Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 197

المُتلاعب (2)
PDF

المُتلاعب (2)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وكما توقّع تاليس، ففي اللحظة التالية، ومع تخمينٍ لا يُصدَّق فاض في رأسه، انحنى إلى الأمام بسرعة ورفع صوته فجأة، فغدا قريبًا من الصراخ:

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“في اليوم الأول الذي باشرت فيه، عدتَ والرضوض تملأ وجهك، وتصرفت بالطريقة ذاتها.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

حدّق لامبارد في سيفه، وبدأ بصره يتلاشى كأنما يرى شيئًا آخر تمامًا. “ما زلت أذكر كيف عاد هارولد يردّد آراء نوڤين، ويحاول إقناع والدي بدعم مدينة سحب التنين. بل أراد من والدي السماح لوُفود الملك بالتمركز في إقليم الرمال السوداء استعدادًا للحرب.”

Arisu-san

“ملك؟” ارتفعت نبرة الآرشيدوق كمن يسخر من الكلمة ذاتها، ثم أطلق نفخة ساخرة وأضاف باحتقار، “ملك!”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“إذًا هذا هو—” تمتم تاليس بصعوبة، لكن لامبارد قاطعه.

الفصل 197: المُتلاعب (الثاني)

***

لم ينطق لامبارد كلمة واحدة، وغدا وجهه جامدًا. قبض تاليس قبضتيه بخفّة.

“كيف تنوي أن تضع حدًا للأمور؟”

“تحدّث إليّ طويلًا، طويلًا.” ازدادت برودة عيني الآرشيدوق، وسكن صوته أكثر. “احتضنت ساقيه وأنا أبكي، واستنفدت كل كلمة أرجوه بها أن يتراجع.”

في العربة المتحركة، خفَض لامبارد رأسه وأخذ يعبث بسيفه بلا وعي، وقد غاص وجهه في تعبيرٍ عميق لا يُفصح عن شيء، ولم يُجب على السؤال.

“نوڤين والتون السابع.” قال كيسل الخامس بصوت بارد لا يحتمل الجدال. “الملك المسمّى بـ«الملك المولود للعرش» دفع ثمن طغيانه الليلة.”

“لقد مات الملك نوڤين، غير أنّ مدينة سحب التنين لا تزال على قوتها، وقصر الروح البطولية ما يزال يضم أربعة آرشيدوقات ذوي شأن. أظنّ أنهم ليسوا بالحمقى.” راقب تاليس تعبير الآرشيدوق وقال بتحفّز، “ثم إنّ اغتيال أمير الكوكبة للملك المُنتَخَب شعبيًا؟ هذا ختام يستحيل أن يُرضي الجميع، خصوصًا مع الظهور المفاجئ لجيش إقليم الرمال السوداء.”

“مثل الدوق الراحل، وإخوتك، وروهان، وكول، ونولارنور، أختك الكبرى، زوجتك، ابنك الأكبر، وابنك الثاني—”

حدّق تاليس في وجه لامبارد وقال بخفوت، “كيف ستبرّر لهم ذلك؟ أم أنّك لن تبرّر شيئًا وستقتل الجميع لتُنهي الأمر؟”

انبثقت فكرة في قلب تاليس، وشعر للحظة أنه أمسك بطرف خيط.

لم ينطق لامبارد كلمة واحدة، وغدا وجهه جامدًا. قبض تاليس قبضتيه بخفّة.

في تلك اللحظة، خرج صوتٌ جهوري من داخل السجن الموصَد بإحكام:

استمرّت العربة في السير، وتاليس لا يعرف كم تبقّى حتى يصلوا قصر الروح البطولية، ولا كم سيبقى من حياته قبل أن تبلغ نهايتها.

“لكن على غير المتوقع، هارولد—الذي كان يفترض أن يتحمّل المسؤولية—لم يتلقَّ أي إدانة، ولا سُجن، ولا احتُجز.”

لم يكن ثمّة طريقٌ آخر، كان عليه أن يوجّه ضربة أشدّ وقعًا إلى لامبارد الآن.

ارتسمت على ذهن تاليس فكرة خاطفة.

استنشق تاليس نَفَسًا عميقًا وقال بكلماتٍ متقطّعة منخفضة، “إن لم تَقَع حوادث… فبمجرّد انتشار نبأ موت نوڤين وانعقاد مؤتمر اختيار الملك، أتظنّ أنّ لك فرصة بعد ذلك؟”

***

كما توقّع، تحركت نظرات لامبارد نحوه. كبح الفتى قلقه وردّ على تلك النظرات بوجهٍ هادئ قدر استطاعته.

انطفأت نار الشعلة تدريجيًا. وتسرّبت أولى خيوط الشمس عبر نافذة صغيرة ذات قضبان حديدية، لم تكن أكبر من راحة يد، فشكّلت علامة تشبه # على الأرض.

“لا تنسَ أنّك أصلًا عدوّ نوڤين، وفوق ذلك تحمل سمعةً مرعبة بأنك قتلت شقيقك.” نطق تاليس كل كلمة بوضوح، “الآرشيدوقات لن يسمحوا لك بأن تصبح ملكًا.”

“أحمقٌ مُضحِك. لا يوجد على وجه الأرض من هو أكثر حماقة منه.” قالها بلهجة باردة.

ظلّ بصر لامبارد شاخصًا على سيفه.

ارتجف قلب الأمير.

“ملك؟” ارتفعت نبرة الآرشيدوق كمن يسخر من الكلمة ذاتها، ثم أطلق نفخة ساخرة وأضاف باحتقار، “ملك!”

في تلك اللحظة وثب قلبُ تاليس. هضم الأمير الثاني حكاية لامبارد دون أن يتحرّك. كانت الشقية تُمسك بيده بقوة، واشتدّ قبضها أكثر فأكثر.

“لقد وُلدتَ في عائلة جيدستار الملكية، أنت وريثُ السلالة وحامل الحقّ الطبيعي في حكم الكوكبة بأسرها.” قال لامبارد بلهجةٍ باردة خفيفة، “بالطبع لا تُعاني أنت من تلك المخاوف، أليس كذلك؟”

صمت…

انبثقت فكرة في قلب تاليس، وشعر للحظة أنه أمسك بطرف خيط.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

فقال على الفور، “مخاوف؟”

أطلق لامبارد شخيرًا ساخرًا، واهتز صوته بسخطٍ كبير.

تجاهله لامبارد، وظلّ نظره الحاد معلّقًا على سيفه القديم. “منذ عهد جدّ نوڤين، كانوا يعدّون إقليم الرمال السوداء شوكة في خاصرتهم. في ذلك الوقت، بدأت عائلة والتون تخطّط لاحتكار العرش وتأمينه في مدينة سحب التنين.”

أظهر الرجل الضخم عينين زرقاوين متعبتين، وفيهما شعورٌ غامض.

رمشت الشقية.

رفع الآرشيدوق رأسه نحو تاليس، وخشع صوته فجأة ببرودة غريبة. “قبل اثني عشر عامًا… تغيّر كل شيء.”

تابع لامبارد حديثه، ونظره شارد قليلًا، “وحين جاء عهد والد نوڤين، حاول آل والتون السيطرة على إقليم الرمال السوداء بإرسال أصغر أبناء الآرشيدوق لينضمّ إلى حرس النصل الأبيض، أو باستغلال اسم الملك ليزوّج ابنته، أميرة إكستيدت النبيلة، لوالدي الذي كان وريثًا لعرش الإقليم.”

لم يتحرك تاليس ولا الشقية. خيّم حزن صامت على العربة، وتركت مأساة آل لامبارد في نفس تاليس شعورًا مختلطًا، متشابكًا كالأمواج.

قطّب تاليس حاجبيه قليلًا. فقد سمع قصة مشابهة أثناء مبارزة الملك نوڤين وبوفريت.

خفض تاليس رأسه بعمق.

“هكذا تزوّج والدَيّ.” قال لامبارد، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة نادرة. “وعلى غير المتوقع، فإنّ هذا الزواج الذي تكوّن بإرادة الملك وحده، سار على نحو حسن. قيل لي من خَدَمٍ قدامى إنّ والدتي سعت بخطوط مرسومة لتجعل والدي يقع في حبّها، وأنجبت له ولدين وثلاث بنات… وبقي الودّ بينهما حتى بعدما أصبح والدي آرشيدوقًا.”

“أنت مميز فعلًا، أيها الصبي، لكن رؤيتك للأمور ستظل دومًا في مستوى العامة.” تنفّس لامبارد ببطء، وقال بثبات: “أما ما أريده حقًا، فهو أكبر بكثير من حماية نفسي، أو الانتقام، أو قتل ملك، أو تدمير إقليم.”

انحدرت بهم العربة في زقاقٍ ضيّق. هل يسلكون طريقًا مختصرًا؟ أم يطيلون المسار؟

“كان نوڤين على استعداد لإرسال جيشه جنوبًا. وقد تواصل مع معظم الآرشيدوقات، وفي المقابل أُرسل هارولد إلى مؤتمر السادة جميعهم في مدينة سحب التنين بصفته وريث إقليم الرمال السوداء.” استنشق لامبارد الهواء البارد ببطء وأكمل.

غير أنّ لامبارد واصل كلامه.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“بهذا الشكل، كان والدي يحرس الإقليم من غزو مدينة سحب التنين بقوته وحدها، ولو جاء الغزو من المرأة التي أحبّها أكثر. عاش عمره كلّه معلّقًا بين عائلته والسلطة.”

“بل كشفت له كمّ الثوب عن ذراعي لأُريه الندبة التي تركها نمر الثلوج حين كنت في الرابعة عشرة، يوم أنقذني هارولد من فكه.”

أصغى تاليس والشقية إليه بصمت؛ فالآرشيدوق نادرًا ما تحدّث بهذا الأسلوب.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“عندما كنت صغيرًا، كنت أنا وهارولد نتنقّل باستمرار بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، بأوامرٍ من والدتي.” تنفّس لامبارد بعمق، وغطّى نظره سحابةٌ من الذكرى. “ظلّ الأمر كذلك حتى كبُرنا، وحتى بدأ هارولد يتولّى إدارة الإقليم.”

عضّ تاليس شفته السفلى، ثم رفع رأسه وتكلم بسرعة: “استقطاب قوة خارجية مثل شيليس إلى جانبك، وتحريك جيش ضخم كهذا إلى المدينة، وجعلهم يحلّون محل جنودها تحت أعين الغرفة السرية، بل واستئجار مغتال لقتل الملك. خطتك ليست دقيقة ولا محكمة.”

“هارولد؟” خطرت لتاليس فكرة، وكان الاسم غريبًا عليه قليلًا. “هو…؟”

تجمّد تاليس تمامًا. لم يجرؤ على التفكير بالإجابة التي سكنت قلبه أصلًا.

توقف لامبارد لحظة.

استمرّت العربة في السير، وتاليس لا يعرف كم تبقّى حتى يصلوا قصر الروح البطولية، ولا كم سيبقى من حياته قبل أن تبلغ نهايتها.

“هارولد لامبارد، أخي الأكبر.” ظهرت نظرة قاتمة ساخرة في عيني الآرشيدوق.

الفصل 197: المُتلاعب (الثاني)

“أحمقٌ مُضحِك. لا يوجد على وجه الأرض من هو أكثر حماقة منه.” قالها بلهجة باردة.

كان قد سمع هذه الحكاية من قبل، ليلةَ الأمس فقط.

بدا أنّ الشقية تذكّرت شيئًا، فقد اتّسعت عيناها قليلًا وشحب وجهها. أما تاليس فاستشعر شعورًا غريبًا في نبرة لامبارد.

“مصادفة؟” حدّت نظرات الآرشيدوق من جديد. “حقًا، في أي وقت آخر، لم يكن لخطة مليئة بالثغرات كهذه أي فرصة للنجاح.” قال لامبارد بنبرة ثابتة.

“ليس لديك إخوة، أليس كذلك؟” بقيت عيناه على السيف. وبعد بضع ثوانٍ قال بنبرة موحشة، “يا لك من محظوظ.”

لم يجب كيسل. بل حدّق فيه ببرودة وقال ببطء: “البارحة، سال دم التنين في أرض الشمال. ستبدأ فوضى إكستيدت الآن. ستسقط مملكة التنين العظيم في الانحطاط.” كان صوته يحمل بردًا يرعب القلوب. “وبنورٍ أحمر كالدم، ستنهض الكوكبة التي طال ظلامها.”

رفع تاليس حاجبه. وخطر بباله أخته وأخوه المدفونان بالاسم في جرّتين حجريتين في ضريح عائلة جيدستار—ليديا ولوثر جيدستار.

“الملك المنتخب شعبيًا، المحمي بإحكام من حرّاس النصل الأبيض، الجالس في قصر الروح البطولية، أعلى مبنى في المدينة، الحاكم لمدينة سحب التنين الحصينة، المسيطر على أكبر وأقوى الجنود، والمتنعّم بأغنى الإمدادات العسكرية وأفضل الأسلحة، والآمر بأجهزة التجسس مثل الغرفة السرية.”

سحب لامبارد سيفه ببطء. وكان وجهه معقّدًا، وأخذ يمرّر إصبعه على حدّ النصل.

ظهر وجه بوفريت اليائس أمام عينيه.

رفع الآرشيدوق رأسه نحو تاليس، وخشع صوته فجأة ببرودة غريبة. “قبل اثني عشر عامًا… تغيّر كل شيء.”

وعندما أنهى كيسل كلامه، استدار بلا تردد وغادر الممر الضيق.

ارتجف قلب الأمير.

“إذًا لماذا تخبرني هذه القصة؟” سأل الأمير بدهشة وحيرة. “لا تقل لي إنك كنت ترغب فقط في البوح بمشاعرك لشخص على وشك الموت.”

(لحظة…) بدأت أفكار تاليس تتسارع. (اثنا عشر عامًا… مرة أخرى؟ هذا يعني…؟)

رفع لامبارد رأسه، وحدّق في شوارع مدينة سحب التنين عبر نافذة العربة. “لا أزال أذكر كيف كانت عينا والدي ممتلئتين عزمًا… ووحشة.”

“اندلعت حربٌ أهلية لم يشهد لها تاريخ الكوكبة مثيلًا. كانت فوضى كاملة.” تردّد صوت لامبارد في العربة وهو يروي تاريخًا يعرفه تاليس الآن أكثر من أي وقت. “ومنذ حرب شبه الجزيرة الرابعة، سنحت لإكستيدت فرصة لا تتكرّر—فرصة لتوحيد الشمال مجددًا واجتثاث تهديد حصن التنين المحطم إلى الأبد.”

بدا أنّ الشقية تذكّرت شيئًا، فقد اتّسعت عيناها قليلًا وشحب وجهها. أما تاليس فاستشعر شعورًا غريبًا في نبرة لامبارد.

حدّق تاليس في السيف بين يدي لامبارد.

“سيكون مجدنا لامعًا، وسنتجاوز ما كنّا عليه في الماضي.”

“كان نوڤين على استعداد لإرسال جيشه جنوبًا. وقد تواصل مع معظم الآرشيدوقات، وفي المقابل أُرسل هارولد إلى مؤتمر السادة جميعهم في مدينة سحب التنين بصفته وريث إقليم الرمال السوداء.” استنشق لامبارد الهواء البارد ببطء وأكمل.

حدّق تاليس في السيف بين يدي لامبارد.

“ثم وقع حادث.”

“سيكون مجدنا لامعًا، وسنتجاوز ما كنّا عليه في الماضي.”

ارتسمت على ذهن تاليس فكرة خاطفة.

استدار لامبارد نحوه بلا تعبير. وانقبض قلب تاليس.

“أحد المرافقين في فريق هارولد هاجم فجأة واغتال الابن الأكبر لنوڤين.” قال لامبارد بصوتٍ جهوري خافت، ينضح بالقوة الكامنة، “ذلك الأمير سوريا، المتعجرف، الدموي، المتعطّش للعنف، الذي صيغ من القالب ذاته الذي صيغ منه أبوه—سقط هكذا، مقتولًا على يد مرافق في فريق هارولد.”

صُعق تاليس.

في تلك اللحظة وثب قلبُ تاليس. هضم الأمير الثاني حكاية لامبارد دون أن يتحرّك. كانت الشقية تُمسك بيده بقوة، واشتدّ قبضها أكثر فأكثر.

ساد الصمت لحظة في العربة، ولم يُسمع إلا احتكاك العجلات بالأرض وهي تمضي في طريقها، كأن الزمن نفسه يحبس أنفاسه.

كان قد سمع هذه الحكاية من قبل، ليلةَ الأمس فقط.

(لحظة…) بدأت أفكار تاليس تتسارع. (اثنا عشر عامًا… مرة أخرى؟ هذا يعني…؟)

“وصل الخبر إلى إقليم الرمال السوداء—تابع هارولد اغتال الأمير.” ضغط لامبارد بكفه على مقبض سيفه، وتجمّد وجهه ببرود. “لم يكن نوڤين ليتركنا ننجو بهذه السهولة. ولهذا، بدأ والدي يستعدّ للحرب ضد مدينة سحب التنين.

حبس تاليس أنفاسه، ولم يجرؤ حتى على التنفّس بصوت مسموع.

“لكن على غير المتوقع، هارولد—الذي كان يفترض أن يتحمّل المسؤولية—لم يتلقَّ أي إدانة، ولا سُجن، ولا احتُجز.”

“بعد شهر، حين وصل «غضب المملكة» مع المحاربين البواسل الذين بقوا على قيد الحياة، واخترقوا الحصار ليبلغوا أبي في ممر ريمان، لم يُبعد نفسه، ولم يرفع سيفه. بل ترك مورخ يكسر عنقه.” ضحك لامبارد ضحكة منخفضة. “ولم أدرك إلا لاحقًا أن أبي ربما كان يبحث عن الموت… ليلتئم شمله بأمي وهارولد على ضفاف نهر الجحيم.”

“بل لطّف نوڤين كلماته معه، وبرّأه بنفسه من الذنب، بل وأبقاه مشاركًا في الاجتماع، ثم أعاده إلى إقليم الرمال السوداء بأدب.” ابتسم لامبارد بسخرية باردة. “على الرغم من أن نوڤين فقد ابنه الأكبر، إلا أن هارولد لم يسبّب له أي متاعب. وقد شعر والدي آنذاك بأن هناك أمرًا مريبًا.”

أظهر الرجل الضخم عينين زرقاوين متعبتين، وفيهما شعورٌ غامض.

حدّق لامبارد في سيفه، وبدأ بصره يتلاشى كأنما يرى شيئًا آخر تمامًا. “ما زلت أذكر كيف عاد هارولد يردّد آراء نوڤين، ويحاول إقناع والدي بدعم مدينة سحب التنين. بل أراد من والدي السماح لوُفود الملك بالتمركز في إقليم الرمال السوداء استعدادًا للحرب.”

شعر تاليس ببرودة تزحف على ظهره. ولم يستطع منع نفسه من تذكّر الفعل الشهير—أو المشؤوم—الذي ألصق بلامبارد سمعة مخيفة يعرفها القاصي والداني.

“نشبت بينهما مشادّة عنيفة. وكنتُ أنا محشورًا بينهما لأمنعهما من سحب السيوف على أعناق بعضهما.” قال الآرشيدوق ببطء.

“محادثات صادقة، تهديدات، توبيخات، دروس، وحتى تلميحات عبري… استخدم والدي كل وسيلة ليثني هارولد عن رأيه، لكن دون جدوى.”

“وفي ذلك اليوم تحديدًا أدرك والدي فجأة أن هارولد لامبارد، الابن الأكبر والوريث الذي عوّل عليه آماله، قد بات الداعم الأكبر لمدينة سحب التنين وللملك المُنتخَب شعبيًا—تمامًا كما حدث مع شقيقه الأصغر كاسلان قبل ثلاثين عامًا.”

“أمسكني هارولد من ياقة ملابسي، وهمس بكلماته الأخيرة في أذني.” غمغم لامبارد بصوت هادئ، كأنه يروي حكاية عابرة عن أسرةٍ أخرى، بعد وجبة شاي في مساء غابر. “قال: (تذكّر هذا، تشابمان، نحن لا نرضخ أبدًا.)”

قطّب تاليس حاجبيه. “تمامًا مثل مدينة المنارة المُضيئة؟”

ارتجف قلب الأمير.

ظهر وجه بوفريت اليائس أمام عينيه.

هزّ فال آروند الباب بجنون، وصوته يرتدّ في جدران السجن: “اللعنة عليك، أيها الوغد… أخبرني! أخبرني! ما الذي فعلته بحق الشيطان يا كيسل جيدستار؟!”

استدار لامبارد نحوه بلا تعبير. وانقبض قلب تاليس.

“إذًا لماذا تخبرني هذه القصة؟” سأل الأمير بدهشة وحيرة. “لا تقل لي إنك كنت ترغب فقط في البوح بمشاعرك لشخص على وشك الموت.”

وأكّد لامبارد كلامه بخفوت، “تمامًا مثل مدينة المنارة المُضيئة. لم يستطع والدي تحمّل ذلك. فقد ظنّ أنه إن استمر الأمر، فعندما يرث هارولد إقليم الرمال السوداء، فلن يمضي وقت طويل حتى نصبح تابعين للملك.” تجمّد وجه لامبارد بشراسة. “بل وحتى منصب آرشيدوق الرمال السوداء سيغدو مقامًا تابعًا، تُقرّر مدينة سحب التنين مصيره بكلمة واحدة.”

“أمسكني هارولد من ياقة ملابسي، وهمس بكلماته الأخيرة في أذني.” غمغم لامبارد بصوت هادئ، كأنه يروي حكاية عابرة عن أسرةٍ أخرى، بعد وجبة شاي في مساء غابر. “قال: (تذكّر هذا، تشابمان، نحن لا نرضخ أبدًا.)”

“محادثات صادقة، تهديدات، توبيخات، دروس، وحتى تلميحات عبري… استخدم والدي كل وسيلة ليثني هارولد عن رأيه، لكن دون جدوى.”

“العدو الحاقد الذي جعل مأساة الكوكبة أكثر فظاعة…”

ازداد وجه الشقية شحوبًا وتراجعَت خلف تاليس.

زفر لامبارد ببطء. “أحد شركائي يريدك حيًّا.”

أطرق الآرشيدوق المتجهم رأسه قليلًا، وقد غمره حزن ثقيل. “وفي النهاية، اتخذ والدي قرارًا بسحب حقّ هارولد في الوراثة.”

“في يوم المبارزة، كان لدى هارولد ثلاث فرص على الأقل لينهي حياتي، حياة أخيه الأصغر.” نطق الآرشيدوق بصوت عميق، لكنه بدا مجوفًا، ترتجف أطرافه خفية. “ثلاث مرات… على الأقل.”

“ومن تلك النقطة فصاعدًا، تفجّرت الفوضى.” هزّ لامبارد رأسه ببطء. “فعندما لمح والدي الأمر برفق أمام التابعين، وُوجه على الفور باعتراضات حادة ونصائح للتراجع.”

ولمّا بدا وكأن قرنًا قد مر، هدأت أنفاس الدوق الثقيلة أخيرًا.

“وحين أصرّ والدي على تجريد هارولد من حقه، انخفض المحصول، وظهرت مشاكل في المال، وانقطعت طرق التجارة. وبدأت الصعوبات في إقليم الرمال السوداء تتكاثر بشكل غريب. وفي تلك اللحظات، تكرّر ما حدث سابقًا في مدينة المنارة المُضيئة.”

تنفّس لامبارد بعمق. “وفي اليوم الثالث، وبسلطة الملك، أمرني نوڤين بالذهاب إلى مدينة النجم الأبدي، وإعلان الحرب على الكوكبة.”

أطلق لامبارد شخيرًا ساخرًا، واهتز صوته بسخطٍ كبير.

“بل كشفت له كمّ الثوب عن ذراعي لأُريه الندبة التي تركها نمر الثلوج حين كنت في الرابعة عشرة، يوم أنقذني هارولد من فكه.”

“ولمّا غرق الإقليم بالأعباء حتى العنق، أدرك والدي أن مدينة سحب التنين—طوال ثلاثين عامًا—لم تتوغّل فقط في دماء عائلة لامبارد، بل إن نوڤين جذب هارولد إلى جانبه أيضًا.”

(لا… مستحيل…)

“هارولد رفض الخضوع، ووالدي رفض المساومة. كانت الأحوال تتدهور، والقوى الداعمة لهارولد تجاوزت ما يمكن لوالدي ضبطه. فغرق في يأسٍ أعمق، وازداد وهنًا.” انخفض صوت لامبارد أكثر، وبدت العتمة واضحة على قسماته. “إقليم الرمال السوداء لم يكن ندًّا لمدينة سحب التنين.”

(لا… مستحيل…)

“وأخيرًا، في اليوم الذي سيصل فيه مبعوث الملك مجددًا إلى المدينة، استدعاني والدي—المنهك جسدًا وروحًا—إلى غرفته.”

أصغى تاليس والشقية إليه بصمت؛ فالآرشيدوق نادرًا ما تحدّث بهذا الأسلوب.

شعر تاليس ببرودة تزحف على ظهره. ولم يستطع منع نفسه من تذكّر الفعل الشهير—أو المشؤوم—الذي ألصق بلامبارد سمعة مخيفة يعرفها القاصي والداني.

ارتسمت على ذهن تاليس فكرة خاطفة.

رفع لامبارد رأسه، وحدّق في شوارع مدينة سحب التنين عبر نافذة العربة. “لا أزال أذكر كيف كانت عينا والدي ممتلئتين عزمًا… ووحشة.”

“كيل! كيف فعلت ذلك؟ ماذا فعلت بالضبط؟”

شدّ تاليس قبضته على يد الصغيرة خلفه.

كان غمد السيف باليًا حتى العُري، ومقبضه متهالكًا كأنه أثرٌ من زمنٍ مندثر، ومع ذلك بدا كأثمن ما يملك.

“تحدّث إليّ طويلًا، طويلًا.” ازدادت برودة عيني الآرشيدوق، وسكن صوته أكثر. “احتضنت ساقيه وأنا أبكي، واستنفدت كل كلمة أرجوه بها أن يتراجع.”

(لا… مستحيل…)

“بل كشفت له كمّ الثوب عن ذراعي لأُريه الندبة التي تركها نمر الثلوج حين كنت في الرابعة عشرة، يوم أنقذني هارولد من فكه.”

“إذًا هذا هو—” تمتم تاليس بصعوبة، لكن لامبارد قاطعه.

أصبح صوت الآرشيدوق أكثر جفاءً، بينما ازداد انقباض قلب تاليس. وواصل لامبارد الحديث كما لو أن الأمر لم يعُد يخصّه.

رفع لامبارد رأسه، وحدّق في شوارع مدينة سحب التنين عبر نافذة العربة. “لا أزال أذكر كيف كانت عينا والدي ممتلئتين عزمًا… ووحشة.”

“قال لي والدي: (يا بُني، نحن آل لامبارد. يجري في عروقنا دم الملك الثوري. وشعار أسرتنا: “لا نرضخ أبدًا”، سواء كان العدو خارج أرضنا أو داخلها، سواء كان إمبراطورًا أم ملكًا).”

“وأخيرًا، في اليوم الذي سيصل فيه مبعوث الملك مجددًا إلى المدينة، استدعاني والدي—المنهك جسدًا وروحًا—إلى غرفته.”

تنفّس الآرشيدوق بعمق، وانعكست ظلالٌ ثقيلة في عينيه. “’لن نرضخ… أبدًا.’”

ابتسم لامبارد ابتسامة باهتة، لكنها باردة كثلجٍ قديم.

أصغى تاليس مذهولًا، بينما اتسعت عينا الصغيرة بجانبه.

“هارولد لامبارد، أخي الأكبر.” ظهرت نظرة قاتمة ساخرة في عيني الآرشيدوق.

أطلق لامبارد نفخة قصيرة وهو يخفض رأسه نحو السيف. “وفي النهاية، أعطاني هذا السيف.”

“وحين أصرّ والدي على تجريد هارولد من حقه، انخفض المحصول، وظهرت مشاكل في المال، وانقطعت طرق التجارة. وبدأت الصعوبات في إقليم الرمال السوداء تتكاثر بشكل غريب. وفي تلك اللحظات، تكرّر ما حدث سابقًا في مدينة المنارة المُضيئة.”

كان غمد السيف باليًا حتى العُري، ومقبضه متهالكًا كأنه أثرٌ من زمنٍ مندثر، ومع ذلك بدا كأثمن ما يملك.

صمت…

“بعد أسبوع، تحدّيتُ هارولد في مبارزة علنية… وأجاز والدي طلبي.”

ارتسمت على ذهن تاليس فكرة خاطفة.

حبس تاليس أنفاسه، ولم يجرؤ حتى على التنفّس بصوت مسموع.

“هارولد رفض الخضوع، ووالدي رفض المساومة. كانت الأحوال تتدهور، والقوى الداعمة لهارولد تجاوزت ما يمكن لوالدي ضبطه. فغرق في يأسٍ أعمق، وازداد وهنًا.” انخفض صوت لامبارد أكثر، وبدت العتمة واضحة على قسماته. “إقليم الرمال السوداء لم يكن ندًّا لمدينة سحب التنين.”

“ركعت الأم أمام غرفة الدراسة وبكت طوال الليل، بينما جلس الأب في الداخل والنور مشتعل.” أدار لامبارد سيفه ببطء، ومسَّ شعار القبضة الحديدية على قبضته. “وحين أغمي على الأم، حملها الخدم بعيدًا.”

خيم صمت مميت…

ساد الصمت لحظة في العربة، ولم يُسمع إلا احتكاك العجلات بالأرض وهي تمضي في طريقها، كأن الزمن نفسه يحبس أنفاسه.

“لقد مات الملك نوڤين، غير أنّ مدينة سحب التنين لا تزال على قوتها، وقصر الروح البطولية ما يزال يضم أربعة آرشيدوقات ذوي شأن. أظنّ أنهم ليسوا بالحمقى.” راقب تاليس تعبير الآرشيدوق وقال بتحفّز، “ثم إنّ اغتيال أمير الكوكبة للملك المُنتَخَب شعبيًا؟ هذا ختام يستحيل أن يُرضي الجميع، خصوصًا مع الظهور المفاجئ لجيش إقليم الرمال السوداء.”

“إذًا هذا هو—” تمتم تاليس بصعوبة، لكن لامبارد قاطعه.

في تلك اللحظة وثب قلبُ تاليس. هضم الأمير الثاني حكاية لامبارد دون أن يتحرّك. كانت الشقية تُمسك بيده بقوة، واشتدّ قبضها أكثر فأكثر.

“في يوم المبارزة، كان لدى هارولد ثلاث فرص على الأقل لينهي حياتي، حياة أخيه الأصغر.” نطق الآرشيدوق بصوت عميق، لكنه بدا مجوفًا، ترتجف أطرافه خفية. “ثلاث مرات… على الأقل.”

“كان نوڤين على استعداد لإرسال جيشه جنوبًا. وقد تواصل مع معظم الآرشيدوقات، وفي المقابل أُرسل هارولد إلى مؤتمر السادة جميعهم في مدينة سحب التنين بصفته وريث إقليم الرمال السوداء.” استنشق لامبارد الهواء البارد ببطء وأكمل.

توقّف لامبارد عن لمس مقبض سيفه. صار صوته خافتًا، كأنه يتحدّث من بُعدٍ سحيق.

بدا أنّ الشقية تذكّرت شيئًا، فقد اتّسعت عيناها قليلًا وشحب وجهها. أما تاليس فاستشعر شعورًا غريبًا في نبرة لامبارد.

“وفي النهاية، حين اخترقتُ قلبه، رأيت وجهه بوضوح.” قال الآرشيدوق هامسًا، “كان مبتسمًا.”

“إذًا هذا هو—” تمتم تاليس بصعوبة، لكن لامبارد قاطعه.

تنفّس لامبارد بعمق، وربما اختفى تعبيره خلف انحناءة رأسه. “كان مبتسمًا بالطريقة نفسها التي ابتسم بها يوم انتشلني من فم ذلك النمر الثلجي.”

مرّت ثوانٍ من الصمت…

تنهد تاليس.

طق!

(هذا… هذا يفوق الوصف.)

أصغى تاليس مذهولًا، بينما اتسعت عينا الصغيرة بجانبه.

“أمسكني هارولد من ياقة ملابسي، وهمس بكلماته الأخيرة في أذني.” غمغم لامبارد بصوت هادئ، كأنه يروي حكاية عابرة عن أسرةٍ أخرى، بعد وجبة شاي في مساء غابر. “قال: (تذكّر هذا، تشابمان، نحن لا نرضخ أبدًا.)”

كان قد سمع هذه الحكاية من قبل، ليلةَ الأمس فقط.

ضحك لامبارد ضحكة قصيرة، عصيّة على الفهم.

***

رفع تاليس رأسه وحدّق في سيف لامبارد، سيف الآرشيدوق، السيف الذي قتل به أخاه الأكبر.

جاءه ردّ الدوق بشخيرٍ محتقر.

وانساب صوت لامبارد إليه ببطء: “وفي اليوم التالي، قفزت الأم من أعلى برج مراقبة في القلعة.”

صُعق تاليس.

لم يتحرك تاليس ولا الشقية. خيّم حزن صامت على العربة، وتركت مأساة آل لامبارد في نفس تاليس شعورًا مختلطًا، متشابكًا كالأمواج.

بدا أنّ الشقية تذكّرت شيئًا، فقد اتّسعت عيناها قليلًا وشحب وجهها. أما تاليس فاستشعر شعورًا غريبًا في نبرة لامبارد.

تنفّس لامبارد بعمق. “وفي اليوم الثالث، وبسلطة الملك، أمرني نوڤين بالذهاب إلى مدينة النجم الأبدي، وإعلان الحرب على الكوكبة.”

“بالطبع.” نفخ لامبارد زفيرًا ساخرًا. “لقد وُلِدتَ في عائلة جيدستار الملكية، في العصر الذي جاء بعد الملك الفاضل. لن تفهم مثل هذا الحزن.”

اهتزّت العربة قليلًا حين مرت بعثرة في الطريق.

رمشت الشقية.

“بعد شهر، حين وصل «غضب المملكة» مع المحاربين البواسل الذين بقوا على قيد الحياة، واخترقوا الحصار ليبلغوا أبي في ممر ريمان، لم يُبعد نفسه، ولم يرفع سيفه. بل ترك مورخ يكسر عنقه.” ضحك لامبارد ضحكة منخفضة. “ولم أدرك إلا لاحقًا أن أبي ربما كان يبحث عن الموت… ليلتئم شمله بأمي وهارولد على ضفاف نهر الجحيم.”

***

توقف لامبارد عن الكلام. وزفر تاليس ببطء.

“ولمّا غرق الإقليم بالأعباء حتى العنق، أدرك والدي أن مدينة سحب التنين—طوال ثلاثين عامًا—لم تتوغّل فقط في دماء عائلة لامبارد، بل إن نوڤين جذب هارولد إلى جانبه أيضًا.”

رفع الأمير حاجبيه بصعوبة وقال: “إذًا فعلتَ كل هذا بدافع الكراهية؟ تريد من نوڤين أن يدفع الثمن، أو ربما تريد تدمير مدينة سحب التنين؟”

“ملك؟” ارتفعت نبرة الآرشيدوق كمن يسخر من الكلمة ذاتها، ثم أطلق نفخة ساخرة وأضاف باحتقار، “ملك!”

أطلق لامبارد شخيرًا ساخرًا، كأنّه يسخر من الفكرة ذاتها. استند إلى الخلف ببطء، ليكشف وجهه من جديد تحت ضوء الشمس. “كراهية؟ ذلك الشيء المثير للشفقة؟ لا تُشبّهني بضعيفٍ مثل بوفريت.”

“وصل الخبر إلى إقليم الرمال السوداء—تابع هارولد اغتال الأمير.” ضغط لامبارد بكفه على مقبض سيفه، وتجمّد وجهه ببرود. “لم يكن نوڤين ليتركنا ننجو بهذه السهولة. ولهذا، بدأ والدي يستعدّ للحرب ضد مدينة سحب التنين.

قطّب تاليس حاجبيه.

“كيف تنوي أن تضع حدًا للأمور؟”

“إذًا لماذا تخبرني هذه القصة؟” سأل الأمير بدهشة وحيرة. “لا تقل لي إنك كنت ترغب فقط في البوح بمشاعرك لشخص على وشك الموت.”

رمشت الشقية.

أظلمت نظرات الآرشيدوق شيئًا فشيئًا. حدّق في تاليس من علٍ، وهزّ رأسه ببطء. صوته جاء باردًا، جارحًا، كحدّ السيف.

“إذًا لماذا تخبرني هذه القصة؟” سأل الأمير بدهشة وحيرة. “لا تقل لي إنك كنت ترغب فقط في البوح بمشاعرك لشخص على وشك الموت.”

“أنت مميز فعلًا، أيها الصبي، لكن رؤيتك للأمور ستظل دومًا في مستوى العامة.” تنفّس لامبارد ببطء، وقال بثبات: “أما ما أريده حقًا، فهو أكبر بكثير من حماية نفسي، أو الانتقام، أو قتل ملك، أو تدمير إقليم.”

قطّب تاليس حاجبيه. “تمامًا مثل مدينة المنارة المُضيئة؟”

حدّق تاليس في وجه لامبارد، محاولًا بسرعة فك خيوط أفكاره.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“بالطبع.” نفخ لامبارد زفيرًا ساخرًا. “لقد وُلِدتَ في عائلة جيدستار الملكية، في العصر الذي جاء بعد الملك الفاضل. لن تفهم مثل هذا الحزن.”

وعندما أنهى كيسل كلامه، استدار بلا تردد وغادر الممر الضيق.

وما إن بلغ كلامه هذا الحد، حتى أعاد لامبارد سيفه إلى غمده وسكت.

ارتطم شيء بعنف داخل الزنزانة.

توقف تاليس قليلًا، وقد أُخذ على حين غرّة.

“وصل الخبر إلى إقليم الرمال السوداء—تابع هارولد اغتال الأمير.” ضغط لامبارد بكفه على مقبض سيفه، وتجمّد وجهه ببرود. “لم يكن نوڤين ليتركنا ننجو بهذه السهولة. ولهذا، بدأ والدي يستعدّ للحرب ضد مدينة سحب التنين.

الملك الفاضل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يسمع فيها هذا الاسم من أحد أبناء الشمال. آخر مرة كانت من فم الملك نوڤين، ولم يفهم حينها ما الذي أراد قوله.

توقف لامبارد عن الكلام. وزفر تاليس ببطء.

أما الآن فتذكّر. مدّ يده ولمس صدره على نحو غريزي.

هزّ فال آروند الباب بجنون، وصوته يرتدّ في جدران السجن: “اللعنة عليك، أيها الوغد… أخبرني! أخبرني! ما الذي فعلته بحق الشيطان يا كيسل جيدستار؟!”

(الملك الفاضل، مينديس جيدستار الثالث. أحد ملوك الكوكبة الثلاثة. الملك لا يُنال الاحترام بمجرد الدم؛ بل إن مجد الدم يستند إلى أعمال الملك.)

ابتسم لامبارد ابتسامة باهتة، لكنها باردة كثلجٍ قديم.

(لماذا؟ لماذا ذكر الملك نوڤين والآرشيدوق لامبارد هذا الملك الأعلى الذي حكم قبل أكثر من مئة عام؟ ماذا فعل؟ وماذا يريد لامبارد أن يفعل؟)

(لحظة…) بدأت أفكار تاليس تتسارع. (اثنا عشر عامًا… مرة أخرى؟ هذا يعني…؟)

خفض تاليس رأسه بعمق.

في العربة المتحركة، خفَض لامبارد رأسه وأخذ يعبث بسيفه بلا وعي، وقد غاص وجهه في تعبيرٍ عميق لا يُفصح عن شيء، ولم يُجب على السؤال.

“لا أفهم.” تنفّس تاليس بسرعة، يحاول بيأس ترتيب هذا الفوضى الداكنة. “كنت أظن أنك كنت تحاول حماية نفسك بما فعلته الليلة الماضية. كانت ضربة يائسة اضطررت إليها، هجومًا مضادًا تقسم عليه بحياتك إن فشلت… فلو لم يفعل إقليم الرمال السوداء ذلك، لكانت مدينة سحب التنين…”

“وأخيرًا، في اليوم الذي سيصل فيه مبعوث الملك مجددًا إلى المدينة، استدعاني والدي—المنهك جسدًا وروحًا—إلى غرفته.”

حوّل لامبارد نظره إليه، محدّقًا فيه بنظرة ذات مغزى.

***

عضّ تاليس شفته السفلى، ثم رفع رأسه وتكلم بسرعة: “استقطاب قوة خارجية مثل شيليس إلى جانبك، وتحريك جيش ضخم كهذا إلى المدينة، وجعلهم يحلّون محل جنودها تحت أعين الغرفة السرية، بل واستئجار مغتال لقتل الملك. خطتك ليست دقيقة ولا محكمة.”

لم يتحرك تاليس ولا الشقية. خيّم حزن صامت على العربة، وتركت مأساة آل لامبارد في نفس تاليس شعورًا مختلطًا، متشابكًا كالأمواج.

“لولا مصادفة اجتياح الكوارث للمدينة، وإبعاد الملك عن حماية حرّاس النصل الأبيض، لما كان لك أن تنجح أبدًا—”

رفع تاليس حاجبه. وخطر بباله أخته وأخوه المدفونان بالاسم في جرّتين حجريتين في ضريح عائلة جيدستار—ليديا ولوثر جيدستار.

في تلك اللحظة، قاطعه لامبارد بشخير بارد.

“ليس لديك إخوة، أليس كذلك؟” بقيت عيناه على السيف. وبعد بضع ثوانٍ قال بنبرة موحشة، “يا لك من محظوظ.”

“مصادفة؟” حدّت نظرات الآرشيدوق من جديد. “حقًا، في أي وقت آخر، لم يكن لخطة مليئة بالثغرات كهذه أي فرصة للنجاح.” قال لامبارد بنبرة ثابتة.

“وصل الخبر إلى إقليم الرمال السوداء—تابع هارولد اغتال الأمير.” ضغط لامبارد بكفه على مقبض سيفه، وتجمّد وجهه ببرود. “لم يكن نوڤين ليتركنا ننجو بهذه السهولة. ولهذا، بدأ والدي يستعدّ للحرب ضد مدينة سحب التنين.

“الملك المنتخب شعبيًا، المحمي بإحكام من حرّاس النصل الأبيض، الجالس في قصر الروح البطولية، أعلى مبنى في المدينة، الحاكم لمدينة سحب التنين الحصينة، المسيطر على أكبر وأقوى الجنود، والمتنعّم بأغنى الإمدادات العسكرية وأفضل الأسلحة، والآمر بأجهزة التجسس مثل الغرفة السرية.”

“ثم وقع حادث.”

“حتى لو كان جنودي الألفان جميعهم من الفئة العليا، لما استطعت قتله في ظل هذه الظروف.”

“لولا مصادفة اجتياح الكوارث للمدينة، وإبعاد الملك عن حماية حرّاس النصل الأبيض، لما كان لك أن تنجح أبدًا—”

صُعق تاليس.

هناك، رأى ملك الكوكبة الأعلى: كيسل الخامس، بقامته المستقيمة وجسده المهيب، بصوتٍ بارد رهيب، واقفًا خلف الباب يقول:

(إذًا…)

أما الآن فتذكّر. مدّ يده ولمس صدره على نحو غريزي.

“أنت محق. لولا الحادث الذي تسبّبت به الكوارث، والفوضى التي جلبتها إلى مدينة سحب التنين، وجعلت بوابات المدينة ودفاعاتها تُهمل، والملك يُصدر حظرًا يمنع الناس من مغادرة المدينة، وحرّاس النصل الأبيض يقعون في الخطأ، وقصر الروح البطولية يُفرَّغ، ومنطقة الدرع تُطوَّق… لولا كل ذلك، لما كان بوسعي أن أنجز هذا الأمر بمجرد تعاون بيني وبين شيليس وفلاد وحلفائي الآخرين.” قالها لامبارد بنبرة باهتة.

“أحد المرافقين في فريق هارولد هاجم فجأة واغتال الابن الأكبر لنوڤين.” قال لامبارد بصوتٍ جهوري خافت، ينضح بالقوة الكامنة، “ذلك الأمير سوريا، المتعجرف، الدموي، المتعطّش للعنف، الذي صيغ من القالب ذاته الذي صيغ منه أبوه—سقط هكذا، مقتولًا على يد مرافق في فريق هارولد.”

تجمّدت نظرات تاليس. فهم المعنى الخفي الكامن وراء كلمات لامبارد.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وتبدّل تعبير وجهه تدريجيًا.

“لا أفهم.” تنفّس تاليس بسرعة، يحاول بيأس ترتيب هذا الفوضى الداكنة. “كنت أظن أنك كنت تحاول حماية نفسك بما فعلته الليلة الماضية. كانت ضربة يائسة اضطررت إليها، هجومًا مضادًا تقسم عليه بحياتك إن فشلت… فلو لم يفعل إقليم الرمال السوداء ذلك، لكانت مدينة سحب التنين…”

“أنت… ماذا تعني؟” سأل الأمير الثاني بأخفّ وأحذر صوت، بجهدٍ شديد.

“نشبت بينهما مشادّة عنيفة. وكنتُ أنا محشورًا بينهما لأمنعهما من سحب السيوف على أعناق بعضهما.” قال الآرشيدوق ببطء.

(لا… مستحيل…)

أطلق لامبارد شخيرًا ساخرًا، كأنّه يسخر من الفكرة ذاتها. استند إلى الخلف ببطء، ليكشف وجهه من جديد تحت ضوء الشمس. “كراهية؟ ذلك الشيء المثير للشفقة؟ لا تُشبّهني بضعيفٍ مثل بوفريت.”

ابتسم لامبارد ابتسامة باهتة، لكنها باردة كثلجٍ قديم.

“لا، إن له معنى.” وقف الرجل الضخم ببطء. “لقد حان الوقت.” قالها في هدوء.

“يبدو أنهم لم يخبروك شيئًا، أليس كذلك؟”

“لولا مصادفة اجتياح الكوارث للمدينة، وإبعاد الملك عن حماية حرّاس النصل الأبيض، لما كان لك أن تنجح أبدًا—”

قال آرشيدوق الرمال السوداء ذلك وكأنه يضحك على طفلٍ جاهل. “لا يهم إن كان وصول الكوارث أو عملية الاغتيال.”

“وأظن أنك لست من النوع الذي يجلس أمام زنزانة خائن المملكة طوال الليل وبينهما بابٌ مغلق.” قال دوق الإقليم الشمالي من خلف فتحة الباب بنبرة ساخرة. “ما الأمر؟”

“كارثة؟ اغتيال؟” تمتمت الشقية، وقد شعرت غريزيًا أن الجو تغيّر فجأة. “هُم؟”

ظهر الذهول واضحًا في تعبير الدوق من خلال الفتحة.

وكما توقّع تاليس، ففي اللحظة التالية، ومع تخمينٍ لا يُصدَّق فاض في رأسه، انحنى إلى الأمام بسرعة ورفع صوته فجأة، فغدا قريبًا من الصراخ:

ازداد وجه الشقية شحوبًا وتراجعَت خلف تاليس.

“من هم «هُم»؟! ما علاقتهم بالكوارث؟! من الذي يعمل معك؟ مع إقليم الرمال السوداء؟!”

توقف تاليس قليلًا، وقد أُخذ على حين غرّة.

هزّ لامبارد رأسه ببطء، وفي عينيه سخرية باردة.

“ماذا قلت؟” ارتجّ صوته. “ماذا فعلت؟”

“خَمِّن.” جاء صوت آرشيدوق الرمال السوداء هادئًا على نحوٍ يثير الرعب، كأنّ الأمر مجرد حديثٍ مريح على مائدة فاخرة. “أيُّ حليفٍ، وأيُّ قوة، بوسعها أن تعمي أبصار من حوله، وتمرّ بي عبر أهم مفاصل الخطة، وتضع لي التدبير، بل وتُهيئ لي «مصادفة» شبه مستحيلة، كظهور الكوارث، حتى يدعمني في إتمام هذا العمل الجسيم؟”

عندها توقفت العربة. استعاد تاليس وعيه وحدّق سريعًا خارجها.

“أيُّ كائن بوسعه أن يثير عاصفة كهذه في مدينة سحب التنين؟”

رفع تاليس حاجبه. وخطر بباله أخته وأخوه المدفونان بالاسم في جرّتين حجريتين في ضريح عائلة جيدستار—ليديا ولوثر جيدستار.

تجمّد تاليس تمامًا. لم يجرؤ على التفكير بالإجابة التي سكنت قلبه أصلًا.

“أنت محق. لولا الحادث الذي تسبّبت به الكوارث، والفوضى التي جلبتها إلى مدينة سحب التنين، وجعلت بوابات المدينة ودفاعاتها تُهمل، والملك يُصدر حظرًا يمنع الناس من مغادرة المدينة، وحرّاس النصل الأبيض يقعون في الخطأ، وقصر الروح البطولية يُفرَّغ، ومنطقة الدرع تُطوَّق… لولا كل ذلك، لما كان بوسعي أن أنجز هذا الأمر بمجرد تعاون بيني وبين شيليس وفلاد وحلفائي الآخرين.” قالها لامبارد بنبرة باهتة.

(لا… هذا مستحيل…)

ولمّا بدا وكأن قرنًا قد مر، هدأت أنفاس الدوق الثقيلة أخيرًا.

عندها توقفت العربة. استعاد تاليس وعيه وحدّق سريعًا خارجها.

هناك، رأى ملك الكوكبة الأعلى: كيسل الخامس، بقامته المستقيمة وجسده المهيب، بصوتٍ بارد رهيب، واقفًا خلف الباب يقول:

“هذا ليس قصر الروح البطولية.” تمتم الأمير الثاني بدهشة. “ماذا تنوي أن تفعل؟”

“بالطبع.” نفخ لامبارد زفيرًا ساخرًا. “لقد وُلِدتَ في عائلة جيدستار الملكية، في العصر الذي جاء بعد الملك الفاضل. لن تفهم مثل هذا الحزن.”

زفر لامبارد ببطء. “أحد شركائي يريدك حيًّا.”

حدّق تاليس في وجه لامبارد وقال بخفوت، “كيف ستبرّر لهم ذلك؟ أم أنّك لن تبرّر شيئًا وستقتل الجميع لتُنهي الأمر؟”

اتّسعت عينا تاليس. فتح آرشيدوق الرمال السوداء الباب وقال ببرود: “فلنجرّب إذًا… ولنرى كم ستساوي.”

رفع الأمير حاجبيه بصعوبة وقال: “إذًا فعلتَ كل هذا بدافع الكراهية؟ تريد من نوڤين أن يدفع الثمن، أو ربما تريد تدمير مدينة سحب التنين؟”

….

“تحدّث إليّ طويلًا، طويلًا.” ازدادت برودة عيني الآرشيدوق، وسكن صوته أكثر. “احتضنت ساقيه وأنا أبكي، واستنفدت كل كلمة أرجوه بها أن يتراجع.”

الكوكبة، مدينة النجم الخالد، موقعٌ تحت الأرض بلا اسم.

أما الآن فتذكّر. مدّ يده ولمس صدره على نحو غريزي.

انطفأت نار الشعلة تدريجيًا. وتسرّبت أولى خيوط الشمس عبر نافذة صغيرة ذات قضبان حديدية، لم تكن أكبر من راحة يد، فشكّلت علامة تشبه # على الأرض.

ارتجّ جسد الرجل الضخم قليلًا. ومرّت نبرة حيوية وضحكة خافتة في صوته. “أنت تعرف أن جينيس قويّة للغاية.”

في تلك اللحظة، خرج صوتٌ جهوري من داخل السجن الموصَد بإحكام:

كان قد سمع هذه الحكاية من قبل، ليلةَ الأمس فقط.

“لقد أشرقت الشمس.”

تنهد تاليس.

رفع الرجل ذو البنية الضخمة الجالس على الكرسي خارج الزنزانة رأسه ببطء.

تنفّس لامبارد بعمق، وربما اختفى تعبيره خلف انحناءة رأسه. “كان مبتسمًا بالطريقة نفسها التي ابتسم بها يوم انتشلني من فم ذلك النمر الثلجي.”

“نعم.” قال الرجل المتوج ذو الجسد الضخم بهدوء، “لقد أشرقت الشمس.

اتّسعت عينا تاليس. فتح آرشيدوق الرمال السوداء الباب وقال ببرود: “فلنجرّب إذًا… ولنرى كم ستساوي.”

“وأظن أنك لست من النوع الذي يجلس أمام زنزانة خائن المملكة طوال الليل وبينهما بابٌ مغلق.” قال دوق الإقليم الشمالي من خلف فتحة الباب بنبرة ساخرة. “ما الأمر؟”

وعندما أنهى كيسل كلامه، استدار بلا تردد وغادر الممر الضيق.

أطلق الرجل على الكرسي صوتًا عميقًا مهيبًا: “وهل بدا الأمر واضحًا لهذه الدرجة؟”

“في اليوم الأول الذي باشرت فيه، عدتَ والرضوض تملأ وجهك، وتصرفت بالطريقة ذاتها.”

“في كل مرة يُزعجك فيها أمرٌ ما، تجلس وحدك شاردًا.” تمتم ڤال آروند بسخرية خفيفة. “أتذكّر يوم أحدثتَ فوضى في سوق الشارع الأحمر، وعوقبت بأن تعمل متدرّبًا في مركز شرطة المدينة الغربية.”

وما إن بلغ كلامه هذا الحد، حتى أعاد لامبارد سيفه إلى غمده وسكت.

“في اليوم الأول الذي باشرت فيه، عدتَ والرضوض تملأ وجهك، وتصرفت بالطريقة ذاتها.”

“أنت… ماذا تعني؟” سأل الأمير الثاني بأخفّ وأحذر صوت، بجهدٍ شديد.

ارتجّ جسد الرجل الضخم قليلًا. ومرّت نبرة حيوية وضحكة خافتة في صوته. “أنت تعرف أن جينيس قويّة للغاية.”

ارتسمت على ذهن تاليس فكرة خاطفة.

جاءه ردّ الدوق بشخيرٍ محتقر.

اتّسعت عينا تاليس. فتح آرشيدوق الرمال السوداء الباب وقال ببرود: “فلنجرّب إذًا… ولنرى كم ستساوي.”

صمت…

حدّق تاليس في السيف بين يدي لامبارد.

بعد لحظات، مسح الرجل الضخم شعار جيدستار على يده وسأل بصوت هادئ:

انبثقت فكرة في قلب تاليس، وشعر للحظة أنه أمسك بطرف خيط.

“فال، هل تشتاق إليهم؟”

***

ظهر الذهول واضحًا في تعبير الدوق من خلال الفتحة.

غير أنّ لامبارد واصل كلامه.

“من؟” سأل بصوتٍ منخفض.

حدّق تاليس في وجه لامبارد وقال بخفوت، “كيف ستبرّر لهم ذلك؟ أم أنّك لن تبرّر شيئًا وستقتل الجميع لتُنهي الأمر؟”

أظهر الرجل الضخم عينين زرقاوين متعبتين، وفيهما شعورٌ غامض.

كان قد سمع هذه الحكاية من قبل، ليلةَ الأمس فقط.

“الأسرة.” قال بهدوء، بصوت منخفض ثابت. “أولئك الذين كنا نتعامل معهم كوجودٍ يوميٍ مألوف… ولا نتذكرهم إلا حين نفقدهم.”

“لكن على غير المتوقع، هارولد—الذي كان يفترض أن يتحمّل المسؤولية—لم يتلقَّ أي إدانة، ولا سُجن، ولا احتُجز.”

لم يقل الرجل في الزنزانة شيئًا. وواصل الرجل الضخم كلامه:

***

“مثل الدوق الراحل، وإخوتك، وروهان، وكول، ونولارنور، أختك الكبرى، زوجتك، ابنك الأكبر، وابنك الثاني—”

“وفي ذلك اليوم تحديدًا أدرك والدي فجأة أن هارولد لامبارد، الابن الأكبر والوريث الذي عوّل عليه آماله، قد بات الداعم الأكبر لمدينة سحب التنين وللملك المُنتخَب شعبيًا—تمامًا كما حدث مع شقيقه الأصغر كاسلان قبل ثلاثين عامًا.”

طق!

بدا أنّ الشقية تذكّرت شيئًا، فقد اتّسعت عيناها قليلًا وشحب وجهها. أما تاليس فاستشعر شعورًا غريبًا في نبرة لامبارد.

ارتطم شيء بعنف داخل الزنزانة.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“يكفي.” لاهثًا، قال الدوق في غضب كُبت طويلًا: “ما جدوى قول كل هذا الآن؟”

انبثقت فكرة في قلب تاليس، وشعر للحظة أنه أمسك بطرف خيط.

مرّت ثوانٍ من الصمت…

تنفّس لامبارد بعمق. “وفي اليوم الثالث، وبسلطة الملك، أمرني نوڤين بالذهاب إلى مدينة النجم الأبدي، وإعلان الحرب على الكوكبة.”

“لا، إن له معنى.” وقف الرجل الضخم ببطء. “لقد حان الوقت.” قالها في هدوء.

“وأظن أنك لست من النوع الذي يجلس أمام زنزانة خائن المملكة طوال الليل وبينهما بابٌ مغلق.” قال دوق الإقليم الشمالي من خلف فتحة الباب بنبرة ساخرة. “ما الأمر؟”

لم يُجب السجين.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أتيتُ لأخبرك عن المذنب الذي جعل الدماء تسيل أنهارًا في الإقليم الشمالي قبل اثني عشر عامًا… ملك إكستيدت الذي حشد جيشه وغزا الجنوب.” قال الزائر خلف باب السجن ببطء.

“كيل! كيف فعلت ذلك؟ ماذا فعلت بالضبط؟”

تجمّد الدوق في الداخل. ظهر وجهه من جديد عبر الفتحة، وقد تسارعت أنفاسه.

“حتى لو كان جنودي الألفان جميعهم من الفئة العليا، لما استطعت قتله في ظل هذه الظروف.”

هناك، رأى ملك الكوكبة الأعلى: كيسل الخامس، بقامته المستقيمة وجسده المهيب، بصوتٍ بارد رهيب، واقفًا خلف الباب يقول:

“أحد المرافقين في فريق هارولد هاجم فجأة واغتال الابن الأكبر لنوڤين.” قال لامبارد بصوتٍ جهوري خافت، ينضح بالقوة الكامنة، “ذلك الأمير سوريا، المتعجرف، الدموي، المتعطّش للعنف، الذي صيغ من القالب ذاته الذي صيغ منه أبوه—سقط هكذا، مقتولًا على يد مرافق في فريق هارولد.”

“الرجل الذي ارتكب مجزرةً استمرت ثلاثة أيام في حصن التنين المحطّم بعد أن استولى عليه، والذي أرسل جنوده ليغزوا الإقليم الشمالي فور حلول الربيع.”

حدّق تاليس في وجه لامبارد وقال بخفوت، “كيف ستبرّر لهم ذلك؟ أم أنّك لن تبرّر شيئًا وستقتل الجميع لتُنهي الأمر؟”

“المجرم الذي علّق والدك على بوابة المدينة، ومزّق إخوتك إلى لحمٍ مفروم، وجعل أختك الكبرى وزوجتك في عداد المفقودين، وتسبّب بموت ابنيك، وشلّ يد ابنتك الصغرى.”

زفر لامبارد ببطء. “أحد شركائي يريدك حيًّا.”

“الطاغية الذي أحرق أراضي أسرتك في الإقليم الشمالي، ونهبها، وانتهكها، وسرقها؛ طاغيةٌ لا تُحصى جرائمه.”

“هارولد رفض الخضوع، ووالدي رفض المساومة. كانت الأحوال تتدهور، والقوى الداعمة لهارولد تجاوزت ما يمكن لوالدي ضبطه. فغرق في يأسٍ أعمق، وازداد وهنًا.” انخفض صوت لامبارد أكثر، وبدت العتمة واضحة على قسماته. “إقليم الرمال السوداء لم يكن ندًّا لمدينة سحب التنين.”

“العدو الحاقد الذي جعل مأساة الكوكبة أكثر فظاعة…”

“بل لطّف نوڤين كلماته معه، وبرّأه بنفسه من الذنب، بل وأبقاه مشاركًا في الاجتماع، ثم أعاده إلى إقليم الرمال السوداء بأدب.” ابتسم لامبارد بسخرية باردة. “على الرغم من أن نوڤين فقد ابنه الأكبر، إلا أن هارولد لم يسبّب له أي متاعب. وقد شعر والدي آنذاك بأن هناك أمرًا مريبًا.”

قبض الدوق على حواف الفتحة بقوة.

حدّق تاليس في وجه لامبارد، محاولًا بسرعة فك خيوط أفكاره.

طق!

“بهذا الشكل، كان والدي يحرس الإقليم من غزو مدينة سحب التنين بقوته وحدها، ولو جاء الغزو من المرأة التي أحبّها أكثر. عاش عمره كلّه معلّقًا بين عائلته والسلطة.”

ابيضّت مفاصله، وارتجفت أطراف أصابعه.

“أيُّ كائن بوسعه أن يثير عاصفة كهذه في مدينة سحب التنين؟”

“نوڤين والتون السابع.” قال كيسل الخامس بصوت بارد لا يحتمل الجدال. “الملك المسمّى بـ«الملك المولود للعرش» دفع ثمن طغيانه الليلة.”

“ماذا قلت؟” ارتجّ صوته. “ماذا فعلت؟”

خيم صمت مميت…

ولمّا بدا وكأن قرنًا قد مر، هدأت أنفاس الدوق الثقيلة أخيرًا.

ولمّا بدا وكأن قرنًا قد مر، هدأت أنفاس الدوق الثقيلة أخيرًا.

حدّق لامبارد في سيفه، وبدأ بصره يتلاشى كأنما يرى شيئًا آخر تمامًا. “ما زلت أذكر كيف عاد هارولد يردّد آراء نوڤين، ويحاول إقناع والدي بدعم مدينة سحب التنين. بل أراد من والدي السماح لوُفود الملك بالتمركز في إقليم الرمال السوداء استعدادًا للحرب.”

“ماذا قلت؟” ارتجّ صوته. “ماذا فعلت؟”

“مصادفة؟” حدّت نظرات الآرشيدوق من جديد. “حقًا، في أي وقت آخر، لم يكن لخطة مليئة بالثغرات كهذه أي فرصة للنجاح.” قال لامبارد بنبرة ثابتة.

رفع فال رأسه، وبعينين لا تصدّقان، حدّق في صديقه القديم وملكه الحالي.

أطلق لامبارد شخيرًا ساخرًا، كأنّه يسخر من الفكرة ذاتها. استند إلى الخلف ببطء، ليكشف وجهه من جديد تحت ضوء الشمس. “كراهية؟ ذلك الشيء المثير للشفقة؟ لا تُشبّهني بضعيفٍ مثل بوفريت.”

“كيل! كيف فعلت ذلك؟ ماذا فعلت بالضبط؟”

“نشبت بينهما مشادّة عنيفة. وكنتُ أنا محشورًا بينهما لأمنعهما من سحب السيوف على أعناق بعضهما.” قال الآرشيدوق ببطء.

لم يجب كيسل. بل حدّق فيه ببرودة وقال ببطء: “البارحة، سال دم التنين في أرض الشمال. ستبدأ فوضى إكستيدت الآن. ستسقط مملكة التنين العظيم في الانحطاط.” كان صوته يحمل بردًا يرعب القلوب. “وبنورٍ أحمر كالدم، ستنهض الكوكبة التي طال ظلامها.”

“قال لي والدي: (يا بُني، نحن آل لامبارد. يجري في عروقنا دم الملك الثوري. وشعار أسرتنا: “لا نرضخ أبدًا”، سواء كان العدو خارج أرضنا أو داخلها، سواء كان إمبراطورًا أم ملكًا).”

“سيكون مجدنا لامعًا، وسنتجاوز ما كنّا عليه في الماضي.”

وتبدّل تعبير وجهه تدريجيًا.

وعندما أنهى كيسل كلامه، استدار بلا تردد وغادر الممر الضيق.

حوّل لامبارد نظره إليه، محدّقًا فيه بنظرة ذات مغزى.

وترددت صرخات الدوق اليائسة وراءه:

“أتيتُ لأخبرك عن المذنب الذي جعل الدماء تسيل أنهارًا في الإقليم الشمالي قبل اثني عشر عامًا… ملك إكستيدت الذي حشد جيشه وغزا الجنوب.” قال الزائر خلف باب السجن ببطء.

“كيل!”

طق!

هزّ فال آروند الباب بجنون، وصوته يرتدّ في جدران السجن: “اللعنة عليك، أيها الوغد… أخبرني! أخبرني! ما الذي فعلته بحق الشيطان يا كيسل جيدستار؟!”

ولمّا بدا وكأن قرنًا قد مر، هدأت أنفاس الدوق الثقيلة أخيرًا.

ولكن ملك الكوكبة مضى وحده في الممر المعتم، لا يلتفت، لا يُجيب، ولا يتوقف.

وعندما أنهى كيسل كلامه، استدار بلا تردد وغادر الممر الضيق.

وفي الضوء الشاحب والهواء المتعفن، ابتعد شيئًا فشيئًا. دفع ملك الكوكبة الأعلى بابًا حديديًا بوجهٍ كالصخر.

انحدرت بهم العربة في زقاقٍ ضيّق. هل يسلكون طريقًا مختصرًا؟ أم يطيلون المسار؟

كان هناك رجل عجوز بعصًا وعباءة سوداء، انحنى قليلًا أمام الملك.

“بل كشفت له كمّ الثوب عن ذراعي لأُريه الندبة التي تركها نمر الثلوج حين كنت في الرابعة عشرة، يوم أنقذني هارولد من فكه.”

“هل سار كل شيء كما ينبغي؟” سأل الملك ببرود.

قبض الدوق على حواف الفتحة بقوة.

ابتسم مورات، رئيس استخبارات المملكة ونبيّها الأسود، ابتسامة خافتة. رفع جسده وقال بكلامٍ هادئ لا مبالٍ:

مرّت ثوانٍ من الصمت…

“بالطبع، يا مولاي… لم نعاني سوى من حادثٍ طفيف.”

ولكن ملك الكوكبة مضى وحده في الممر المعتم، لا يلتفت، لا يُجيب، ولا يتوقف.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اهتزّت العربة قليلًا حين مرت بعثرة في الطريق.

“لكن على غير المتوقع، هارولد—الذي كان يفترض أن يتحمّل المسؤولية—لم يتلقَّ أي إدانة، ولا سُجن، ولا احتُجز.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط