▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 188: إنّه أنت
***
تحت أوّل خيط من الضوء، كان نيكولاس، “قاتل النجوم”، يسند بذراعه المحارب المُسنّ الجريح بشدّة، غليوارد. وقف الاثنان وسط أنقاض في منطقة الدرع.
كان نيكولاس يحدّق دون تعبير في القادمين نحوهما. كانوا عشرات من فرق الدوريات المجهّزة تجهيزًا كاملًا.
تحدث غليوارد بنفاذ صبر، “ما الأمر؟ إنهم مجرّد دوريات.”
“لا شيء.” مسح نيكولاس صفوف الدوريات أمامه بنظرة حادّة، وانكمشت حدقتاه قليلًا، “هناك شيء غريب فحسب.”
قطّب غليوارد جبينه. “غريب؟”
“نعم… مرسوم جلالته.” قال قاتل النجوم بشكّ، “من المفترض، وفقًا للمنطق، أنه باستثناء حرس النصل الأبيض، لا يُسمح لأي قوة بالاقتراب من منطقة الدرع…”
في تلك اللحظة، انطلقت من بين صفوف الدوريات صوتُ رجلٍ عميق رنان.
“هل هذا اللورد نيكولاس؟”
تنحّى الجنود الذين يحملون المشاعل جانبًا، مُشكّلين ممرًا. ظهر رجلٌ في منتصف العمر، يرتدي ثيابًا شتوية ثقيلة فاخرة، مضفورًا في شعره ثمانية ضفائر، وهو يمسك مقبض سيف على خصره.
ما إن رآه غليوارد، الذي كان مُسنَدًا على كتف نيكولاس، حتى بدا عليه الارتباك الخفيف.
“فلاد؟”
ارتسمت الحيرة في عينيه. “أأنت هو؟”
خمّن نيكولاس في نفسه. فلاد؟
إنه ضابط الانضباط المسؤول عن أسواق مقاطعة السيف… وهو أيضًا شخصية كبيرة موازية لغليوارد بين مؤثّري العالم السفلي في مدينة سحب التنين.
(هو المسؤول عن السوق السوداء تحت المدينة. ولكن لماذا…؟)
تحدث نيكولاس بثبات، “أنا سوراي نيكولاس، قائد حرس النصل الأبيض. هل أصدر جلالته أمرًا برفع حظر التجوّل؟”
قبل أن يجيب الطرف الآخر، ارتفعت من بعيد ألسنة لهب حمراء في السماء. اهتزّ جسد نيكولاس.
قال غليوارد وهو ينظر إلى الألعاب النارية متفكرًا، “لحظة… أعرف هذا. قبل أربعة عشر عامًا، في ساحة معركة الوادي العميق، حين أوقفت الوحدة التي يقودها الأمير سوريا من قِبل الجان البيض، أنت أيضًا أطلقت…”
أصبح وجه نيكولاس في غاية السوء. بالطبع… فهذا هو سهم الإشارة الخاص بحرس النصل الأبيض… نداء الاستغاثة الطارئ من أعلى درجة!
وقبل أن يتكلم قاتل النجوم، تكلّم الرجل الذي يقود الدوريات أولًا.
“كما ترى، جلالته لم يرفع حظر التجوّل بعد، لكننا اضطررنا لمخالفة أوامره والمجيء إلى هنا.”
كان فلاد، ذو الضفائر الثمانية، يحمل على وجهه تعبيرًا بالغ السوء. انحنى لنيكولاس بسرعة، وقال بقلق بالغ، “من فضلكم، تعالوا معي فورًا، يجب أن نصل إلى الملك حالًا!”
تغيّر وجه نيكولاس. “ماذا حدث؟”
ضيّق غليوارد عينيه، وانبسطت على وجهه ملامح الجدّية. وبصفته أحد رؤساء قوى النفوذ في العالم السفلي، كان يعرف فلاد أكثر قليلًا من نيكولاس.
سأل المحارب الأعرج بنبرة مباشرة، “فلاد… هل عثرتم على شيء من خلال قنواتكم؟”
هزّ فلاد رأسه، وزفر نفسًا طويلًا، ثم قال بوجه مكفهرّ، “وصلتنا للتوّ أخبار… لدينا سبب للاعتقاد بأن هناك أعداء تسلّلوا إلى مدينة سحب التنين الليلة مستغلّين الفوضى.”
تفاجأ نيكولاس. تبادل مع غليوارد نظرة سريعة.
بدت على فلاد علامات الجزع. قال الرجل مضفور الشعر بتوتّر،
“إنهم… يحاولون اغتيال جلالته!”
…
كان تاليس يحتضن الشقية التي كانت قد شُلّت تقريبًا من الرعب. كانت شفتاه ترتعشان.
وبعد دقائق طويلة، طرف بعينيه بقوّة بينما كان يحدّق في الجثة العجوز، متسائلًا إن كان ما يراه حقيقة.
(ذلك الشيخ المرعب… الملك المنتخب الشعبي لإكستيدت، الفارس، المهيب، الوقور، القاسي، النبيه، الحذر… الملك المولود… نوڤين والتون السابع…)
(أمات هكذا… بكل بساطة؟)
وقف تاليس في ذهول، يراقب حرس النصل الأبيض وهم يرتجفون بينما يغطّون بقايا الملك.
ارتفعت الألعاب النارية الحمراء فوق رؤوسهم.
قال الحارس الأكبر سنًا، الذي تعرّف إلى القاتل، بصوت أجش، “لقد أُطلقت إشارة الطوارئ.” أعاد القوس إلى كتفه بعد أن كان مصوّبًا نحو السماء، ونظر إلى الملك العجوز الذي انفصل رأسه عن جسده. بدا مُحطّمًا. “سيصل قائدنا وإخواننا الآخرون من حرس النصل الأبيض قريبًا… سيصلون…”
اختنق صوته، ولم يستطع المتابعة. أبعد نظره، لم يقدر على رؤية الملك المُلقى على الأرض.
قال أحد الحرس الآخرين، وهو يتكئ على جرحه، راكعًا أمام جثة رفيقه، “جلالتك… أمام أعيننا… نحن جميعًا… مجرّد عاجزين… مجرمين…”
صرخ محارب آخر، يقف على الجانب الآخر، وهو يقبض بقوّة على سيف ذي مقبض أبيض، تتّقد عيناه غضبًا وكراهية، “الأمر لم ينته بعد! لا يزال على عاتقنا مهمّة… سلالة جلالته لا تزال بحاجة إلى حمايتنا. بعد هذا…”
كانت الشقية تعضّ شفتها السفلى بقوّة، تواجه نظرات عشرات من حرس النصل الأبيض، وقد شحب وجهها وهي تئن بخفوت.
حدّق تاليس في الخنجر المُلقى على الأرض، الملطّخ بعدُ بدماء الملك الرطبة. وسأل بلا وعي، “من كان ذلك المغتال؟”
انتقلت أنظار المحاربين جميعًا نحو أمير الكوكبة في اللحظة نفسها، وكانت كثير من تلك النظرات تحمل غضبًا واتهامًا.
قال الحارس الأكبر بأسى، “أنت تعرفه أكثر منّا… كان ذلك تشارلتون الصغير من (زهرة الاغتيال)… المعروف بـ(نصل الجراد المهاجر)، بانّيت تشارلتون.”
ببطء، لامس تاليس خنجر “ج-ت” عند خصره من الخلف.
نظر إليه الحارس الأكبر بنظرة ذات معنى. “قبل اثني عشر عامًا… أخوه قتل ملكًا آخر. وكان لقبه جيدستار.”
شهق تاليس دون إرادة.
وبعد دقائق، وصلت المساعدة التي ينتظرونها، عقب إطلاق سهم الإشارة. دوّت خطوات منتظمة بينما وصل عدد كبير من الجنود أمامهم. كانوا فرق دوريات مدينة سحب التنين، ما بين مئتين إلى ثلاثمئة رجل.
رفع تاليس حاجبه. هذا غريب قليلًا.
تجهّم حرس النصل الأبيض وهم ينظرون إلى الجنود القادمين.
“لماذا فرق الدوريات؟”
زمجر الحارس الأكبر مخاطبًا الجنود، “أين حرس النصل الأبيض؟”
قال أحد رجال الدوريات القريب من كونه ضابطًا، “سيدي، رأينا إشارتكم فهرعنا مباشرة. لم نلتقِ أحدًا في الطريق. ماذا حدث؟ هل من شيء نستطيع المساعدة فيه؟”
تبادل الحارس الأكبر نظرة مع رفيقه، ثم قال ببطء، “جلالته مصاب… ويحتاج إلى علاج.”
تفاجأ تاليس. التفت إلى بقايا الملك نوڤين التي كان حرس النصل الأبيض يشكّلون حولها حاجزًا منيعًا.
(ماذا؟ هل…؟)
قال ضابط الانضباط، وقد تغيّر لونه، “أين جلالته؟ هل الأمر عاجل؟ سيدي، من فضلكم تعالوا معنا، يمكننا مرافقتكم إلى قصر الروح البطولية.”
وبإشارة من يده، تقدّم جنود الدوريات من الجانبين فورًا.
لكن…
*شق! هس! رنين!*
بلا سابق إنذار، وبلا أدنى تردد، استلّ أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض سيوفهم دفعة واحدة. كانت أنصالهم موجّهة مباشرة نحو رجال الدوريات الذين حاولوا الاقتراب. كان مشهدهم مهيبًا، خفة حركتهم وتناغمهم جعلتهم وكأنهم رجل واحد.
ارتبكت الشقية لبرهة، ونظرت إلى تاليس. فبادلها تاليس بضغطه على يدها بهدوء.
أشار بعينيه. (اهدئي.)
قال ضابط الدوريات، مذهولًا، “سيدي؟ لا أفهم… ما الذي تفعلونه—”
قاطعه الحارس الأكبر.
“لو قبلنا مرافقتكم ودخلنا صفوفكم…” قال الحارس بصوت بارد، “لأصبحنا جميعًا مُحاصَرين.”
جفل الضابط. “سيدي، لا أفهم…”
قال الحارس الأكبر بنبرة جليدية، “قبل أن أنضمّ إلى حرس النصل الأبيض، قضيت بعض الوقت عاملًا ضمن دوريات مدينة سحب التنين. وبعد أن أغضبت فلاد… أُجبرت على الردّ على نداء من الخطوط الأمامية مع المجنّدين. وبعد عدّة معارك كبرى… اختارني كاسلان.”
قطّب ضابط الدوريات حاجبيه.
نظر حارس النصل الأبيض الأكبر بحدة في وجوه رجال الدوريات الواقفين أمامه. مسح بأعينه أياديهم العارية من السلاح، وقلوبهم الهادئة الثابتة، قبل أن يشتدّ بريق عينيه.
“كيف لي أن أنسى… كيف أصبحت دورياتنا نخبة، قوية، ومتمرّسة إلى هذا الحد؟”
فور سماعه ذلك، ارتجّ جسد تاليس كلّه ارتجافًا.
(هذا يعني أنّ…) رأى أفراد الدوريات بنظرة مختلفة تمامًا.
عضَّ ضابط الانضباط شفتيه وكأنّه يراجع كلمات الطرف الآخر.
أومأ محارب آخر من حرّاس النصل الأبيض برأسه، وقال بوقار،
“من الواضح أنّه، إلى جانب كونكم نخبة، فحتى بالمقارنة مع الجنود النظاميين الذين يتدرّبون ثلاث مرّات سنويًا، فأنتم لستم حتى جنودًا متمركزين قرب مدينة سحب التنين!”
ضحك ضابط الانضباط ضحكة مفاجئة.
“يا سيّدي، هذه مدينة سحب التنين. والتميّز على مستوى شبه الجزيرة الغربية هو الشرط الأساسي لقبول أيّ جندي فيها.” هزّ رأسه.
“الرجاء ألّا تشكّكوا بكفاءتنا بناءً على تجاربكم الماضية.” فتح ضابط الانضباط ذراعيه، وقد غمر وجهه العجز والقلق. “ثمّ، هل يبدو ممكنًا أصلًا أن تتمكّن قوات أجنبية من التسلّل سرًا إلى مدينة سحب التنين؟”
عند سماع ذلك، تجمّد تاليس لثوانٍ مذهولًا.
(يبدو أنّ شيئًا ما… قد تسرّب؟)
وفي اللحظة التالية، ارتجف جسده عن آخره.
تبادل حرّاس النصل الأبيض النظرات، ثم قال المحارب المخضرم بنبرة بطيئة، “بغضّ النظر عمّا يكون، علينا انتظار وصول رفاقنا من حرّاس النصل الأبيض.”
“اعذروني على صراحتي. أثناء طريقنا إلى هنا، رأيتُ جثثًا عديدة لحرّاس النصل الأبيض، وأخشى أنّه سيكون من الصعب عليهم إعادة التجمع والوصول إلى هذا المكان.” ومع اتّساع نظرات حرّاس النصل الأبيض دهشةً، أطلق ضابط الانضباط زفرة. “إن كانت إصابة جلالته لا تحتمل التأخير، فنستطيع أن نحيط بكم دائرةً من دون أن نقترب منكم…”
“لا!” دوّى صوت طفل يافع.
التفت الجميع نحو الفتى الذي تكلّم. لم يروا سوى أمير الكوكبة، تاليس، ويداه مشدودتان في قبضة مرتعشة.
كان يلهث بثقل. وفي تلك اللحظة، بدا وكأنّ شرارة ما قد اندلعت في ذهنه. لقد أدرك شيئًا.
“لا تصدّقوهم!” عضّ تاليس على أسنانه. وتحت نظرة الفتاة الصغيرة القلقة والخائفة، ارتجف وهو يواصل، “كان هناك بالفعل حامية نخبوية من القوات الأجنبية قرب مدينة سحب التنين.”
قطّب حرّاس النصل الأبيض جباههم. هدّأ تاليس أنفاسه وهو يراجع بعض النقاط في عقله.
بذل جهده ليتكلّم بثبات.
“وحدة من القوات النظامية المتمرّسة، تستطيع دخول مدينة سحب التنين علنًا وبمبرّرات مشروعة تمامًا… وأنتم أنفسكم تلك الوحدة.”
قطّب ضابط الانضباط جبينه وهو يحدّق في الأمير الذي تكلّم لتوّه. وفجأة، انطلقت تصفيقات عالية من بين صفوف الناس.
***
على بُعد شارعين، كان عدّة أشخاص من الكوكبة عالقين في مواجهة محتدمة.
رفع وايا، مرافق الأمير الثاني، سيفه أحادي الحافة بصعوبة، وهو يصمد أمام سيف ميراندا الطويل في صراع قوة مباشر.
ارتجف وايا وهو ينظر إلى الجهة الأخرى. فقد كان رالف، ذو الذراع المكسورة بشدّة، قد هُزم بسهولة على يد الشرطي كوهين.
صرخ مرافق الأمير، “لا تقتلوه! ليست لدينا نيّة سيّئة!”
“لا نيّة سيّئة؟” وفي الجهة المقابلة، كانت ميراندا تمسك بسيفها بيد واحدة وهي تكبحه بلا هوادة، وعيناها حادّتان. “أنتم من بدأتم!”
“لا أعرف السبب أيضًا!” صاح وايا بقلق. “لكن رالف… هذا الذي يملك قدرة نفسية هو أحد رجال الأمير تاليس!”
“تاليس؟ تعني أحد رجال الأمير؟” كانت ملامح كوهين جامدة وجادّة، يدٌ على سيفه والأخرى ممسكة برالف، وهو يتجاهل نظرة الكراهية في عينيه. هزّ رأسه وقال، “هذا المجرم… من عصابة قوارير الدم؟”
“صحيح!” توسّل وايا بقلق، “كلّنا أعضاء في بعثة الكوكبة الدبلوماسية. يا آنسة ميراندا، ألم نلتقِ من قبل في حصن التنين المحطّم؟!”
رفع كوهين حاجبًا ونظر إلى شريكته.
قالت ميراندا بهدوء، “أعرف أنّك ابن الكونت غيلبرت كاسو، مرافق الأمير. لكن لماذا أنتما هنا، في أخطر مكان في مدينة سحب التنين…؟”
رمقت ميراندا الخرائب المحيطة بنظرة صافية، ثم نظرت إلى وايا ورالف، وقد غمرها الشك.
“… وليس في قصر الروح البطولية تحرسان الأمير في ليلة تعيث فيها كارثة في كلّ مكان؟
أليس هذا مريبًا للغاية؟”
قبض وايا على أسنانه بإحكام. أحسّ بضغط سيف خصمه على موضع يجعل من المستحيل تقريبًا أن يجمع قوته. كانت المعاناة شديدة.
(الأمير اختفى في بلد عدوّ. هذا النوع من…)
“لستُ مُلزَمًا بالإجابة!”
هزّ المرافق رأسه بعناد. “لقد تحمّل الأمير صنوف العناء حتى يصل إلى إكستيدت، وأنتم، ورثة عائلات عظيمة، أصحاب مهارات لافتة، وهويات حسّاسة، وكراهية تاريخية تجاه العائلة الملكية… أليس ظهوركما هنا بلا سبب أكثر ريبة؟!”
“ريبة؟” نفث كوهين ضحكة ساخرة. “إذن كيف تفسّر هذا؟”
رفع ياقة رالف دون اكتراث، وهو يشيح بنظرة الآخر الحاقدة، وقال ببرود، “أتذكّر لقبه. متتبع الريح الشبح، وغد من عصابة قوارير الدم. قبل بضعة أيّام فقط، كان يقتل ويعيث فسادًا في شوارع مدينة النجم الأبدي. كيف أصبح فجأة تابعًا ملازمًا للأمير؟”
لم يستطع وايا الرد.
“لا تحاول خداعي.” قال كوهين بنبرة رجل قانون، وقطّب حاجبيه. “أنت تعلم أنّني أنا من سحق حنجرته حينها!”
اشتعلت عينا رالف فيما شعر بذراعَيه المخدَّرتين، وبصق بقوّة.
(لا. لم يكن هذا الشرطي… بل تلك المرأة…)
(امرأة آل تشارلتون ذات النصلين!)
ضغط وايا على صدغيه بشيء من الألم.
“كيف لي أن أعرف ما الذي اقترفه هذا الوغد في الماضي؟!” دفع سيف ميراندا بجهد، وتقدّم خطوة وهو يصرخ غاضبًا، “لكنّه شريكي الآن!”
تبادل كوهين وميراندا النظرات.
حاول وايا الصمود بكلّ ما لديه من قوّة، لكنه شعر أنه يخسر أمامها من جهة القوّة.
(يا إلهي! لقد صدّتني تمامًا بكل ضربة وهجوم!)
(ميرندا آروند… البذرة الأولى السابقة… هل هي فعلًا مميّزة كما تقول أساطير البرج؟)
قبض وايا على أسنانه بينما غمرته قوة الإبادة في ذراعيه موجدةً وخزًا خفيفًا. حاول تغيير اتجاه سيفه ليصدّ ميراندا بشيء من اليأس.
لكن السيّافة لوت سيفها بمهارة فذّة، لتدفع قوة خصمها جانبًا. عندها تغيّر وجهها هي الأخرى.
(هذا…) عضّت شفتها بخفوت.
“أسلوبك في السيف ليس سيئًا، وحدسك ممتاز أيضًا. يناسب كثيرًا قوى الإبادة، مثل ’سيف هلاك المعمودية’.”
تراجعت ميراندا خطوة، وضيّقت عينيها قليلًا.
“لكن قوّة الإبادة التي تستعملها الآن تتسبّب في شعور خصمك بوخز طاعن أثناء القتال…”
غشا وجه ميراندا تعبيرٌ يقظ. لفظت كلماتها بحذر، “وايا كاسو… هذه القوّة الغريبة من قوى الإبادة… ما علاقتك بسيف الكارثة؟”
هذه المرّة، تبدّل وجه حتى كوهين. أمّا وايا فبقي مذهولًا.
“قوّة إبادة غريبة؟” هزّ وايا رأسه بحيرة. “ما تعلّمته هو ’حدّ اللاعودة’، علّمتني إيّاه السيّدة شارتييه! كانت هي…”
“اصمت.” جمدت ملامح ميراندا. “دافني شارتييه، إحدى ورثة الفئة الفائقة الثمانية في برج الإبادة، وكانت معلمتي!”
رمت السيّافة سيفها الطويل جانبًا، ودفعت ضفيرتها إلى داخل طوقها. عرف كوهين أنّ هذه إشارة إلى أنّها ستصبح جدّية. قالت بصرامة “ولم أسمع قطّ بشيء يُدعى ’حدّ اللاعودة’!”
تبدّل وجه وايا. قال بقلق “إنها قوّة إبادة حديثة التطوّر. لقد تخرّجتم قبل ثلاث أو أربع سنوات—”
لكن الشرطي الأشقر قاطعه.
“حديثة التطوّر؟ تقصد قوّة سيف الكارثة، صحيح؟”
قطّب وايا حاجبيه بضيق. (يا لهم من عنيدين!)
كانت عينا كوهين مرعبتين وهو يقول بصرامة، “لا تخبرني… أنّك أيضًا جزء من خُططهم لاغتيال الأمير. هل كنت عميلهم الداخلي يا ايها المرافق كاسو؟”
دار رأس وايا. لم يعرف كيف يتصرّف.
مضطربًا، عاد إلى وضعية القتال. واشتعل صوته غضبًا، “سأقولها مجددًا. رالف وأنا نحمل مهامًا جسيمة أوكلها إلينا الأمير تاليس شخصيًا. ما تفعلانه الآن… هو خيانة للكوكبة!”
“مهام جسيمة من طفل في السابعة؟ أعلم أنّ سموّه ذكي، لكن للكذب حدودًا.” قال كوهين ببرود.
ازدادت قوّة الإبادة في يده اليسرى، ورمى رالف – الذي لم تعد لديه قوّة لمقاومة شيء – إلى الخلف.
د*وووم!*
ارتطم متتبع الريح الشبح بالخراب، وارتفعت سحابة غبار. لم يتحرك، وكأنه فقد وعيه.
“أنت—” صرخ وايا بغضب.
لكن سيف ميراندا اندفع كأفعى متحرّكة.
*طنين!*
ضرب سيفها مقبض سيف وايا بدقة، فاضطر الأخير – الذي لم يتعافَ من جراحه القديمة – إلى التراجع خطوتين بتعب.
قالت ميراندا بصوت صريح “أخبرنا تفصيلًا عن مهمّتك، أو علاقتك بسيف الكارثة، وماذا تنوون فعله بالأمير… يا ايها المرافق كاسو.”
أسند وايا يده على الأرض ونظر إلى رالف الراقد بصمت وسط الأنقاض، وصاح بمرارة، “اللعنة، لقد أسأتما الفهم منذ البداية! لستُ سيف كارثة! ولم أفعل شيئًا يؤذي الأمير!”
تعاظم لهاثه، وضغط على كتفه المصاب—الجرح الذي احدثوه عشيرة الدم قد انفتح قليلًا.
عند سماع ذلك، تغيّر وجه ميراندا.
ارتجفت حاجبا كوهين وهو يخطو نحو وايا.
“لقد قابلنا شركاءك في مدينة سحب التنين. وكلّ ما نحتاجه هو قليل من التقصّي…”
لكن في اللحظة التي تقدّم فيها خطوتين، أوقفته ذراع ميراندا الممدودة.
“ميراندا؟” رمقه كوهين بدهشة. “لماذا—؟”
“انتظر!” شحب وجهها فجأة، وكأنّ فكرة ما ضربت ذهنها، فتبدّل تعبيرها.
وبعد ثوانٍ قليلة، ارتجفت ميراندا.
نظر إليها كوهين بقلق.
“ميراندا؟”
“كوهين…” ضاق نفسها، وانعقدت حاجباها وهي تحدّق في وايا المشتعل غضبًا. “ما قاله الآن… منذ أن تعرّض الأمير للهجوم قرب الحصن، إلى شائعات مدينة سحب التنين، والمعلومات التي باعها لنا غو، وردّ فعل سيفا الكارثة، وكلمات رافاييل… عندما ربطتُ كل الخيوط معًا، أدركت فجأة…”
ضيّق كوهين عينيه في ذهول.
“ماذا؟ ماذا أدركتِ؟”
حدّقت ميراندا مطولًا في وايا المتجهّم، وقالت بصعوبة،
“ما قاله تَوًّا ذكّرني بأن…
إن لم يكن سيف كارثة…
وإن لم يؤذِ الأمير قط…
فإن كان ذلك صحيحًا بالفعل…”
“ماذا تعنين؟” حكّ كوهين رأسه. “أتقصدين أنّ كلام هذا الفتى صحيح؟”
“ليس كلام الفتى وحده.” تسارعت وتيرة حديث ميراندا من غير إرادة منها، وتمكّن كوهين من سماع القلق جليًّا في صوتها. “بل كلّ ما جرى في مدينة سحب التنين!”
كان وايا يحدّق في النبيلين من الكوكبة أمامه في حيرة.
ارتسمت على وجه السيّافة ميراندا—على غير عادتها—مسحة من الجدية العميقة. “كشف سيوف الكارثة عن أنفسهم حين حاولوا اغتيال الأمير، ولهذا خرجنا لنتقصّى الأمر…”
ارتعش صوتها. “لكن، إن كانت مدينة سحب التنين خالية من سيوف الكارثة، وإن كان سيوف الكارثة لم يسيئوا إلى الأمير—”
“ما الذي تقولينه؟” هزّ كوهين رأسه مقاطعًا. “لقد رأيناهم بأعيننا. المعلّم وتلميذه في الزقاق… قدرات الإبادة خاصّتهم لا تكذب.”
تشبّثت ميراندا بمقبض سيفها، وازداد شحوب وجهها. “لا، أنت لا تفهم! ما رأيناه كان حقًا سيوف كارثة، ولكنهم ليسوا سيوف الكارثة الذين كنّا نبحث عنهم منذ البداية!”
“سيوف الكارثة الذين كنّا نبحث عنهم منذ البداية؟” بدت على كوهين أمارات التفكير. “أتقصدين…”
“فكّر. ما الأمر الذي دفع البرج إلى أن يُوكل إلينا مهمّة البحث عن سيوف الكارثة؟” استدارت ميراندا وحدّقت في كوهين بثبات.
ضيّق كوهين عينيه وهو يستعيد الماضي. “حين كانت كروش تبحث عن الحقيقة وراء محاولة اغتيال الأمير، تعرّضت لهجوم من سيوف الكارثة وفُقِدَت ذراعها اليمنى…”
وفي اللحظة نفسها تغيّرتْ ملامح ميراندا وكوهين تغيّرًا حادًّا. وبأسرع ما لديهم، استدارا ووقفا ظهريهما لبعض، ورفعا رؤوسهما يتفحّصان ما حولهما.
“هناك مَن يقترب!”
أسند وايا جسده على سيفه متحمّلًا ارتداد “حافّة اللاعودة” في جسده، وقال بمشقّة، “هناك نوايا قتل تحيط بنا من كلّ اتجاه. لقد طوقونا تمامًا!”
ارتفعت أصوات خطوات منظّمة، قوية، لا تتردّد.
برزت من خلف الأنقاض أشباحٌ ضخمة، متينة البنية.
وخلال لحظات، وبوجوه متجهّمة، رأى كوهين وميراندا جنودًا يرتدون زيّ وحدات الدورية في مدينة سحب التنين يندفعون نحو موقع الأنقاض من كلّ الجهات.
كانوا مئات، يُطبِقون الحصار إحكامًا حتى إنّ قطرة ماء لن تجد ثغرة تنفذ منها.
حدّق وايا بوجوه الجنود المتجهّمة، المفعمة بنيّة القتل، وقد أخذ القلق يتسلّل إلى قلبه.
“متى…؟”
جالت ميراندا بنظرها في عيون الجنود المتجمّدة، وهمست: “كلّهم مقاتلون بارعون. قد قتلوا وسفكوا الدم من قبل، ولا يحملون في أنفسهم أيّ نيّة حسنة.”
“لِمَ لَم ننتبه إليهم؟” تمتم كوهين بقلق وهو يرفع سيفه بحذر نحو الجنود النخبة.
“أولًا، كنّا نُفرغ كل تركيزنا في قتال هذين الاثنين.” قالتها ميراندا بهدوء لا يخلو من التماسك. “ثانيًا، هؤلاء نخبة. ليسوا دوريات عادية.”
انقسم الجنود المحاصرون لهم ببطء إلى صفّين، ليفسحوا الطريق لشخص واحد.
تجمّدت ميراندا حين رأت الشخص يخرج ببطء من بين الصفوف، وبردٌ جليديّ يعلو وجهها على نحو لم يسبق قطّ.
“ثالثًا، سواء تعلّق الأمر بأساليب تخفي برج الإبادة، أو عاداتنا، أو تحرّكاتنا خلال الأيام الماضية… فقائدهم مطّلع عليها جميعًا بدقّة.”
ظهر ذلك الشخص من بين الجنود، وتقدّم بثبات حتى وقف أمامهم.
كان وايا يحدّق فيه بتبلّد. بينما أطرقت ميراندا رأسها وتنهدت بعمق.
وبفعل ضوء الشمس، رأى كوهين بوضوح السيافة القادمة نحوه وهي ترتدي درعًا رماديًا وسيفًا عند خصرها.
اتّسع فم كوهين وانفتحت عيناه، حتى رمش غير مصدّق.
إنها… الشخص الذي التقيا به قبل وقت قصير فقط…
“كرُو… كروش؟”
بتعبير يغمره الذهول، تعرّف إليها—رفيقة دربه من برج الإبادة، السيّافة التي تحمل لقب “بذرة” مثله.
“ألستِ من المفترض أن تكوني…؟” ارتجفت يد الشرطي لا إراديًا، وحدّق في يد السيّافة اليمنى.
لكن الكلمات اختنقت في حلقه.
تلك اليد اليمنى، اليد التي كان يفترض أن تكون مشلولة بفعل سيوف الكارثة قبل أيام قليلة—كانت الآن تضغط بثبات على مقبض سيفها، وقد حرّكت أصابعها بنشاط.
“إذًا هذا هو الحقّ.” قالت ميراندا، وعيناها مركزتان، وصوتها مثقل بالإرهاق وخيبة الأمل.
لكن الفتاة الجديدة—كروش—لم تُبدِ أيّ رغبة في تذكّر الماضي أو في إظهار الودّ. كانت تكتفي بالتحديق البارد في زميليها السابقين، كأنّها لم تعرفهما قط.
“باسم إكستيدت!” صاحت كروش بصوت عالٍ.
تجمّد كوهين وميراندا في آن واحد.
“لقد حان… وقت الحقيقة.”
رأيا كروش ميرك، زميلتهما من البرج، السيّافة التي كان ينبغي أن ترقد في فراشها، وهي تمسّد شعرها القصير ببرود، وتضغط على مقبض سيفها عند خصرها بعينين لامعتين، حادّتين.
وبصوت بارد لا يعرف التردّد قالت، “ميراندا آروند، كوهين كارابيان، تحت الشبهة بالدخول خلسة إلى مدينة سحب التنين…”
هبط قلب كوهين وميراندا.
تابعت كروش بلا أيّ تعاطف:
“… وبالتآمر مع المجموعة الدبلوماسية للكوكبة لإيذاء آرشيدوق مدينة المنارة المُضيئة، الآرشيدوق كونكراي بوفريت…”
تغيّر وجه وايا تغيّرًا مروّعًا.
“… وكذلك في اغتيال الملك المُنتخب، الملك نوڤين والتون…”
ارتجف الثلاثة من الكوكبة مذهولين.
“ماذا؟!”
واصلت كروش بصوت خالٍ من الانفعال، “… وبالتخطيط لبدء تغيير سياسي في إكستيدت، أنتم تحت الاعتقال!”
كلّ كلمة نطقتها كروش كانت تُسقِط لونًا آخر من وجوه الاثنين، فيما كان وايا يعضّ على شفتيه بقوة.
وقفت ميراندا تحدّق بهدوء في زميلتها السابقة—التي تلقت التدريب ذاته، على يد المعلم نفسه—وقد ازدادت ملامحها تعقيدًا.
أما كوهين فاتّسعت عيناه وظلّ يهزّ رأسه في إنكار، غير قادر على تصديق ما يحدث.
“ألقوا أسلحتكم واستسلموا.” قالت كروش بوجه لا يتغيّر وهي تقف أمام المئة جندي الباقين. سحبت سيفها بحركة رشيقة وأمسكته بيدها، ثم أردفت بنبرة باردة.
“مَن يقاوم… يمُت.”
***
“كما هو متوقّع من حرّاس النصل الأبيض، الفرقة التي تُنتقى من بين ألف رجل.”
صفّق أحدهم، ومع تصفيقه انشقّ الجمع ليفسح الطريق لنَبيلٍ جَلِف في منتصف العمر، يرتدي زيًّا عسكريًا. تقدّم ووقف أمام تاليس وحرّاس النصل الأبيض. “ما أدهى بصرهم وما أشد يقظتهم. إنهم يليقون حقًا بلقب حرّاس التنين الإمبراطوريين.”
قطّب حرّاس النصل الأبيض جباههم وتبادلوا نظرات متحيّرة مذهولة، لكنّ أحدًا لم يُصَب بالصدمة مثل أمير الكوكبة.
“أنت.”
جاهد تاليس جهدَه ليضبط أنفاسه. رفع بصره وحدّق مباشرة في الرجل الذي وقف بين الجمع؛ ذاك الرجل الغريب القريب في آنٍ واحد.
كانت في قلبه مشاعر معقّدة وعواطف غامرة.
كانت هذه النهاية غير متوقّعة… لكنها لا تُدحَض.
“أنت.”
شهق تاليس نفسًا عميقًا وقبض على يد الشقية الصغيرة قبضة غريزية. نظرت إليه بقلق.
“أنت. منذ البداية خطّطتَ لكل ذلك عن عمد. وتحت ذريعة مرافقتنا، أرسلتَ جيشك قرب مدينة سحب التنين، ثم تسللت سرًا واختبأتَ في الظلال.”
شعر تاليس بحلقه يجفّ شيئًا فشيئًا وهو ينطق كلماته التالية بصعوبة: “كلّ ذلك كان لأجل هذه اللحظة.”
أطلق النبيل الجَلِف أمامه شخيرًا ساخرًا، ولم يُظهر أدنى أثر للمشاعر على وجهه المتجمّد.
أدار تاليس رأسه وقد تسلّل قشعريرة إلى جلده، وحدّق في الملك نوڤين الميّت منذ قليل، ثم أغمض عينيه بمشقّة.
“قبل قليل… أنت أيضًا من استأجر المغتال، أليس كذلك؟”
ازدادت أنفاس حرّاس النصل الأبيض ثِقَلاً.
أما الآخر فظلّ صامتًا. وضع يده على غمد السيف القديم البالي عند خصره، لا ينبس ببنت شفة.
“هل أنا مخطئ؟”
فتح تاليس عينيه وحدّق في الرجل أمامه.
ومع ذلك، بقي الآخر صامتًا، وظلّ على صمته حتى حين تنفّس أمير الكوكبة بعمق، وفي وسط حيرته وألمه، لفظ الاسم واللقب بوضوح:
“سعادة آرشيدوق الرمال السوداء… تشابمان لامبارد؟”
حرّك النبيل الجَلِف ذو الزي العسكري، الآرشيدوق لامبارد، عينيه وحدّق في تاليس بنظرة حادّة كالسهم.
شعر تاليس ببرودة لا نهاية لها تزحف إلى قلبه. خيّم الصمت. امتلأت أعين حرّاس النصل الأبيض بالغضب والكراهية، بينما اتّسمت أعين جنود جيش إقليم الرمال السوداء بالبرود والعزم على القتل.
بقي الصمت مسيطرًا حتى تكلّم النبيل الجَلِف أخيرًا بصوته المنخفض الجَهوري، صوتٍ كالبرق.
“يا للأسف.” رفع آرشيدوق الرمال السوداء حاجبيه وقال ببرود، “إن الملك العظيم المولود، الملك نوڤين والتون، كيف له أن يموت في حادثٍ كهذا الليلة؟ كان يجدر به أن يبقى في قصر الروح البطولية.”
قبض تاليس قبضته بقوّة. شعر بأن الشقية الصغيرة خلفه بدأت ترتجف مجددًا.
“أتعلم؟ إنه شقيق أمي الأكبر؛ قريبي.”
ضيّق لامبارد عينيه، ثم خطا خطوات قصيرة حتى صار على بُعد مترين فقط منهم، وحدّق في الركن الذي احتشد فيه حرّاس النصل الأبيض غاضبين.
“وأنا أيضًا… أحزن عندما أفقد قريبًا.”
سحب تشابمان لامبارد سيفه من الغمد البالي الذي تقشّر جلده كلّه. كان السيف نفسه الذي غرسه بيده في صدر شقيقه الأكبر في معركة سابقة.
سسووش!
ولمّا رأى “ضابط الانضباط” حركة الآرشيدوق، أطلق إيماءة خفيفة بيده. وفي لحظة، اشتعل الجوّ المشحون أصلًا اشتعالًا خطيرًا.
طَخ!
اتخذ جنود إقليم الرمال السوداء في الصفّ الأول خطوة للأمام بنية القتل. أمّا حرّاس النصل الأبيض، على قلّتهم، فحدّبوا ظهورهم دفعة واحدة ووضعوا نصالهم عند دروع أذرعهم دون أن يتراجعوا.
“تراجعوا، أيها الخَوَنة من إقليم الرمال السوداء،” حذّر كبير حرّاس النصل الأبيض بصوت بارد كالحدّ،
“وإلا فستتذوّقون غضب هذه السيوف البيضاء.”
لكن جنود الرمال السوداء لم يتراجعوا.
ضحك القائد ذو هيئة ضابط الانضباط بخفوت وقال، “حسنٌ. انتظرنا هذا طويلًا، يا أصحاب السعادة.”
اشتدّ التوتّر.
“هل نتحدّث قليلًا، يا صاحب السعادة؟” تنفّس تاليس بعمق.
حدّق في الآرشيدوق لامبارد بنظرة معقّدة، ثم في الفارق الهائل بين عدد الرجال على الجانبين.
“قد تكون… هناك سُبُل أخرى لحلّ مسألة هذه الليلة.”
أدار تشابمان لامبارد رأسه قليلًا. نظر إلى أمير الكوكبة نظرة خالية من أي شعور، كما لو كان ينظر إلى جثّة.
“ألم تنسَ يا امير تاليس؟” رفع الآرشيدوق حاجبيه، وقد تراكم جليدٌ أبديّ على ملامح وجهه.
“لستُ من يمتنع عن التفاوض.”
اختبأت الشقية الصغيرة خلف تاليس بخوف.
“ياللأسف…”
قطّب الأمير الثاني جبينه وحدّق فيه بعدم تصديق، مستعيدًا ذكرى لقائهما الأول.
هزّ لامبارد رأسه ببطء دون تغيير في ملامحه، “… الأطفال ليسوا أهلًا للنبيذ.”
أغمض تاليس عينيه وزفر زفرة خفيفة.
“هاه…”
اللعنة.
في اللحظة التالية، ضغط آرشيدوق الرمال السوداء برفق على سيفه واستنشق نَفَسًا. كانت في عينيه برودة لا تنتهي.
“كونوا سريعين.” أمرَ الآرشيدوق جيشه بوجهٍ جامد.
“لا تُبقوا أحدًا حيًّا… خصوصًا ذلك الصبي.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
