اختر مَن تُريد أن تُصبح
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وهذه اراضي شمال. عبر التاريخ… النبلاء والعامة لم يسمحوا قط لفتاة بأن تكون ارشيدوقة.” نزعت نظارتها وهي تهز رأسها بأسى.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.
Arisu-san
تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”
الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح
دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.
***
كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.
طَرق.
“اشربا ببطء.” تمتم غُو وهو يراهم يلتهمون الطعام بنهم، مطلقًا تنهيدة.
ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.
مرّت ثوانٍ.
تاليس والشقية، اللذان كانا يغسلان وجهيهما بالماء البارد في الزاوية، رفعا رأسيهما في حيرة. حدّقا في غُو عديم التعبير.
مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”
شعور الجوع، الذي كان قد اختفى تحت وطأة الرعب والخوف من قبل، عاد يتّقد في معدة الأمير.
وباتت شهقاتها أكثر وضوحًا. “تاليس، أنا… لا أريد أن أصبح سارُوما. لستُ من آل والتون… وما طلبه مني جلالته… لا أستطيع فعله…”
“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”
كانت مجرد طفلة.
قرقرَ بطنُ الشقية في اللحظة المناسبة.
تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.
نظرت الفتاة بخجل إلى الصبي الذي بجانبها—وابتلع تاليس ريقه.
“مثل أمير.”
“والآن؟”
“هل أنتِ الشقية؟ تلك الخادمة التي تُنجز الواجبات بدل غيرها؟ أم أنتِ دودة كتاب في المكتبة؟ أم أنتِ سارُوما والتون؟ أم فتاة مسكينة وجدت نفسها وسط هذه الفوضى بلا حول ولا قوة؟”
حدّق غُو بالطفلين المذهولين وهو يقطّب جبينه، ثم قال بضيق، “هل تنتظران مني أن أقدّم لكما مناديل وأسكب لكما نبيذ العنب، يا سيّديَّ الصغيرين؟”
“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”
ما إن قال هذا حتى تبادل تاليس والشقية النظرات وارتفع جفناهما بدهشة.
“إذًا…” وضع غُو يده اليمنى فوق ظهر يده اليسرى. تحرّكت أصابعه صعودًا وهبوطًا كأمواج البحر، وهو يطرق الطاولة ببطء.
وفي اللحظة التالية، وثبا إلى الكراسي كفرسين أُطلق عنانهما. رفعا وعاءيهما وشرعا يلتهمان المرق.
“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”
“اشربا ببطء.” تمتم غُو وهو يراهم يلتهمون الطعام بنهم، مطلقًا تنهيدة.
“عندما تنتهيان، سنتحدث بشأن الأمور المهمة.”
“عندما تنتهيان، سنتحدث بشأن الأمور المهمة.”
أُجبرت على رؤية كل هذا.
خلال بضع دقائق، كان الطفلان الجائعان قد أنهيا مرق اللحم. استرخيا على الكراسي، يدعكان بطونهما المنتفخة، يلهثان.
حدّق غُو بالطفلين المذهولين وهو يقطّب جبينه، ثم قال بضيق، “هل تنتظران مني أن أقدّم لكما مناديل وأسكب لكما نبيذ العنب، يا سيّديَّ الصغيرين؟”
حتى إن الشقية أطلقت تجشؤًا عاليًا. خفّضت رأسها بقلق.
اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
رفع تاليس حاجبه. “الآن، خذي غفوة. نحتاج إلى القوة والتحمّل.”
“إذًا…” وضع غُو يده اليمنى فوق ظهر يده اليسرى. تحرّكت أصابعه صعودًا وهبوطًا كأمواج البحر، وهو يطرق الطاولة ببطء.
“كل هذا… متى سينتهي؟”
قبل أن يُكمل غُو كلامه، التقط تاليس أنفاسه، ثم رفع رأسه وقال بقلق، “ن-نحن نحتاج المساعدة!”
ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.
“أجل، أستطيع رؤية ذلك…” حدّق به غُو من أعلى إلى أسفل. كانت عيناه مليئتين بالازدراء. “أخبرني بشيء لا أعرفه سلفًا.”
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
وبينما كان ممسكًا بنظرة تاليس، قال غُو بلامبالاة، “على سبيل المثال، في هذه الليلة الفوضوية، قبيل الفجر، لماذا يتجوّل طفلان في منطقة درع الجسد، التي كان من المفترض إخلاؤها منذ وقت طويل؟”
“هاه؟”
“وحتى إنكما تجوّلتما بطريقة مهينة، ككلابٍ ذليلة تطوي ذيولها.”
وفي العتمة، دوّى صوت الشقية الخجول: “تاليس، هل أنت حقًا في السابعة؟”
ارتبك تاليس قليلًا وقال بعفوية، “نحن…”
وفي العتمة، دوّى صوت الشقية الخجول: “تاليس، هل أنت حقًا في السابعة؟”
لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.
أطبق عينيه بهدوء.
خبرته وغريزته كأمير أخبرتاه أن المرء لا يستطيع دائمًا مقايضة كل المعلومات مقابل الإخلاص أو التفهّم: تعلم ذلك من أمثلة سيرينا والسيف الأسود.
(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)
“لقد وقعنا في ورطة.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا وقال بجدية، “نحتاج الوصول سرًا إلى قصر الروح البطولية دون أن يلحظنا أحد. هل يمكنك مساعدتنا؟”
تنفّس تاليس بارتياح.
“سنكافئك!”
تنفّس تاليس طويلًا.
توقف غُو عن النقر. تشدّدت يداه في قبضتين وهو يحدّق في تاليس دون أن يتحرك.
وباتت شهقاتها أكثر وضوحًا. “تاليس، أنا… لا أريد أن أصبح سارُوما. لستُ من آل والتون… وما طلبه مني جلالته… لا أستطيع فعله…”
كانت نظرته هادئة، مثل سطح بحيرة ساكنة. ومع ذلك، أرعبت تاليس.
غامت عينا الشقية بالارتباك شيئًا فشيئًا.
لم يستطع إلا أن يجلس مستقيمًا ويعدّل ثيابه.
Arisu-san
(رجل الشرق الاقصى هذا…)
“لذا، لا تخافي. لا ترتبكي. أمامك خيارات كثيرة.” أمسك تاليس يد الشقية بلطف، وقال بإخلاص: “حين نخرج من هنا، ستبحثين عن حقيقتك، وتختارين من تريدين أن تكونيه—ولو أردتِ المغادرة أو البقاء، فلن أمنعك.”
(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)
“لقد وقعنا في ورطة.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا وقال بجدية، “نحتاج الوصول سرًا إلى قصر الروح البطولية دون أن يلحظنا أحد. هل يمكنك مساعدتنا؟”
وقبل أن يفقد أعصابه، بدأ غُو يتحدث ببطء، “قصر الروح البطولية؟”
“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”
“هل هو صراع قوى آخر بين النبلاء؟”
لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.
ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.
خلال بضع دقائق، كان الطفلان الجائعان قد أنهيا مرق اللحم. استرخيا على الكراسي، يدعكان بطونهما المنتفخة، يلهثان.
كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.
“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”
“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”
قالت آيدا إن نائب الدبلوماسي أرسل رجالًا للبحث عنه. ربما يستطيع أيضًا إرسال أحدهم…
حدّق غُو في تاليس تحت الضوء الخافت.
“وماذا بعد؟” اتسعت عينا الشقية. “كيف كان ردّه؟”
“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”
“تاليس”، قالت الشقية بصوت متهدّج، “أشعر وكأنني في حلم.”
هزّ الشرقي رأسه. البرودة في زاوية عينه جعلت تاليس يرتجف. “آسف، لا أدين لكاسلان بكل هذا.”
ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.
لقد رفضهما.
“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”
أدار تاليس رأسه بقلق نحو الشقية.
ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.
لم يستطيعا البقاء هنا وانتظار المصيبة لتلحق بهما.
“في لحظات اليأس، حين واجهنا تلك الوحوش البشعة، وحين كنتُ في أشد الخطر، لم تتخلّي عني ولو مرة—حتى وإن كان مصيرك قد يكون موتًا مؤلمًا.”
عملية لامبارد، اغتيال نوڤين، المصائب التي واجهاها… كان يجب…
“مثل أمير.”
“ماذا عن التواصل مع أحدهم؟”
(لا.)
رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”
“سنكافئك!”
في مواجهة نظرة تاليس القلقة، ابتسم غُو.
تنفّس تاليس طويلًا.
“لن يكون الأمر سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا.” ضيّق غُو عينيه. “إلى من أنقل رسالتكما؟”
أهدى تاليس ابتسامة حزينة راضية.
تنفّس تاليس بارتياح.
لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”
حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.
استمع تاليس لنصيحته في حيرة.
تجمّدت الشقية.
أول من خطر بباله كان بيوتراي.
حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.
قالت آيدا إن نائب الدبلوماسي أرسل رجالًا للبحث عنه. ربما يستطيع أيضًا إرسال أحدهم…
ضم تاليس شفتيه، هازًا رأسه بعجز.
(لا.)
“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.
هزّ الأمير رأسه داخليًا.
(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)
لم يكن يعلم مدى إحكام رقابة لامبارد في مدينة سحب التنين، لكن إن كانت الأمور سيئة كما توقع، فالمجموعة الدبلوماسية التابعة للكوكبة بقيادة بيوتراي ستكون هدفًا رئيسيًا لاهتمام لامبارد.
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
وجودهم سيكون صارخًا في مدينة تئن بالكوارث، تحت حظر تجول في كل منطقة. فحتى لو عرفوا موقعه، سيُوقَفون غالبًا قبل الوصول إليه.
ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.
ينطبق الأمر ذاته على رجال الملك نوڤين، مثل نيكولاس.
“لا.” خفض رأسه بحزن. “أنا من جرّك إلى هذا.”
كان بحاجة لاسمٍ آخر.
(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)
عقد تاليس حاجبيه. (شخصٌ موثوق، له تعاملات سرية مع الملك نوڤين ومع لامبارد، لكنه يبدو محايدًا… شخص غير لافت… ويفضّل أن يمتلك حِيَلًا وعلاقات يمكنه استغلالها بعد حصوله على الرسالة.)
تمعنت فيه الشقية، كأنها تراه لأول مرة.
ركزت عينا تاليس.
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”
أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”
ثبتت عينا غُو عليه.
“سنكافئك!”
مرّت خمس ثوانٍ، ثم أومأ الشرقي ببطء.
أُجبرت على رؤية كل هذا.
زفر تاليس بارتياح.
تنفّس الأمير بعمق.
بعد دقائق، ارتدى غُو عباءة ذات قلنسوة ووقف عند العتبة.
(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.
“لست متأكدًا من مدة غيابي. العثور على الأشخاص يستغرق وقتًا—قد يكون بضع عشرات من الدقائق، وقد يكون أطول.” قال غُو بصرامة. “إلى ذلك الحين، لا تتحركا. لا تلمسا شيئًا في متجري.”
“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”
اومئ تاليس ايماءة فهم.
فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.
تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.
كان بحاجة لاسمٍ آخر.
“السيد غُو.” ومع تسلل الضوء إلى محل الجزار بينما كان يهم بالخروج، قال تاليس بسرعة، “شكرًا لك.”
لم يكن يعلم مدى إحكام رقابة لامبارد في مدينة سحب التنين، لكن إن كانت الأمور سيئة كما توقع، فالمجموعة الدبلوماسية التابعة للكوكبة بقيادة بيوتراي ستكون هدفًا رئيسيًا لاهتمام لامبارد.
التفت غُو، وارتسمت على وجهه نظرة غامضة.
التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.
ابتسم نصف ابتسامة، وأومأ.
“مثل أمير.”
لكن كلماته الأخيرة قبل مغادرته المحل جعلت تاليس يرتجف.
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
“انتظر بصبر، يا صاحب السمو.”
“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”
ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.
“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”
ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.
(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)
التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.
لم يستطيعا البقاء هنا وانتظار المصيبة لتلحق بهما.
(إذًا كان يعرف هويتي منذ البداية؟)
ابتسم نصف ابتسامة، وأومأ.
(لهذا لم يسألني عنها.)
هزّ الشرقي رأسه. البرودة في زاوية عينه جعلت تاليس يرتجف. “آسف، لا أدين لكاسلان بكل هذا.”
حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.
ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.
(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)
(لهذا لم يسألني عنها.)
(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)
Arisu-san
دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.
“وماذا عنك؟” بعد ثوانٍ، رفعت الشقية ذقنها، تبدو كمن يغرق ويبحث عن قشّة نجاة. “في رأيك… من أكون؟ هل يفترض بي أن أكون خادمة؟”
صعد بصعوبة إلى الكرسي قرب الطاولة، ورفع كأسًا خشبيًا وشرب رشفة ماء.
“لأنك أنت أنت.”
لمح الشقية إلى جانبه.
(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)
كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.
“في لحظات اليأس، حين واجهنا تلك الوحوش البشعة، وحين كنتُ في أشد الخطر، لم تتخلّي عني ولو مرة—حتى وإن كان مصيرك قد يكون موتًا مؤلمًا.”
تنهد تاليس داخليًا.
(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.
“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”
قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”
“هاه؟”
(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
استمع تاليس لنصيحته في حيرة.
ضم تاليس شفتيه، هازًا رأسه بعجز.
ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.
“تحتاجين الراحة. قد نضطر للتحرك قريبًا.” نظر إليها بنبرة مهدّئة قدر استطاعته.
“ستصبحين الشخص الذي تختارينه أنت.”
لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.
ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.
“تاليس”، قالت الشقية بصوت متهدّج، “أشعر وكأنني في حلم.”
كانت عيناها تلمعان خلف عدستيها.
خفضت رأسها. “كابوس… كابوس لا ينتهي.”
لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.
توقّف نفس تاليس للحظة.
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”
أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”
كانت عيناها تلمعان خلف عدستيها.
هزّ الأمير رأسه داخليًا.
“كل هذا… متى سينتهي؟”
“وقبل ذلك، لا تفكري في شيء. أنتِ الآن مجرد رفيقة مخلصة لي في رحلة النجاة.” ثبّت تاليس نظره فيها.
أغمض تاليس عينيه. غمر قلبه حزنٌ مُثقِل لا يُقال.
هكذا قال لي.”
كانت مجرد طفلة.
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
أكبر قليلًا فقط من كوريا ورايان وسينتي.
“السيد غُو.” ومع تسلل الضوء إلى محل الجزار بينما كان يهم بالخروج، قال تاليس بسرعة، “شكرًا لك.”
أُجبرت على رؤية كل هذا.
ضحك دون قصد.
“قريبًا.”
“لن يكون الأمر سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا.” ضيّق غُو عينيه. “إلى من أنقل رسالتكما؟”
سمع نفسه يقول بصوتٍ فارغ، “قريبًا سينتهي كل شيء… سيكون الأمر بخير…”
شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.
لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.
عملية لامبارد، اغتيال نوڤين، المصائب التي واجهاها… كان يجب…
(لا. من اللحظة التي تُصبِحين فيها والتون… لن ينتهي شيء مما رأيته.)
عاد تاليس بنظره إليها. “قلتُ له: ’لا.’”
سمع نفسه يقول ما لا يؤمن به. “عندما نعود إلى عائلة والتون، وإلى من يخدمونهم، سنكون بخير. مهما كانت مقاصدهم، سيحمون دماء عائلة رمح التنين.”
“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”
ارتجفت الشقية.
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
وباتت شهقاتها أكثر وضوحًا. “تاليس، أنا… لا أريد أن أصبح سارُوما. لستُ من آل والتون… وما طلبه مني جلالته… لا أستطيع فعله…”
“ماذا عن التواصل مع أحدهم؟”
لم يتحدث تاليس. شدّ قبضته وحدّق في الأرض.
تجمّدت الشقية.
“صحيح.” شهقت الشقية. كانت عيناها حمراوين. “أنا مجرد خادمة أُخذت من بيتٍ مليء بالأيتام، لست… لست السيدة أليكس.”
أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”
ظلّ تاليس صامتًا.
رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”
“وفوق ذلك، أنا فتاة.”
ساد الصمت محل الجزار الصغير.
وهذه اراضي شمال. عبر التاريخ… النبلاء والعامة لم يسمحوا قط لفتاة بأن تكون ارشيدوقة.” نزعت نظارتها وهي تهز رأسها بأسى.
ما إن قال هذا حتى تبادل تاليس والشقية النظرات وارتفع جفناهما بدهشة.
“دعني أرحل. لا أستطيع تنفيذ ما أمر به جلالته… أنا… سأفسد الأمر. لا أعرف شيئًا!”
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
نظر تاليس إلى دموعها، ثم رفع ذقنه ببطء.
أهدى تاليس ابتسامة حزينة راضية.
“تستطيعين.”
***
توقفت شهقاتها دفعة واحدة.
“قال: ’لا بأس.’
رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”
“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”
قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”
تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.
شهقت الشقية.
أول من خطر بباله كان بيوتراي.
“لقد رحل الملك نوڤين. ومن غير المعلوم إن كان نيكولاس حيًّا أم ميتًا. أمّا ميرك…” حدّق تاليس فيها بهدوء، نازلًا عن كرسيّه، وخطى إليها. “الآن، لا أحد يستطيع إجبارك على أن تكوني سارُوما والتون.”
“لقد رحل الملك نوڤين. ومن غير المعلوم إن كان نيكولاس حيًّا أم ميتًا. أمّا ميرك…” حدّق تاليس فيها بهدوء، نازلًا عن كرسيّه، وخطى إليها. “الآن، لا أحد يستطيع إجبارك على أن تكوني سارُوما والتون.”
اقترب تاليس منها ببطء.
ضحكت الشقية بخفة.
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)
“لديك فرصة للابتعاد عن هذه الفوضى. مدينة سحب التنين في اضطراب، ولن يلاحظ أحدٌ اختفاء خادمة صغيرة.” ثبت تاليس نظره في نظرة الشقية المذهولة. “وفوق ذلك، لقد حدثت أمور كثيرة في قصر الروح البطولية وحده…”
كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.
شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.
شعور الجوع، الذي كان قد اختفى تحت وطأة الرعب والخوف من قبل، عاد يتّقد في معدة الأمير.
“حقًا؟”
رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”
كان في صوتها دهشة مشوبة بالريبة، ثم تحوّل إلى خوف وفزع. “لكن… لماذا أنت…”
توقّف تاليس، واقفًا على بُعد خطوات قليلة عن كرسيّها.
توقّف تاليس، واقفًا على بُعد خطوات قليلة عن كرسيّها.
اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”
أرخى قبضته، وحدّق في عينيها الخضراوين. ثم انفرجت شفتاه بابتسامة خفيفة.
ذكره ذلك بليلتها التي نامت فيها قرب سريره في غرفة الضيافة.
“لأنك أنت أنت.”
ضحك دون قصد.
“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”
“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”
أغلق تاليس عينيه، ثم فتحهما من جديد.
ظهر في ذهنه ذلك الرجل الضخم، وتلك العينان الزرقاوان المخيفتان.
“ستصبحين الشخص الذي تختارينه أنت.”
“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”
“قريبًا.”
حدقت الشقية في تاليس، وذلك الصبي الغريب يهديها ابتسامة مُرّة.
في مواجهة نظرة تاليس القلقة، ابتسم غُو.
مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”
“هل أنتِ الشقية؟ تلك الخادمة التي تُنجز الواجبات بدل غيرها؟ أم أنتِ دودة كتاب في المكتبة؟ أم أنتِ سارُوما والتون؟ أم فتاة مسكينة وجدت نفسها وسط هذه الفوضى بلا حول ولا قوة؟”
تجمّد نظر تاليس.
(لا.)
حدّق فيها صامتًا، ثم تنفّس بحزن. “نعم.”
“مَن أنتِ؟”—كان السؤال ذاته الذي طرحه عليها يوم التقيا.
“مثل أمير.”
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اتسعت عينا الشقية بدهشة واضحة. تجمّدت، وعيناها مشدودتان إلى تاليس.
(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)
تنفّس الأمير بعمق.
“كل هذا… متى سينتهي؟”
تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
(“بعد أن يُمنح لقب جيدستار، عليه ان يقاتل من أجل الكوكبة، ويموت من أجل الكوكبة، ويحيى من أجل الكوكبة.”)
لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.
أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.
تنفّس تاليس الصعداء.
“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”
اقترب تاليس منها ببطء.
هزّ تاليس رأسه، متجاهلًا نظرتها الحائرة، وأكمل:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هل أنتِ الشقية؟ تلك الخادمة التي تُنجز الواجبات بدل غيرها؟ أم أنتِ دودة كتاب في المكتبة؟ أم أنتِ سارُوما والتون؟ أم فتاة مسكينة وجدت نفسها وسط هذه الفوضى بلا حول ولا قوة؟”
ضحك دون قصد.
تجمّدت الشقية في موضعها، واشتدّ تنفّسها.
سمع نفسه يقول بصوتٍ فارغ، “قريبًا سينتهي كل شيء… سيكون الأمر بخير…”
“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”
“حقًا؟”
“مَن أنتِ؟”—كان السؤال ذاته الذي طرحه عليها يوم التقيا.
“لأنك أنت أنت.”
غامت عينا الشقية بالارتباك شيئًا فشيئًا.
توقّف نفس تاليس للحظة.
“العودة إلى كونك الشقية بدافع الخوف والعادة؛ اختيار أن تصبحي فتاة والتون بدافع الغرور؛ اختيار الهرب من كل شيء بدافع الضغط— أظن أنّ هذه الخيارات كلها من طبيعة واحدة. فهي ليست ما تريدينه حقًا، بل ما تُجبَرين على أن تكونيه قبل أن تستعدّي لذلك.”
“أنتِ؟”
ساد الصمت محل الجزار الصغير.
ضحك دون قصد.
جلست الشقية في كرسيّها تحدّق في تاليس الواقف أمامها.
“لماذا تعرف كل هذا؟”
كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.
كان بحاجة لاسمٍ آخر.
“وماذا عنك؟” بعد ثوانٍ، رفعت الشقية ذقنها، تبدو كمن يغرق ويبحث عن قشّة نجاة. “في رأيك… من أكون؟ هل يفترض بي أن أكون خادمة؟”
“وفوق ذلك، أنا فتاة.”
“أنتِ؟”
هزّ رأسه. “أنتِ فتاة مسكينة سيئة الحظ، جُرّت إلى كل هذه المتاعب معي.”
ابتسم تاليس.
حدقت الشقية في تاليس، وذلك الصبي الغريب يهديها ابتسامة مُرّة.
هزّ رأسه. “أنتِ فتاة مسكينة سيئة الحظ، جُرّت إلى كل هذه المتاعب معي.”
فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.
انطفأت عينا الشقية. خفضت رأسها، وعبست شفتيها.
رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”
“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”
سمع نفسه يقول ما لا يؤمن به. “عندما نعود إلى عائلة والتون، وإلى من يخدمونهم، سنكون بخير. مهما كانت مقاصدهم، سيحمون دماء عائلة رمح التنين.”
أهدى تاليس ابتسامة حزينة راضية.
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”
تمعنت فيه الشقية، كأنها تراه لأول مرة.
رفعت الشقية رأسها، وفي عينيها دهشة وإشراقة خفيفة.
شهقت الشقية.
“ومما رأيتُه، لستِ بلا مؤهلات لتكوني من آل والتون.”
تنهد تاليس داخليًا.
تابعت الشقية التحديق فيه، فأكمل تاليس.
“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”
“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”
“اشربا ببطء.” تمتم غُو وهو يراهم يلتهمون الطعام بنهم، مطلقًا تنهيدة.
استعاد تاليس أحداث الأمس، وكأنها ذكريات قديمة تبهت مثل صفحات صفراء.
تجمّدت الشقية في موضعها، واشتدّ تنفّسها.
“في لحظات اليأس، حين واجهنا تلك الوحوش البشعة، وحين كنتُ في أشد الخطر، لم تتخلّي عني ولو مرة—حتى وإن كان مصيرك قد يكون موتًا مؤلمًا.”
خلال بضع دقائق، كان الطفلان الجائعان قد أنهيا مرق اللحم. استرخيا على الكراسي، يدعكان بطونهما المنتفخة، يلهثان.
حدّق الأمير في عيني الشقية.
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.
“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”
“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.
كان بحاجة لاسمٍ آخر.
رمشت الشقية.
أغمض تاليس عينيه. غمر قلبه حزنٌ مُثقِل لا يُقال.
ظهر في ذهنه ذلك الرجل الضخم، وتلك العينان الزرقاوان المخيفتان.
Arisu-san
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
“أنتِ؟”
“قال لي: ’هل أنت مستعد؟’”
لم يكن يعلم مدى إحكام رقابة لامبارد في مدينة سحب التنين، لكن إن كانت الأمور سيئة كما توقع، فالمجموعة الدبلوماسية التابعة للكوكبة بقيادة بيوتراي ستكون هدفًا رئيسيًا لاهتمام لامبارد.
ضحك دون قصد.
“لقد وقعنا في ورطة.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا وقال بجدية، “نحتاج الوصول سرًا إلى قصر الروح البطولية دون أن يلحظنا أحد. هل يمكنك مساعدتنا؟”
“وكيف أجبتَه؟” سألت الشقية بشغف.
قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”
عاد تاليس بنظره إليها. “قلتُ له: ’لا.’”
رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”
“وماذا بعد؟” اتسعت عينا الشقية. “كيف كان ردّه؟”
رفع تاليس حاجبه. “الآن، خذي غفوة. نحتاج إلى القوة والتحمّل.”
ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.
“مثل أمير.”
مرّت ثوانٍ.
“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”
تنفّس تاليس طويلًا.
لقد رفضهما.
“قال: ’لا بأس.’
فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.
لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’
كان في صوتها دهشة مشوبة بالريبة، ثم تحوّل إلى خوف وفزع. “لكن… لماذا أنت…”
هكذا قال لي.”
“تاليس”، قالت الشقية بصوت متهدّج، “أشعر وكأنني في حلم.”
تجمّدت الشقية.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.
قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”
وابتسم الأمير ابتسامة ظنها الأكثر ثقة.
“لقد وقعنا في ورطة.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا وقال بجدية، “نحتاج الوصول سرًا إلى قصر الروح البطولية دون أن يلحظنا أحد. هل يمكنك مساعدتنا؟”
“لذا، لا تخافي. لا ترتبكي. أمامك خيارات كثيرة.” أمسك تاليس يد الشقية بلطف، وقال بإخلاص: “حين نخرج من هنا، ستبحثين عن حقيقتك، وتختارين من تريدين أن تكونيه—ولو أردتِ المغادرة أو البقاء، فلن أمنعك.”
أكبر قليلًا فقط من كوريا ورايان وسينتي.
حدّقت فيه الشقية، وفمها مفتوح بدهشة.
خفضت رأسها. “كابوس… كابوس لا ينتهي.”
“وقبل ذلك، لا تفكري في شيء. أنتِ الآن مجرد رفيقة مخلصة لي في رحلة النجاة.” ثبّت تاليس نظره فيها.
انطفأت عينا الشقية. خفضت رأسها، وعبست شفتيها.
“هذا كل ما في الأمر.”
اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”
تمعنت فيه الشقية، كأنها تراه لأول مرة.
الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح
ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”
استلقى الطفلان على كرسيّيهما، مغمضين أعينهما، بسلام مؤقت.
رفع تاليس حاجبه. “الآن، خذي غفوة. نحتاج إلى القوة والتحمّل.”
تنفّس تاليس الصعداء.
أومأت الشقية طائعة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تنفّس تاليس الصعداء.
ظهر في ذهنه ذلك الرجل الضخم، وتلك العينان الزرقاوان المخيفتان.
لقد هدّأها أخيرًا.
توقّف تاليس، واقفًا على بُعد خطوات قليلة عن كرسيّها.
استدار، وعاد إلى كرسيّه.
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.
استعاد تاليس أحداث الأمس، وكأنها ذكريات قديمة تبهت مثل صفحات صفراء.
“تاليس…” همست الشقية من خلفه، “شكرًا لك.”
كانت نظرته هادئة، مثل سطح بحيرة ساكنة. ومع ذلك، أرعبت تاليس.
توقّف تاليس.
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.
“لا.” خفض رأسه بحزن. “أنا من جرّك إلى هذا.”
لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.
(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)
ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.
(أليس كذلك؟)
عاد تاليس بنظره إليها. “قلتُ له: ’لا.’”
استلقى الطفلان على كرسيّيهما، مغمضين أعينهما، بسلام مؤقت.
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
وفي العتمة، دوّى صوت الشقية الخجول: “تاليس، هل أنت حقًا في السابعة؟”
(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)
“لماذا تعرف كل هذا؟”
“تاليس…” همست الشقية من خلفه، “شكرًا لك.”
ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.
لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’
فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
ذكره ذلك بليلتها التي نامت فيها قرب سريره في غرفة الضيافة.
“إذًا…” وضع غُو يده اليمنى فوق ظهر يده اليسرى. تحرّكت أصابعه صعودًا وهبوطًا كأمواج البحر، وهو يطرق الطاولة ببطء.
“من يدري؟” نزل عن كرسيّه، متجهًا إلى ركن الغرفة. “ربما أبلغ السابعة والثلاثين.”
شعور الجوع، الذي كان قد اختفى تحت وطأة الرعب والخوف من قبل، عاد يتّقد في معدة الأمير.
كما يفعل دائمًا، استلقى تاليس في الركن، مسندًا رأسه إلى يديه. وشعر بالطمأنينة بين الجدار والأرض. “أنا فقط لا أبدو كبيرًا.”
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
ضحكت الشقية بخفة.
اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”
وضحك تاليس معها.
(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.
كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.
(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)
كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.
أطبق عينيه بهدوء.
خلال بضع دقائق، كان الطفلان الجائعان قد أنهيا مرق اللحم. استرخيا على الكراسي، يدعكان بطونهما المنتفخة، يلهثان.
وانسابت عليه موجة النعاس والتعب.
“حقًا؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هذا كل ما في الأمر.”
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.
