ستّة وخمسون
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“قاعدتك تلك تنطبق على البشر فقط.” قالت آيدا بازدراء في الهواء.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ثبت كاسلان بصره على الأرض، مركزًا على ثقوب الطعن الثلاثة. “ما يفاجئني حقًا… هو أنك واجهتِ كلّ حركة هجومية ودفاعية بتلقائية كاملة… بدرجة تكاد تكون مثالية.”
Arisu-san
“رفعُ قدميك عن الأرض في القتال انتحار.” قال كاسلان بصوتٍ محايد. كان يمسك برمح قاتل الأرواح ذا الطول الذي يبلغ مترين. كانت حركته خفيفة وسريعة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“وكيف تعرفان هذا؟”
الفصل 192: ستّة وخمسون
***
“(آخ… لا أتذكر ما يلي… نادِني بما تشاء.)”
عند فجرٍ خالٍ في شارعٍ مهجور، اندفع تاليس عبر زقاق وهو يلهث، ثم خرج إلى طريقٍ أوسع.
“ثلاث هجمات متصلة، مدموجة في توليفة واحدة… ومع ذلك، لم تُصبك واحدةٌ منها.”
(آيدا…)
لم يتباطأ رمح كاسلان ولم يتردّد. كأفعى تنقضّ على فريستها، انطلق يشقّ الهواء، مستهدِفًا خصر آيدا!
آيدا… ينبغي أن تكون بخير. رغم ما تبدو عليه من اللامبالاة، فقد أسقطت وحدها مقاتلًا من الفئة الفائقة من عشيرة الدم في غابة شجر البتولا.
(انسَ الأمر.
(لا يمكنني أن أسمح لنفسي بالتشتّت. لا جدوى من التفكير بهذا أكثر من اللازم. لن يفيد…) حاول تاليس جاهدًا أن يطرد القلق من رأسه.
(ههه…)
شعر بالعطش فجأة.
انبثق جوابٌ مرعب.
التقط تاليس قبضة من الثلج كما اعتاد منذ كان متسوّلًا في الشتاء. دلك كرة الثلج ثم حشرها في فمه.
وفي تلك الأثناء، كانت آيدا قد أدّت شقلبتين في الهواء، بعيدًا عن مدى رمح قاتل الأرواح.
ثم رفع الأمير، الذي أخذ فكّه يرتجف ألمًا من الثلج، رأسه نحو الشقية وسأل،
“رجاءً!” قال تاليس بقلقٍ واضح.
“هل هذا المكان هو شارع ويست-إكسبرس؟”
استدار تاليس فجأة، وصاح نحو اللافتة.
لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.
“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”
ذاب الثلج في فمه، فابتلع الماء.
“أرى. مُدربة الحرس الملكي.” ارتفع رأس الرمح بيده. تغيّر أسلوب نظرته إلى آيدا. “نحن في حرس النصل الأبيض نقول دومًا: عدا حرس الجليد، إن كان ثمة قوة مسلّحة تضاهي نخبة حرس النصل الأبيض، حرس التنين الإمبراطوري…”
تأمّل تاليس الشقية مذهولة النظرات، والقلق يعصف به.
ثبت كاسلان بصره على الأرض، مركزًا على ثقوب الطعن الثلاثة. “ما يفاجئني حقًا… هو أنك واجهتِ كلّ حركة هجومية ودفاعية بتلقائية كاملة… بدرجة تكاد تكون مثالية.”
المأساة التي شاهداها في القصر، الخراب الذي أحدثته الكوارث، اغتيال الملك، والدماء المسفوكة — كلّ ذلك اليوم الفظيع أفزع تلك الصغيرة المسكينة.
“أنتِ جنية مقدّسة، أليس كذلك؟” تنفّس كاسلان ببطء وهو يعدّل قبضته على الرمح. “بالطبع، لم يسبق لي لقاء بجان رفيع ولا جان رمادي في شبه الجزيرة الشرقية… لكني أرجّح أنك من مملكة الشجرة المقدسة؛ ولذلك أنتِ ضمن مرافقي أمير الكوكبة.”
كان كل ما حدث فوق قدرتها على الاحتمال…
الفصل 192: ستّة وخمسون
بل إنه هو نفسه كان على شفا الانهيار.
طَق.
(كيف بدأ كلّ هذا؟)
طرق مرات إضافية.
(منذ اللحظة التي أرسل فيها لامبارد جنوده ليصطحبوني إلى مدينة سحب التنين، هل كان قد دبّر كل هذا؟ كان هدفه اغتيال الملك وبدء انقلاب؟)
كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.
(كيف فعلها؟)
تبدّل تعبير آيدا.
(إن كان لواء من ألفَي رجل قد جرى التغاضي عنه لأنهم دخلوا باسمه بحجّة مرافَقته… فعندما أدخل جيشه إلى المدينة، ألم ينتبه التابعون والنبلاء والمواطنون والجنود والموظفون؟)
أخيرًا، سحب كاسلان رمحه. رفع العجوز ذراعيه، ولوّح بالرمح، راسمًا دائرةً واسعة حوله.
(الملك نوڤين بدا ملكًا لامعًا. والعجوز الغريبة كالشان كانت بعيدة كل البعد عن كونها بلا خطر. كيف سمح الاثنان بثغرة كهذه في أمن العاصمة؟)
“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”
(إلّا إذا…)
“أنا مُدرِبة شرفية دائمة لحرس الكوكبة الملكي!” أشارت الجنية إلى نفسها بساطورها، وأعلنت بفخر: “آيدا لورا كارتر جيزيل دورييلوس…”
انبثق جوابٌ مرعب.
أومأ كاسلان وابتسم.
(مستحيل.)
تدحرجت عيناها الفضيتان، وحدقت إلى الأسفل بامتعاض.
ابتلع ريقه ببطء، ومضى، ممسكًا بيد الشقية. قرّر أن يفكّر من زاوية أخرى.
وفي تلك الأثناء، كانت آيدا قد أدّت شقلبتين في الهواء، بعيدًا عن مدى رمح قاتل الأرواح.
(لقد جررتُ الصوفيين إلى هذا، أليس كذلك؟)
“انتظر… أُمم… نحن—نحن أصدقاء كاسلان!
المعركة بين جيزا وأسدا دمّرت منطقة الدرع، وسوّت المنطقة بالأرض، وأثّرت في جزء كبير من القوة المسلّحة في مدينة سحب التنين.
“رجاءً!” قال تاليس بقلقٍ واضح.
لهذا غادر الملك نوڤين قصر الروح البطولية وجاء إلى منطقة الدرع.
“ستتأذى إن استخففت بامرأة، كما تعلم.”
(إذن، من سيلقى اللوم في اغتيال الملك… هو أنا؟)
“نحتاج المساعدة!”
اهتزّ تاليس من وقع الفكرة.
كانت آيدا قد أولتَ اهتمامها كلّه قبل قليل لرمح قاتل الأرواح، غير أنه—كما يبدو—بالمقارنة مع الرمح…
(إن كان هذا في الحقيقة سببه الصوفيون وبسببي — فكم كان لامبارد محظوظًا!)
“أنتِ جنية مقدّسة، أليس كذلك؟” تنفّس كاسلان ببطء وهو يعدّل قبضته على الرمح. “بالطبع، لم يسبق لي لقاء بجان رفيع ولا جان رمادي في شبه الجزيرة الشرقية… لكني أرجّح أنك من مملكة الشجرة المقدسة؛ ولذلك أنتِ ضمن مرافقي أمير الكوكبة.”
فرك تاليس جبينه بقوّة. دماغه “عالي الكفاءة” الذي طالما أسعفه كان الآن في اضطراب.
(رَجُلٌ من الشرق الأقصى؟)
زفر، ونحّى تلك الهموم جانبًا. أرغم نفسه على التركيز رغم الإرهاق الشديد، ومضى في طريقه.
“ثلاث هجمات متصلة، مدموجة في توليفة واحدة… ومع ذلك، لم تُصبك واحدةٌ منها.”
كان هذا لا بدّ أن يكون شارع ويست-إكسبرس. وإن لم يخطئ، فذلك الشارع المتعرّج الخالي كان منطقة درع الجسد.
قبض تاليس على أسنانه وصاح من جديد،
ذكرت آيدا أنّ الحصار المفروض على الكوارث يقع خلف هذا الطريق. وهناك سيعثر على أناسٍ من العاصمة.
كان كل ما حدث فوق قدرتها على الاحتمال…
حين خطرت له تلك الفكرة، تردّد تاليس.
لم يأتِ رد.
كانت قد أخبرته أيضًا أنّ فرق الدوريات، أو من يرتدون زيّها، بدوا مشبوهين. ولم تكن متأكّدة كم منهم يعمل لحساب لامبارد.
(ههه…)
كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.
“مَن أنتما؟”
حتى أولئك المخلصون لوالتون قد يفشوا معلوماته بسهولة إلى لامبارد.
(مهلًا…)
الملك نوڤين العظيم لم يعد قادرًا على حمايتهم.
كان هناك خنجرٌ أسود صغير مطبوع على لافتة المتجر أمامه، وتحتها نافذة خشبية مغلقة بإحكام وباب ضيّق ملاصق لها.
(ههه…)
بعد لحظة، نطق غو.
ما أبلغ المفارقة. كان برفقة حفيدة ملك إكستيدت، ومع ذلك وجدا نفسيهما يفرّان بحياتهما في عاصمة الشمال. لم يجدا شخصًا واحدًا يمكنهما الوثوق به.
حتى أولئك المخلصون لوالتون قد يفشوا معلوماته بسهولة إلى لامبارد.
في وقتٍ عصيب كهذا، كان الأفضل أن يلتمسا العون من شخص جدير بالثقة، ويعودا إلى قصر الروح البطولية، إلى بيوتراي، ويخبرا الاتباع المخلِصون لآل والتون.
“أصدقاء كاسلان، هاه؟” تمتم الشرقي بخفوت وقال ببطء، “ادخلا.”
توقّف تاليس.
ثم رفع الأمير، الذي أخذ فكّه يرتجف ألمًا من الثلج، رأسه نحو الشقية وسأل،
حدّق في لافتة متجر عند زاوية الشارع على بُعد خطوات. وتغيّر تعبير وجهه كما لو أنّ فكرة ما قد خطرت له.
“مع ذلك، هذه كلها مزايا طبيعية للجان. لا شيء مفاجئ فيها.” قال العجوز بنبرة باردة.
(عندما لا يعود الملك نوڤين قادرًا على حمايتنا…)
وقفت آيدا، وهي تحمل ساطورها. كان غطاؤها قد انزلق إلى أسفل عنقها بفعل حركاتها الحادّة، كاشفًا عن شعرها الحريري الأبيض المضفور.
كان هناك خنجرٌ أسود صغير مطبوع على لافتة المتجر أمامه، وتحتها نافذة خشبية مغلقة بإحكام وباب ضيّق ملاصق لها.
اهتزّ تاليس من وقع الفكرة.
ضيّق تاليس عينيه. تذكّر حديثًا قديمًا.
تبدّل تعبير آيدا.
(“إن واجهتَ خطرًا في إكستيدت لا يمكنك أن تتخلّص منه مهما فعلت… مشكلة عظيمة لا يستطيع حتى الملك نوڤين إنقاذك منها…”)
ارتجف حاجبي كاسلان قليلًا.
لمعَت عينا تاليس.
(ههه…)
هذا هو.
لم يأتِ جواب.
في اللحظة التالية، اندفع نحو لافتة المتجر، جاذبًا الشقية معه.
“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”
طَرق! طَرق! طَرق!
(ههه…)
طرق تاليس على النافذة الخشبية تحت اللافتة التي تحمل الخنجر.
“سمعتُ أن إمكانية اكتساب الجان قدرات نفسية أعلى من البشر—أمر شيّق، أليس كذلك؟” لوّح العجوز برمح قاتل الأرواح مجددًا، وكانت شعلة المحارب تتقد في عينيه. “القدرات النفسية أنواع كثيرة، ولكلٍّ طبيعته الخاصة.”
ربما فُرض حظر تجوّل، وربما أخلي السكان، لكن إن كان صاحب المتجر كما سمع عنه، دائم التورّط في أمور مريبة…
“تخمين جيّد.” تمتمت آيدا بازدراء، تحدّق بيقظة في رمح قاتل الأرواح. “يا وغد الشمال.”
لم يأتِ جواب.
ربما فُرض حظر تجوّل، وربما أخلي السكان، لكن إن كان صاحب المتجر كما سمع عنه، دائم التورّط في أمور مريبة…
طَرق! طَرق! طَرق!
تنهد كاسلان. وامتزج صوته بزفرات تعب ثقيل. “لقد عرفتِ خطواتي التالية، وتكتيكاتي، ورددتِ عليها بالمضاد المثالي، أليس كذلك؟”
طرق ثلاث مرات أخرى.
وإذ لم يستطع كاسلان استرجاع رمحه، شنت آيدا هجومًا مباغتًا، مسدّدة ساطورها نحو رأسه.
ولا جواب.
(لكن…)
قطّب الأمير حاجبيه وهمّ برفع قبضته من جديد.
طَرق! طَرق! طَرق!
طَرق! طَرق! طَرق!
ثم رفع الأمير، الذي أخذ فكّه يرتجف ألمًا من الثلج، رأسه نحو الشقية وسأل،
وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.
“أعلم أنّ مملكة الشجرة المقدسة حليف قديم ونسيبٌ للعائلة الملكية في الكوكبة.” تنهد العجوز وقال، “لكنني لم أتوقع أن تذهب المملكة إلى حدّ إسناد حارسة من الفئة الفائقة للكوكبة.”
“أوه… أين نحن؟”
كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.
“محلّ جزّار في شارع ويست-إكسبرس.” أجاب تاليس باقتضاب. “هل من أحد هناك؟ نحتاج المساعدة!”
“كانوا جماعةً من المحاربين الطيبين، فتيانًا صالحين.” قال العجوز بحزن. “لكنهم صادفوا أسوأ المصائر في أسوأ توقيت.”
طَرق! طَرق! طَرق!
لم تغب عيناه الخبيرتان عن كتفي آيدا لحظة.
طرق مرات إضافية.
…
ولا رد.
“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”
شعر تاليس بالأمل يغوص في قلبه ببطء.
الفصل 192: ستّة وخمسون
(ههه…)
وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.
حدّق باللافتة وزفر.
طَرق! طَرق! طَرق!
على الأرجح إنّ الرجل في الداخل قد أُجلي بدوره.
“لنُنْهِ هذا…” بدا صوته مثقلًا بالتعب. “إن واصلنا كسب الوقت، سيصل رجالنا. ولن نحظى بفرصةٍ لمبارزة عادلة.”
وبينما تنظر إليه الشقية بنظرات غريبة، استدار تاليس بخيبة مبتعدًا عن محلّ الجزّار، ساحِبًا إيّاها معه.
(هناك…)
لكن ما إن خطا الخطوة الأولى حتى تجمّد.
طَرق! طَرق! طَرق!
“ما الأمر؟” سألت الشقية بذهول.
اخترق رأس الرمح الهواء، مطلقًا هديرًا مدوّيًا.
استدار تاليس فجأة، وصاح نحو اللافتة.
رفعت آيدا ذقنها، كاشفةً عن وجهها الأنثوي البديع وأذنيها الحادّتين المنحنيتين تمامًا.
“ستّة وخمسون!”
عند فجرٍ خالٍ في شارعٍ مهجور، اندفع تاليس عبر زقاق وهو يلهث، ثم خرج إلى طريقٍ أوسع.
لم يأتِ رد.
تعلّقت آيدا بالرمح مثل قطعة قماش ترفرف، تتبع حركة كاسلان وهي تتمايل مع الريح.
قبض تاليس على أسنانه وصاح من جديد،
وفي تلك الأثناء، كانت آيدا قد أدّت شقلبتين في الهواء، بعيدًا عن مدى رمح قاتل الأرواح.
“أيها الستّة وخمسون! ستّة وخمسون!”
انقضّ رمح كاسلان فجأةً دون إنذار، طاعنًا ثلاثة طعنات متتالية.
ربما كان يرفع صوته أكثر مما ينبغي. بدأ تاليس يلهث، يربّت على صدره.
“هاه، حقًا؟” أشرق وجه كاسلان، وارتسمت ابتسامة على محيّاه.
لم يأتِ رد.
(إنه…)
كانا الشخصين الوحيدين في الشارع الخاوي.
لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.
خفض تاليس رأسه بخذلان.
“حقًا…” تمتم.
(انسَ الأمر.
وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.
ربما هو…)
ثبت كاسلان بصره على الأرض، مركزًا على ثقوب الطعن الثلاثة. “ما يفاجئني حقًا… هو أنك واجهتِ كلّ حركة هجومية ودفاعية بتلقائية كاملة… بدرجة تكاد تكون مثالية.”
فجأة، دوّى صوت احتكاك خشب، تلاه صوت مزلاج يُفتح.
(رَجُلٌ من الشرق الأقصى؟)
طَق.
في النافذة، كان رجل ذو شعر وعينين سوداويين وملامح مسطّحة مستديرة يحدّق بهما بصرامة.
اختبأت الشقية خلف تاليس بدافع غريزي، بينما رفع هو رأسه بدهشة.
“مع ذلك، هذه كلها مزايا طبيعية للجان. لا شيء مفاجئ فيها.” قال العجوز بنبرة باردة.
انفتحت النافذة الخشبية.
كان الشرقي يتكلّم بلكنة شمالية واضحة، ولهجة متضجّرة كأنه في ورطة كبيرة. “ستّة وخمسون؟”
(هناك…)
قبض تاليس على أسنانه وصاح من جديد،
(هناك أحد في الداخل؟)
لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.
في النافذة، كان رجل ذو شعر وعينين سوداويين وملامح مسطّحة مستديرة يحدّق بهما بصرامة.
على الأرجح إنّ الرجل في الداخل قد أُجلي بدوره.
شعر تاليس بقشعريرة تسري في جلده.
كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.
(مهلًا…)
وفي تلك الأثناء، كانت آيدا قد أدّت شقلبتين في الهواء، بعيدًا عن مدى رمح قاتل الأرواح.
(إنه…)
ضحك كاسلان بخفة.
(رَجُلٌ من الشرق الأقصى؟)
فرك تاليس جبينه بقوّة. دماغه “عالي الكفاءة” الذي طالما أسعفه كان الآن في اضطراب.
“مَن أنتما؟”
“محلّ جزّار في شارع ويست-إكسبرس.” أجاب تاليس باقتضاب. “هل من أحد هناك؟ نحتاج المساعدة!”
“وكيف تعرفان هذا؟”
“مرونة ممتازة، ورشاقة باهرة.” قال كاسلان متنهدًا. “غريزة قتال جيّدة، ضربات ثابتة، خطوات خفيفة.”
كان الشرقي يتكلّم بلكنة شمالية واضحة، ولهجة متضجّرة كأنه في ورطة كبيرة. “ستّة وخمسون؟”
في اللحظة التالية، اندفع نحو لافتة المتجر، جاذبًا الشقية معه.
تفاجأ تاليس.
ظلّ الرجل الشرقي—غو—صامتًا. بقي ثابتًا في الظلال خلف إطار النافذة يحدّق بهما.
(هناك أحد…)
بوف!
(هناك أحد فعلًا!)
***
ظلّ يحدّق بالرجل حتى همّ الأخير بإغلاق النافذة. عندها استفاق تاليس من ذهوله وقال بحماسة،
غير أنّ كاسلان، معتمدًا على حدّة بصره وغريزته، تفادى السِتّ ضربات القاتلة.
“انتظر… أُمم… نحن—نحن أصدقاء كاسلان!
ثبت كاسلان بصره على الأرض، مركزًا على ثقوب الطعن الثلاثة. “ما يفاجئني حقًا… هو أنك واجهتِ كلّ حركة هجومية ودفاعية بتلقائية كاملة… بدرجة تكاد تكون مثالية.”
“هذا الرمز أعطانا إيّاه كاسلان! قال إنه إن احتجنا المساعدة، يكفي أن نأتي إلى هنا ونقول هذا الرمز…”
غير أنّ رمح كاسلان القاتل اندفع مخترقًا الفراغ الذي صنعته هيئة آيدا، مارًّا قرب ظهرها.
ضيّق الشرقي عينيه الضيّقتين أصلًا، كأنه يتفحّصهما.
“(آخ… لا أتذكر ما يلي… نادِني بما تشاء.)”
“أنت—أنت…” حكّ تاليس رأسه محاولًا تذكّر لقائه مع كاسلان في حانة البطل. وبعد لحظات استخرج الكلمات بصعوبة. “انت السيّد غو، أليس كذلك؟”
ولو كان تاليس حاضرًا، لكان جحظت عيناه وصاح، “أتعرفين التأرجح على القضيب العالي؟”
“نحتاج المساعدة!”
“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”
ظلّ الرجل الشرقي—غو—صامتًا. بقي ثابتًا في الظلال خلف إطار النافذة يحدّق بهما.
(رَجُلٌ من الشرق الأقصى؟)
“رجاءً!” قال تاليس بقلقٍ واضح.
بعد لحظة، نطق غو.
بعد لحظة، نطق غو.
“أصدقاء كاسلان، هاه؟” تمتم الشرقي بخفوت وقال ببطء، “ادخلا.”
“ذاك الرجل في سجن العظام في الصحراء الغربية.” تنهدت الجانيّة. “ولعلّه سيبقى هناك بقية حياته… ذلك الغِرّ الأحمق…”
…
أومأ العجوز بإعجاب. “ومع ذلك، أفلتّ من طعنة الساقين، وأتيتِ نحوي، وتفاديتِ الحصى المتناثر، ثم رددتِ، بل وتفاديتِ ضربتي الأخيرة أيضًا.”
عند نقطة التقاء حيّ درع الجسد وحيّ الدرع، كانت مبارزة بين مقاتلين من الفئة الفائقة قد بدأت.
انتهت المباراة الخطيرة عند هذا الحد.
هووش
لكن ما إن خطا الخطوة الأولى حتى تجمّد.
اندفعت شفرة في الهواء بصوتٍ حاد.
تعلّقت آيدا بالرمح مثل قطعة قماش ترفرف، تتبع حركة كاسلان وهي تتمايل مع الريح.
قفزت آيدا في الهواء، مندفعـة نحو كاسلان.
كانا الشخصين الوحيدين في الشارع الخاوي.
رسم ساطورها قوسًا في الفضاء، مارًّا قرب طرف أنفه.
الفصل 192: ستّة وخمسون
ظلّ قائد حرس النصل الأبيض السابق بملامح عديمة التعبير، وانحنى ببرود متفاديًا الضربة الموجّهة إلى رأسه.
كلها موجّهة نحو ساقَي آيدا.
لم تكن الشفرة تبعد سوى إصبعٍ عن أنفه.
قبض تاليس على أسنانه وصاح من جديد،
“رفعُ قدميك عن الأرض في القتال انتحار.” قال كاسلان بصوتٍ محايد. كان يمسك برمح قاتل الأرواح ذا الطول الذي يبلغ مترين. كانت حركته خفيفة وسريعة.
ارتجف حاجبي كاسلان قليلًا.
ثم أخذ الرمح ينحني وهو يلوّح به!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وكأن حياةً دبّت فيه، اندفع رأس الرمح شاقًّا الهواء نحو الجنية بصوتٍ قاطع.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وكما يحدث غالبًا بين مقاتلي الفئة الفائقة، تبدّلت مواقع الهجوم والدفاع في ثوانٍ.
كانا الشخصين الوحيدين في الشارع الخاوي.
“قاعدتك تلك تنطبق على البشر فقط.” قالت آيدا بازدراء في الهواء.
طَرق! طَرق! طَرق!
في اللحظة التالية، أمسكت بيدٍ واحدة القسم العلوي من الرمح وضغطت قليلًا.
كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.
مرّ رأس الرمح الأسود قرب أذنها.
سسسس! إذ احتكّ رأس الرمح بالأرض، أطلق صوتًا حادًا يُمزق السمع.
تعلّقت آيدا بالرمح مثل قطعة قماش ترفرف، تتبع حركة كاسلان وهي تتمايل مع الريح.
(مستحيل…)
تدفّقت قوّة عظيمة عبر ذراعي كاسلان، فارتجّ الرمح!
زفر، ونحّى تلك الهموم جانبًا. أرغم نفسه على التركيز رغم الإرهاق الشديد، ومضى في طريقه.
طُرحت آيدا بعيدًا عن الرمح كأنّ ضربة عنيفة أصابتها.
في تلك اللحظة، بدا مُزلزل الأرض الأسطوري كما لو عاد إلى شبابه.
لم يتباطأ رمح كاسلان ولم يتردّد. كأفعى تنقضّ على فريستها، انطلق يشقّ الهواء، مستهدِفًا خصر آيدا!
ذاب الثلج في فمه، فابتلع الماء.
ومع ذلك، أظهرت آيدا خفّة خفّاش مرة أخرى. أثنت جذعها إلى الخلف في الهواء. وبساقيها المشدودتين إلى الخلف، انحنى جسدها حتى صار كحرف “C”.
“أنتِ جنية مقدّسة، أليس كذلك؟” تنفّس كاسلان ببطء وهو يعدّل قبضته على الرمح. “بالطبع، لم يسبق لي لقاء بجان رفيع ولا جان رمادي في شبه الجزيرة الشرقية… لكني أرجّح أنك من مملكة الشجرة المقدسة؛ ولذلك أنتِ ضمن مرافقي أمير الكوكبة.”
بوف!
اسودّ وجه آيدا تمامًا.
اخترق رأس الرمح الهواء، مطلقًا هديرًا مدوّيًا.
كان هناك خنجرٌ أسود صغير مطبوع على لافتة المتجر أمامه، وتحتها نافذة خشبية مغلقة بإحكام وباب ضيّق ملاصق لها.
غير أنّ رمح كاسلان القاتل اندفع مخترقًا الفراغ الذي صنعته هيئة آيدا، مارًّا قرب ظهرها.
ظلّ قائد حرس النصل الأبيض السابق بملامح عديمة التعبير، وانحنى ببرود متفاديًا الضربة الموجّهة إلى رأسه.
كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.
(هذا العجوز…)
تجهم كاسلان، وتقدّم الرمح من جديد.
وبموازاة حركة آيدا، انقلب الساطور فجأة ثلاث مرات.
سحبت آيدا يدها اليسرى إلى الخلف، وأمسكت بمقبض رمح قاتل الأرواح متتبّعة اتجاه هجمة كاسلان. واندفع جسدها المرن كما لو كان نابضًا.
(كيف بدأ كلّ هذا؟)
وباعتماد يدها اليسرى مركزًا للدوران، اتخذت آيدا دورةً كاملة حول رمح قاتل الأرواح، وبفضل الزخم، ارتدّت إلى الوراء.
وقف كل منهما على طرف الشارع، يتبادلان النظرات الصامتة، متحفّزين، يحسب كلٌّ منهما خطوة الآخر التالية.
ولو كان تاليس حاضرًا، لكان جحظت عيناه وصاح، “أتعرفين التأرجح على القضيب العالي؟”
“لن أتجرأ.” قال كاسلان باحترام. “فقد كنتُ معاصرًا لـ(قلب المطر).
أدّت الجنية قفزةً بهلوانية في الهواء، ثم هبطت بثبات على قدميها.
وفي اللحظة التالية، استؤنف القتال.
طنّ!
(لا يمكنني أن أسمح لنفسي بالتشتّت. لا جدوى من التفكير بهذا أكثر من اللازم. لن يفيد…) حاول تاليس جاهدًا أن يطرد القلق من رأسه.
وفي الوقت نفسه، هبط رأس الرمح ليغرس نفسه في بلاطةٍ حجرية.
(تلك الهجمة كانت متقنة…
انتهت المباراة الخطيرة عند هذا الحد.
“المُدربة آيدا، أنتِ صاحبة قدرة نفسية— لا، أنتِ من الفئة الفائقة، لذا يجب أن أدعوكِ (محاربة نفسية).” ثبت كاسلان عينيه في عيني آيدا الفضيتين، وقال بنبرة لا هوادة فيها: “أنتِ تقرئين العقول.”
وقفت آيدا، وهي تحمل ساطورها. كان غطاؤها قد انزلق إلى أسفل عنقها بفعل حركاتها الحادّة، كاشفًا عن شعرها الحريري الأبيض المضفور.
“هذا الرمز أعطانا إيّاه كاسلان! قال إنه إن احتجنا المساعدة، يكفي أن نأتي إلى هنا ونقول هذا الرمز…”
أمّا كاسلان، فكان يدير رمحه، وتعبير وجهه الهادئ لم يتغيّر.
ثم توقفت فجأةً، كأن الكلمات علقت في حلقها.
“لقد قاتلتُ أعداءً من الجبل الأبيض، والتقيتُ بمبعوثي مملكة الغسق المتأخر.” قال صاحب الحانة العجوز ببطء. “لكن لون بشرتك… ليس لون الجان البيض ولا الجان الشيطانيين.”
لم تكن الشفرة تبعد سوى إصبعٍ عن أنفه.
رفعت آيدا ذقنها، كاشفةً عن وجهها الأنثوي البديع وأذنيها الحادّتين المنحنيتين تمامًا.
(إن كان هذا في الحقيقة سببه الصوفيون وبسببي — فكم كان لامبارد محظوظًا!)
“أنتِ جنية مقدّسة، أليس كذلك؟” تنفّس كاسلان ببطء وهو يعدّل قبضته على الرمح. “بالطبع، لم يسبق لي لقاء بجان رفيع ولا جان رمادي في شبه الجزيرة الشرقية… لكني أرجّح أنك من مملكة الشجرة المقدسة؛ ولذلك أنتِ ضمن مرافقي أمير الكوكبة.”
(رَجُلٌ من الشرق الأقصى؟)
“تخمين جيّد.” تمتمت آيدا بازدراء، تحدّق بيقظة في رمح قاتل الأرواح. “يا وغد الشمال.”
“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”
أومأ كاسلان وابتسم.
لم يأتِ جواب.
“أعلم أنّ مملكة الشجرة المقدسة حليف قديم ونسيبٌ للعائلة الملكية في الكوكبة.” تنهد العجوز وقال، “لكنني لم أتوقع أن تذهب المملكة إلى حدّ إسناد حارسة من الفئة الفائقة للكوكبة.”
“أنا مُدرِبة شرفية دائمة لحرس الكوكبة الملكي!” أشارت الجنية إلى نفسها بساطورها، وأعلنت بفخر: “آيدا لورا كارتر جيزيل دورييلوس…”
تبدّل تعبير آيدا.
(مستحيل.)
“بَه!” لوّحت الجنية بساطورها بضيق. “أيّ حارسة؟ أنا محاربة من الفئة الفائقة! جدّهم وجدّتهم، أبوهم وأُمّهم رجوني مرارًا، واستأجروني لقاء أجرٍ عالٍ!”
“ستتأذى إن استخففت بامرأة، كما تعلم.”
ارتجف حاجبي كاسلان قليلًا.
“عبر التاريخ، كانت المنازلات بين حرس التنين الإمبراطوري والحرس الملكي نادرة—لقد بارزتُ زكرييل مرّةً حين كنت صغيرًا. كان شرفًا.” قال كاسلان، وقد فُتحَت عيناه، وشعره الأبيض يتلألأ تحت ضوء الفجر الخافت. “المُدربة آيدا…”
“أنا مُدرِبة شرفية دائمة لحرس الكوكبة الملكي!” أشارت الجنية إلى نفسها بساطورها، وأعلنت بفخر: “آيدا لورا كارتر جيزيل دورييلوس…”
في النافذة، كان رجل ذو شعر وعينين سوداويين وملامح مسطّحة مستديرة يحدّق بهما بصرامة.
ثم توقفت فجأةً، كأن الكلمات علقت في حلقها.
لم يتغير تعبير آيدا. شدّت قبضتها على الساطور.
تدحرجت عيناها الفضيتان، وحدقت إلى الأسفل بامتعاض.
على الأرجح إنّ الرجل في الداخل قد أُجلي بدوره.
“(آخ… لا أتذكر ما يلي… نادِني بما تشاء.)”
“سمعتُ أن إمكانية اكتساب الجان قدرات نفسية أعلى من البشر—أمر شيّق، أليس كذلك؟” لوّح العجوز برمح قاتل الأرواح مجددًا، وكانت شعلة المحارب تتقد في عينيه. “القدرات النفسية أنواع كثيرة، ولكلٍّ طبيعته الخاصة.”
وفي الأثناء، اسودّ وجه كاسلان.
لكن…)
“أرى. مُدربة الحرس الملكي.” ارتفع رأس الرمح بيده. تغيّر أسلوب نظرته إلى آيدا. “نحن في حرس النصل الأبيض نقول دومًا: عدا حرس الجليد، إن كان ثمة قوة مسلّحة تضاهي نخبة حرس النصل الأبيض، حرس التنين الإمبراطوري…”
ظلّ قائد حرس النصل الأبيض السابق بملامح عديمة التعبير، وانحنى ببرود متفاديًا الضربة الموجّهة إلى رأسه.
فهي أنتم، من نسمّيهم (حرس الإمبراطور) — حرس الكوكبة الملكي.”
وكأن حياةً دبّت فيه، اندفع رأس الرمح شاقًّا الهواء نحو الجنية بصوتٍ قاطع.
زفر كاسلان، وعيناه الهرمتان تلمعان بالحنين.
التقط تاليس قبضة من الثلج كما اعتاد منذ كان متسوّلًا في الشتاء. دلك كرة الثلج ثم حشرها في فمه.
“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”
لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.
عند سماع ذلك، ظهر الألم على محيّا كاسلان. عقد حاجبيه عقدةً محكمة.
لم تغب عيناه الخبيرتان عن كتفي آيدا لحظة.
“كانوا جماعةً من المحاربين الطيبين، فتيانًا صالحين.” قال العجوز بحزن. “لكنهم صادفوا أسوأ المصائر في أسوأ توقيت.”
زفر كاسلان، وعيناه الهرمتان تلمعان بالحنين.
قهقهت آيدا بسخرية. “مَن يتحدث—(مُزلزل الأرض) الأسطوري، كما يبدو… ليس سوى خائن.”
على الأرجح إنّ الرجل في الداخل قد أُجلي بدوره.
أغمض كاسلان عينيه.
(إن كان لواء من ألفَي رجل قد جرى التغاضي عنه لأنهم دخلوا باسمه بحجّة مرافَقته… فعندما أدخل جيشه إلى المدينة، ألم ينتبه التابعون والنبلاء والمواطنون والجنود والموظفون؟)
“لنُنْهِ هذا…” بدا صوته مثقلًا بالتعب. “إن واصلنا كسب الوقت، سيصل رجالنا. ولن نحظى بفرصةٍ لمبارزة عادلة.”
كلها موجّهة نحو ساقَي آيدا.
ظلت آيدا صامتة، تحدّق فيه ببرود.
كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.
“عبر التاريخ، كانت المنازلات بين حرس التنين الإمبراطوري والحرس الملكي نادرة—لقد بارزتُ زكرييل مرّةً حين كنت صغيرًا. كان شرفًا.” قال كاسلان، وقد فُتحَت عيناه، وشعره الأبيض يتلألأ تحت ضوء الفجر الخافت. “المُدربة آيدا…”
ما أبلغ المفارقة. كان برفقة حفيدة ملك إكستيدت، ومع ذلك وجدا نفسيهما يفرّان بحياتهما في عاصمة الشمال. لم يجدا شخصًا واحدًا يمكنهما الوثوق به.
“زكرييل؟” تبدّل تعبير آيدا. بدا أنها تسترجع ذكرى. “أهو ذلك الصبي ذو الوجه الحَماري، الذي يسيل مخاطه، ويتمارض كل يومٍ في ساحة التدريب… كنتُ أعاقبه كثيرًا…”
انبثق جوابٌ مرعب.
“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”
فرك تاليس جبينه بقوّة. دماغه “عالي الكفاءة” الذي طالما أسعفه كان الآن في اضطراب.
اسودّ وجه آيدا.
طرق ثلاث مرات أخرى.
“ذاك الرجل في سجن العظام في الصحراء الغربية.” تنهدت الجانيّة. “ولعلّه سيبقى هناك بقية حياته… ذلك الغِرّ الأحمق…”
…
انبسطت ملامح الدهشة قليلًا على وجه كاسلان.
(منذ اللحظة التي أرسل فيها لامبارد جنوده ليصطحبوني إلى مدينة سحب التنين، هل كان قد دبّر كل هذا؟ كان هدفه اغتيال الملك وبدء انقلاب؟)
“حقًا…” تمتم.
(كيف بدأ كلّ هذا؟)
“يا للأسف.” أغمض العجوز عينيه بأسف. “لقد كان خصمًا جيدًا.”
“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”
وفي اللحظة التالية، استؤنف القتال.
طَرق! طَرق! طَرق!
انقضّ رمح كاسلان فجأةً دون إنذار، طاعنًا ثلاثة طعنات متتالية.
انبسطت ملامح الدهشة قليلًا على وجه كاسلان.
كلها موجّهة نحو ساقَي آيدا.
ولا جواب.
زَزْ! زَزْ! زَزْ!
“رفعُ قدميك عن الأرض في القتال انتحار.” قال كاسلان بصوتٍ محايد. كان يمسك برمح قاتل الأرواح ذا الطول الذي يبلغ مترين. كانت حركته خفيفة وسريعة.
اندفع رأس الرمح إلى الأرض ثلاث مرات، مُثيرًا موجاتً من الحصى.
سُووش!
لكن آيدا، وكأنها تؤدي رقصة غريبة ورشيقة، اتخذت ست خطوات متتابعة، تهبط كل مرةٍ في اللحظة المناسبة لتفلت من الهجمات.
تدحرجت عيناها الفضيتان، وحدقت إلى الأسفل بامتعاض.
وسط تطاير الحصى، لم تتراجع آيدا. بل تقدّمت نحو كاسلان وهي تتفادى الشظايا.
على الأرجح إنّ الرجل في الداخل قد أُجلي بدوره.
فتبدّلت مواقع الهجوم والدفاع من جديد.
(مستحيل…)
سُووش!
(لا يمكنني أن أسمح لنفسي بالتشتّت. لا جدوى من التفكير بهذا أكثر من اللازم. لن يفيد…) حاول تاليس جاهدًا أن يطرد القلق من رأسه.
وإذ لم يستطع كاسلان استرجاع رمحه، شنت آيدا هجومًا مباغتًا، مسدّدة ساطورها نحو رأسه.
“وكيف تعرفان هذا؟”
دار قائد حرس النصل الأبيض الأسطوري، ليتفادى الضربة.
ثم أخذ الرمح ينحني وهو يلوّح به!
لم تغب عيناه الخبيرتان عن كتفي آيدا لحظة.
ربما هو…)
وبموازاة حركة آيدا، انقلب الساطور فجأة ثلاث مرات.
***
كلّ ضربة موجّهة إلى الاتجاه الذي كان كاسلان سيتحرك نحوه.
“ستّة وخمسون!”
غير أنّ كاسلان، معتمدًا على حدّة بصره وغريزته، تفادى السِتّ ضربات القاتلة.
“لقد قاتلتُ أعداءً من الجبل الأبيض، والتقيتُ بمبعوثي مملكة الغسق المتأخر.” قال صاحب الحانة العجوز ببطء. “لكن لون بشرتك… ليس لون الجان البيض ولا الجان الشيطانيين.”
مرّ الساطور بمحاذاة وجهه.
سسسس! إذ احتكّ رأس الرمح بالأرض، أطلق صوتًا حادًا يُمزق السمع.
وقطع خصلةً من شعره الأبيض.
“لقد قاتلتُ أعداءً من الجبل الأبيض، والتقيتُ بمبعوثي مملكة الغسق المتأخر.” قال صاحب الحانة العجوز ببطء. “لكن لون بشرتك… ليس لون الجان البيض ولا الجان الشيطانيين.”
أخيرًا، سحب كاسلان رمحه. رفع العجوز ذراعيه، ولوّح بالرمح، راسمًا دائرةً واسعة حوله.
“المُدربة آيدا، أنتِ صاحبة قدرة نفسية— لا، أنتِ من الفئة الفائقة، لذا يجب أن أدعوكِ (محاربة نفسية).” ثبت كاسلان عينيه في عيني آيدا الفضيتين، وقال بنبرة لا هوادة فيها: “أنتِ تقرئين العقول.”
سسسس! إذ احتكّ رأس الرمح بالأرض، أطلق صوتًا حادًا يُمزق السمع.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وفي تلك الأثناء، كانت آيدا قد أدّت شقلبتين في الهواء، بعيدًا عن مدى رمح قاتل الأرواح.
لكن آيدا، وكأنها تؤدي رقصة غريبة ورشيقة، اتخذت ست خطوات متتابعة، تهبط كل مرةٍ في اللحظة المناسبة لتفلت من الهجمات.
وانتهى هذا الاشتباك المرهق. فقد توقّف المحاربان من الفئة الفائقة عن القتال وعلى محيّاهما الترقّب.
كان هذا لا بدّ أن يكون شارع ويست-إكسبرس. وإن لم يخطئ، فذلك الشارع المتعرّج الخالي كان منطقة درع الجسد.
“مرونة ممتازة، ورشاقة باهرة.” قال كاسلان متنهدًا. “غريزة قتال جيّدة، ضربات ثابتة، خطوات خفيفة.”
مرّ رأس الرمح الأسود قرب أذنها.
“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”
ربما كان يرفع صوته أكثر مما ينبغي. بدأ تاليس يلهث، يربّت على صدره.
قهقهت آيدا، تحدّق في وجه خصمها.
زفر، ونحّى تلك الهموم جانبًا. أرغم نفسه على التركيز رغم الإرهاق الشديد، ومضى في طريقه.
“ستتأذى إن استخففت بامرأة، كما تعلم.”
تغيّر وجه آيدا.
وقف كل منهما على طرف الشارع، يتبادلان النظرات الصامتة، متحفّزين، يحسب كلٌّ منهما خطوة الآخر التالية.
ومع ذلك، أظهرت آيدا خفّة خفّاش مرة أخرى. أثنت جذعها إلى الخلف في الهواء. وبساقيها المشدودتين إلى الخلف، انحنى جسدها حتى صار كحرف “C”.
“لن أتجرأ.” قال كاسلان باحترام. “فقد كنتُ معاصرًا لـ(قلب المطر).
قطّب الأمير حاجبيه وهمّ برفع قبضته من جديد.
“مع ذلك، هذه كلها مزايا طبيعية للجان. لا شيء مفاجئ فيها.” قال العجوز بنبرة باردة.
كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.
تقلّصت حدقتا آيدا.
“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”
ثبت كاسلان بصره على الأرض، مركزًا على ثقوب الطعن الثلاثة. “ما يفاجئني حقًا… هو أنك واجهتِ كلّ حركة هجومية ودفاعية بتلقائية كاملة… بدرجة تكاد تكون مثالية.”
طرق تاليس على النافذة الخشبية تحت اللافتة التي تحمل الخنجر.
“آه.” هزت آيدا كتفيها. وتحركت أذناها الحادّتان. “أنا ببساطة جيدة للغاية.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هاه، حقًا؟” أشرق وجه كاسلان، وارتسمت ابتسامة على محيّاه.
وفي الأثناء، اسودّ وجه كاسلان.
“لقد هاجمتُ ساقيك لتقييد حركتك.”
لم يأتِ رد.
“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”
“ثمّة احتمالٌ واحد فقط.”
“والضربة الأخيرة كانت لاصطيادك وأنتِ تقتربين.”
“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”
أومأ العجوز بإعجاب. “ومع ذلك، أفلتّ من طعنة الساقين، وأتيتِ نحوي، وتفاديتِ الحصى المتناثر، ثم رددتِ، بل وتفاديتِ ضربتي الأخيرة أيضًا.”
فهي قد قلّلت من شأن مُزلزل الأرض.
رفع كاسلان ذقنه، ناظرًا إلى آيدا.
وإذ لم يستطع كاسلان استرجاع رمحه، شنت آيدا هجومًا مباغتًا، مسدّدة ساطورها نحو رأسه.
“ثلاث هجمات متصلة، مدموجة في توليفة واحدة… ومع ذلك، لم تُصبك واحدةٌ منها.”
“أنتِ جنية مقدّسة، أليس كذلك؟” تنفّس كاسلان ببطء وهو يعدّل قبضته على الرمح. “بالطبع، لم يسبق لي لقاء بجان رفيع ولا جان رمادي في شبه الجزيرة الشرقية… لكني أرجّح أنك من مملكة الشجرة المقدسة؛ ولذلك أنتِ ضمن مرافقي أمير الكوكبة.”
“وهذا لا يُفسَّر بردود الفعل ولا بالخبرة.” هز رأسه ببطء.
كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.
“ثمّة احتمالٌ واحد فقط.”
تلألأت عينا كاسلان، وقال بهدوء، “لكنني لم أتوقع أن أواجه قدرة نفسية فريدة كهذه.”
لم يتغير تعبير آيدا. شدّت قبضتها على الساطور.
“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”
(تلك الهجمة كانت متقنة…
…
لكن…)
وبموازاة حركة آيدا، انقلب الساطور فجأة ثلاث مرات.
تنهد كاسلان. وامتزج صوته بزفرات تعب ثقيل. “لقد عرفتِ خطواتي التالية، وتكتيكاتي، ورددتِ عليها بالمضاد المثالي، أليس كذلك؟”
ولو كان تاليس حاضرًا، لكان جحظت عيناه وصاح، “أتعرفين التأرجح على القضيب العالي؟”
تغيّر وجه آيدا.
“هاه، حقًا؟” أشرق وجه كاسلان، وارتسمت ابتسامة على محيّاه.
(مستحيل…)
اهتزّ تاليس من وقع الفكرة.
(هذا العجوز…)
(هناك أحد فعلًا!)
(منذ متى ونحن نقاتل؟)
كانت آيدا قد أولتَ اهتمامها كلّه قبل قليل لرمح قاتل الأرواح، غير أنه—كما يبدو—بالمقارنة مع الرمح…
ضحك كاسلان بخفة.
“ستّة وخمسون!”
في تلك اللحظة، بدا مُزلزل الأرض الأسطوري كما لو عاد إلى شبابه.
هذا هو.
“سمعتُ أن إمكانية اكتساب الجان قدرات نفسية أعلى من البشر—أمر شيّق، أليس كذلك؟” لوّح العجوز برمح قاتل الأرواح مجددًا، وكانت شعلة المحارب تتقد في عينيه. “القدرات النفسية أنواع كثيرة، ولكلٍّ طبيعته الخاصة.”
طرق تاليس على النافذة الخشبية تحت اللافتة التي تحمل الخنجر.
اسودّ وجه آيدا تمامًا.
طرق مرات إضافية.
كانت آيدا قد أولتَ اهتمامها كلّه قبل قليل لرمح قاتل الأرواح، غير أنه—كما يبدو—بالمقارنة مع الرمح…
التقط تاليس قبضة من الثلج كما اعتاد منذ كان متسوّلًا في الشتاء. دلك كرة الثلج ثم حشرها في فمه.
فهي قد قلّلت من شأن مُزلزل الأرض.
(الملك نوڤين بدا ملكًا لامعًا. والعجوز الغريبة كالشان كانت بعيدة كل البعد عن كونها بلا خطر. كيف سمح الاثنان بثغرة كهذه في أمن العاصمة؟)
فكلّ ما سمعته سابقًا أنه بعدما غادر برج الإبادة، لم يخسر معركة قط حين كان قائدًا لحرس النصل الأبيض.
كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.
(لكن…)
“أصدقاء كاسلان، هاه؟” تمتم الشرقي بخفوت وقال ببطء، “ادخلا.”
تلألأت عينا كاسلان، وقال بهدوء، “لكنني لم أتوقع أن أواجه قدرة نفسية فريدة كهذه.”
طرق تاليس على النافذة الخشبية تحت اللافتة التي تحمل الخنجر.
تنهدت آيدا.
خفض تاليس رأسه بخذلان.
“المُدربة آيدا، أنتِ صاحبة قدرة نفسية— لا، أنتِ من الفئة الفائقة، لذا يجب أن أدعوكِ (محاربة نفسية).” ثبت كاسلان عينيه في عيني آيدا الفضيتين، وقال بنبرة لا هوادة فيها: “أنتِ تقرئين العقول.”
أغمض كاسلان عينيه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
آيدا… ينبغي أن تكون بخير. رغم ما تبدو عليه من اللامبالاة، فقد أسقطت وحدها مقاتلًا من الفئة الفائقة من عشيرة الدم في غابة شجر البتولا.
وقفت آيدا، وهي تحمل ساطورها. كان غطاؤها قد انزلق إلى أسفل عنقها بفعل حركاتها الحادّة، كاشفًا عن شعرها الحريري الأبيض المضفور.
