المُتلاعب (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“ولإسقاط الحصن، أصدرتُ أمر التعبئة—وهو أمر نادر حتى في تاريخ إكستيدت. استنزفتُ كل نحاس، وكل قطرة دم، وكل رجل في إقليمي. كان يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب، لكنني لم أخزّن المؤن، ولم أستعد الأراضي غير المستكشفة، ولم أنقل الطعام من مكان آخر… لقد راهنتُ بكل شيء على هذه الخطة!”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لا. إن كانت هذه هي النهاية، فعليه على الأقل أن يفهم بعض الأمور.
Arisu-san
“خُنتَ حليفك، وشتّتَّ عدوك، وطلبتَ تحالفًا، وأرسلت جنودك، واستعددتَ لمخططاتك، ثم وجهتَ الضربة الأخيرة الصاعقة.” تنهد تاليس. “وبالمصادفة، حدث ذلك في الليلة الفوضوية نفسها التي عاثت فيها الكارثة فسادًا… أنتَ حقًا مجنون.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حدّق به لامبارد دون أن يتحرّك، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تنمّ عن سخرية.
الفصل 196: المُتلاعب (الجزء الأول)
غير أنّه لم تكن لديه أدنى فكرة عمّا يمكنه فعله، وقد علق في عربة مع الآرشيدوق لامبارد المتعطّش للدماء، وحولهم مئات الجنود.
***
ارتجف تاليس قليلًا. وواصل لامبارد حديثه، وقد اشتد توتر صوته.
حدّق تاليس مذهولًا في سيف لامبارد، نصفه خارج غمده.
“خُنتَ حليفك، وشتّتَّ عدوك، وطلبتَ تحالفًا، وأرسلت جنودك، واستعددتَ لمخططاتك، ثم وجهتَ الضربة الأخيرة الصاعقة.” تنهد تاليس. “وبالمصادفة، حدث ذلك في الليلة الفوضوية نفسها التي عاثت فيها الكارثة فسادًا… أنتَ حقًا مجنون.”
لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها خطرًا داهمًا. وبناءً على فهمه لهذا العالم، فلن تكون الأخيرة أيضًا.
رفع تاليس ذقنه، والتقى عيني لامبارد وقال بثبات، “منذ تلك اللحظة، قرّرت أن تدمر نوڤين تمامًا، قبل أن يصلك هو.”
غير أنّه لم تكن لديه أدنى فكرة عمّا يمكنه فعله، وقد علق في عربة مع الآرشيدوق لامبارد المتعطّش للدماء، وحولهم مئات الجنود.
“أجهدتُ ذهني في التلاعب بالمشهد، واستعملت كل ما يمكنني بلوغه من رجال وموارد، وكل ما لا يمكن أيضًا، وقدمتُ وعودًا لماركيز مدينة التدفق الطيب، ولزعماء العصابات، وللقوافل التجارية الكامية، ولأحد تجار الاستخبارات في حي درع الجسد، ولدرع الظل، ولآل تشارلتون. بل وجعلتُ شيليس يزيد الصراع بينكم وبين بوفريت إلى حدّ غير مسبوق، عدائي ومتصاعد، و—”
هل ينبغي له أن يستدعي طاقته الصوفية المزعومة مرّة أخرى؟
تجمد لامبارد لحظة.
مدّ تاليس يده وأمسك بيد الشقية.
***
“لا بدّ أنك حفيدة نوڤين، أيتها الصغيرة”، قال لامبارد بنبرة مسطّحة وهو يدوّر سيفه.
انحرفت العربة قليلاً، فحمل القصور الذاتي الأمير والشقية نحو أحد الجانبين.
تجمّد الطفلان في موضعيهما. كفّ تاليس كان باردًا كالثلج. وللحظة، لم يدرِ كيف يتعيّن عليه مواجهة الوضع.
“إذًا، في ذلك الخيمة، حين اقترحت عليّ التحالف معك”، قال الأمير بلهجة هادئة، “كنت تضمر نوايا سوداء، راغبًا في ترتيب أمور معيّنة من خلالي؟”
لقد أدرك الأمر…
حدّق تاليس مذهولًا في سيف لامبارد، نصفه خارج غمده.
كان آرشيدوق إقليم الرمال السوداء يثبت بصره على السيف العتيق في يده، وقد امتلأت عيناه بمشاعر غريبة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لقد احضركم نوڤين، أنت وهي—أكثر أوراقه أهمية—حين خرج في حملته ضد الكارثة. هذا التدبير تجاوز توقّعاتي حقًا”، قال لامبارد بلهجة عابرة.
تكلّم لامبارد دون أي تعبير في وجهه. وكان بريقه الحادّ مصوّبًا نحو الشقية.
كانت الشقية مذهولة ومذعورة. أمّا تاليس فابتلع نفسًا عميقًا.
تنهد تاليس بخفة وقال: “كان مفرط الثقة بقوته وتفوقه، يعاملك كخصم أدنى شأنًا، مثل بوفريت، وجود تافه لا قيمة له يمكن إزالته للتسلية.”
ما الذي ينبغي له فعله؟
نظر لامبارد إليه بنظرة حازمة وقاسية على نحو غير مسبوق. كان في صوته شعور لم يستطع تاليس تمييزه.
لا. إن كانت هذه هي النهاية، فعليه على الأقل أن يفهم بعض الأمور.
“لإنجاز الخطة الكبرى مع آروند، بدأنا الاستعدادات منذ سنوات طويلة: مراسلات الاستخبار، وتحريك القوات في أراضينا، وتربية المواهب التي حصلنا عليها عبر علاقاتنا…”
رفع تاليس بصره ببطء، لينظر مباشرة في عيني لامبارد. “أظنّ أن أفعالك لم تكن ممّا توقعه نوڤين أيضًا… أيا قاتل الملك.”
في تلك اللحظة، لاحظ تاليس أن نظرة لامبارد إليه قد تغيّرت.
سويش!
تجمّد الطفلان في موضعيهما. كفّ تاليس كان باردًا كالثلج. وللحظة، لم يدرِ كيف يتعيّن عليه مواجهة الوضع.
كان صوت احتكاك المعدن واضحًا. ارتجفت الشقية. وذُهِل تاليس بدوره.
“لو أنّ الأمور سارت بسلاسة، وفق خطتي مع آروند”، قال الآرشيدوق بلهجة رتيبة، “لكانت الكوكبة والتنين قد أعلنا فجرًا جديدًا…”
أدار لامبارد رأسه، وقد عاد السيف إلى غمده داخل كفّه.
“في الكوكبة جعلتَ آروند—الوارث التالي للعرش—أسيرًا. وفي حصن التنين المحطم قطعتَ طريق فراري. وفي إكستيدت دفعتَ إقليم الرمال السوداء إلى شفير الهلاك تحت غضب نوڤين.” كانت كلمات آرشيدوق الرمال السوداء باردة على نحو غير مألوف، تجعل جلد تاليس يقشعر. “أنت من أجبرني على اللجوء إلى أقسى الأساليب.”
“ألا تفهم؟ سواء موت نوڤين أو الفوضى القائمة الآن…”
الفصل 196: المُتلاعب (الجزء الأول)
كان نظر آرشيدوق لامبارد معقّدًا. ولم يستطع تاليس التقاط كثير من ملامح المشاعر فيه.
“لقد استخدم هذه الأساليب مع الأورك الجليديين، والجبل الأبيض، وتحالف الحرية، والكوكبة، وكذلك…” حاد لامبارد ببصره نحو النافذة، وامتزج صوته بمسحة كآبة استطاع تاليس الشعور بها. “… إقليم الرمال السوداء.”
“كل شيء حدث بسببك”، قال الآرشيدوق.
“في تلك اللحظة، كنت تعلم جيدًا أنّه إن لم تستولِ على حصن التنين المحطم، فسينهال عليك انتقام الملك نوڤين المرعب كالإعصار.”
“أنا؟” رفع تاليس رأسه متفاجئًا.
قال آرشيدوق إقليم الرمال السوداء ببطء: “أتفهم يا أيها الأمير الصغير؟ بينما كنتَ تجلس مرتاحًا في قصر النهضة، تتلقى اللقب الملكي فيما كان والدك يقضي على أعدائك مثل آروند، كان إقليم الرمال السوداء، وكنتُ أنا معه، قد قرر مصيرُنا أصلًا.
داخل العربة التي تتأرجح ويتغيّر ضوءها بين حينٍ وآخر، أصبحت ملامح لامبارد غامضة ومبهمة.
“قل لي، كيف فعلت ذلك؟”
“لو أنّ الأمور سارت بسلاسة، وفق خطتي مع آروند”، قال الآرشيدوق بلهجة رتيبة، “لكانت الكوكبة والتنين قد أعلنا فجرًا جديدًا…”
وتذكّر سيرينا كورليوني، الحسناء السامّة التي علّمته الحذر من الحلفاء.
“…حتى جئت أنت ودمّرت كل شيء.”
ضيّق لامبارد عينيه قليلًا، وبدا عليه شيء من الدهشة.
إحتد بصر لامبارد واتشح بالبرودة، وكان موجّهًا نحو تاليس.
“في تلك اللحظة، كنت تعلم جيدًا أنّه إن لم تستولِ على حصن التنين المحطم، فسينهال عليك انتقام الملك نوڤين المرعب كالإعصار.”
“في الكوكبة جعلتَ آروند—الوارث التالي للعرش—أسيرًا. وفي حصن التنين المحطم قطعتَ طريق فراري. وفي إكستيدت دفعتَ إقليم الرمال السوداء إلى شفير الهلاك تحت غضب نوڤين.” كانت كلمات آرشيدوق الرمال السوداء باردة على نحو غير مألوف، تجعل جلد تاليس يقشعر. “أنت من أجبرني على اللجوء إلى أقسى الأساليب.”
“أجهدتُ ذهني في التلاعب بالمشهد، واستعملت كل ما يمكنني بلوغه من رجال وموارد، وكل ما لا يمكن أيضًا، وقدمتُ وعودًا لماركيز مدينة التدفق الطيب، ولزعماء العصابات، وللقوافل التجارية الكامية، ولأحد تجار الاستخبارات في حي درع الجسد، ولدرع الظل، ولآل تشارلتون. بل وجعلتُ شيليس يزيد الصراع بينكم وبين بوفريت إلى حدّ غير مسبوق، عدائي ومتصاعد، و—”
ضغط تاليس أسنانه.
تعمّق صوت تاليس. “وفي الوقت نفسه، خفّض حذره، خصوصًا تجاهك.”
“حجّة جبان.” حاول الأمير قدر المستطاع ألا ينظر إلى الغمد القديم—المصقول حتى لمعَ سطحه وخلا من أي نقش—وتكلّم بلا مواربة. “لماذا لا تسألون أنفسكم، لماذا اغتلتم الأمير موريا، بدافع العصيان؟ شهوةً للعرش؟”
كان نظر آرشيدوق لامبارد معقّدًا. ولم يستطع تاليس التقاط كثير من ملامح المشاعر فيه.
“وحتى إن فشلت الخطة، كانت لديكم طرق أخرى للنجاة، لكنكم اخترتم المسلك الأشد تطرّفًا”—رمقه تاليس بنظرة باردة—”أيها الآرشيدوق قاتل الملك.”
رفع آرشيدوق إقليم الرمال السوداء صوته. وانبعثت من عينيه الحادتين برودةٌ مرهبة. “يا فتى، أنت لا تعلم شيئًا. لا شيء على الإطلاق.”
حدّق به لامبارد دون أن يتحرّك، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تنمّ عن سخرية.
“أنا؟” رفع تاليس رأسه متفاجئًا.
“حين كنتُ في مثل عمرك”—ابتسم لامبارد ابتسامة ملتوية، يلمع بريق غريب في عينيه—”أخذتنا أمّي، هارولد وأنا، إلى مدينة سحب التنين. وعند بوابة المدينة شهدتُ إعدام أحد المحكوم عليهم.”
لقد أدرك الأمر…
“قبيل تنفيذ الإعدام بلحظات، وصل مرسوم جدي—كان يريد العفو عن المحكوم.”
توقف لامبارد. أخذ نفسًا عميقًا ليهدّئ انفعاله. “… كل ذلك كان حتى أتمكن بأسرع ما يمكن من توجيه الضربة القاتلة إلى نوڤين قبل أن ينتبه، وأن أكون كالبرق حين أفعل ذلك.”
قطّب تاليس حاجبيه ونظر خارج العربة. (لا.)
وفي النهاية، أطلق لامبارد ضحكة خفيفة.
لم تتح له الفرصة بعد…
ارتجف تاليس قليلًا. وواصل لامبارد حديثه، وقد اشتد توتر صوته.
“لكن”، تابع لامبارد، “قبل قراءة المرسوم، وقبل أن يدخل أمر الملك حيّز التنفيذ، عاجل الجلّاد ففصل رأس الرجل بضربة سريعة.”
“لا. كنت حقًا أنوي أن أصالحك في تلك اللحظة. بل فكرت في مشاركتك خطتي.” هزّ الآرشيدوق رأسه. وتحوّل صوته إلى البرودة. “يا له من أمر مُؤسف.”
ارتاعت الشقية، لكن بينما كانت تستمع لقصة لامبارد، ظهر على وجهها أثر دهشة وفضول.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها خطرًا داهمًا. وبناءً على فهمه لهذا العالم، فلن تكون الأخيرة أيضًا.
“كان الجلّاد محاربًا جريئًا. ضربته كانت نظيفة، سريعة، قاطعة. ما زلت أذكر الرأس المرفوع والدماء المتدفّقة إلى يومنا هذا. ومشهد الجلّاد وهو يتلقّى مرسوم الملك بيديه الملطّختين بالدماء بكل بساطة.”
الفصل 196: المُتلاعب (الجزء الأول)
توقّف الآرشيدوق لحظة. خفّض رأسه ونظر إلى السيف في يده.
“أخبرني عن خطتك.” رفع تاليس حاجبيه وزفر من أنفه. “لقد نفّذتَ للتو مهمة غير مسبوقة ولا يمكن تحقيقها إلا بتخطيط بالغ. ومع ذلك لا تستطيع أن تعترف بها لأحد. لا بدّ أنك تشعر بالملل.”
“في العربة، ظلّ هارولد يهدّئني. كنت مرتاعًا ولم أقدر على التوقف عن البكاء”، قال لامبارد بنبرة هادئة ووجه غارق في الخواء. “كانت تلك أوّل مرة أفهم فيها معنى الموت، وما هي «المجزرة».”
“في تلك اللحظة، كنت تعلم جيدًا أنّه إن لم تستولِ على حصن التنين المحطم، فسينهال عليك انتقام الملك نوڤين المرعب كالإعصار.”
نظر إلى تاليس، لكن هذه المرة لم يكن نظره مصوّبًا إليه، بل مرّ من فوقه واستقرّ على الفتاة الصغيرة.
“كان الجلّاد محاربًا جريئًا. ضربته كانت نظيفة، سريعة، قاطعة. ما زلت أذكر الرأس المرفوع والدماء المتدفّقة إلى يومنا هذا. ومشهد الجلّاد وهو يتلقّى مرسوم الملك بيديه الملطّختين بالدماء بكل بساطة.”
انقبض صدر تاليس وشدّ يد الشقية غريزيًا.
تجمد لامبارد لحظة.
“في ذلك اليوم لاحقًا، أخبرتنا أمّي أن الجلّاد كان شقيقها بالدم، عمّنا، الأمير نوڤين والتون.”
في هذه الأثناء، تنفّس تاليس بعمق.
تكلّم لامبارد دون أي تعبير في وجهه. وكان بريقه الحادّ مصوّبًا نحو الشقية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“نوڤين والتون السابع، جدّك وعمّي، كان قاتلًا بالفطرة. كان قاسيًا، باردًا، صلبًا، وعنيفًا. لم يكن يتحمّل الضعف ولا التردّد، وتضاعف ذلك بعد أن اعتلى العرش.”
نظر إلى تاليس، لكن هذه المرة لم يكن نظره مصوّبًا إليه، بل مرّ من فوقه واستقرّ على الفتاة الصغيرة.
شهقت الشقية بصمت، وحبست أنفاسها.
“أنا؟” رفع تاليس رأسه متفاجئًا.
“كان دائمًا يفضّل أبسط، وأخشن، وأشرس الأساليب لمواجهة أعدائه”، قال لامبارد بفتور.
قهقه الأمير ساخرًا. “هل تعلم أنه بعد قتل بوفريت، هدّد نوڤين بإرسال قوات إلى إقليم الرمال السوداء ليختار بنفسه مرشحًا مناسبًا لمنصب الآرشيدوق؟”
اهتزّ بصر تاليس. كان يتذكّر بوضوح المشاهد التي ذبح فيها الملك نوڤين بوفريت دون تردّد، وسمّم أليكس، ونفى ميرك.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ومع ذلك، ما نُقش في ذاكرته هو لحظة نزع الملك العجوز «النصر» ووضعه في يد الشقية.
“الهلاك؟”
“لقد استخدم هذه الأساليب مع الأورك الجليديين، والجبل الأبيض، وتحالف الحرية، والكوكبة، وكذلك…” حاد لامبارد ببصره نحو النافذة، وامتزج صوته بمسحة كآبة استطاع تاليس الشعور بها. “… إقليم الرمال السوداء.”
“قل لي، كيف فعلت ذلك؟”
ضغط لامبارد أصابعه حول الغمد قليلًا. وغدت كلماته قاتمة باردة. “الطريقة الوحيدة للتصرّف معه وتسوية الأمر، كانت أن أسبقه، أن أحطّمه قبل أن يحطّمني.”
حدّق به لامبارد دون أن يتحرّك، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تنمّ عن سخرية.
في هذه الأثناء، تنفّس تاليس بعمق.
ضيّق لامبارد عينيه قليلًا، وبدا عليه شيء من الدهشة.
“أفهم الآن”، قال الأمير فجأة. وكانت كلماته مثقلة بالإنهاك والفراغ. “لقد بدأ الأمر من الحصن.”
“نوڤين والتون السابع، جدّك وعمّي، كان قاتلًا بالفطرة. كان قاسيًا، باردًا، صلبًا، وعنيفًا. لم يكن يتحمّل الضعف ولا التردّد، وتضاعف ذلك بعد أن اعتلى العرش.”
التفت إليه لامبارد، حاجباه معقودان. “ماذا؟”
مدّ تاليس يده وأمسك بيد الشقية.
“مؤامرتك.” أسند تاليس ظهره إلى مقعد العربة، وقد شعر بفتور وإحباط. “لقد بدأت حين هوجمتُ واقتحمتُ معسكرك العسكري، أليس كذلك؟”
حدّق لامبارد في سيفه، وكانت عيناه خاليتين من أي شعور.
“في تلك اللحظة، كنت تعلم جيدًا أنّه إن لم تستولِ على حصن التنين المحطم، فسينهال عليك انتقام الملك نوڤين المرعب كالإعصار.”
لقد أدرك الأمر…
رفع تاليس ذقنه، والتقى عيني لامبارد وقال بثبات، “منذ تلك اللحظة، قرّرت أن تدمر نوڤين تمامًا، قبل أن يصلك هو.”
“إذًا، في ذلك الخيمة، حين اقترحت عليّ التحالف معك”، قال الأمير بلهجة هادئة، “كنت تضمر نوايا سوداء، راغبًا في ترتيب أمور معيّنة من خلالي؟”
ضيّق لامبارد عينيه قليلًا، وبدا عليه شيء من الدهشة.
تكلّم لامبارد دون أي تعبير في وجهه. وكان بريقه الحادّ مصوّبًا نحو الشقية.
“أخبرني عن خطتك.” رفع تاليس حاجبيه وزفر من أنفه. “لقد نفّذتَ للتو مهمة غير مسبوقة ولا يمكن تحقيقها إلا بتخطيط بالغ. ومع ذلك لا تستطيع أن تعترف بها لأحد. لا بدّ أنك تشعر بالملل.”
كانت الشقية مذهولة ومذعورة. أمّا تاليس فابتلع نفسًا عميقًا.
“قل لي، كيف فعلت ذلك؟”
لم يتكلم لامبارد. ابتسم تاليس ابتسامة حزينة، وقد تخلل صوته شجنٌ خافت.
ظلّ بصر لامبارد معلّقًا عليه دون حركة.
داخل العربة التي تتأرجح ويتغيّر ضوءها بين حينٍ وآخر، أصبحت ملامح لامبارد غامضة ومبهمة.
انحرفت العربة قليلاً، فحمل القصور الذاتي الأمير والشقية نحو أحد الجانبين.
“قبيل تنفيذ الإعدام بلحظات، وصل مرسوم جدي—كان يريد العفو عن المحكوم.”
قرّر تاليس أن يتحرّك ويبدأ حوارًا يقوده هو، كما فعل في العديد من التحقيقات الميدانية والمقابلات في حياته السابقة.
ضغط تاليس أسنانه.
“إذًا، في ذلك الخيمة، حين اقترحت عليّ التحالف معك”، قال الأمير بلهجة هادئة، “كنت تضمر نوايا سوداء، راغبًا في ترتيب أمور معيّنة من خلالي؟”
لا. إن كانت هذه هي النهاية، فعليه على الأقل أن يفهم بعض الأمور.
على سبيل المثال، إلصاق مقتل الملك نوڤين به—تمامًا ما فعله لامبارد لاحقًا.
أطلق لامبارد نظرة غامضة قبل أن يهزّ رأسه.
تذكّر تاليس الأيام التي قضاها في معسكر الرمال السوداء العسكري. فطعن الحلفاء كان أنجع بكثير من الطعنات المتبادلة بين الأعداء المعلنين.
ارتاعت الشقية، لكن بينما كانت تستمع لقصة لامبارد، ظهر على وجهها أثر دهشة وفضول.
وتذكّر سيرينا كورليوني، الحسناء السامّة التي علّمته الحذر من الحلفاء.
ارتاعت الشقية، لكن بينما كانت تستمع لقصة لامبارد، ظهر على وجهها أثر دهشة وفضول.
وفي النهاية، أطلق لامبارد ضحكة خفيفة.
“أفهم الآن”، قال الأمير فجأة. وكانت كلماته مثقلة بالإنهاك والفراغ. “لقد بدأ الأمر من الحصن.”
“لا. كنت حقًا أنوي أن أصالحك في تلك اللحظة. بل فكرت في مشاركتك خطتي.” هزّ الآرشيدوق رأسه. وتحوّل صوته إلى البرودة. “يا له من أمر مُؤسف.”
ضغط لامبارد أصابعه حول الغمد قليلًا. وغدت كلماته قاتمة باردة. “الطريقة الوحيدة للتصرّف معه وتسوية الأمر، كانت أن أسبقه، أن أحطّمه قبل أن يحطّمني.”
بدأ ذهن تاليس يدور بسرعة. لقد توصّل بالفعل إلى كيفية بداية المؤامرة.
لم تتح له الفرصة بعد…
(إذًا…)
داخل العربة التي تتأرجح ويتغيّر ضوءها بين حينٍ وآخر، أصبحت ملامح لامبارد غامضة ومبهمة.
“بوفريت.” لمع بصر تاليس. “حين كنت تحقق في وحدة بنادقك الصوفية بشأن محاولة اغتيالي، وجدت خيطًا يقود إلى سيف الكارثة، لكن نوڤين كان على علم بذلك.”
قرّر تاليس أن يتحرّك ويبدأ حوارًا يقوده هو، كما فعل في العديد من التحقيقات الميدانية والمقابلات في حياته السابقة.
“والآن حين أفكر في الأمر، فقد كان ذلك خبرًا سرّبته أنت عمدًا إلى نوڤين، أليس كذلك؟ كنت تعلم أنّه سيتخلّص أولًا من العدو الأقرب إليه.” واستعاد تاليس مشهد النزال المرعب في قصر الروح البطولية. “لقد بعت بوفريت، سلّمته إلى مدينة سحب التنين.”
“الهلاك؟”
أطلق لامبارد شخيرًا باردًا.
“كاسلان”، قال وسط صوت عجلات العربة وهي تحتك بالطريق، “كان عمّي من رجال برج الإبادة. وقد أولع بسيوف الكارثة، وكان قريبًا إلى نوڤين، لذلك سرّبت له هذه المعلومة. ومنه علم نوڤين بها بطبيعة الحال.”
“كاسلان”، قال وسط صوت عجلات العربة وهي تحتك بالطريق، “كان عمّي من رجال برج الإبادة. وقد أولع بسيوف الكارثة، وكان قريبًا إلى نوڤين، لذلك سرّبت له هذه المعلومة. ومنه علم نوڤين بها بطبيعة الحال.”
أومأ لامبارد. وامتلأت عيناه بضوء حاد شرس. “منحني موت بوفريت نصف يوم لأضمن انتصاري.”
لقد كانت إصابة عصفورين بحجر واحد.
فتح تاليس عينيه، ما أثار فضول الشقية، وقال بنبرة صريحة: “في صراع البقاء بينكما، وفي المواجهة بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، أنت الطرف الأضعف بلا شك، في موقع غير مؤآت، وعلى حافة الهلاك.”
“كاسلان لم يكن يعلم بخطتك لقتل الملك، أليس كذلك؟” راقبه تاليس، راجيًا أن يعثر في عينيه على شيء. “سمعتُ أن علاقتك به كانت سيئة للغاية.”
داخل العربة التي تتأرجح ويتغيّر ضوءها بين حينٍ وآخر، أصبحت ملامح لامبارد غامضة ومبهمة.
رمقه لامبارد بنظرة ذات مغزى، فاضطر تاليس إلى سحب نظرته الفاحصة.
تجهم تاليس.
هزّ لامبارد رأسه ببطء. “حين تعرّضتَ للهجوم، أدركتُ فورًا أن بوفريت حاول توريطي. ذلك الأحمق الأناني الضعيف كان لا يزال يؤمن بسذاجة أننا نخوض لعبة يمكننا فيها استعادة رقاق الرهان في أي وقت، أو التوقف عن اللعب حتى نتفادى الخسائر.”
“كما قلتَ، كان هدف التحقيق تسريب المعلومات إلى نوڤين، وبالطبع، اقتلاع ثغرة الأمن داخل قواتي. في الحقيقة، هذا التحقيق كشف عن اكتشاف غير متوقع.” انزلقت أصابع لامبارد على سيفه.
تنهد تاليس. “لقد دفع الثمن؛ خان حليفه، ومات بخيانةٍ من حليف.”
“ألا تفهم؟ سواء موت نوڤين أو الفوضى القائمة الآن…”
“كما قلتَ، كان هدف التحقيق تسريب المعلومات إلى نوڤين، وبالطبع، اقتلاع ثغرة الأمن داخل قواتي. في الحقيقة، هذا التحقيق كشف عن اكتشاف غير متوقع.” انزلقت أصابع لامبارد على سيفه.
“أفهم الآن”، قال الأمير فجأة. وكانت كلماته مثقلة بالإنهاك والفراغ. “لقد بدأ الأمر من الحصن.”
رفع تاليس رأسه. “أيّ اكتشاف؟”
“وفي صراع البقاء بين نوڤين والتون وتشابمان لامبارد، أنت الذي خرجتَ منتصرًا حقًا.” رفع الأمير ذقنه وحدّق في لامبارد. “أما سقوط الملك نوڤين وموته… فقد كان حتميًا منذ البداية.”
أطلق لامبارد نظرة غامضة قبل أن يهزّ رأسه.
قطّب تاليس حاجبيه ونظر خارج العربة. (لا.)
راقبه تاليس بصمت، غير أن الآخر لم يُبدِ أي نية للشرح، فلم يجد الأمير إلا أن يتنهد في نفسه.
لاحظ تاليس فجأة أن شعر لامبارد الأبيض قد ازداد كثيرًا عمّا رآه قبل ذلك. بدا منطويًا على نفسه، شفتاه شاحبتان، وتجويفا عينيه غائران.
“إذًا، استخدمتَ بوفريت لتشتيت انتباه الملك نوڤين”—وبناءً على خبراته السابقة مع المقابلات، قرر تاليس متابعة الحديث من هناك—”بينما بدأتَ بسرعة استعداداتك، مستخدمًا محاولة اغتيالي ذريعةً لإرسال قواتك شمالًا لـ’مرافقتي’. بل واتصلتَ بحليفك شيليس، أليس كذلك؟”
لقد كانت إصابة عصفورين بحجر واحد.
حدّق لامبارد في سيفه، وكانت عيناه خاليتين من أي شعور.
غير أنّه لم تكن لديه أدنى فكرة عمّا يمكنه فعله، وقد علق في عربة مع الآرشيدوق لامبارد المتعطّش للدماء، وحولهم مئات الجنود.
“ذلك كان آخر ما يمكن لذاك الجبان من مدينة المنارة المُضيئة أن يقدمه من نفع،” قال الآرشيدوق ببطء، “توفير التشتيت، وتعطيل الاجتماع، والوليمة، والمبارزة… سمعتُ أن نوڤين استمتع بوقته في قصر الروح البطولية.”
رفع آرشيدوق إقليم الرمال السوداء صوته. وانبعثت من عينيه الحادتين برودةٌ مرهبة. “يا فتى، أنت لا تعلم شيئًا. لا شيء على الإطلاق.”
تعمّق صوت تاليس. “وفي الوقت نفسه، خفّض حذره، خصوصًا تجاهك.”
قرّر تاليس أن يتحرّك ويبدأ حوارًا يقوده هو، كما فعل في العديد من التحقيقات الميدانية والمقابلات في حياته السابقة.
أومأ لامبارد. وامتلأت عيناه بضوء حاد شرس. “منحني موت بوفريت نصف يوم لأضمن انتصاري.”
لقد كانت إصابة عصفورين بحجر واحد.
“خُنتَ حليفك، وشتّتَّ عدوك، وطلبتَ تحالفًا، وأرسلت جنودك، واستعددتَ لمخططاتك، ثم وجهتَ الضربة الأخيرة الصاعقة.” تنهد تاليس. “وبالمصادفة، حدث ذلك في الليلة الفوضوية نفسها التي عاثت فيها الكارثة فسادًا… أنتَ حقًا مجنون.”
“ولإسقاط الحصن، أصدرتُ أمر التعبئة—وهو أمر نادر حتى في تاريخ إكستيدت. استنزفتُ كل نحاس، وكل قطرة دم، وكل رجل في إقليمي. كان يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب، لكنني لم أخزّن المؤن، ولم أستعد الأراضي غير المستكشفة، ولم أنقل الطعام من مكان آخر… لقد راهنتُ بكل شيء على هذه الخطة!”
رفع رأسه، وكانت نظراته إلى لامبارد مليئة بالدهشة. “تعلم أنه مهما اختلّ جزء واحد من خطتك، فمصيرك الهلاك بلا رجعة.”
“أخبرني عن خطتك.” رفع تاليس حاجبيه وزفر من أنفه. “لقد نفّذتَ للتو مهمة غير مسبوقة ولا يمكن تحقيقها إلا بتخطيط بالغ. ومع ذلك لا تستطيع أن تعترف بها لأحد. لا بدّ أنك تشعر بالملل.”
تجمد لامبارد لحظة.
“…كنت أعلم أننا قد لا نخرج من هذا أحياء؛ كانت حملةً بلا رجوع.” شدّ لامبارد قبضته على الغمد في يده. وبدا وجهه شرسًا مرعبًا.
اندفعت العربة في طريق وعر واهتزت فجأة. صرخت الشقية، التي كانت مشدودة الأعصاب أصلًا، دون قدرة على تمالك نفسها. ورفع لامبارد رأسه فجأة.
توقّف الآرشيدوق لحظة. خفّض رأسه ونظر إلى السيف في يده.
“الهلاك؟”
“وبالمقارنة بذلك، كان نوڤين والتون، الملك المنتخب شعبيًا وحاكم مدينة سحب التنين، يملك سلطة لا تنتهي. وحتى لو قتلتَ ابنه، ظلّ يراك مجرد آرشيدوق عاجز لا وزن له.”
رفع آرشيدوق إقليم الرمال السوداء صوته. وانبعثت من عينيه الحادتين برودةٌ مرهبة. “يا فتى، أنت لا تعلم شيئًا. لا شيء على الإطلاق.”
لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها خطرًا داهمًا. وبناءً على فهمه لهذا العالم، فلن تكون الأخيرة أيضًا.
تجهم تاليس.
“لا بدّ أنك حفيدة نوڤين، أيتها الصغيرة”، قال لامبارد بنبرة مسطّحة وهو يدوّر سيفه.
نظر لامبارد إليه بنظرة حازمة وقاسية على نحو غير مسبوق. كان في صوته شعور لم يستطع تاليس تمييزه.
حدّق تاليس مذهولًا في سيف لامبارد، نصفه خارج غمده.
“لإنجاز الخطة الكبرى مع آروند، بدأنا الاستعدادات منذ سنوات طويلة: مراسلات الاستخبار، وتحريك القوات في أراضينا، وتربية المواهب التي حصلنا عليها عبر علاقاتنا…”
“لقد استخدم هذه الأساليب مع الأورك الجليديين، والجبل الأبيض، وتحالف الحرية، والكوكبة، وكذلك…” حاد لامبارد ببصره نحو النافذة، وامتزج صوته بمسحة كآبة استطاع تاليس الشعور بها. “… إقليم الرمال السوداء.”
“ولإسقاط الحصن، أصدرتُ أمر التعبئة—وهو أمر نادر حتى في تاريخ إكستيدت. استنزفتُ كل نحاس، وكل قطرة دم، وكل رجل في إقليمي. كان يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب، لكنني لم أخزّن المؤن، ولم أستعد الأراضي غير المستكشفة، ولم أنقل الطعام من مكان آخر… لقد راهنتُ بكل شيء على هذه الخطة!”
“والآن حين أفكر في الأمر، فقد كان ذلك خبرًا سرّبته أنت عمدًا إلى نوڤين، أليس كذلك؟ كنت تعلم أنّه سيتخلّص أولًا من العدو الأقرب إليه.” واستعاد تاليس مشهد النزال المرعب في قصر الروح البطولية. “لقد بعت بوفريت، سلّمته إلى مدينة سحب التنين.”
ارتجف تاليس قليلًا. وواصل لامبارد حديثه، وقد اشتد توتر صوته.
انقبض صدر تاليس وشدّ يد الشقية غريزيًا.
“من أجل هذه الخطة، أنفق إقليم الرمال السوداء أكثر مما يكسبه في تخزين الطعام والموارد. الدين الذي أدين به لتجار كاميان مستحيل سداده، والاقتصاد كان على وشك الانهيار؛ والسنوات القادمة لن تكون إلا أكثر صعوبة.”
أطلق تاليس زفرة طويلة.
“الجيش النظامي الذي أملكه لم يكن يكفي. ألفا رجل كان أفضل ما استطعنا جمعه، بل وأقل منهم هم من كانوا مستعدين لمواجهة مدينة سحب التنين. ليلة الأمس، بعد ظهور التنين العظيم، اضطررنا لإعدام بعض المتمردين. وحتى حينها، لم أستطع أن آمرهم مباشرة بقتل الملك، بل بإيعازٍ مبهم للقضاء على ’عدو إكستيدت’.”
“كما قلتَ، كان هدف التحقيق تسريب المعلومات إلى نوڤين، وبالطبع، اقتلاع ثغرة الأمن داخل قواتي. في الحقيقة، هذا التحقيق كشف عن اكتشاف غير متوقع.” انزلقت أصابع لامبارد على سيفه.
“أي كونت خارج مدينة سحب التنين يمكنه تجنيد جيش يفوقنا ثلاثة أضعاف. أما قوات والتون، لو علمت بنا، لأطبقوا علينا وأبادونا في وقت قصير، دون حتى أن نخوض اشتباكًا.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها خطرًا داهمًا. وبناءً على فهمه لهذا العالم، فلن تكون الأخيرة أيضًا.
“بالأمس، عشتُ على مؤن الميدان، وجلبتُ جيشي المدرّب بعناية إلى هنا رغم اقتراب يوم ما قبل الشتاء القارس. كانوا ينظرون إليّ بتعبٍ، وإحباط، وشك. ولم يتبقَّ لهم سوى العادة المتجذرة من تدريبهم القديم كي يحافظوا على أبسط قدراتهم القتالية.”
قطّب تاليس حاجبيه ونظر خارج العربة. (لا.)
“رجالي—ليڤان، كينتفيدا، تولجا، وفيك—كلهم راهنوا بحياتهم ورقابهم، يدفعون الجيش ليتبعني في هذه الهاوية التي لا قرار لها. لم نفكر حتى في المؤن أو كيف سنحفظ دفئنا في رحلة العودة…”
شهقت الشقية بصمت، وحبست أنفاسها.
“…كنت أعلم أننا قد لا نخرج من هذا أحياء؛ كانت حملةً بلا رجوع.” شدّ لامبارد قبضته على الغمد في يده. وبدا وجهه شرسًا مرعبًا.
هل ينبغي له أن يستدعي طاقته الصوفية المزعومة مرّة أخرى؟
حدّق تاليس في لامبارد مذهولًا. الآرشيدوق المرعب لإقليم الرمال السوداء، ذاك الذي كان ينهش لحم الغزال في الخيمة؛ والذي كانت النيران تلقي على وجهه ظلالًا تتناوب بين الضوء والعتمة؛ والذي دفع كأسًا نحو تاليس فلم يجد إلا سخريةً ورفضًا… بدأ يبدو أكثر حياة، وأقل صلابةً ووحدة مما بدا عليه سابقًا.
“لقد عرفتَ خالك، ملكك وخصمك، جيدًا. لكنه هو لم يعرفك؛ لم يعرف ابن أخيه.”
قال آرشيدوق إقليم الرمال السوداء ببطء: “أتفهم يا أيها الأمير الصغير؟ بينما كنتَ تجلس مرتاحًا في قصر النهضة، تتلقى اللقب الملكي فيما كان والدك يقضي على أعدائك مثل آروند، كان إقليم الرمال السوداء، وكنتُ أنا معه، قد قرر مصيرُنا أصلًا.
لا. إن كانت هذه هي النهاية، فعليه على الأقل أن يفهم بعض الأمور.
“ما فعلتُه لم يزد عن انتزاع آخر بصيص من الأمل بالنجاة في أعمق دروب اليأس.”
“كاسلان لم يكن يعلم بخطتك لقتل الملك، أليس كذلك؟” راقبه تاليس، راجيًا أن يعثر في عينيه على شيء. “سمعتُ أن علاقتك به كانت سيئة للغاية.”
“أجهدتُ ذهني في التلاعب بالمشهد، واستعملت كل ما يمكنني بلوغه من رجال وموارد، وكل ما لا يمكن أيضًا، وقدمتُ وعودًا لماركيز مدينة التدفق الطيب، ولزعماء العصابات، وللقوافل التجارية الكامية، ولأحد تجار الاستخبارات في حي درع الجسد، ولدرع الظل، ولآل تشارلتون. بل وجعلتُ شيليس يزيد الصراع بينكم وبين بوفريت إلى حدّ غير مسبوق، عدائي ومتصاعد، و—”
“لقد عرفتَ خالك، ملكك وخصمك، جيدًا. لكنه هو لم يعرفك؛ لم يعرف ابن أخيه.”
توقف لامبارد. أخذ نفسًا عميقًا ليهدّئ انفعاله. “… كل ذلك كان حتى أتمكن بأسرع ما يمكن من توجيه الضربة القاتلة إلى نوڤين قبل أن ينتبه، وأن أكون كالبرق حين أفعل ذلك.”
مدّ تاليس يده وأمسك بيد الشقية.
لمع بريق في عيني الآرشيدوق. “ومع كل هذا، ها أنا ذا… أحمل مستقبل مملكتيهما كلتيهما في يدي.”
أطلق لامبارد شخيرًا باردًا.
حدّق تاليس في لامبارد بذهول، كأنهما يلتقيان للمرة الأولى. عبرت العربة شارعًا كان جنود إقليم الرمال السوداء قد فرّغوا له الطريق بخفاء وفاعلية.
وتذكّر سيرينا كورليوني، الحسناء السامّة التي علّمته الحذر من الحلفاء.
لاحظ تاليس فجأة أن شعر لامبارد الأبيض قد ازداد كثيرًا عمّا رآه قبل ذلك. بدا منطويًا على نفسه، شفتاه شاحبتان، وتجويفا عينيه غائران.
تكلّم لامبارد دون أي تعبير في وجهه. وكان بريقه الحادّ مصوّبًا نحو الشقية.
تذكّر تاليس النصيحة التي قدّمها له السيف الأسود قبل قتال جيزا: في اليأس يطلبون الأمل، ومن الخسارة يجدون منفذًا لقلب الطاولة. يصعّدون الظروف المواتية إلى نصرٍ محتم، ويحوّلون المفاجآت إلى دعائم.
ضيّق لامبارد عينيه. “ماذا؟”
أطلق تاليس زفرة طويلة.
الفصل 196: المُتلاعب (الجزء الأول)
“أفهم الآن.” أغمض الأمير عينيه. “هكذا يكون أصحاب السلطة.”
نظر إلى تاليس، لكن هذه المرة لم يكن نظره مصوّبًا إليه، بل مرّ من فوقه واستقرّ على الفتاة الصغيرة.
ضيّق لامبارد عينيه. “ماذا؟”
***
فتح تاليس عينيه، ما أثار فضول الشقية، وقال بنبرة صريحة: “في صراع البقاء بينكما، وفي المواجهة بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، أنت الطرف الأضعف بلا شك، في موقع غير مؤآت، وعلى حافة الهلاك.”
رفع تاليس ذقنه، والتقى عيني لامبارد وقال بثبات، “منذ تلك اللحظة، قرّرت أن تدمر نوڤين تمامًا، قبل أن يصلك هو.”
قهقه الأمير ساخرًا. “هل تعلم أنه بعد قتل بوفريت، هدّد نوڤين بإرسال قوات إلى إقليم الرمال السوداء ليختار بنفسه مرشحًا مناسبًا لمنصب الآرشيدوق؟”
توقف لامبارد. أخذ نفسًا عميقًا ليهدّئ انفعاله. “… كل ذلك كان حتى أتمكن بأسرع ما يمكن من توجيه الضربة القاتلة إلى نوڤين قبل أن ينتبه، وأن أكون كالبرق حين أفعل ذلك.”
أطرق لامبارد وضحك بأنفاس قصيرة. “كما توقعتُ من خالي العزيز.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“لقد عرفتَ خالك، ملكك وخصمك، جيدًا. لكنه هو لم يعرفك؛ لم يعرف ابن أخيه.”
وتذكّر سيرينا كورليوني، الحسناء السامّة التي علّمته الحذر من الحلفاء.
تنهد تاليس طويلًا. “استخدمتَ كل فخّ يمكنك استخدامه، ودبرتَ ضد الجميع، واستنفدتَ كل قوة بحوزتك وجمعت كل رهان حتى تستطيع القتال حتى الموت عندما صار بقاؤك مهددًا.”
“أجهدتُ ذهني في التلاعب بالمشهد، واستعملت كل ما يمكنني بلوغه من رجال وموارد، وكل ما لا يمكن أيضًا، وقدمتُ وعودًا لماركيز مدينة التدفق الطيب، ولزعماء العصابات، وللقوافل التجارية الكامية، ولأحد تجار الاستخبارات في حي درع الجسد، ولدرع الظل، ولآل تشارلتون. بل وجعلتُ شيليس يزيد الصراع بينكم وبين بوفريت إلى حدّ غير مسبوق، عدائي ومتصاعد، و—”
لم يتكلم لامبارد. ابتسم تاليس ابتسامة حزينة، وقد تخلل صوته شجنٌ خافت.
تذكّر تاليس الأيام التي قضاها في معسكر الرمال السوداء العسكري. فطعن الحلفاء كان أنجع بكثير من الطعنات المتبادلة بين الأعداء المعلنين.
“وبالمقارنة بذلك، كان نوڤين والتون، الملك المنتخب شعبيًا وحاكم مدينة سحب التنين، يملك سلطة لا تنتهي. وحتى لو قتلتَ ابنه، ظلّ يراك مجرد آرشيدوق عاجز لا وزن له.”
“وبالمقارنة بذلك، كان نوڤين والتون، الملك المنتخب شعبيًا وحاكم مدينة سحب التنين، يملك سلطة لا تنتهي. وحتى لو قتلتَ ابنه، ظلّ يراك مجرد آرشيدوق عاجز لا وزن له.”
تنهد تاليس بخفة وقال: “كان مفرط الثقة بقوته وتفوقه، يعاملك كخصم أدنى شأنًا، مثل بوفريت، وجود تافه لا قيمة له يمكن إزالته للتسلية.”
“لقد احضركم نوڤين، أنت وهي—أكثر أوراقه أهمية—حين خرج في حملته ضد الكارثة. هذا التدبير تجاوز توقّعاتي حقًا”، قال لامبارد بلهجة عابرة.
“وفي صراع البقاء بين نوڤين والتون وتشابمان لامبارد، أنت الذي خرجتَ منتصرًا حقًا.” رفع الأمير ذقنه وحدّق في لامبارد. “أما سقوط الملك نوڤين وموته… فقد كان حتميًا منذ البداية.”
“كاسلان”، قال وسط صوت عجلات العربة وهي تحتك بالطريق، “كان عمّي من رجال برج الإبادة. وقد أولع بسيوف الكارثة، وكان قريبًا إلى نوڤين، لذلك سرّبت له هذه المعلومة. ومنه علم نوڤين بها بطبيعة الحال.”
في تلك اللحظة، لاحظ تاليس أن نظرة لامبارد إليه قد تغيّرت.
“وحتى إن فشلت الخطة، كانت لديكم طرق أخرى للنجاة، لكنكم اخترتم المسلك الأشد تطرّفًا”—رمقه تاليس بنظرة باردة—”أيها الآرشيدوق قاتل الملك.”
(حسنًا. لقد انفتح باب الحديث.) سحب تاليس نفسًا عميقًا.
“والآن حين أفكر في الأمر، فقد كان ذلك خبرًا سرّبته أنت عمدًا إلى نوڤين، أليس كذلك؟ كنت تعلم أنّه سيتخلّص أولًا من العدو الأقرب إليه.” واستعاد تاليس مشهد النزال المرعب في قصر الروح البطولية. “لقد بعت بوفريت، سلّمته إلى مدينة سحب التنين.”
“لكن تبقى مسألة واحدة لا أستطيع فهمها.” وأمام نظرة لامبارد المعقدة، نطق تاليس ببطء، كلمةً بعد كلمة. “لماذا جئتَ بنفسك إلى مدينة سحب التنين؟ ثم…
قهقه الأمير ساخرًا. “هل تعلم أنه بعد قتل بوفريت، هدّد نوڤين بإرسال قوات إلى إقليم الرمال السوداء ليختار بنفسه مرشحًا مناسبًا لمنصب الآرشيدوق؟”
“…كيف تنوي وضع حدٍ للأمور؟”
راقبه تاليس بصمت، غير أن الآخر لم يُبدِ أي نية للشرح، فلم يجد الأمير إلا أن يتنهد في نفسه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومع ذلك، ما نُقش في ذاكرته هو لحظة نزع الملك العجوز «النصر» ووضعه في يد الشقية.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 16 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉Basil Alfaifi🔥 1004husam Al marzouqi🔥 1005Nasser Bin zayed🔥 1006Abdullah Alzahrani🔥 1007A D🔥 1008Faisal Almulhim🔥 1009Humaid Alali🔥 10010azcol azcol200🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057Ahmed khirallh💎 1008السيد الشاب💎 1009med abda💎 10010ABDULWAHAB ALKHALAF💎 100
