Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 192

ستّة وخمسون
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ستّة وخمسون

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تأمّل تاليس الشقية مذهولة النظرات، والقلق يعصف به.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كانت قد أخبرته أيضًا أنّ فرق الدوريات، أو من يرتدون زيّها، بدوا مشبوهين. ولم تكن متأكّدة كم منهم يعمل لحساب لامبارد.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“مرونة ممتازة، ورشاقة باهرة.” قال كاسلان متنهدًا. “غريزة قتال جيّدة، ضربات ثابتة، خطوات خفيفة.”

Arisu-san

المأساة التي شاهداها في القصر، الخراب الذي أحدثته الكوارث، اغتيال الملك، والدماء المسفوكة — كلّ ذلك اليوم الفظيع أفزع تلك الصغيرة المسكينة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 192: ستّة وخمسون

الفصل 192: ستّة وخمسون

“أصدقاء كاسلان، هاه؟” تمتم الشرقي بخفوت وقال ببطء، “ادخلا.”

***

في النافذة، كان رجل ذو شعر وعينين سوداويين وملامح مسطّحة مستديرة يحدّق بهما بصرامة.

عند فجرٍ خالٍ في شارعٍ مهجور، اندفع تاليس عبر زقاق وهو يلهث، ثم خرج إلى طريقٍ أوسع.

وفي الوقت نفسه، هبط رأس الرمح ليغرس نفسه في بلاطةٍ حجرية.

(آيدا…)

ابتلع ريقه ببطء، ومضى، ممسكًا بيد الشقية. قرّر أن يفكّر من زاوية أخرى.

آيدا… ينبغي أن تكون بخير. رغم ما تبدو عليه من اللامبالاة، فقد أسقطت وحدها مقاتلًا من الفئة الفائقة من عشيرة الدم في غابة شجر البتولا.

اسودّ وجه آيدا.

(لا يمكنني أن أسمح لنفسي بالتشتّت. لا جدوى من التفكير بهذا أكثر من اللازم. لن يفيد…) حاول تاليس جاهدًا أن يطرد القلق من رأسه.

(هناك…)

شعر بالعطش فجأة.

(“إن واجهتَ خطرًا في إكستيدت لا يمكنك أن تتخلّص منه مهما فعلت… مشكلة عظيمة لا يستطيع حتى الملك نوڤين إنقاذك منها…”)

التقط تاليس قبضة من الثلج كما اعتاد منذ كان متسوّلًا في الشتاء. دلك كرة الثلج ثم حشرها في فمه.

(“إن واجهتَ خطرًا في إكستيدت لا يمكنك أن تتخلّص منه مهما فعلت… مشكلة عظيمة لا يستطيع حتى الملك نوڤين إنقاذك منها…”)

ثم رفع الأمير، الذي أخذ فكّه يرتجف ألمًا من الثلج، رأسه نحو الشقية وسأل،

(كيف فعلها؟)

“هل هذا المكان هو شارع ويست-إكسبرس؟”

(الملك نوڤين بدا ملكًا لامعًا. والعجوز الغريبة كالشان كانت بعيدة كل البعد عن كونها بلا خطر. كيف سمح الاثنان بثغرة كهذه في أمن العاصمة؟)

لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.

وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.

ذاب الثلج في فمه، فابتلع الماء.

كلّ ضربة موجّهة إلى الاتجاه الذي كان كاسلان سيتحرك نحوه.

تأمّل تاليس الشقية مذهولة النظرات، والقلق يعصف به.

رفع كاسلان ذقنه، ناظرًا إلى آيدا.

المأساة التي شاهداها في القصر، الخراب الذي أحدثته الكوارث، اغتيال الملك، والدماء المسفوكة — كلّ ذلك اليوم الفظيع أفزع تلك الصغيرة المسكينة.

“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”

كان كل ما حدث فوق قدرتها على الاحتمال…

رسم ساطورها قوسًا في الفضاء، مارًّا قرب طرف أنفه.

بل إنه هو نفسه كان على شفا الانهيار.

الملك نوڤين العظيم لم يعد قادرًا على حمايتهم.

(كيف بدأ كلّ هذا؟)

لهذا غادر الملك نوڤين قصر الروح البطولية وجاء إلى منطقة الدرع.

(منذ اللحظة التي أرسل فيها لامبارد جنوده ليصطحبوني إلى مدينة سحب التنين، هل كان قد دبّر كل هذا؟ كان هدفه اغتيال الملك وبدء انقلاب؟)

“ثمّة احتمالٌ واحد فقط.”

(كيف فعلها؟)

“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”

(إن كان لواء من ألفَي رجل قد جرى التغاضي عنه لأنهم دخلوا باسمه بحجّة مرافَقته… فعندما أدخل جيشه إلى المدينة، ألم ينتبه التابعون والنبلاء والمواطنون والجنود والموظفون؟)

“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”

(الملك نوڤين بدا ملكًا لامعًا. والعجوز الغريبة كالشان كانت بعيدة كل البعد عن كونها بلا خطر. كيف سمح الاثنان بثغرة كهذه في أمن العاصمة؟)

بل إنه هو نفسه كان على شفا الانهيار.

(إلّا إذا…)

“أنت—أنت…” حكّ تاليس رأسه محاولًا تذكّر لقائه مع كاسلان في حانة البطل. وبعد لحظات استخرج الكلمات بصعوبة. “انت السيّد غو، أليس كذلك؟”

انبثق جوابٌ مرعب.

“هاه، حقًا؟” أشرق وجه كاسلان، وارتسمت ابتسامة على محيّاه.

(مستحيل.)

“والضربة الأخيرة كانت لاصطيادك وأنتِ تقتربين.”

ابتلع ريقه ببطء، ومضى، ممسكًا بيد الشقية. قرّر أن يفكّر من زاوية أخرى.

“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”

(لقد جررتُ الصوفيين إلى هذا، أليس كذلك؟)

قهقهت آيدا، تحدّق في وجه خصمها.

المعركة بين جيزا وأسدا دمّرت منطقة الدرع، وسوّت المنطقة بالأرض، وأثّرت في جزء كبير من القوة المسلّحة في مدينة سحب التنين.

طَرق! طَرق! طَرق!

لهذا غادر الملك نوڤين قصر الروح البطولية وجاء إلى منطقة الدرع.

(هناك…)

(إذن، من سيلقى اللوم في اغتيال الملك… هو أنا؟)

قطّب الأمير حاجبيه وهمّ برفع قبضته من جديد.

اهتزّ تاليس من وقع الفكرة.

“ذاك الرجل في سجن العظام في الصحراء الغربية.” تنهدت الجانيّة. “ولعلّه سيبقى هناك بقية حياته… ذلك الغِرّ الأحمق…”

(إن كان هذا في الحقيقة سببه الصوفيون وبسببي — فكم كان لامبارد محظوظًا!)

قطّب الأمير حاجبيه وهمّ برفع قبضته من جديد.

فرك تاليس جبينه بقوّة. دماغه “عالي الكفاءة” الذي طالما أسعفه كان الآن في اضطراب.

ظلّ الرجل الشرقي—غو—صامتًا. بقي ثابتًا في الظلال خلف إطار النافذة يحدّق بهما.

زفر، ونحّى تلك الهموم جانبًا. أرغم نفسه على التركيز رغم الإرهاق الشديد، ومضى في طريقه.

طُرحت آيدا بعيدًا عن الرمح كأنّ ضربة عنيفة أصابتها.

كان هذا لا بدّ أن يكون شارع ويست-إكسبرس. وإن لم يخطئ، فذلك الشارع المتعرّج الخالي كان منطقة درع الجسد.

تجهم كاسلان، وتقدّم الرمح من جديد.

ذكرت آيدا أنّ الحصار المفروض على الكوارث يقع خلف هذا الطريق. وهناك سيعثر على أناسٍ من العاصمة.

المأساة التي شاهداها في القصر، الخراب الذي أحدثته الكوارث، اغتيال الملك، والدماء المسفوكة — كلّ ذلك اليوم الفظيع أفزع تلك الصغيرة المسكينة.

حين خطرت له تلك الفكرة، تردّد تاليس.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

كانت قد أخبرته أيضًا أنّ فرق الدوريات، أو من يرتدون زيّها، بدوا مشبوهين. ولم تكن متأكّدة كم منهم يعمل لحساب لامبارد.

“أنت—أنت…” حكّ تاليس رأسه محاولًا تذكّر لقائه مع كاسلان في حانة البطل. وبعد لحظات استخرج الكلمات بصعوبة. “انت السيّد غو، أليس كذلك؟”

كان من الأفضل عدم الوثوق بهم.

“حقًا…” تمتم.

حتى أولئك المخلصون لوالتون قد يفشوا معلوماته بسهولة إلى لامبارد.

ظلّ يحدّق بالرجل حتى همّ الأخير بإغلاق النافذة. عندها استفاق تاليس من ذهوله وقال بحماسة،

الملك نوڤين العظيم لم يعد قادرًا على حمايتهم.

(هذا العجوز…)

(ههه…)

كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.

ما أبلغ المفارقة. كان برفقة حفيدة ملك إكستيدت، ومع ذلك وجدا نفسيهما يفرّان بحياتهما في عاصمة الشمال. لم يجدا شخصًا واحدًا يمكنهما الوثوق به.

…

في وقتٍ عصيب كهذا، كان الأفضل أن يلتمسا العون من شخص جدير بالثقة، ويعودا إلى قصر الروح البطولية، إلى بيوتراي، ويخبرا الاتباع المخلِصون لآل والتون.

طرق تاليس على النافذة الخشبية تحت اللافتة التي تحمل الخنجر.

توقّف تاليس.

وقفت آيدا، وهي تحمل ساطورها. كان غطاؤها قد انزلق إلى أسفل عنقها بفعل حركاتها الحادّة، كاشفًا عن شعرها الحريري الأبيض المضفور.

حدّق في لافتة متجر عند زاوية الشارع على بُعد خطوات. وتغيّر تعبير وجهه كما لو أنّ فكرة ما قد خطرت له.

مرّ رأس الرمح الأسود قرب أذنها.

(عندما لا يعود الملك نوڤين قادرًا على حمايتنا…)

وفي الأثناء، اسودّ وجه كاسلان.

كان هناك خنجرٌ أسود صغير مطبوع على لافتة المتجر أمامه، وتحتها نافذة خشبية مغلقة بإحكام وباب ضيّق ملاصق لها.

أدّت الجنية قفزةً بهلوانية في الهواء، ثم هبطت بثبات على قدميها.

ضيّق تاليس عينيه. تذكّر حديثًا قديمًا.

ثم أخذ الرمح ينحني وهو يلوّح به!

(“إن واجهتَ خطرًا في إكستيدت لا يمكنك أن تتخلّص منه مهما فعلت… مشكلة عظيمة لا يستطيع حتى الملك نوڤين إنقاذك منها…”)

انقضّ رمح كاسلان فجأةً دون إنذار، طاعنًا ثلاثة طعنات متتالية.

لمعَت عينا تاليس.

“هاه، حقًا؟” أشرق وجه كاسلان، وارتسمت ابتسامة على محيّاه.

هذا هو.

الملك نوڤين العظيم لم يعد قادرًا على حمايتهم.

في اللحظة التالية، اندفع نحو لافتة المتجر، جاذبًا الشقية معه.

“تخمين جيّد.” تمتمت آيدا بازدراء، تحدّق بيقظة في رمح قاتل الأرواح. “يا وغد الشمال.”

طَرق! طَرق! طَرق!

تدفّقت قوّة عظيمة عبر ذراعي كاسلان، فارتجّ الرمح!

طرق تاليس على النافذة الخشبية تحت اللافتة التي تحمل الخنجر.

لم يأتِ رد.

ربما فُرض حظر تجوّل، وربما أخلي السكان، لكن إن كان صاحب المتجر كما سمع عنه، دائم التورّط في أمور مريبة…

“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”

لم يأتِ جواب.

كان كل ما حدث فوق قدرتها على الاحتمال…

طَرق! طَرق! طَرق!

اخترق رأس الرمح الهواء، مطلقًا هديرًا مدوّيًا.

طرق ثلاث مرات أخرى.

“وكيف تعرفان هذا؟”

ولا جواب.

“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”

قطّب الأمير حاجبيه وهمّ برفع قبضته من جديد.

طرق ثلاث مرات أخرى.

طَرق! طَرق! طَرق!

لم تكن الشفرة تبعد سوى إصبعٍ عن أنفه.

وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.

“لن أتجرأ.” قال كاسلان باحترام. “فقد كنتُ معاصرًا لـ(قلب المطر).

“أوه… أين نحن؟”

“أيها الستّة وخمسون! ستّة وخمسون!”

“محلّ جزّار في شارع ويست-إكسبرس.” أجاب تاليس باقتضاب. “هل من أحد هناك؟ نحتاج المساعدة!”

(تلك الهجمة كانت متقنة…

طَرق! طَرق! طَرق!

وانتهى هذا الاشتباك المرهق. فقد توقّف المحاربان من الفئة الفائقة عن القتال وعلى محيّاهما الترقّب.

طرق مرات إضافية.

…

ولا رد.

“محلّ جزّار في شارع ويست-إكسبرس.” أجاب تاليس باقتضاب. “هل من أحد هناك؟ نحتاج المساعدة!”

شعر تاليس بالأمل يغوص في قلبه ببطء.

“نحتاج المساعدة!”

(ههه…)

كانت آيدا قد أولتَ اهتمامها كلّه قبل قليل لرمح قاتل الأرواح، غير أنه—كما يبدو—بالمقارنة مع الرمح…

حدّق باللافتة وزفر.

لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.

على الأرجح إنّ الرجل في الداخل قد أُجلي بدوره.

زَزْ! زَزْ! زَزْ!

وبينما تنظر إليه الشقية بنظرات غريبة، استدار تاليس بخيبة مبتعدًا عن محلّ الجزّار، ساحِبًا إيّاها معه.

“لنُنْهِ هذا…” بدا صوته مثقلًا بالتعب. “إن واصلنا كسب الوقت، سيصل رجالنا. ولن نحظى بفرصةٍ لمبارزة عادلة.”

لكن ما إن خطا الخطوة الأولى حتى تجمّد.

لم يأتِ رد.

“ما الأمر؟” سألت الشقية بذهول.

(هذا العجوز…)

استدار تاليس فجأة، وصاح نحو اللافتة.

لم يتباطأ رمح كاسلان ولم يتردّد. كأفعى تنقضّ على فريستها، انطلق يشقّ الهواء، مستهدِفًا خصر آيدا!

“ستّة وخمسون!”

هذا هو.

لم يأتِ رد.

لم يأتِ رد.

قبض تاليس على أسنانه وصاح من جديد،

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“أيها الستّة وخمسون! ستّة وخمسون!”

رفع كاسلان ذقنه، ناظرًا إلى آيدا.

ربما كان يرفع صوته أكثر مما ينبغي. بدأ تاليس يلهث، يربّت على صدره.

أخيرًا، سحب كاسلان رمحه. رفع العجوز ذراعيه، ولوّح بالرمح، راسمًا دائرةً واسعة حوله.

لم يأتِ رد.

لمعَت عينا تاليس.

كانا الشخصين الوحيدين في الشارع الخاوي.

لكن آيدا، وكأنها تؤدي رقصة غريبة ورشيقة، اتخذت ست خطوات متتابعة، تهبط كل مرةٍ في اللحظة المناسبة لتفلت من الهجمات.

خفض تاليس رأسه بخذلان.

أمّا كاسلان، فكان يدير رمحه، وتعبير وجهه الهادئ لم يتغيّر.

(انسَ الأمر.

غير أنّ كاسلان، معتمدًا على حدّة بصره وغريزته، تفادى السِتّ ضربات القاتلة.

ربما هو…)

غير أنّ رمح كاسلان القاتل اندفع مخترقًا الفراغ الذي صنعته هيئة آيدا، مارًّا قرب ظهرها.

فجأة، دوّى صوت احتكاك خشب، تلاه صوت مزلاج يُفتح.

وفي الأثناء، اسودّ وجه كاسلان.

طَق.

“رفعُ قدميك عن الأرض في القتال انتحار.” قال كاسلان بصوتٍ محايد. كان يمسك برمح قاتل الأرواح ذا الطول الذي يبلغ مترين. كانت حركته خفيفة وسريعة.

اختبأت الشقية خلف تاليس بدافع غريزي، بينما رفع هو رأسه بدهشة.

وقف كل منهما على طرف الشارع، يتبادلان النظرات الصامتة، متحفّزين، يحسب كلٌّ منهما خطوة الآخر التالية.

انفتحت النافذة الخشبية.

…

(هناك…)

(هناك أحد…)

(هناك أحد في الداخل؟)

ابتلع ريقه ببطء، ومضى، ممسكًا بيد الشقية. قرّر أن يفكّر من زاوية أخرى.

في النافذة، كان رجل ذو شعر وعينين سوداويين وملامح مسطّحة مستديرة يحدّق بهما بصرامة.

(هذا العجوز…)

شعر تاليس بقشعريرة تسري في جلده.

(منذ متى ونحن نقاتل؟)

(مهلًا…)

استدار تاليس فجأة، وصاح نحو اللافتة.

(إنه…)

اختبأت الشقية خلف تاليس بدافع غريزي، بينما رفع هو رأسه بدهشة.

(رَجُلٌ من الشرق الأقصى؟)

ظلّ يحدّق بالرجل حتى همّ الأخير بإغلاق النافذة. عندها استفاق تاليس من ذهوله وقال بحماسة،

“مَن أنتما؟”

استدار تاليس فجأة، وصاح نحو اللافتة.

“وكيف تعرفان هذا؟”

تلألأت عينا كاسلان، وقال بهدوء، “لكنني لم أتوقع أن أواجه قدرة نفسية فريدة كهذه.”

كان الشرقي يتكلّم بلكنة شمالية واضحة، ولهجة متضجّرة كأنه في ورطة كبيرة. “ستّة وخمسون؟”

وفي الوقت نفسه، هبط رأس الرمح ليغرس نفسه في بلاطةٍ حجرية.

تفاجأ تاليس.

حتى أولئك المخلصون لوالتون قد يفشوا معلوماته بسهولة إلى لامبارد.

(هناك أحد…)

وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.

(هناك أحد فعلًا!)

“وكيف تعرفان هذا؟”

ظلّ يحدّق بالرجل حتى همّ الأخير بإغلاق النافذة. عندها استفاق تاليس من ذهوله وقال بحماسة،

تدفّقت قوّة عظيمة عبر ذراعي كاسلان، فارتجّ الرمح!

“انتظر… أُمم… نحن—نحن أصدقاء كاسلان!

“كانوا جماعةً من المحاربين الطيبين، فتيانًا صالحين.” قال العجوز بحزن. “لكنهم صادفوا أسوأ المصائر في أسوأ توقيت.”

“هذا الرمز أعطانا إيّاه كاسلان! قال إنه إن احتجنا المساعدة، يكفي أن نأتي إلى هنا ونقول هذا الرمز…”

لم تكن الشفرة تبعد سوى إصبعٍ عن أنفه.

ضيّق الشرقي عينيه الضيّقتين أصلًا، كأنه يتفحّصهما.

وباعتماد يدها اليسرى مركزًا للدوران، اتخذت آيدا دورةً كاملة حول رمح قاتل الأرواح، وبفضل الزخم، ارتدّت إلى الوراء.

“أنت—أنت…” حكّ تاليس رأسه محاولًا تذكّر لقائه مع كاسلان في حانة البطل. وبعد لحظات استخرج الكلمات بصعوبة. “انت السيّد غو، أليس كذلك؟”

وكما يحدث غالبًا بين مقاتلي الفئة الفائقة، تبدّلت مواقع الهجوم والدفاع في ثوانٍ.

“نحتاج المساعدة!”

وباعتماد يدها اليسرى مركزًا للدوران، اتخذت آيدا دورةً كاملة حول رمح قاتل الأرواح، وبفضل الزخم، ارتدّت إلى الوراء.

ظلّ الرجل الشرقي—غو—صامتًا. بقي ثابتًا في الظلال خلف إطار النافذة يحدّق بهما.

“مع ذلك، هذه كلها مزايا طبيعية للجان. لا شيء مفاجئ فيها.” قال العجوز بنبرة باردة.

“رجاءً!” قال تاليس بقلقٍ واضح.

(هناك…)

بعد لحظة، نطق غو.

اخترق رأس الرمح الهواء، مطلقًا هديرًا مدوّيًا.

“أصدقاء كاسلان، هاه؟” تمتم الشرقي بخفوت وقال ببطء، “ادخلا.”

“هذا الرمز أعطانا إيّاه كاسلان! قال إنه إن احتجنا المساعدة، يكفي أن نأتي إلى هنا ونقول هذا الرمز…”

…

“زكرييل؟” تبدّل تعبير آيدا. بدا أنها تسترجع ذكرى. “أهو ذلك الصبي ذو الوجه الحَماري، الذي يسيل مخاطه، ويتمارض كل يومٍ في ساحة التدريب… كنتُ أعاقبه كثيرًا…”

عند نقطة التقاء حيّ درع الجسد وحيّ الدرع، كانت مبارزة بين مقاتلين من الفئة الفائقة قد بدأت.

“المُدربة آيدا، أنتِ صاحبة قدرة نفسية— لا، أنتِ من الفئة الفائقة، لذا يجب أن أدعوكِ (محاربة نفسية).” ثبت كاسلان عينيه في عيني آيدا الفضيتين، وقال بنبرة لا هوادة فيها: “أنتِ تقرئين العقول.”

هووش

مرّ رأس الرمح الأسود قرب أذنها.

اندفعت شفرة في الهواء بصوتٍ حاد.

ثم أخذ الرمح ينحني وهو يلوّح به!

قفزت آيدا في الهواء، مندفعـة نحو كاسلان.

(مهلًا…)

رسم ساطورها قوسًا في الفضاء، مارًّا قرب طرف أنفه.

تبدّل تعبير آيدا.

ظلّ قائد حرس النصل الأبيض السابق بملامح عديمة التعبير، وانحنى ببرود متفاديًا الضربة الموجّهة إلى رأسه.

عند نقطة التقاء حيّ درع الجسد وحيّ الدرع، كانت مبارزة بين مقاتلين من الفئة الفائقة قد بدأت.

لم تكن الشفرة تبعد سوى إصبعٍ عن أنفه.

“كانوا جماعةً من المحاربين الطيبين، فتيانًا صالحين.” قال العجوز بحزن. “لكنهم صادفوا أسوأ المصائر في أسوأ توقيت.”

“رفعُ قدميك عن الأرض في القتال انتحار.” قال كاسلان بصوتٍ محايد. كان يمسك برمح قاتل الأرواح ذا الطول الذي يبلغ مترين. كانت حركته خفيفة وسريعة.

ثم أخذ الرمح ينحني وهو يلوّح به!

أخيرًا، سحب كاسلان رمحه. رفع العجوز ذراعيه، ولوّح بالرمح، راسمًا دائرةً واسعة حوله.

وكأن حياةً دبّت فيه، اندفع رأس الرمح شاقًّا الهواء نحو الجنية بصوتٍ قاطع.

ارتجف حاجبي كاسلان قليلًا.

وكما يحدث غالبًا بين مقاتلي الفئة الفائقة، تبدّلت مواقع الهجوم والدفاع في ثوانٍ.

(مستحيل.)

“قاعدتك تلك تنطبق على البشر فقط.” قالت آيدا بازدراء في الهواء.

حين خطرت له تلك الفكرة، تردّد تاليس.

في اللحظة التالية، أمسكت بيدٍ واحدة القسم العلوي من الرمح وضغطت قليلًا.

المأساة التي شاهداها في القصر، الخراب الذي أحدثته الكوارث، اغتيال الملك، والدماء المسفوكة — كلّ ذلك اليوم الفظيع أفزع تلك الصغيرة المسكينة.

مرّ رأس الرمح الأسود قرب أذنها.

“ذاك الرجل في سجن العظام في الصحراء الغربية.” تنهدت الجانيّة. “ولعلّه سيبقى هناك بقية حياته… ذلك الغِرّ الأحمق…”

تعلّقت آيدا بالرمح مثل قطعة قماش ترفرف، تتبع حركة كاسلان وهي تتمايل مع الريح.

اسودّ وجه آيدا.

تدفّقت قوّة عظيمة عبر ذراعي كاسلان، فارتجّ الرمح!

ذكرت آيدا أنّ الحصار المفروض على الكوارث يقع خلف هذا الطريق. وهناك سيعثر على أناسٍ من العاصمة.

طُرحت آيدا بعيدًا عن الرمح كأنّ ضربة عنيفة أصابتها.

(هناك أحد فعلًا!)

لم يتباطأ رمح كاسلان ولم يتردّد. كأفعى تنقضّ على فريستها، انطلق يشقّ الهواء، مستهدِفًا خصر آيدا!

لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.

ومع ذلك، أظهرت آيدا خفّة خفّاش مرة أخرى. أثنت جذعها إلى الخلف في الهواء. وبساقيها المشدودتين إلى الخلف، انحنى جسدها حتى صار كحرف “C”.

طَرق! طَرق! طَرق!

بوف!

“رفعُ قدميك عن الأرض في القتال انتحار.” قال كاسلان بصوتٍ محايد. كان يمسك برمح قاتل الأرواح ذا الطول الذي يبلغ مترين. كانت حركته خفيفة وسريعة.

اخترق رأس الرمح الهواء، مطلقًا هديرًا مدوّيًا.

ظلت آيدا صامتة، تحدّق فيه ببرود.

غير أنّ رمح كاسلان القاتل اندفع مخترقًا الفراغ الذي صنعته هيئة آيدا، مارًّا قرب ظهرها.

كلّ ضربة موجّهة إلى الاتجاه الذي كان كاسلان سيتحرك نحوه.

كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.

كان هناك خنجرٌ أسود صغير مطبوع على لافتة المتجر أمامه، وتحتها نافذة خشبية مغلقة بإحكام وباب ضيّق ملاصق لها.

تجهم كاسلان، وتقدّم الرمح من جديد.

“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”

سحبت آيدا يدها اليسرى إلى الخلف، وأمسكت بمقبض رمح قاتل الأرواح متتبّعة اتجاه هجمة كاسلان. واندفع جسدها المرن كما لو كان نابضًا.

اندفع رأس الرمح إلى الأرض ثلاث مرات، مُثيرًا موجاتً من الحصى.

وباعتماد يدها اليسرى مركزًا للدوران، اتخذت آيدا دورةً كاملة حول رمح قاتل الأرواح، وبفضل الزخم، ارتدّت إلى الوراء.

“ذاك الرجل في سجن العظام في الصحراء الغربية.” تنهدت الجانيّة. “ولعلّه سيبقى هناك بقية حياته… ذلك الغِرّ الأحمق…”

ولو كان تاليس حاضرًا، لكان جحظت عيناه وصاح، “أتعرفين التأرجح على القضيب العالي؟”

…

أدّت الجنية قفزةً بهلوانية في الهواء، ثم هبطت بثبات على قدميها.

رفع كاسلان ذقنه، ناظرًا إلى آيدا.

طنّ!

زَزْ! زَزْ! زَزْ!

وفي الوقت نفسه، هبط رأس الرمح ليغرس نفسه في بلاطةٍ حجرية.

انبسطت ملامح الدهشة قليلًا على وجه كاسلان.

انتهت المباراة الخطيرة عند هذا الحد.

(ههه…)

وقفت آيدا، وهي تحمل ساطورها. كان غطاؤها قد انزلق إلى أسفل عنقها بفعل حركاتها الحادّة، كاشفًا عن شعرها الحريري الأبيض المضفور.

تدفّقت قوّة عظيمة عبر ذراعي كاسلان، فارتجّ الرمح!

أمّا كاسلان، فكان يدير رمحه، وتعبير وجهه الهادئ لم يتغيّر.

انفتحت النافذة الخشبية.

“لقد قاتلتُ أعداءً من الجبل الأبيض، والتقيتُ بمبعوثي مملكة الغسق المتأخر.” قال صاحب الحانة العجوز ببطء. “لكن لون بشرتك… ليس لون الجان البيض ولا الجان الشيطانيين.”

طرق مرات إضافية.

رفعت آيدا ذقنها، كاشفةً عن وجهها الأنثوي البديع وأذنيها الحادّتين المنحنيتين تمامًا.

اختبأت الشقية خلف تاليس بدافع غريزي، بينما رفع هو رأسه بدهشة.

“أنتِ جنية مقدّسة، أليس كذلك؟” تنفّس كاسلان ببطء وهو يعدّل قبضته على الرمح. “بالطبع، لم يسبق لي لقاء بجان رفيع ولا جان رمادي في شبه الجزيرة الشرقية… لكني أرجّح أنك من مملكة الشجرة المقدسة؛ ولذلك أنتِ ضمن مرافقي أمير الكوكبة.”

“يا للأسف.” أغمض العجوز عينيه بأسف. “لقد كان خصمًا جيدًا.”

“تخمين جيّد.” تمتمت آيدا بازدراء، تحدّق بيقظة في رمح قاتل الأرواح. “يا وغد الشمال.”

في اللحظة التالية، اندفع نحو لافتة المتجر، جاذبًا الشقية معه.

أومأ كاسلان وابتسم.

فكلّ ما سمعته سابقًا أنه بعدما غادر برج الإبادة، لم يخسر معركة قط حين كان قائدًا لحرس النصل الأبيض.

“أعلم أنّ مملكة الشجرة المقدسة حليف قديم ونسيبٌ للعائلة الملكية في الكوكبة.” تنهد العجوز وقال، “لكنني لم أتوقع أن تذهب المملكة إلى حدّ إسناد حارسة من الفئة الفائقة للكوكبة.”

وفي الوقت نفسه، هبط رأس الرمح ليغرس نفسه في بلاطةٍ حجرية.

تبدّل تعبير آيدا.

“لن أتجرأ.” قال كاسلان باحترام. “فقد كنتُ معاصرًا لـ(قلب المطر).

“بَه!” لوّحت الجنية بساطورها بضيق. “أيّ حارسة؟ أنا محاربة من الفئة الفائقة! جدّهم وجدّتهم، أبوهم وأُمّهم رجوني مرارًا، واستأجروني لقاء أجرٍ عالٍ!”

“هذا الرمز أعطانا إيّاه كاسلان! قال إنه إن احتجنا المساعدة، يكفي أن نأتي إلى هنا ونقول هذا الرمز…”

ارتجف حاجبي كاسلان قليلًا.

فهي قد قلّلت من شأن مُزلزل الأرض.

“أنا مُدرِبة شرفية دائمة لحرس الكوكبة الملكي!” أشارت الجنية إلى نفسها بساطورها، وأعلنت بفخر: “آيدا لورا كارتر جيزيل دورييلوس…”

كانت آيدا قد أولتَ اهتمامها كلّه قبل قليل لرمح قاتل الأرواح، غير أنه—كما يبدو—بالمقارنة مع الرمح…

ثم توقفت فجأةً، كأن الكلمات علقت في حلقها.

انقضّ رمح كاسلان فجأةً دون إنذار، طاعنًا ثلاثة طعنات متتالية.

تدحرجت عيناها الفضيتان، وحدقت إلى الأسفل بامتعاض.

تغيّر وجه آيدا.

“(آخ… لا أتذكر ما يلي… نادِني بما تشاء.)”

(الملك نوڤين بدا ملكًا لامعًا. والعجوز الغريبة كالشان كانت بعيدة كل البعد عن كونها بلا خطر. كيف سمح الاثنان بثغرة كهذه في أمن العاصمة؟)

وفي الأثناء، اسودّ وجه كاسلان.

المعركة بين جيزا وأسدا دمّرت منطقة الدرع، وسوّت المنطقة بالأرض، وأثّرت في جزء كبير من القوة المسلّحة في مدينة سحب التنين.

“أرى. مُدربة الحرس الملكي.” ارتفع رأس الرمح بيده. تغيّر أسلوب نظرته إلى آيدا. “نحن في حرس النصل الأبيض نقول دومًا: عدا حرس الجليد، إن كان ثمة قوة مسلّحة تضاهي نخبة حرس النصل الأبيض، حرس التنين الإمبراطوري…”

لكن…)

فهي أنتم، من نسمّيهم (حرس الإمبراطور) — حرس الكوكبة الملكي.”

ولو كان تاليس حاضرًا، لكان جحظت عيناه وصاح، “أتعرفين التأرجح على القضيب العالي؟”

زفر كاسلان، وعيناه الهرمتان تلمعان بالحنين.

ثم توقفت فجأةً، كأن الكلمات علقت في حلقها.

“أوه.” لوّحت آيدا بذراعها باحتقار. “إذن، ما زلتَ تتذكر أنك من حرس النصل الأبيض… حين سقط رجالُك واحدًا تلو الآخر، هل كنت هناك لترى ذلك؟”

تأمّل تاليس الشقية مذهولة النظرات، والقلق يعصف به.

عند سماع ذلك، ظهر الألم على محيّا كاسلان. عقد حاجبيه عقدةً محكمة.

كانت قريبة إلى حدٍّ خطير.

“كانوا جماعةً من المحاربين الطيبين، فتيانًا صالحين.” قال العجوز بحزن. “لكنهم صادفوا أسوأ المصائر في أسوأ توقيت.”

الفصل 192: ستّة وخمسون

قهقهت آيدا بسخرية. “مَن يتحدث—(مُزلزل الأرض) الأسطوري، كما يبدو… ليس سوى خائن.”

“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”

أغمض كاسلان عينيه.

اندفع رأس الرمح إلى الأرض ثلاث مرات، مُثيرًا موجاتً من الحصى.

“لنُنْهِ هذا…” بدا صوته مثقلًا بالتعب. “إن واصلنا كسب الوقت، سيصل رجالنا. ولن نحظى بفرصةٍ لمبارزة عادلة.”

ولا جواب.

ظلت آيدا صامتة، تحدّق فيه ببرود.

تدفّقت قوّة عظيمة عبر ذراعي كاسلان، فارتجّ الرمح!

“عبر التاريخ، كانت المنازلات بين حرس التنين الإمبراطوري والحرس الملكي نادرة—لقد بارزتُ زكرييل مرّةً حين كنت صغيرًا. كان شرفًا.” قال كاسلان، وقد فُتحَت عيناه، وشعره الأبيض يتلألأ تحت ضوء الفجر الخافت. “المُدربة آيدا…”

(مستحيل.)

“زكرييل؟” تبدّل تعبير آيدا. بدا أنها تسترجع ذكرى. “أهو ذلك الصبي ذو الوجه الحَماري، الذي يسيل مخاطه، ويتمارض كل يومٍ في ساحة التدريب… كنتُ أعاقبه كثيرًا…”

“بَه!” لوّحت الجنية بساطورها بضيق. “أيّ حارسة؟ أنا محاربة من الفئة الفائقة! جدّهم وجدّتهم، أبوهم وأُمّهم رجوني مرارًا، واستأجروني لقاء أجرٍ عالٍ!”

“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”

كلها موجّهة نحو ساقَي آيدا.

اسودّ وجه آيدا.

وسط الطرق المتزايد، استفاقت الشقية من صدمتها وسألت بحيرة.

“ذاك الرجل في سجن العظام في الصحراء الغربية.” تنهدت الجانيّة. “ولعلّه سيبقى هناك بقية حياته… ذلك الغِرّ الأحمق…”

وإذ لم يستطع كاسلان استرجاع رمحه، شنت آيدا هجومًا مباغتًا، مسدّدة ساطورها نحو رأسه.

انبسطت ملامح الدهشة قليلًا على وجه كاسلان.

لكنّها لم تُجب. كان رأسها مُنخفضًا.

“حقًا…” تمتم.

طَرق! طَرق! طَرق!

“يا للأسف.” أغمض العجوز عينيه بأسف. “لقد كان خصمًا جيدًا.”

ربما هو…)

وفي اللحظة التالية، استؤنف القتال.

تغيّر وجه آيدا.

انقضّ رمح كاسلان فجأةً دون إنذار، طاعنًا ثلاثة طعنات متتالية.

زَزْ! زَزْ! زَزْ!

كلها موجّهة نحو ساقَي آيدا.

قطّب الأمير حاجبيه وهمّ برفع قبضته من جديد.

زَزْ! زَزْ! زَزْ!

“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”

اندفع رأس الرمح إلى الأرض ثلاث مرات، مُثيرًا موجاتً من الحصى.

“يا للأسف.” أغمض العجوز عينيه بأسف. “لقد كان خصمًا جيدًا.”

لكن آيدا، وكأنها تؤدي رقصة غريبة ورشيقة، اتخذت ست خطوات متتابعة، تهبط كل مرةٍ في اللحظة المناسبة لتفلت من الهجمات.

أومأ العجوز بإعجاب. “ومع ذلك، أفلتّ من طعنة الساقين، وأتيتِ نحوي، وتفاديتِ الحصى المتناثر، ثم رددتِ، بل وتفاديتِ ضربتي الأخيرة أيضًا.”

وسط تطاير الحصى، لم تتراجع آيدا. بل تقدّمت نحو كاسلان وهي تتفادى الشظايا.

“حقًا…” تمتم.

فتبدّلت مواقع الهجوم والدفاع من جديد.

“إنه الفارس المهيب (فارس الحكم) في الكوكبة.” ابتسم كاسلان بنبرةٍ حنونة. “لم أسمع عنه منذ اثني عشر عامًا.”

سُووش!

وإذ لم يستطع كاسلان استرجاع رمحه، شنت آيدا هجومًا مباغتًا، مسدّدة ساطورها نحو رأسه.

وإذ لم يستطع كاسلان استرجاع رمحه، شنت آيدا هجومًا مباغتًا، مسدّدة ساطورها نحو رأسه.

فهي أنتم، من نسمّيهم (حرس الإمبراطور) — حرس الكوكبة الملكي.”

دار قائد حرس النصل الأبيض الأسطوري، ليتفادى الضربة.

شعر تاليس بقشعريرة تسري في جلده.

لم تغب عيناه الخبيرتان عن كتفي آيدا لحظة.

هووش

وبموازاة حركة آيدا، انقلب الساطور فجأة ثلاث مرات.

انقضّ رمح كاسلان فجأةً دون إنذار، طاعنًا ثلاثة طعنات متتالية.

كلّ ضربة موجّهة إلى الاتجاه الذي كان كاسلان سيتحرك نحوه.

***

غير أنّ كاسلان، معتمدًا على حدّة بصره وغريزته، تفادى السِتّ ضربات القاتلة.

لهذا غادر الملك نوڤين قصر الروح البطولية وجاء إلى منطقة الدرع.

مرّ الساطور بمحاذاة وجهه.

عند سماع ذلك، ظهر الألم على محيّا كاسلان. عقد حاجبيه عقدةً محكمة.

وقطع خصلةً من شعره الأبيض.

لكن ما إن خطا الخطوة الأولى حتى تجمّد.

أخيرًا، سحب كاسلان رمحه. رفع العجوز ذراعيه، ولوّح بالرمح، راسمًا دائرةً واسعة حوله.

(مستحيل…)

سسسس! إذ احتكّ رأس الرمح بالأرض، أطلق صوتًا حادًا يُمزق السمع.

هذا هو.

وفي تلك الأثناء، كانت آيدا قد أدّت شقلبتين في الهواء، بعيدًا عن مدى رمح قاتل الأرواح.

(“إن واجهتَ خطرًا في إكستيدت لا يمكنك أن تتخلّص منه مهما فعلت… مشكلة عظيمة لا يستطيع حتى الملك نوڤين إنقاذك منها…”)

وانتهى هذا الاشتباك المرهق. فقد توقّف المحاربان من الفئة الفائقة عن القتال وعلى محيّاهما الترقّب.

ذكرت آيدا أنّ الحصار المفروض على الكوارث يقع خلف هذا الطريق. وهناك سيعثر على أناسٍ من العاصمة.

“مرونة ممتازة، ورشاقة باهرة.” قال كاسلان متنهدًا. “غريزة قتال جيّدة، ضربات ثابتة، خطوات خفيفة.”

في اللحظة التالية، أمسكت بيدٍ واحدة القسم العلوي من الرمح وضغطت قليلًا.

“لقد عرضتِ تمامًا مزايا ان تكوني جان وأنثى معًا.”

خفض تاليس رأسه بخذلان.

قهقهت آيدا، تحدّق في وجه خصمها.

“عبر التاريخ، كانت المنازلات بين حرس التنين الإمبراطوري والحرس الملكي نادرة—لقد بارزتُ زكرييل مرّةً حين كنت صغيرًا. كان شرفًا.” قال كاسلان، وقد فُتحَت عيناه، وشعره الأبيض يتلألأ تحت ضوء الفجر الخافت. “المُدربة آيدا…”

“ستتأذى إن استخففت بامرأة، كما تعلم.”

“ستّة وخمسون!”

وقف كل منهما على طرف الشارع، يتبادلان النظرات الصامتة، متحفّزين، يحسب كلٌّ منهما خطوة الآخر التالية.

“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”

“لن أتجرأ.” قال كاسلان باحترام. “فقد كنتُ معاصرًا لـ(قلب المطر).

“والضربة الأخيرة كانت لاصطيادك وأنتِ تقتربين.”

“مع ذلك، هذه كلها مزايا طبيعية للجان. لا شيء مفاجئ فيها.” قال العجوز بنبرة باردة.

فجأة، دوّى صوت احتكاك خشب، تلاه صوت مزلاج يُفتح.

تقلّصت حدقتا آيدا.

شعر بالعطش فجأة.

ثبت كاسلان بصره على الأرض، مركزًا على ثقوب الطعن الثلاثة. “ما يفاجئني حقًا… هو أنك واجهتِ كلّ حركة هجومية ودفاعية بتلقائية كاملة… بدرجة تكاد تكون مثالية.”

“مرونة ممتازة، ورشاقة باهرة.” قال كاسلان متنهدًا. “غريزة قتال جيّدة، ضربات ثابتة، خطوات خفيفة.”

“آه.” هزت آيدا كتفيها. وتحركت أذناها الحادّتان. “أنا ببساطة جيدة للغاية.”

(إلّا إذا…)

“هاه، حقًا؟” أشرق وجه كاسلان، وارتسمت ابتسامة على محيّاه.

(ههه…)

“لقد هاجمتُ ساقيك لتقييد حركتك.”

في وقتٍ عصيب كهذا، كان الأفضل أن يلتمسا العون من شخص جدير بالثقة، ويعودا إلى قصر الروح البطولية، إلى بيوتراي، ويخبرا الاتباع المخلِصون لآل والتون.

“ونثرتُ الحصى لتقويض رشاقتك.”

طنّ!

“والضربة الأخيرة كانت لاصطيادك وأنتِ تقتربين.”

(كيف بدأ كلّ هذا؟)

أومأ العجوز بإعجاب. “ومع ذلك، أفلتّ من طعنة الساقين، وأتيتِ نحوي، وتفاديتِ الحصى المتناثر، ثم رددتِ، بل وتفاديتِ ضربتي الأخيرة أيضًا.”

(منذ اللحظة التي أرسل فيها لامبارد جنوده ليصطحبوني إلى مدينة سحب التنين، هل كان قد دبّر كل هذا؟ كان هدفه اغتيال الملك وبدء انقلاب؟)

رفع كاسلان ذقنه، ناظرًا إلى آيدا.

لكن آيدا، وكأنها تؤدي رقصة غريبة ورشيقة، اتخذت ست خطوات متتابعة، تهبط كل مرةٍ في اللحظة المناسبة لتفلت من الهجمات.

“ثلاث هجمات متصلة، مدموجة في توليفة واحدة… ومع ذلك، لم تُصبك واحدةٌ منها.”

ضيّق تاليس عينيه. تذكّر حديثًا قديمًا.

“وهذا لا يُفسَّر بردود الفعل ولا بالخبرة.” هز رأسه ببطء.

“ثمّة احتمالٌ واحد فقط.”

“ثمّة احتمالٌ واحد فقط.”

وقف كل منهما على طرف الشارع، يتبادلان النظرات الصامتة، متحفّزين، يحسب كلٌّ منهما خطوة الآخر التالية.

لم يتغير تعبير آيدا. شدّت قبضتها على الساطور.

“ستّة وخمسون!”

(تلك الهجمة كانت متقنة…

لمعَت عينا تاليس.

لكن…)

وكما يحدث غالبًا بين مقاتلي الفئة الفائقة، تبدّلت مواقع الهجوم والدفاع في ثوانٍ.

تنهد كاسلان. وامتزج صوته بزفرات تعب ثقيل. “لقد عرفتِ خطواتي التالية، وتكتيكاتي، ورددتِ عليها بالمضاد المثالي، أليس كذلك؟”

(مستحيل.)

تغيّر وجه آيدا.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

(مستحيل…)

انفتحت النافذة الخشبية.

(هذا العجوز…)

(“إن واجهتَ خطرًا في إكستيدت لا يمكنك أن تتخلّص منه مهما فعلت… مشكلة عظيمة لا يستطيع حتى الملك نوڤين إنقاذك منها…”)

(منذ متى ونحن نقاتل؟)

انفتحت النافذة الخشبية.

ضحك كاسلان بخفة.

اسودّ وجه آيدا تمامًا.

في تلك اللحظة، بدا مُزلزل الأرض الأسطوري كما لو عاد إلى شبابه.

سُووش!

“سمعتُ أن إمكانية اكتساب الجان قدرات نفسية أعلى من البشر—أمر شيّق، أليس كذلك؟” لوّح العجوز برمح قاتل الأرواح مجددًا، وكانت شعلة المحارب تتقد في عينيه. “القدرات النفسية أنواع كثيرة، ولكلٍّ طبيعته الخاصة.”

كلها موجّهة نحو ساقَي آيدا.

اسودّ وجه آيدا تمامًا.

“لن أتجرأ.” قال كاسلان باحترام. “فقد كنتُ معاصرًا لـ(قلب المطر).

كانت آيدا قد أولتَ اهتمامها كلّه قبل قليل لرمح قاتل الأرواح، غير أنه—كما يبدو—بالمقارنة مع الرمح…

(هناك أحد…)

فهي قد قلّلت من شأن مُزلزل الأرض.

(لقد جررتُ الصوفيين إلى هذا، أليس كذلك؟)

فكلّ ما سمعته سابقًا أنه بعدما غادر برج الإبادة، لم يخسر معركة قط حين كان قائدًا لحرس النصل الأبيض.

تنهد كاسلان. وامتزج صوته بزفرات تعب ثقيل. “لقد عرفتِ خطواتي التالية، وتكتيكاتي، ورددتِ عليها بالمضاد المثالي، أليس كذلك؟”

(لكن…)

(مهلًا…)

تلألأت عينا كاسلان، وقال بهدوء، “لكنني لم أتوقع أن أواجه قدرة نفسية فريدة كهذه.”

فجأة، دوّى صوت احتكاك خشب، تلاه صوت مزلاج يُفتح.

تنهدت آيدا.

ظلّ الرجل الشرقي—غو—صامتًا. بقي ثابتًا في الظلال خلف إطار النافذة يحدّق بهما.

“المُدربة آيدا، أنتِ صاحبة قدرة نفسية— لا، أنتِ من الفئة الفائقة، لذا يجب أن أدعوكِ (محاربة نفسية).” ثبت كاسلان عينيه في عيني آيدا الفضيتين، وقال بنبرة لا هوادة فيها: “أنتِ تقرئين العقول.”

“وكيف تعرفان هذا؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لكن…)

فهي أنتم، من نسمّيهم (حرس الإمبراطور) — حرس الكوكبة الملكي.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط