، فترددت أصواتهم فجأة في الأجواء.

حدّقت في تاليس بذهول، عاجزة عن التفاعل، حتى عندما ربّت على شعرها المبعثر كما لو كان يداعب هِرّة صغيرة.

“لااااا—!”

.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 16 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉عويض المطيري🔥 1004G A🔥 1005Ali Alshamsi🔥 1006Abdulla Alkalbani🔥 1007ahmad aa🔥 1008Ali Souidan🔥 1009mohammad alazmi🔥 10010Gehrman Sparrow🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057الخال!💎 1008F A💎 1009mohaamned alrehaili💎 10010محمد جبران💎 100

وبزغ أول خيطٍ باهت من الضوء في السماء الشرقية. انتهت ليلتهم… وكان النهار على وشك البزوغ.

ولكن ذاك الذي رآه لم يكن يومًا بهذه الخفّة، والسرعة، واللامعقولية.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وبينما أصدر أوامره، أحاط حرس النصل الأبيض بالمُغتال بلا تردّد. ثلاث سيوف مائلة ذات مقابض بيضاء ونصال منحنية انطلقت نحو أسفل بطن المُغتال، وحلقه، وفخذه.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 16 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉عويض المطيري🔥 100
4G A🔥 100
5Ali Alshamsi🔥 100
6Abdulla Alkalbani🔥 100
7ahmad aa🔥 100
8Ali Souidan🔥 100
9mohammad alazmi🔥 100
10Gehrman Sparrow🔥 100

اتسعت عينا تاليس بينما انتزع الجندي بجانبه قربة الماء منه بفظاظة. ركل الملك نوڤين لوحًا جانبيًا وأكمل حديثه الخالي من العاطفة المفعم بالأسى.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط