Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 193

اختر مَن تُريد أن تُصبح
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

اختر مَن تُريد أن تُصبح

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“وماذا بعد؟” اتسعت عينا الشقية. “كيف كان ردّه؟”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.

Arisu-san

حدّق الأمير في عيني الشقية.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.

الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح

“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”

***

لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.

طَرق.

توقّف تاليس.

ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.

قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”

تاليس والشقية، اللذان كانا يغسلان وجهيهما بالماء البارد في الزاوية، رفعا رأسيهما في حيرة. حدّقا في غُو عديم التعبير.

قالت آيدا إن نائب الدبلوماسي أرسل رجالًا للبحث عنه. ربما يستطيع أيضًا إرسال أحدهم…

شعور الجوع، الذي كان قد اختفى تحت وطأة الرعب والخوف من قبل، عاد يتّقد في معدة الأمير.

“انتظر بصبر، يا صاحب السمو.”

“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”

نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.

قرقرَ بطنُ الشقية في اللحظة المناسبة.

“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”

نظرت الفتاة بخجل إلى الصبي الذي بجانبها—وابتلع تاليس ريقه.

(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)

“والآن؟”

لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.

حدّق غُو بالطفلين المذهولين وهو يقطّب جبينه، ثم قال بضيق، “هل تنتظران مني أن أقدّم لكما مناديل وأسكب لكما نبيذ العنب، يا سيّديَّ الصغيرين؟”

أومأت الشقية طائعة.

ما إن قال هذا حتى تبادل تاليس والشقية النظرات وارتفع جفناهما بدهشة.

Arisu-san

وفي اللحظة التالية، وثبا إلى الكراسي كفرسين أُطلق عنانهما. رفعا وعاءيهما وشرعا يلتهمان المرق.

عقد تاليس حاجبيه. (شخصٌ موثوق، له تعاملات سرية مع الملك نوڤين ومع لامبارد، لكنه يبدو محايدًا… شخص غير لافت… ويفضّل أن يمتلك حِيَلًا وعلاقات يمكنه استغلالها بعد حصوله على الرسالة.)

“اشربا ببطء.” تمتم غُو وهو يراهم يلتهمون الطعام بنهم، مطلقًا تنهيدة.

كان في صوتها دهشة مشوبة بالريبة، ثم تحوّل إلى خوف وفزع. “لكن… لماذا أنت…”

“عندما تنتهيان، سنتحدث بشأن الأمور المهمة.”

(لا. من اللحظة التي تُصبِحين فيها والتون… لن ينتهي شيء مما رأيته.)

خلال بضع دقائق، كان الطفلان الجائعان قد أنهيا مرق اللحم. استرخيا على الكراسي، يدعكان بطونهما المنتفخة، يلهثان.

وبينما كان ممسكًا بنظرة تاليس، قال غُو بلامبالاة، “على سبيل المثال، في هذه الليلة الفوضوية، قبيل الفجر، لماذا يتجوّل طفلان في منطقة درع الجسد، التي كان من المفترض إخلاؤها منذ وقت طويل؟”

حتى إن الشقية أطلقت تجشؤًا عاليًا. خفّضت رأسها بقلق.

ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.

زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.

دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.

“إذًا…” وضع غُو يده اليمنى فوق ظهر يده اليسرى. تحرّكت أصابعه صعودًا وهبوطًا كأمواج البحر، وهو يطرق الطاولة ببطء.

كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.

قبل أن يُكمل غُو كلامه، التقط تاليس أنفاسه، ثم رفع رأسه وقال بقلق، “ن-نحن نحتاج المساعدة!”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أجل، أستطيع رؤية ذلك…” حدّق به غُو من أعلى إلى أسفل. كانت عيناه مليئتين بالازدراء. “أخبرني بشيء لا أعرفه سلفًا.”

ركزت عينا تاليس.

وبينما كان ممسكًا بنظرة تاليس، قال غُو بلامبالاة، “على سبيل المثال، في هذه الليلة الفوضوية، قبيل الفجر، لماذا يتجوّل طفلان في منطقة درع الجسد، التي كان من المفترض إخلاؤها منذ وقت طويل؟”

تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.

“وحتى إنكما تجوّلتما بطريقة مهينة، ككلابٍ ذليلة تطوي ذيولها.”

دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.

ارتبك تاليس قليلًا وقال بعفوية، “نحن…”

تنهد تاليس داخليًا.

لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.

أول من خطر بباله كان بيوتراي.

خبرته وغريزته كأمير أخبرتاه أن المرء لا يستطيع دائمًا مقايضة كل المعلومات مقابل الإخلاص أو التفهّم: تعلم ذلك من أمثلة سيرينا والسيف الأسود.

توقّف نفس تاليس للحظة.

“لقد وقعنا في ورطة.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا وقال بجدية، “نحتاج الوصول سرًا إلى قصر الروح البطولية دون أن يلحظنا أحد. هل يمكنك مساعدتنا؟”

رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”

“سنكافئك!”

أغلق تاليس عينيه، ثم فتحهما من جديد.

توقف غُو عن النقر. تشدّدت يداه في قبضتين وهو يحدّق في تاليس دون أن يتحرك.

وضحك تاليس معها.

كانت نظرته هادئة، مثل سطح بحيرة ساكنة. ومع ذلك، أرعبت تاليس.

“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”

لم يستطع إلا أن يجلس مستقيمًا ويعدّل ثيابه.

دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.

(رجل الشرق الاقصى هذا…)

كانت مجرد طفلة.

(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)

حدّق الأمير في عيني الشقية.

وقبل أن يفقد أعصابه، بدأ غُو يتحدث ببطء، “قصر الروح البطولية؟”

“وكيف أجبتَه؟” سألت الشقية بشغف.

“هل هو صراع قوى آخر بين النبلاء؟”

ارتجفت الشقية.

ارتفع طرف شفتي غُو بابتسامة باردة غامضة.

***

كانت عيناه السوداوان عميقتين كليلٍ بلا قمر. لم يستطع تاليس رؤية بؤبؤيه بوضوح.

لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’

“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”

ينطبق الأمر ذاته على رجال الملك نوڤين، مثل نيكولاس.

حدّق غُو في تاليس تحت الضوء الخافت.

“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”

“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”

ذكره ذلك بليلتها التي نامت فيها قرب سريره في غرفة الضيافة.

هزّ الشرقي رأسه. البرودة في زاوية عينه جعلت تاليس يرتجف. “آسف، لا أدين لكاسلان بكل هذا.”

أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.

لقد رفضهما.

زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.

أدار تاليس رأسه بقلق نحو الشقية.

أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”

لم يستطيعا البقاء هنا وانتظار المصيبة لتلحق بهما.

“عندما تنتهيان، سنتحدث بشأن الأمور المهمة.”

عملية لامبارد، اغتيال نوڤين، المصائب التي واجهاها… كان يجب…

لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’

“ماذا عن التواصل مع أحدهم؟”

هزّ رأسه. “أنتِ فتاة مسكينة سيئة الحظ، جُرّت إلى كل هذه المتاعب معي.”

رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”

“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”

في مواجهة نظرة تاليس القلقة، ابتسم غُو.

حدّق فيها صامتًا، ثم تنفّس بحزن. “نعم.”

“لن يكون الأمر سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا.” ضيّق غُو عينيه. “إلى من أنقل رسالتكما؟”

مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”

تنفّس تاليس بارتياح.

“أستطيع توفير مكان تختبئان فيه. لكن إيصالكما إلى القصر دون أن يراكما أحد، والزجّ بنفسي في صراع سياسي بين النبلاء؟”

لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.

تمعنت فيه الشقية، كأنها تراه لأول مرة.

“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”

لقد رفضهما.

استمع تاليس لنصيحته في حيرة.

“هذا كل ما في الأمر.”

أول من خطر بباله كان بيوتراي.

وانسابت عليه موجة النعاس والتعب.

قالت آيدا إن نائب الدبلوماسي أرسل رجالًا للبحث عنه. ربما يستطيع أيضًا إرسال أحدهم…

“لأنك أنت أنت.”

(لا.)

“سنكافئك!”

هزّ الأمير رأسه داخليًا.

ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”

لم يكن يعلم مدى إحكام رقابة لامبارد في مدينة سحب التنين، لكن إن كانت الأمور سيئة كما توقع، فالمجموعة الدبلوماسية التابعة للكوكبة بقيادة بيوتراي ستكون هدفًا رئيسيًا لاهتمام لامبارد.

انطفأت عينا الشقية. خفضت رأسها، وعبست شفتيها.

وجودهم سيكون صارخًا في مدينة تئن بالكوارث، تحت حظر تجول في كل منطقة. فحتى لو عرفوا موقعه، سيُوقَفون غالبًا قبل الوصول إليه.

“ومما رأيتُه، لستِ بلا مؤهلات لتكوني من آل والتون.”

ينطبق الأمر ذاته على رجال الملك نوڤين، مثل نيكولاس.

“قال: ’لا بأس.’

كان بحاجة لاسمٍ آخر.

ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.

عقد تاليس حاجبيه. (شخصٌ موثوق، له تعاملات سرية مع الملك نوڤين ومع لامبارد، لكنه يبدو محايدًا… شخص غير لافت… ويفضّل أن يمتلك حِيَلًا وعلاقات يمكنه استغلالها بعد حصوله على الرسالة.)

أدار تاليس رأسه بقلق نحو الشقية.

ركزت عينا تاليس.

التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.

أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”

قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”

ثبتت عينا غُو عليه.

“تحتاجين الراحة. قد نضطر للتحرك قريبًا.” نظر إليها بنبرة مهدّئة قدر استطاعته.

مرّت خمس ثوانٍ، ثم أومأ الشرقي ببطء.

وفي اللحظة التالية، وثبا إلى الكراسي كفرسين أُطلق عنانهما. رفعا وعاءيهما وشرعا يلتهمان المرق.

زفر تاليس بارتياح.

تابعت الشقية التحديق فيه، فأكمل تاليس.

بعد دقائق، ارتدى غُو عباءة ذات قلنسوة ووقف عند العتبة.

“هاه؟”

“لست متأكدًا من مدة غيابي. العثور على الأشخاص يستغرق وقتًا—قد يكون بضع عشرات من الدقائق، وقد يكون أطول.” قال غُو بصرامة. “إلى ذلك الحين، لا تتحركا. لا تلمسا شيئًا في متجري.”

اومئ تاليس ايماءة فهم.

ارتجفت الشقية.

تفقد غُو الخارج عبر النافذة الخشبية. ولما اطمأن، أمسك مقبض الباب.

(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)

“السيد غُو.” ومع تسلل الضوء إلى محل الجزار بينما كان يهم بالخروج، قال تاليس بسرعة، “شكرًا لك.”

غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”

التفت غُو، وارتسمت على وجهه نظرة غامضة.

“وفوق ذلك، أنا فتاة.”

ابتسم نصف ابتسامة، وأومأ.

لقد هدّأها أخيرًا.

لكن كلماته الأخيرة قبل مغادرته المحل جعلت تاليس يرتجف.

لقد رفضهما.

“انتظر بصبر، يا صاحب السمو.”

حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.

ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.

لقد رفضهما.

ظلّ تاليس واقفًا في ذهول.

ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”

التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.

وضحك تاليس معها.

(إذًا كان يعرف هويتي منذ البداية؟)

“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.

(لهذا لم يسألني عنها.)

“التسلل إلى قصر الروح البطولية من مقاطعة درع الجسد… أتدري كم هو صعب؟ المسافة، التل، بوابات المدينة، الحواجز، والإغلاق المفروض منذ الأمس…”

حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.

“ستصبحين الشخص الذي تختارينه أنت.”

(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)

تنفّس تاليس طويلًا.

(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)

“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”

دار تاليس حول نفسه، ناظرًا إلى كتل التقطيع وسكاكين نزع العظام حوله. ثم هزّ كتفيه بيأسٍ مطأطئًا رأسه.

لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.

صعد بصعوبة إلى الكرسي قرب الطاولة، ورفع كأسًا خشبيًا وشرب رشفة ماء.

تاليس والشقية، اللذان كانا يغسلان وجهيهما بالماء البارد في الزاوية، رفعا رأسيهما في حيرة. حدّقا في غُو عديم التعبير.

لمح الشقية إلى جانبه.

لكن الكلمات انطفأت في حلقه. فتح الأمير فمه بتردّد، ثم قرّر إغلاقه تمامًا.

كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.

الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح

تنهد تاليس داخليًا.

أغمض تاليس عينيه. غمر قلبه حزنٌ مُثقِل لا يُقال.

“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”

شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.

“هاه؟”

“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”

كأن صفعة أيقظتها فجأة، رفعت الشقية رأسها وحدقت به.

تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.

ضم تاليس شفتيه، هازًا رأسه بعجز.

نظر تاليس إلى دموعها، ثم رفع ذقنه ببطء.

“تحتاجين الراحة. قد نضطر للتحرك قريبًا.” نظر إليها بنبرة مهدّئة قدر استطاعته.

تنفّس تاليس الصعداء.

لكن الشقية ظلّت تحدّق به فحسب.

تابعت الشقية التحديق فيه، فأكمل تاليس.

“تاليس”، قالت الشقية بصوت متهدّج، “أشعر وكأنني في حلم.”

“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”

خفضت رأسها. “كابوس… كابوس لا ينتهي.”

“لذا، لا تخافي. لا ترتبكي. أمامك خيارات كثيرة.” أمسك تاليس يد الشقية بلطف، وقال بإخلاص: “حين نخرج من هنا، ستبحثين عن حقيقتك، وتختارين من تريدين أن تكونيه—ولو أردتِ المغادرة أو البقاء، فلن أمنعك.”

توقّف نفس تاليس للحظة.

“هل أنتِ الشقية؟ تلك الخادمة التي تُنجز الواجبات بدل غيرها؟ أم أنتِ دودة كتاب في المكتبة؟ أم أنتِ سارُوما والتون؟ أم فتاة مسكينة وجدت نفسها وسط هذه الفوضى بلا حول ولا قوة؟”

قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”

وابتسم الأمير ابتسامة ظنها الأكثر ثقة.

كانت عيناها تلمعان خلف عدستيها.

أول من خطر بباله كان بيوتراي.

“كل هذا… متى سينتهي؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أغمض تاليس عينيه. غمر قلبه حزنٌ مُثقِل لا يُقال.

“حقًا؟”

كانت مجرد طفلة.

شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.

أكبر قليلًا فقط من كوريا ورايان وسينتي.

“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”

أُجبرت على رؤية كل هذا.

“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”

“قريبًا.”

حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.

سمع نفسه يقول بصوتٍ فارغ، “قريبًا سينتهي كل شيء… سيكون الأمر بخير…”

***

لكن صوتًا مظلمًا في داخله همس بعكس ذلك تمامًا.

حدّقت فيه الشقية، وفمها مفتوح بدهشة.

(لا. من اللحظة التي تُصبِحين فيها والتون… لن ينتهي شيء مما رأيته.)

تنهد تاليس داخليًا.

سمع نفسه يقول ما لا يؤمن به. “عندما نعود إلى عائلة والتون، وإلى من يخدمونهم، سنكون بخير. مهما كانت مقاصدهم، سيحمون دماء عائلة رمح التنين.”

أغلق تاليس عينيه، ثم فتحهما من جديد.

ارتجفت الشقية.

رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”

وباتت شهقاتها أكثر وضوحًا. “تاليس، أنا… لا أريد أن أصبح سارُوما. لستُ من آل والتون… وما طلبه مني جلالته… لا أستطيع فعله…”

“هل هو صراع قوى آخر بين النبلاء؟”

لم يتحدث تاليس. شدّ قبضته وحدّق في الأرض.

“صحيح.” شهقت الشقية. كانت عيناها حمراوين. “أنا مجرد خادمة أُخذت من بيتٍ مليء بالأيتام، لست… لست السيدة أليكس.”

“صحيح.” شهقت الشقية. كانت عيناها حمراوين. “أنا مجرد خادمة أُخذت من بيتٍ مليء بالأيتام، لست… لست السيدة أليكس.”

هزّ الأمير رأسه داخليًا.

ظلّ تاليس صامتًا.

جلست الشقية في كرسيّها تحدّق في تاليس الواقف أمامها.

“وفوق ذلك، أنا فتاة.”

صعد بصعوبة إلى الكرسي قرب الطاولة، ورفع كأسًا خشبيًا وشرب رشفة ماء.

وهذه اراضي شمال. عبر التاريخ… النبلاء والعامة لم يسمحوا قط لفتاة بأن تكون ارشيدوقة.” نزعت نظارتها وهي تهز رأسها بأسى.

رفع تاليس رأسه وقال بقلق، “قد لا تستطيع إيصالنا، لكن هل يمكنك التواصل مع شخص نيابة عنا؟”

“دعني أرحل. لا أستطيع تنفيذ ما أمر به جلالته… أنا… سأفسد الأمر. لا أعرف شيئًا!”

لم يكن يعلم مدى إحكام رقابة لامبارد في مدينة سحب التنين، لكن إن كانت الأمور سيئة كما توقع، فالمجموعة الدبلوماسية التابعة للكوكبة بقيادة بيوتراي ستكون هدفًا رئيسيًا لاهتمام لامبارد.

نظر تاليس إلى دموعها، ثم رفع ذقنه ببطء.

(ما الذي يكشف أمر طفلٍ أشعث يركض في الشوارع؟)

“تستطيعين.”

“قريبًا.”

توقفت شهقاتها دفعة واحدة.

سمع نفسه يقول ما لا يؤمن به. “عندما نعود إلى عائلة والتون، وإلى من يخدمونهم، سنكون بخير. مهما كانت مقاصدهم، سيحمون دماء عائلة رمح التنين.”

رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”

هزّ الأمير رأسه داخليًا.

قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”

ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.

شهقت الشقية.

“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”

“لقد رحل الملك نوڤين. ومن غير المعلوم إن كان نيكولاس حيًّا أم ميتًا. أمّا ميرك…” حدّق تاليس فيها بهدوء، نازلًا عن كرسيّه، وخطى إليها. “الآن، لا أحد يستطيع إجبارك على أن تكوني سارُوما والتون.”

“قال لي: ’هل أنت مستعد؟’”

اقترب تاليس منها ببطء.

كانت عيناها تلمعان خلف عدستيها.

ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.

“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”

“لديك فرصة للابتعاد عن هذه الفوضى. مدينة سحب التنين في اضطراب، ولن يلاحظ أحدٌ اختفاء خادمة صغيرة.” ثبت تاليس نظره في نظرة الشقية المذهولة. “وفوق ذلك، لقد حدثت أمور كثيرة في قصر الروح البطولية وحده…”

الفصل 193: اختر مَن تُريد أن تُصبح

شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.

مرّت ثوانٍ.

“حقًا؟”

أدار تاليس رأسه بقلق نحو الشقية.

كان في صوتها دهشة مشوبة بالريبة، ثم تحوّل إلى خوف وفزع. “لكن… لماذا أنت…”

هكذا قال لي.”

توقّف تاليس، واقفًا على بُعد خطوات قليلة عن كرسيّها.

شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.

أرخى قبضته، وحدّق في عينيها الخضراوين. ثم انفرجت شفتاه بابتسامة خفيفة.

“من يدري؟” نزل عن كرسيّه، متجهًا إلى ركن الغرفة. “ربما أبلغ السابعة والثلاثين.”

“لأنك أنت أنت.”

كانت نظرته هادئة، مثل سطح بحيرة ساكنة. ومع ذلك، أرعبت تاليس.

“ربما لا يوجد خيارات مفتوحة، لكنّ لكلّ شخص أن يختار، بل ينبغي له أن يختار، مَن يريد أن يكون…”

هزّ رأسه. “أنتِ فتاة مسكينة سيئة الحظ، جُرّت إلى كل هذه المتاعب معي.”

أغلق تاليس عينيه، ثم فتحهما من جديد.

“ومما رأيتُه، لستِ بلا مؤهلات لتكوني من آل والتون.”

“ستصبحين الشخص الذي تختارينه أنت.”

تنفّس الأمير بعمق.

وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنه كلمات آسدا المتطفّلة، وقصة السيدة جينيس، واعتراف يودل في درب الظلال، وتعابير غيلبرت المضطربة أمام صور ملوك الكوكبة الثلاثة، وهيئة كيسل الكئيبة في ضريح عائلة جيدستار.

ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.

غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

حدقت الشقية في تاليس، وذلك الصبي الغريب يهديها ابتسامة مُرّة.

“تستطيعين.”

مسحت الشقية وجهها، ورمشت قائلة دون تفكير: “مثل… أن يُصبح المرء أميرًا؟”

لقد رفضهما.

تجمّد نظر تاليس.

ما إن قال هذا حتى تبادل تاليس والشقية النظرات وارتفع جفناهما بدهشة.

حدّق فيها صامتًا، ثم تنفّس بحزن. “نعم.”

“مثل أمير.”

“مثل أمير.”

هزّ تاليس رأسه، متجاهلًا نظرتها الحائرة، وأكمل:

“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”

ضرب غُو وعاءين كبيرين من مرق اللحم الساخن الدافق على سطح الطاولة.

اتسعت عينا الشقية بدهشة واضحة. تجمّدت، وعيناها مشدودتان إلى تاليس.

قال تاليس ببرود: “تستطيعين الرحيل.”

تنفّس الأمير بعمق.

وجودهم سيكون صارخًا في مدينة تئن بالكوارث، تحت حظر تجول في كل منطقة. فحتى لو عرفوا موقعه، سيُوقَفون غالبًا قبل الوصول إليه.

تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.

شهقت الشقية.

(“بعد أن يُمنح لقب جيدستار، عليه ان يقاتل من أجل الكوكبة، ويموت من أجل الكوكبة، ويحيى من أجل الكوكبة.”)

شهقت الشقية.

أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.

شهقت الشقية وهي تشهق بشدة.

“لكن قبل ذلك، هل فكرتِ في نفسك أنتِ؟ من تكونين؟ ومن تريدين أن تصيري؟”

غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”

اتسعت عينا الشقية. “ماذا؟”

“تاليس…” همست الشقية من خلفه، “شكرًا لك.”

هزّ تاليس رأسه، متجاهلًا نظرتها الحائرة، وأكمل:

أول من خطر بباله كان بيوتراي.

“هل أنتِ الشقية؟ تلك الخادمة التي تُنجز الواجبات بدل غيرها؟ أم أنتِ دودة كتاب في المكتبة؟ أم أنتِ سارُوما والتون؟ أم فتاة مسكينة وجدت نفسها وسط هذه الفوضى بلا حول ولا قوة؟”

أطبق عينيه بهدوء.

تجمّدت الشقية في موضعها، واشتدّ تنفّسها.

ارتدّت الشقية مذعورة إلى خلف كرسيّها.

“في نظر أليكس، أنتِ خادمتها الدونية؛ وفي نظر الملك نوڤين، أنتِ آخر أملٍ لعائلة والتون؛ وفي نظر ملكة السماء، أنتِ فتاة لطيفة وضعت نظارتها دون قصد.” قال تاليس بهدوء. “لكن، في نظرك أنتِ… مَن تكونين؟”

توقف غُو عن النقر. تشدّدت يداه في قبضتين وهو يحدّق في تاليس دون أن يتحرك.

“مَن أنتِ؟”—كان السؤال ذاته الذي طرحه عليها يوم التقيا.

أكبر قليلًا فقط من كوريا ورايان وسينتي.

غامت عينا الشقية بالارتباك شيئًا فشيئًا.

أهدى تاليس ابتسامة حزينة راضية.

“العودة إلى كونك الشقية بدافع الخوف والعادة؛ اختيار أن تصبحي فتاة والتون بدافع الغرور؛ اختيار الهرب من كل شيء بدافع الضغط— أظن أنّ هذه الخيارات كلها من طبيعة واحدة. فهي ليست ما تريدينه حقًا، بل ما تُجبَرين على أن تكونيه قبل أن تستعدّي لذلك.”

غامت عينا الشقية بالارتباك شيئًا فشيئًا.

ساد الصمت محل الجزار الصغير.

زفر تاليس براحةٍ مُشبعة.

جلست الشقية في كرسيّها تحدّق في تاليس الواقف أمامها.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.

“نامي قليلًا.” وضع الكأس وقال، “لا بد أنك مرهقة.”

“وماذا عنك؟” بعد ثوانٍ، رفعت الشقية ذقنها، تبدو كمن يغرق ويبحث عن قشّة نجاة. “في رأيك… من أكون؟ هل يفترض بي أن أكون خادمة؟”

“اشربا ببطء.” تمتم غُو وهو يراهم يلتهمون الطعام بنهم، مطلقًا تنهيدة.

“أنتِ؟”

تجمّدت الشقية.

ابتسم تاليس.

هكذا قال لي.”

هزّ رأسه. “أنتِ فتاة مسكينة سيئة الحظ، جُرّت إلى كل هذه المتاعب معي.”

رفع تاليس حاجبه. “الآن، خذي غفوة. نحتاج إلى القوة والتحمّل.”

انطفأت عينا الشقية. خفضت رأسها، وعبست شفتيها.

“لن يكون الأمر سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا.” ضيّق غُو عينيه. “إلى من أنقل رسالتكما؟”

تنفّس تاليس ببطء، ناظرًا إليها.

“وكيف أجبتَه؟” سألت الشقية بشغف.

“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”

“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”

أهدى تاليس ابتسامة حزينة راضية.

(آيدا، السيف الأسود، غُو… لماذا يعرفني الجميع من النظرة الأولى؟)

“وإن صرتِ ارشيدوقة، أظنّك ستكونين أفضل بكثير من الملك نوڤين ومن الآرشيدوق لامبارد.”

أعاد تاليس تركيزه، وحدّق مباشرة في عينيها.

رفعت الشقية رأسها، وفي عينيها دهشة وإشراقة خفيفة.

ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.

“ومما رأيتُه، لستِ بلا مؤهلات لتكوني من آل والتون.”

غارقًا في أفكاره، أكمل بغير وعي، “على الرغم من أنّ الحياة، والناس، والمجتمع، والسلطة الغالبة كثيرًا ما تكرهنا على أن نصبح… شخصًا يريدون هم أن نكونه.”

تابعت الشقية التحديق فيه، فأكمل تاليس.

أكبر قليلًا فقط من كوريا ورايان وسينتي.

“لقد كنتِ تقرئين لسنوات في مكتبة رايكارو. وتحفظين كل كتاب تقرئينه، وتعرفين كل حادثة تاريخية كأنها مكتوبة على راحة يدك. وأنجزتِ واجبات أليكس، بل ربما أفضل منها. ثم…”

“سخّنتُهما بزيت أبدي—الدخان سيتبدّد داخل المكان. لن يكتشف أحد أننا هنا.” قال غُو بنبرة حيادية وهو يجلس مقابل الاثنين. رفع حاجبه الأيمن السميك بمعنى مقصود. “وطبعًا، ليس رخيصًا. سأضيف هذا إلى الفاتورة التي تدينان بها لي.”

استعاد تاليس أحداث الأمس، وكأنها ذكريات قديمة تبهت مثل صفحات صفراء.

لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.

“في لحظات اليأس، حين واجهنا تلك الوحوش البشعة، وحين كنتُ في أشد الخطر، لم تتخلّي عني ولو مرة—حتى وإن كان مصيرك قد يكون موتًا مؤلمًا.”

كانت مجرد طفلة.

حدّق الأمير في عيني الشقية.

استمع تاليس لنصيحته في حيرة.

شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.

حدّق تاليس في الباب الصغير الذي خرج منه غُو، ووضع يديه على جبينه، مطلقًا تنهيدةً متألمة.

“سأخبرك سرًا آخر.” بدأ تاليس.

حتى إن الشقية أطلقت تجشؤًا عاليًا. خفّضت رأسها بقلق.

رمشت الشقية.

“لا.” خفض رأسه بحزن. “أنا من جرّك إلى هذا.”

ظهر في ذهنه ذلك الرجل الضخم، وتلك العينان الزرقاوان المخيفتان.

“صحيح.” شهقت الشقية. كانت عيناها حمراوين. “أنا مجرد خادمة أُخذت من بيتٍ مليء بالأيتام، لست… لست السيدة أليكس.”

“حين أصبحتُ أميرًا، سألني… أبي سؤالًا قريبًا من هذا.” سرحت نظرات تاليس، وروحه تجولت بعيدًا إلى مدينة النجم الأبدي.

استلقى الطفلان على كرسيّيهما، مغمضين أعينهما، بسلام مؤقت.

“قال لي: ’هل أنت مستعد؟’”

“العودة إلى كونك الشقية بدافع الخوف والعادة؛ اختيار أن تصبحي فتاة والتون بدافع الغرور؛ اختيار الهرب من كل شيء بدافع الضغط— أظن أنّ هذه الخيارات كلها من طبيعة واحدة. فهي ليست ما تريدينه حقًا، بل ما تُجبَرين على أن تكونيه قبل أن تستعدّي لذلك.”

ضحك دون قصد.

قالت الشقية بتلعثم، “أولًا السيّدة أليكس، ثم الوحش في مدينة سحب التنين، والآن جلالته…”

“وكيف أجبتَه؟” سألت الشقية بشغف.

(لماذا يُعطي هذا الإحساس الغريب؟)

عاد تاليس بنظره إليها. “قلتُ له: ’لا.’”

نظر تاليس إلى دموعها، ثم رفع ذقنه ببطء.

“وماذا بعد؟” اتسعت عينا الشقية. “كيف كان ردّه؟”

كان بحاجة لاسمٍ آخر.

ظلّ تاليس يحدّق فيها صامتًا، حتى أشاحت بوجهها محرَجة.

ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.

مرّت ثوانٍ.

“اختر بحذر، يا فتى. لا تختر من لا يمكنني الوصول إليه إلا بالصراخ من أمام بوابة قصر الروح البطولية.” مال غُو برأسه قليلًا، وبسبب ضعف الضوء غمرت الظلالُ عينيه. “إن كنتما فعلًا في خطر، فالأفضل اختيار شخص موثوق، قليل الظهور. فأنا أيضًا لستُ راغبًا في التورط.”

تنفّس تاليس طويلًا.

“حقًا؟”

“قال: ’لا بأس.’

تردّد صدى كلمات كيسل في أذنيه.

لأن ’القدر سيُعِدّ لك كل شيء.’

كما يفعل دائمًا، استلقى تاليس في الركن، مسندًا رأسه إلى يديه. وشعر بالطمأنينة بين الجدار والأرض. “أنا فقط لا أبدو كبيرًا.”

هكذا قال لي.”

(رجل الشرق الاقصى هذا…)

تجمّدت الشقية.

نظرت الفتاة بخجل إلى الصبي الذي بجانبها—وابتلع تاليس ريقه.

نفث تاليس الهواء من أنفه كما لو أزاح أغلالًا.

“لكنّك أيضًا فتاة شجاعة قويّة الإرادة، عبرتِ الكوابيس والجحيم معي. وما زلتِ باقية إلى جانبي رغم كل ما حدث.”

وابتسم الأمير ابتسامة ظنها الأكثر ثقة.

ثم أغلق الباب الصغير. وعاد الظلام ليبتلع محل الجزار من جديد.

“لذا، لا تخافي. لا ترتبكي. أمامك خيارات كثيرة.” أمسك تاليس يد الشقية بلطف، وقال بإخلاص: “حين نخرج من هنا، ستبحثين عن حقيقتك، وتختارين من تريدين أن تكونيه—ولو أردتِ المغادرة أو البقاء، فلن أمنعك.”

أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”

حدّقت فيه الشقية، وفمها مفتوح بدهشة.

تنفّس تاليس الصعداء.

“وقبل ذلك، لا تفكري في شيء. أنتِ الآن مجرد رفيقة مخلصة لي في رحلة النجاة.” ثبّت تاليس نظره فيها.

كانت تحدّق بسطح الطاولة بعينين شاردتين، بلا أي تعبير على وجهها.

“هذا كل ما في الأمر.”

“هاه؟”

تمعنت فيه الشقية، كأنها تراه لأول مرة.

لكن ما إن فتح فمه وقال الكلمة الأولى حتى قاطعه غُو.

ثم شهقت بخفوت، وقالت كمن لا يستوعب تمامًا: “حسنًا.”

“لأنك أنت أنت.”

رفع تاليس حاجبه. “الآن، خذي غفوة. نحتاج إلى القوة والتحمّل.”

(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)

أومأت الشقية طائعة.

كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.

تنفّس تاليس الصعداء.

“قريبًا.”

لقد هدّأها أخيرًا.

كانت عيناها تلمعان خلف عدستيها.

استدار، وعاد إلى كرسيّه.

“السيد غُو.” ومع تسلل الضوء إلى محل الجزار بينما كان يهم بالخروج، قال تاليس بسرعة، “شكرًا لك.”

كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.

كان مقعد غو لَيّنًا؛ لا يُعرف من أي خشب صُنع.

“تاليس…” همست الشقية من خلفه، “شكرًا لك.”

“في لحظات اليأس، حين واجهنا تلك الوحوش البشعة، وحين كنتُ في أشد الخطر، لم تتخلّي عني ولو مرة—حتى وإن كان مصيرك قد يكون موتًا مؤلمًا.”

توقّف تاليس.

(إذًا كان يعرف هويتي منذ البداية؟)

“لا.” خفض رأسه بحزن. “أنا من جرّك إلى هذا.”

شدّت الشقية شفتيها، ومسحت آثار الدموع.

(لولا ذلك، لكانت مجرد خادمة تقضي وقتها مختبئة في المكتبة، لا يشغل بالها إلا أليكس.)

التفت إلى الشقية التي جلست عند الطاولة. حدّق الاثنان أحدهما بالآخر.

(أليس كذلك؟)

توقفت شهقاتها دفعة واحدة.

استلقى الطفلان على كرسيّيهما، مغمضين أعينهما، بسلام مؤقت.

كانت عيناها غارقتين في الحيرة والذعر.

وفي العتمة، دوّى صوت الشقية الخجول: “تاليس، هل أنت حقًا في السابعة؟”

انطفأت عينا الشقية. خفضت رأسها، وعبست شفتيها.

“لماذا تعرف كل هذا؟”

“لذا، لا تخافي. لا ترتبكي. أمامك خيارات كثيرة.” أمسك تاليس يد الشقية بلطف، وقال بإخلاص: “حين نخرج من هنا، ستبحثين عن حقيقتك، وتختارين من تريدين أن تكونيه—ولو أردتِ المغادرة أو البقاء، فلن أمنعك.”

ضحك تاليس بخفة وهو يعدّل جلسته.

“والآن؟”

فتح عينيه، فرأى الشقية متمددة على جنبها، مغمضة العينين.

“لست متأكدًا من مدة غيابي. العثور على الأشخاص يستغرق وقتًا—قد يكون بضع عشرات من الدقائق، وقد يكون أطول.” قال غُو بصرامة. “إلى ذلك الحين، لا تتحركا. لا تلمسا شيئًا في متجري.”

ذكره ذلك بليلتها التي نامت فيها قرب سريره في غرفة الضيافة.

“وحتى إنكما تجوّلتما بطريقة مهينة، ككلابٍ ذليلة تطوي ذيولها.”

“من يدري؟” نزل عن كرسيّه، متجهًا إلى ركن الغرفة. “ربما أبلغ السابعة والثلاثين.”

رفعت رأسها وقالت بحيرة، “ماذا؟”

كما يفعل دائمًا، استلقى تاليس في الركن، مسندًا رأسه إلى يديه. وشعر بالطمأنينة بين الجدار والأرض. “أنا فقط لا أبدو كبيرًا.”

“ولهذا، إن أردتِ الهرب، أو التراجع، أو الابتعاد، فلن أمنعك—بل سأمدّ لك يد العون.”

ضحكت الشقية بخفة.

توقّف نفس تاليس للحظة.

وضحك تاليس معها.

ركزت عينا تاليس.

(اختَر لنفسك. اختَر من تريد أن تكون—) ردّد هذا في ذهنه، مستحضرًا ما قاله لآسدا قبل مغادرة الصوفي.

كان بحاجة لاسمٍ آخر.

(نعم. سأتجاوز هذه المحنة. سأبقى حيًّا. ثم سأختار من أريد أن أكون. لا أحد يستطيع إجباري. ولا أحد سيتمكن من منعي.)

(إذًا كان يعرف هويتي منذ البداية؟)

أطبق عينيه بهدوء.

حتى إن الشقية أطلقت تجشؤًا عاليًا. خفّضت رأسها بقلق.

وانسابت عليه موجة النعاس والتعب.

مرّت ثوانٍ.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أخذ نفسًا عميقًا، وهو يعيد النظر إلى غُو. “في الواقع، لديّ اسم. لديه علاقات واسعة—بالتأكيد ستتمكن من الوصول إليه.”

“وماذا بعد؟” اتسعت عينا الشقية. “كيف كان ردّه؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط