اختر مَن تُريد أن تُصبح
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
سمع نفسه يقول بصوتٍ فارغ، “قريبًا سينتهي كل شيء… سيكون الأمر بخير…”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
استعاد تاليس أحداث الأمس، وكأنها ذكريات قديمة تبهت مثل صفحات صفراء.
Arisu-san
ارتجفت الشقية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)
الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح
ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.
***
ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.
طَرق.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.
لمح الشقية إلى جانبه.
تاليس والشقية، اللذان كانا يغسلان وجهيهما بالماء البارد في الزاوية، رفعا رأسيهما في حيرة. حدّقا في غُو عديم التعبير.
توقّف تاليس، واقفًا على بُعد خطوات قليلة عن كرسيّها.
شعور الجوع، الذي كان قد اختفى تحت وطأة الرعب والخوف من قبل، عاد يتّقد في معدة الأمير.
لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.
“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”
اومئ تاليس ايماءة فهم.
قرقرَ بطنُ الشقية في اللحظة المناسبة.
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
نظرت الفتاة بخجل إلى الصبي الذي بجانبها—وابتلع تاليس ريقه.
“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”
“والآن؟”
وباتت شهقاتها أكثر وضوحًا. “تاليس، أنا… لا أريد أن أصبح سارُوما. لستُ من آل والتون… وما طلبه مني جلالته… لا أستطيع فعله…”
حدّق غُو بالطفلين المذهولين وهو يقطّب جبينه، ثم قال بضيق، “هل تنتظران مني أن أقدّم لكما مناديل وأسكب لكما نبيذ العنب، يا سيّديَّ الصغيرين؟”
ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.
ما إن قال هذا حتى تبادل تاليس والشقية النظرات وارتفع جفناهما بدهشة.
كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.
وفي اللحظة التالية، وثبا إلى الكراسي كفرسين أُطلق عنانهما. رفعا وعاءيهما وشرعا يلتهمان المرق.
توقّف تاليس.
“اشربا ببطء.” تمتم غُو وهو يراهم يلتهمون الطعام بنهم، مطلقًا تنهيدة.
تنفّس تاليس طويلًا.
“عندما تنتهيان، سنتحدث بشأن الأمور المهمة.”
ظهر في ذهنه ذلك الرجل الضخم، وتلك العينان الزرقاوان المخيفتان.
خلال بضع دقائق، كان الطفلان الجائعان قد أنهيا مرق اللحم. استرخيا على الكراسي، يدعكان بطونهما المنتفخة، يلهثان.
شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.
حتى إن الشقية أطلقت تجشؤًا عاليًا. خفّضت رأسها بقلق.
تنفّس تاليس بارتياح.
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
لم يستطيعا البقاء هنا وانتظار المصيبة لتلحق بهما.
“إذًا…” وضع غُو يده اليمنى فوق ظهر يده اليسرى. تحرّكت أصابعه صعودًا وهبوطًا كأمواج البحر، وهو يطرق الطاولة ببطء.
“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”
قبل أن يُكمل غُو كلامه، التقط تاليس أنفاسه، ثم رفع رأسه وقال بقلق، “ن-نحن نحتاج المساعدة!”
قرقرَ بطنُ الشقية في اللحظة المناسبة.
“أجل، أستطيع رؤية ذلك…” حدّق به غُو من أعلى إلى أسفل. كانت عيناه مليئتين بالازدراء. “أخبرني بشيء لا أعرفه سلفًا.”
“انتظر بصبر، يا صاحب السمو.”
وبينما كان ممسكًا بنظرة تاليس، قال غُو بلامبالاة، “على سبيل المثال، في هذه الليلة الفوضوية، قبيل الفجر، لماذا يتجوّل طفلان في منطقة درع الجسد، التي كان من المفترض إخلاؤها منذ وقت طويل؟”
نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.
“وحتى إنكما تجوّلتما بطريقة مهينة، ككلابٍ ذليلة تطوي ذيولها.”
هزّ الأمير رأسه داخليًا.
ارتبك تاليس قليلًا وقال بعفوية، “نحن…”
“كل هذا… متى سينتهي؟”
لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.
ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.
خبرته وغريزته كأمير أخبرتاه أن المرء لا يستطيع دائمًا مقايضة كل المعلومات مقابل الإخلاص أو التفهّم: تعلم ذلك من أمثلة سيرينا والسيف الأسود.
ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”
“لقد وقعنا في ورطة.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا وقال بجدية، “نحتاج الوصول سرًا إلى قصر الروح البطولية دون أن يلحظنا أحد. هل يمكنك مساعدتنا؟”
تنفّس تاليس بارتياح.
“سنكافئك!”
صعد بصعوبة إلى الكرسي قرب الطاولة، ورفع كأسًا خشبيًا وشرب رشفة ماء.
توقف غُو عن النقر. تشدّدت يداه في قبضتين وهو يحدّق في تاليس دون أن يتحرك.
نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.
كانت نظرته هادئة، مثل سطح بحيرة ساكنة. ومع ذلك، أرعبت تاليس.
ارتجفت الشقية.
لم يستطع إلا أن يجلس مستقيمًا ويعدّل ثيابه.
“سنكافئك!”
(رجل الشرق الاقصى هذا…)
كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.
(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
وقبل أن يفقد أعصابه، بدأ غُو يتحدث ببطء، “قصر الروح البطولية؟”
“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”
“هل هو صراع قوى آخر بين النبلاء؟”
وجودهم سيكون صارخًا في مدينة تئن بالكوارث، تحت حظر تجول في كل منطقة. فحتى لو عرفوا موقعه، سيُوقَفون غالبًا قبل الوصول إليه.
ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.
صعد بصعوبة إلى الكرسي قرب الطاولة، ورفع كأسًا خشبيًا وشرب رشفة ماء.
كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.
وجودهم سيكون صارخًا في مدينة تئن بالكوارث، تحت حظر تجول في كل منطقة. فحتى لو عرفوا موقعه، سيُوقَفون غالبًا قبل الوصول إليه.
“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”
(لا.)
حدّق غُو في تاليس تحت الضوء الخافت.
لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’
“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”
“عندما تنتهيان، سنتحدث بشأن الأمور المهمة.”
هزّ الشرقي رأسه. البرودة في زاوية عينه جعلت تاليس يرتجف. “آسف، لا أدين لكاسلان بكل هذا.”
سمع نفسه يقول ما لا يؤمن به. “عندما نعود إلى عائلة والتون، وإلى من يخدمونهم، سنكون بخير. مهما كانت مقاصدهم، سيحمون دماء عائلة رمح التنين.”
لقد رفضهما.
(“بعد أن يُمنح لقب جيدستار، عليه ان يقاتل من أجل الكوكبة، ويموت من أجل الكوكبة، ويحيى من أجل الكوكبة.”)
أدار تاليس رأسه بقلق نحو الشقية.
رمشت الشقية.
لم يستطيعا البقاء هنا وانتظار المصيبة لتلحق بهما.
ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.
عملية لامبارد، اغتيال نوڤين، المصائب التي واجهاها… كان يجب…
ضحك دون قصد.
“ماذا عن التواصل مع أحدهم؟”
ثبتت عينا غُو عليه.
رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”
لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’
في مواجهة نظرة تاليس القلقة، ابتسم غُو.
“هذا كل ما في الأمر.”
“لن يكون الأمر سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا.” ضيّق غُو عينيه. “إلى من أنقل رسالتكما؟”
(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)
تنفّس تاليس بارتياح.
(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
“قال: ’لا بأس.’
“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”
أغلق تاليس عينيه، ثم فتحهما من جديد.
استمع تاليس لنصيحته في حيرة.
قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”
أول من خطر بباله كان بيوتراي.
وهذه اراضي شمال. عبر التاريخ… النبلاء والعامة لم يسمحوا قط لفتاة بأن تكون ارشيدوقة.” نزعت نظارتها وهي تهز رأسها بأسى.
قالت آيدا إن نائب الدبلوماسي أرسل رجالًا للبحث عنه. ربما يستطيع أيضًا إرسال أحدهم…
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
(لا.)
(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)
هزّ الأمير رأسه داخليًا.
(لهذا لم يسألني عنها.)
لم يكن يعلم مدى إحكام رقابة لامبارد في مدينة سحب التنين، لكن إن كانت الأمور سيئة كما توقع، فالمجموعة الدبلوماسية التابعة للكوكبة بقيادة بيوتراي ستكون هدفًا رئيسيًا لاهتمام لامبارد.
غامت عينا الشقية بالارتباك شيئًا فشيئًا.
وجودهم سيكون صارخًا في مدينة تئن بالكوارث، تحت حظر تجول في كل منطقة. فحتى لو عرفوا موقعه، سيُوقَفون غالبًا قبل الوصول إليه.
“لا.” خفض رأسه بحزن. “أنا من جرّك إلى هذا.”
ينطبق الأمر ذاته على رجال الملك نوڤين، مثل نيكولاس.
“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”
كان بحاجة لاسمٍ آخر.
ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.
عقد تاليس حاجبيه. (شخصٌ موثوق، له تعاملات سرية مع الملك نوڤين ومع لامبارد، لكنه يبدو محايدًا… شخص غير لافت… ويفضّل أن يمتلك حِيَلًا وعلاقات يمكنه استغلالها بعد حصوله على الرسالة.)
“وحتى إنكما تجوّلتما بطريقة مهينة، ككلابٍ ذليلة تطوي ذيولها.”
ركزت عينا تاليس.
فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.
أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”
ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.
ثبتت عينا غُو عليه.
“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”
مرّت خمس ثوانٍ، ثم أومأ الشرقي ببطء.
“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”
زفر تاليس بارتياح.
“حقًا؟”
بعد دقائق، ارتدى غُو عباءة ذات قلنسوة ووقف عند العتبة.
وفي اللحظة التالية، وثبا إلى الكراسي كفرسين أُطلق عنانهما. رفعا وعاءيهما وشرعا يلتهمان المرق.
“لست متأكدًا من مدة غيابي. العثور على الأشخاص يستغرق وقتًا—قد يكون بضع عشرات من الدقائق، وقد يكون أطول.” قال غُو بصرامة. “إلى ذلك الحين، لا تتحركا. لا تلمسا شيئًا في متجري.”
“والآن؟”
اومئ تاليس ايماءة فهم.
استدار، وعاد إلى كرسيّه.
تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.
تجمّدت الشقية.
“السيد غُو.” ومع تسلل الضوء إلى محل الجزار بينما كان يهم بالخروج، قال تاليس بسرعة، “شكرًا لك.”
“تستطيعين.”
التفت غُو، وارتسمت على وجهه نظرة غامضة.
رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”
ابتسم نصف ابتسامة، وأومأ.
التفت غُو، وارتسمت على وجهه نظرة غامضة.
لكن كلماته الأخيرة قبل مغادرته المحل جعلت تاليس يرتجف.
تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.
“انتظر بصبر، يا صاحب السمو.”
“وفوق ذلك، أنا فتاة.”
ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.
ظلّ تاليس صامتًا.
ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.
(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)
التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.
“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”
(إذًا كان يعرف هويتي منذ البداية؟)
تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.
(لهذا لم يسألني عنها.)
نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.
حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.
(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)
تجمّدت الشقية.
(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)
“أجل، أستطيع رؤية ذلك…” حدّق به غُو من أعلى إلى أسفل. كانت عيناه مليئتين بالازدراء. “أخبرني بشيء لا أعرفه سلفًا.”
دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.
تجمّدت الشقية.
صعد بصعوبة إلى الكرسي قرب الطاولة، ورفع كأسًا خشبيًا وشرب رشفة ماء.
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
لمح الشقية إلى جانبه.
“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”
كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.
كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.
تنهد تاليس داخليًا.
“لماذا تعرف كل هذا؟”
“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
“هاه؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”
ضم تاليس شفتيه، هازًا رأسه بعجز.
ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.
“تحتاجين الراحة. قد نضطر للتحرك قريبًا.” نظر إليها بنبرة مهدّئة قدر استطاعته.
زفر تاليس بارتياح.
لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.
(لا.)
“تاليس”، قالت الشقية بصوت متهدّج، “أشعر وكأنني في حلم.”
استلقى الطفلان على كرسيّيهما، مغمضين أعينهما، بسلام مؤقت.
خفضت رأسها. “كابوس… كابوس لا ينتهي.”
ارتجفت الشقية.
توقّف نفس تاليس للحظة.
أطبق عينيه بهدوء.
قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”
وفي اللحظة التالية، وثبا إلى الكراسي كفرسين أُطلق عنانهما. رفعا وعاءيهما وشرعا يلتهمان المرق.
كانت عيناها تلمعان خلف عدستيها.
نظرت الفتاة بخجل إلى الصبي الذي بجانبها—وابتلع تاليس ريقه.
“كل هذا… متى سينتهي؟”
“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”
أغمض تاليس عينيه. غمر قلبه حزنٌ مُثقِل لا يُقال.
تنفّس تاليس بارتياح.
كانت مجرد طفلة.
“مَن أنتِ؟”—كان السؤال ذاته الذي طرحه عليها يوم التقيا.
أكبر قليلًا فقط من كوريا ورايان وسينتي.
أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.
أُجبرت على رؤية كل هذا.
ابتسم نصف ابتسامة، وأومأ.
“قريبًا.”
سمع نفسه يقول بصوتٍ فارغ، “قريبًا سينتهي كل شيء… سيكون الأمر بخير…”
سمع نفسه يقول بصوتٍ فارغ، “قريبًا سينتهي كل شيء… سيكون الأمر بخير…”
“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”
لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.
كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.
(لا. من اللحظة التي تُصبِحين فيها والتون… لن ينتهي شيء مما رأيته.)
“ماذا عن التواصل مع أحدهم؟”
سمع نفسه يقول ما لا يؤمن به. “عندما نعود إلى عائلة والتون، وإلى من يخدمونهم، سنكون بخير. مهما كانت مقاصدهم، سيحمون دماء عائلة رمح التنين.”
لم يستطع إلا أن يجلس مستقيمًا ويعدّل ثيابه.
ارتجفت الشقية.
ساد الصمت محل الجزار الصغير.
وباتت شهقاتها أكثر وضوحًا. “تاليس، أنا… لا أريد أن أصبح سارُوما. لستُ من آل والتون… وما طلبه مني جلالته… لا أستطيع فعله…”
“وكيف أجبتَه؟” سألت الشقية بشغف.
لم يتحدث تاليس. شدّ قبضته وحدّق في الأرض.
التفت غُو، وارتسمت على وجهه نظرة غامضة.
“صحيح.” شهقت الشقية. كانت عيناها حمراوين. “أنا مجرد خادمة أُخذت من بيتٍ مليء بالأيتام، لست… لست السيدة أليكس.”
“لست متأكدًا من مدة غيابي. العثور على الأشخاص يستغرق وقتًا—قد يكون بضع عشرات من الدقائق، وقد يكون أطول.” قال غُو بصرامة. “إلى ذلك الحين، لا تتحركا. لا تلمسا شيئًا في متجري.”
ظلّ تاليس صامتًا.
اقترب تاليس منها ببطء.
“وفوق ذلك، أنا فتاة.”
ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.
وهذه اراضي شمال. عبر التاريخ… النبلاء والعامة لم يسمحوا قط لفتاة بأن تكون ارشيدوقة.” نزعت نظارتها وهي تهز رأسها بأسى.
قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”
“دعني أرحل. لا أستطيع تنفيذ ما أمر به جلالته… أنا… سأفسد الأمر. لا أعرف شيئًا!”
(لا. من اللحظة التي تُصبِحين فيها والتون… لن ينتهي شيء مما رأيته.)
نظر تاليس إلى دموعها، ثم رفع ذقنه ببطء.
استمع تاليس لنصيحته في حيرة.
“تستطيعين.”
كما يفعل دائمًا، استلقى تاليس في الركن، مسندًا رأسه إلى يديه. وشعر بالطمأنينة بين الجدار والأرض. “أنا فقط لا أبدو كبيرًا.”
توقفت شهقاتها دفعة واحدة.
“صحيح.” شهقت الشقية. كانت عيناها حمراوين. “أنا مجرد خادمة أُخذت من بيتٍ مليء بالأيتام، لست… لست السيدة أليكس.”
رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”
رفعت الشقية رأسها، وفي عينيها دهشة وإشراقة خفيفة.
قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
شهقت الشقية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لقد رحل الملك نوڤين. ومن غير المعلوم إن كان نيكولاس حيًّا أم ميتًا. أمّا ميرك…” حدّق تاليس فيها بهدوء، نازلًا عن كرسيّه، وخطى إليها. “الآن، لا أحد يستطيع إجبارك على أن تكوني سارُوما والتون.”
رفعت الشقية رأسها، وفي عينيها دهشة وإشراقة خفيفة.
اقترب تاليس منها ببطء.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.
“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”
“لديك فرصة للابتعاد عن هذه الفوضى. مدينة سحب التنين في اضطراب، ولن يلاحظ أحدٌ اختفاء خادمة صغيرة.” ثبت تاليس نظره في نظرة الشقية المذهولة. “وفوق ذلك، لقد حدثت أمور كثيرة في قصر الروح البطولية وحده…”
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.
(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.
“حقًا؟”
قرقرَ بطنُ الشقية في اللحظة المناسبة.
كان في صوتها دهشة مشوبة بالريبة، ثم تحوّل إلى خوف وفزع. “لكن… لماذا أنت…”
“وماذا عنك؟” بعد ثوانٍ، رفعت الشقية ذقنها، تبدو كمن يغرق ويبحث عن قشّة نجاة. “في رأيك… من أكون؟ هل يفترض بي أن أكون خادمة؟”
توقّف تاليس، واقفًا على بُعد خطوات قليلة عن كرسيّها.
كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.
أرخى قبضته، وحدّق في عينيها الخضراوين. ثم انفرجت شفتاه بابتسامة خفيفة.
“قريبًا.”
“لأنك أنت أنت.”
“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”
“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”
غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”
أغلق تاليس عينيه، ثم فتحهما من جديد.
(إذًا كان يعرف هويتي منذ البداية؟)
“ستصبحين الشخص الذي تختارينه أنت.”
لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.
ساد الصمت محل الجزار الصغير.
غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”
تجمّدت الشقية في موضعها، واشتدّ تنفّسها.
حدقت الشقية في تاليس، وذلك الصبي الغريب يهديها ابتسامة مُرّة.
“ومما رأيتُه، لستِ بلا مؤهلات لتكوني من آل والتون.”
مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”
ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.
تجمّد نظر تاليس.
“انتظر بصبر، يا صاحب السمو.”
حدّق فيها صامتًا، ثم تنفّس بحزن. “نعم.”
ارتجفت الشقية.
“مثل أمير.”
“دعني أرحل. لا أستطيع تنفيذ ما أمر به جلالته… أنا… سأفسد الأمر. لا أعرف شيئًا!”
“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”
بعد دقائق، ارتدى غُو عباءة ذات قلنسوة ووقف عند العتبة.
اتسعت عينا الشقية بدهشة واضحة. تجمّدت، وعيناها مشدودتان إلى تاليس.
ركزت عينا تاليس.
تنفّس الأمير بعمق.
“مَن أنتِ؟”—كان السؤال ذاته الذي طرحه عليها يوم التقيا.
تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.
اومئ تاليس ايماءة فهم.
(“بعد أن يُمنح لقب جيدستار، عليه ان يقاتل من أجل الكوكبة، ويموت من أجل الكوكبة، ويحيى من أجل الكوكبة.”)
اقترب تاليس منها ببطء.
أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.
في مواجهة نظرة تاليس القلقة، ابتسم غُو.
“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”
وبينما كان ممسكًا بنظرة تاليس، قال غُو بلامبالاة، “على سبيل المثال، في هذه الليلة الفوضوية، قبيل الفجر، لماذا يتجوّل طفلان في منطقة درع الجسد، التي كان من المفترض إخلاؤها منذ وقت طويل؟”
اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
هزّ تاليس رأسه، متجاهلًا نظرتها الحائرة، وأكمل:
وقبل أن يفقد أعصابه، بدأ غُو يتحدث ببطء، “قصر الروح البطولية؟”
“هل أنتِ الشقية؟ تلك الخادمة التي تُنجز الواجبات بدل غيرها؟ أم أنتِ دودة كتاب في المكتبة؟ أم أنتِ سارُوما والتون؟ أم فتاة مسكينة وجدت نفسها وسط هذه الفوضى بلا حول ولا قوة؟”
“لأنك أنت أنت.”
تجمّدت الشقية في موضعها، واشتدّ تنفّسها.
حدّق الأمير في عيني الشقية.
“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”
توقف غُو عن النقر. تشدّدت يداه في قبضتين وهو يحدّق في تاليس دون أن يتحرك.
“مَن أنتِ؟”—كان السؤال ذاته الذي طرحه عليها يوم التقيا.
حدّق غُو في تاليس تحت الضوء الخافت.
غامت عينا الشقية بالارتباك شيئًا فشيئًا.
“لماذا تعرف كل هذا؟”
“العودة إلى كونك الشقية بدافع الخوف والعادة؛ اختيار أن تصبحي فتاة والتون بدافع الغرور؛ اختيار الهرب من كل شيء بدافع الضغط— أظن أنّ هذه الخيارات كلها من طبيعة واحدة. فهي ليست ما تريدينه حقًا، بل ما تُجبَرين على أن تكونيه قبل أن تستعدّي لذلك.”
“لقد رحل الملك نوڤين. ومن غير المعلوم إن كان نيكولاس حيًّا أم ميتًا. أمّا ميرك…” حدّق تاليس فيها بهدوء، نازلًا عن كرسيّه، وخطى إليها. “الآن، لا أحد يستطيع إجبارك على أن تكوني سارُوما والتون.”
ساد الصمت محل الجزار الصغير.
ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”
جلست الشقية في كرسيّها تحدّق في تاليس الواقف أمامها.
كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.
كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.
“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”
“وماذا عنك؟” بعد ثوانٍ، رفعت الشقية ذقنها، تبدو كمن يغرق ويبحث عن قشّة نجاة. “في رأيك… من أكون؟ هل يفترض بي أن أكون خادمة؟”
مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”
“أنتِ؟”
“مثل أمير.”
ابتسم تاليس.
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
هزّ رأسه. “أنتِ فتاة مسكينة سيئة الحظ، جُرّت إلى كل هذه المتاعب معي.”
ركزت عينا تاليس.
انطفأت عينا الشقية. خفضت رأسها، وعبست شفتيها.
أومأت الشقية طائعة.
تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.
ركزت عينا تاليس.
“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”
وفي العتمة، دوّى صوت الشقية الخجول: “تاليس، هل أنت حقًا في السابعة؟”
أهدى تاليس ابتسامة حزينة راضية.
تاليس والشقية، اللذان كانا يغسلان وجهيهما بالماء البارد في الزاوية، رفعا رأسيهما في حيرة. حدّقا في غُو عديم التعبير.
“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”
ثبتت عينا غُو عليه.
رفعت الشقية رأسها، وفي عينيها دهشة وإشراقة خفيفة.
أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.
“ومما رأيتُه، لستِ بلا مؤهلات لتكوني من آل والتون.”
لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.
تابعت الشقية التحديق فيه، فأكمل تاليس.
دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.
“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”
“هل هو صراع قوى آخر بين النبلاء؟”
استعاد تاليس أحداث الأمس، وكأنها ذكريات قديمة تبهت مثل صفحات صفراء.
مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”
“في لحظات اليأس، حين واجهنا تلك الوحوش البشعة، وحين كنتُ في أشد الخطر، لم تتخلّي عني ولو مرة—حتى وإن كان مصيرك قد يكون موتًا مؤلمًا.”
التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.
حدّق الأمير في عيني الشقية.
ضحكت الشقية بخفة.
شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.
“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”
“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.
لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.
رمشت الشقية.
شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.
ظهر في ذهنه ذلك الرجل الضخم، وتلك العينان الزرقاوان المخيفتان.
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.
كانت مجرد طفلة.
“قال لي: ’هل أنت مستعد؟’”
وبينما كان ممسكًا بنظرة تاليس، قال غُو بلامبالاة، “على سبيل المثال، في هذه الليلة الفوضوية، قبيل الفجر، لماذا يتجوّل طفلان في منطقة درع الجسد، التي كان من المفترض إخلاؤها منذ وقت طويل؟”
ضحك دون قصد.
حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.
“وكيف أجبتَه؟” سألت الشقية بشغف.
طَرق.
عاد تاليس بنظره إليها. “قلتُ له: ’لا.’”
“أنتِ؟”
“وماذا بعد؟” اتسعت عينا الشقية. “كيف كان ردّه؟”
(رجل الشرق الاقصى هذا…)
ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.
التفت غُو، وارتسمت على وجهه نظرة غامضة.
مرّت ثوانٍ.
“من يدري؟” نزل عن كرسيّه، متجهًا إلى ركن الغرفة. “ربما أبلغ السابعة والثلاثين.”
تنفّس تاليس طويلًا.
“تستطيعين.”
“قال: ’لا بأس.’
ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.
لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’
حدّقت فيه الشقية، وفمها مفتوح بدهشة.
هكذا قال لي.”
زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.
تجمّدت الشقية.
كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.
نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.
“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”
وابتسم الأمير ابتسامة ظنها الأكثر ثقة.
عملية لامبارد، اغتيال نوڤين، المصائب التي واجهاها… كان يجب…
“لذا، لا تخافي. لا ترتبكي. أمامك خيارات كثيرة.” أمسك تاليس يد الشقية بلطف، وقال بإخلاص: “حين نخرج من هنا، ستبحثين عن حقيقتك، وتختارين من تريدين أن تكونيه—ولو أردتِ المغادرة أو البقاء، فلن أمنعك.”
“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.
حدّقت فيه الشقية، وفمها مفتوح بدهشة.
مرّت ثوانٍ.
“وقبل ذلك، لا تفكري في شيء. أنتِ الآن مجرد رفيقة مخلصة لي في رحلة النجاة.” ثبّت تاليس نظره فيها.
اتسعت عينا الشقية بدهشة واضحة. تجمّدت، وعيناها مشدودتان إلى تاليس.
“هذا كل ما في الأمر.”
كما يفعل دائمًا، استلقى تاليس في الركن، مسندًا رأسه إلى يديه. وشعر بالطمأنينة بين الجدار والأرض. “أنا فقط لا أبدو كبيرًا.”
تمعنت فيه الشقية، كأنها تراه لأول مرة.
أول من خطر بباله كان بيوتراي.
ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”
كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.
رفع تاليس حاجبه. “الآن، خذي غفوة. نحتاج إلى القوة والتحمّل.”
عقد تاليس حاجبيه. (شخصٌ موثوق، له تعاملات سرية مع الملك نوڤين ومع لامبارد، لكنه يبدو محايدًا… شخص غير لافت… ويفضّل أن يمتلك حِيَلًا وعلاقات يمكنه استغلالها بعد حصوله على الرسالة.)
أومأت الشقية طائعة.
ظلّ تاليس صامتًا.
تنفّس تاليس الصعداء.
(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)
لقد هدّأها أخيرًا.
ارتجفت الشقية.
استدار، وعاد إلى كرسيّه.
تنفّس تاليس الصعداء.
كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.
“لأنك أنت أنت.”
“تاليس…” همست الشقية من خلفه، “شكرًا لك.”
“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”
توقّف تاليس.
كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.
“لا.” خفض رأسه بحزن. “أنا من جرّك إلى هذا.”
“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”
(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)
حدّق غُو في تاليس تحت الضوء الخافت.
(أليس كذلك؟)
ارتجفت الشقية.
استلقى الطفلان على كرسيّيهما، مغمضين أعينهما، بسلام مؤقت.
تاليس والشقية، اللذان كانا يغسلان وجهيهما بالماء البارد في الزاوية، رفعا رأسيهما في حيرة. حدّقا في غُو عديم التعبير.
وفي العتمة، دوّى صوت الشقية الخجول: “تاليس، هل أنت حقًا في السابعة؟”
“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”
“لماذا تعرف كل هذا؟”
لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.
ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.
قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”
فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.
ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.
ذكره ذلك بليلتها التي نامت فيها قرب سريره في غرفة الضيافة.
زفر تاليس بارتياح.
“من يدري؟” نزل عن كرسيّه، متجهًا إلى ركن الغرفة. “ربما أبلغ السابعة والثلاثين.”
شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.
كما يفعل دائمًا، استلقى تاليس في الركن، مسندًا رأسه إلى يديه. وشعر بالطمأنينة بين الجدار والأرض. “أنا فقط لا أبدو كبيرًا.”
تجمّد نظر تاليس.
ضحكت الشقية بخفة.
“من يدري؟” نزل عن كرسيّه، متجهًا إلى ركن الغرفة. “ربما أبلغ السابعة والثلاثين.”
وضحك تاليس معها.
وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.
(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.
خبرته وغريزته كأمير أخبرتاه أن المرء لا يستطيع دائمًا مقايضة كل المعلومات مقابل الإخلاص أو التفهّم: تعلم ذلك من أمثلة سيرينا والسيف الأسود.
(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)
الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح
أطبق عينيه بهدوء.
حدّق غُو في تاليس تحت الضوء الخافت.
وانسابت عليه موجة النعاس والتعب.
اتسعت عينا الشقية بدهشة واضحة. تجمّدت، وعيناها مشدودتان إلى تاليس.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.
شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.
