السعر
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان الرجل يضغط أسنانه ضغطًا خفيفًا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
رفع لامبارد ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بحدّة. “تريدون الصبي؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
كانوا في زقاق ضيّق فتحه جنود إقليم الرمال السوداء—المتوشّحون بزيّ الدوريات—إلى مساحة أوسع قليلًا.
Arisu-san
“يا صاحب السمو، كنتُ أظنّ أننا جئنا اليوم لِـ—” نطق الرجل بامتعاض، غير أنّ لامبارد قطع كلامه من جديد دون أن يُبدي أي اعتبار لمشاعره.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(قال لامبارد إنّ شخصًا ما يريدني حيًّا. من هو؟ من الذي يرغب في إبقائي حيًّا؟ أهو فعلًا من أظنّه؟—)
الفصل 198: السعر
بل ردّ بالفعل.
***
لم ينطق الرجل ثانية. اكتفى بالنظر إلى لامبارد، وعيناه تكشفان تعقيدًا خفيًا. وبالمقابل، لم يُبدِ لامبارد أي انفعال.
نزل لامبارد من العربة وحده، ثم أُغلِق باب العربة بإحكام مرة أخرى.
لم يردّ لامبارد.
كان واضحًا أنّه لا ينوي السماح لتاليس بالنزول معه.
وهنا، تجمّدت ملامح الرجل أخيرًا. حدّق مطوّلًا في الآرشيدوق لامبارد.
لا يزال غارقًا في المعلومات التي كشفها لامبارد، حاول تاليس أن يستعيد توازنه وسط ذهوله وحيرته. وتحت النظرة القلقة للشقية، ألصق وجهه بزجاج العربة.
فكرة خطرت في ذهن تاليس. (قصر الروح البطولية لا يزال في يد عائلة والتون.)
(قال لامبارد إنّ شخصًا ما يريدني حيًّا. من هو؟ من الذي يرغب في إبقائي حيًّا؟ أهو فعلًا من أظنّه؟—)
لم يقل لامبارد شيئًا، فاكتفى بمراقبته بهدوء بارد.
انقطعت أفكار تاليس بالمشهد الذي بدا أمامه.
انكمش حاجبا تاليس.
كانوا في زقاق ضيّق فتحه جنود إقليم الرمال السوداء—المتوشّحون بزيّ الدوريات—إلى مساحة أوسع قليلًا.
تفاجئ الرجل قليلًا. وقطّب جبينه وهو يفكّر مليًا. وبعد برهة، ارتخى جبينه وقال بحذر، “إن كان هذا لا يرضيك…
استعاد الآرشيدوق لامبارد ملامحه الوقورة الصارمة. سار نحو منتصف الزقاق بخطوات ثابتة، ممسكًا بسيفه.
“الصبي؟” ارتفع صوت الغريب فجأة، كأنه وجد كنزًا مفقودًا منذ زمن.
هناك، كان رجل أبيض البشرة يرتدي معطفًا قطنيًا سميكًا، وبملامح هادئة، ينتظر وصول الآرشيدوق.
أمّا لامبارد، فظلّ ثابتًا لا يتحرّك. لم يتبدّل شيء في وجهه، إلا تلك الومضات الغامضة التي رقصت في عينيه.
ارتفع حاجب تاليس قليلًا. (لا أعرف هذا الرجل، لا يكاد يختلف عن شماليّ عاديّ.)
خلافًا لتوقعات تاليس، كان جواب لامبارد هو الكلمتين الباردتين نفسيهما.
ابتسم الرجل، رفع يده نحو صدره، وانحنى مُحيّيًا لامبارد، ثم حرّك شفتيه قليلًا. هزّ لامبارد رأسه بخفة وقال شيئًا ما.
“لندخل في صلب الموضوع.” جاء صوت لامبارد الخافت الخشن، “الصبي في العربة.”
“من هذا؟” وضعت الشقية رأسها قرب تاليس.
“قلها، يمكننا التفاوض على أي شيء.”
“لا أعرف.” تقطب جبين تاليس. لم يكن أيّ منهما يتحدث بصوت مرتفع، فلم يستطع سماع شيء من داخل العربة.
أول ما سمعه كان دقات قلبيهما غير المتناسقة—قلب الشقية وقلبه—ثم صوتها وهي تفرك يديها بقلق. وبعدها بقليل، تمكّن من التحكم أكثر، فضغط أذنه نحو جدار العربة. وسط الضوضاء في الزقاق، استطاع بالكاد تمييز صوتَي الرجلين.
لكنّ الأمر يتعلّق بحياته، أخبر نفسه: (لا بد أن أسمع هذا. لا بدّ…)
“نعم، صحيح.” تكلّم الرجل ببطء شديد. “التحكّم بهذا الصبي يعني التحكّم بعرش الكوكبة، أليس كذلك؟ وعندها قد تنالون أنتم أيضًا عونًا عظيمًا—”
فشدّ قبضتيه، وأغمض عينيه برفق، مستعيدًا ذلك الشعور المميّز الذي كان ينتابه دائمًا حين يُحاصر بين الحياة والموت.
“ليس كافيًا.”
ومثلما علّمه “السيف الأسود”، عليه أن يستدعي ذلك الإحساس ومعه الإيحاء بأنّ شخصًا آخر يسكن جسده.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(هذا لأجل البقاء. ساعدني.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثانية… ثانيتان… ثلاث…
رفع لامبارد ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بحدّة. “تريدون الصبي؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن.”
وأخيرًا، ظهرت تلك التموجات المألوفة من جديد. اندفعت “خطيئة نهر الجحيم” إلى رأسه كأنها حيّة، فركّز تاليس جهده ليجمعها حول أذنيه.
توقّف الرجل عن الكلام، إذ رأى لامبارد يهزّ رأسه ببطء.
في اللحظة نفسها، شعر بأجزاء من جسده ثقيلة، وأجزاء أخرى خفيفة.
“لقد أعلنتُ ثمني.” لم يُبدِ لامبارد أدنى رغبة في التفاوض. راقبه ببرود، وقال: “أخبرني، لماذا هو مهمّ بهذا القدر بالنسبة لكم؟”
ثم بدأت أصوات لم يكن ليسمعها عادة تتسرّب إلى أذنيه.
لكنّ الأمر يتعلّق بحياته، أخبر نفسه: (لا بد أن أسمع هذا. لا بدّ…)
أول ما سمعه كان دقات قلبيهما غير المتناسقة—قلب الشقية وقلبه—ثم صوتها وهي تفرك يديها بقلق. وبعدها بقليل، تمكّن من التحكم أكثر، فضغط أذنه نحو جدار العربة. وسط الضوضاء في الزقاق، استطاع بالكاد تمييز صوتَي الرجلين.
الفصل 198: السعر
“نعم، هو راضٍ وسعيد بالتعاون بيننا.” وصل صوت الرجل الغريب متأنّيًا في الهواء. بدا واثقًا هادئًا. “يبدو أنّ الأمور تسير بسلاسة…”
(قيمتي… ما هي؟ وما علاقتها بهم؟)
لكنّ مجيبَه لم يُبدِ صبرًا للدردشة.
أول ما سمعه كان دقات قلبيهما غير المتناسقة—قلب الشقية وقلبه—ثم صوتها وهي تفرك يديها بقلق. وبعدها بقليل، تمكّن من التحكم أكثر، فضغط أذنه نحو جدار العربة. وسط الضوضاء في الزقاق، استطاع بالكاد تمييز صوتَي الرجلين.
“لندخل في صلب الموضوع.” جاء صوت لامبارد الخافت الخشن، “الصبي في العربة.”
(العام الدموي…)
شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. فتح عينيه وأشار للشقية لتصمت، إذ كانت تواصل نكزه بفضول.
“نعم، هو راضٍ وسعيد بالتعاون بيننا.” وصل صوت الرجل الغريب متأنّيًا في الهواء. بدا واثقًا هادئًا. “يبدو أنّ الأمور تسير بسلاسة…”
“الصبي؟” ارتفع صوت الغريب فجأة، كأنه وجد كنزًا مفقودًا منذ زمن.
“وهذا لا يثبت سوى أمر واحد.”
رفع تاليس رأسه ونظر عبر النافذة. هناك، استدار الرجل ذو المعطف السميك ونظر نحو العربة.
وأخيرًا، نطق الرجل الغريب ببطء. في نبرته برود قاسٍ يثير القشعريرة. “يا صاحب السعادة، لم تحلّ بعد ورطتك الحالية—غزو مدينة سحب التنين وإكستيدت—وتفكر فعلًا بما هو أبعد.”
كانت نظرة اخترقت الزجاج، وجعلت الرعب يتجمّد في أطراف تاليس. كانت عينين مليئتين بالطمع والرغبة… كعيني أفعى قبل أن تنقض.
أطلق الرجل زفرة بطيئة، وعادت إلى ملامحه تلك الابتسامة الغريبة.
تلألأت عينا الغريب وهو يعود ببصره نحو لامبارد. “تاليس جيدستار؟ أهو هو؟”
لم يردّ لامبارد.
لم يقل لامبارد شيئًا، فاكتفى بمراقبته بهدوء بارد.
ابتسم الرجل بابتسامة ساخرة باهتة. “صدّقني يا صاحب السمو، إن وصلنا إلى النقطة التي نضطرّ فيها لفعل شيءٍ حقًّا… فلن ترغب في رؤية ذلك اليوم.”
“بهذه السرعة؟” ضيّق الرجل عينيه، ثم عرف الجواب بعد ثانيتين. ضمّ كفيه وارتسمت ابتسامة على شفتيه. ملامحه الهادئة المهذّبة تحوّلت فجأة إلى ودودة مرحبة. “البوابة الأخيرة وقصر الروح البطولية ما زالا بالتأكيد في يد مدينة سحب التنين. لا تقل لي إنك تسلّلت ببساطة وخطفته من هناك؟”
“ليس كافيًا.”
فكرة خطرت في ذهن تاليس. (قصر الروح البطولية لا يزال في يد عائلة والتون.)
لا يزال غارقًا في المعلومات التي كشفها لامبارد، حاول تاليس أن يستعيد توازنه وسط ذهوله وحيرته. وتحت النظرة القلقة للشقية، ألصق وجهه بزجاج العربة.
أصدر لامبارد نفخة ساخرة من أنفه.
“وقتي ضيّق.” أضاف لامبارد ببرود. “لديك عشر ثوانٍ لتقرر.”
“لديّ طرقي.” لم تتغير لهجة آرشيدوق إقليم الرمال السوداء. لم يُظهر أي رغبة في تلطيف كلامه أمام الرجل. “ما قولك؟”
“ما فعلتموه في الكوكبة قبل اثني عشر عامًا… له صلةٌ بهذا، أليس كذلك؟”
بعينين لامعتين، راقب الرجل لامبارد كما يراقب تاجر صغير أكبر زبائنه.
رفع لامبارد ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بحدّة. “تريدون الصبي؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن.”
“بالطبع هذا رائع!” صفق الرجل مرة، ثم انفجر ضاحكًا. “نحن ممتنون للغاية لعونك، يا صاحب السعادة. وستنال صداقتنا الأبدية—”
أول ما سمعه كان دقات قلبيهما غير المتناسقة—قلب الشقية وقلبه—ثم صوتها وهي تفرك يديها بقلق. وبعدها بقليل، تمكّن من التحكم أكثر، فضغط أذنه نحو جدار العربة. وسط الضوضاء في الزقاق، استطاع بالكاد تمييز صوتَي الرجلين.
قاطعه لامبارد بقسوة.
ارتفع حاجب تاليس قليلًا. (لا أعرف هذا الرجل، لا يكاد يختلف عن شماليّ عاديّ.)
“كفى هراء.” زمجر تشابمان لامبارد ببرودة، عاقدًا نظره على الرجل. “بِمَ تنوي أن تبادله؟”
“لسنا نجري حديثًا عابرًا هنا.” هزّ لامبارد رأسه وألقى بهذه الكلمات ببرود وهو يستدير راحلًا.
تجمّد الرجل للحظة، وكأنه لم يفهم. “نُبادله؟”
“فما الذي تريده بالضبط؟”
شبك كفيه بخفة، وبدت ملامحه وكأنه يفكّر في الكلمة ببطء. ثم ضحك بلا تحفّظ. “اعذر لسانِي الطويل. لكن منذ البداية، مساعدتنا لكم قد—”
“لديّ طرقي.” لم تتغير لهجة آرشيدوق إقليم الرمال السوداء. لم يُظهر أي رغبة في تلطيف كلامه أمام الرجل. “ما قولك؟”
“مساعدة؟” قطع لامبارد كلامه مرة أخرى، دون أن يبدي أي احترام، فأُخمد حديث الرجل في حلقه. نفخ الآرشيدوق باستخفاف. “لم تفعلوا شيئًا سوى التواصل مع مغتال موثوق.”
كان واضحًا أنّه لا ينوي السماح لتاليس بالنزول معه.
رفع لامبارد ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بحدّة. “تريدون الصبي؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن.”
رفع تاليس رأسه قليلًا، والأسئلة تتلاطم في صدره. (هو؟ من يكون؟)
ارتجف تاليس قليلًا وهو يتنصّت. (التواصل مع مغتال موثوق؟)
شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. فتح عينيه وأشار للشقية لتصمت، إذ كانت تواصل نكزه بفضول.
“مغتال موثوق؟” بدا الرجل كأنه يجيب السؤال الذي طرحه تاليس في ذهنه. قطّب حاجبيه وظهر على وجهه ابتسامة متعجّبة يائسة، وكأنه يقول: “كيف يعقل هذا؟” ثم حاول أن يساير لامبارد. “نحن نتحدث عن زهرة الاغتيال، وأؤكد لك أنّك لن تجد مغتالين أكثر براعة منهم في هذا العالم، خاصة وأنّك استهدفت أصعب هدف.”
رفع الرجل يده وعدّل ثوبه، وفي كلماته برودة فولاذ.
لم يردّ لامبارد.
في اللحظة نفسها، شعر بأجزاء من جسده ثقيلة، وأجزاء أخرى خفيفة.
“وعفوًا على صراحتي، لكن بسبب الخلل في معلوماتك، أضاع الجراد الرحّال وقتًا طويلًا في البحث عن الهدف في قصر الروح البطولية.” هزّ الرجل رأسه بأسف. “ولولا أن رجالنا اكتشفوا موقع الهدف في الوقت المناسب، لما تمكن الجراد الرحّال من إتمام المهمة أصلًا، ولما أمكنك…”
ارتفع حاجب تاليس قليلًا. (لا أعرف هذا الرجل، لا يكاد يختلف عن شماليّ عاديّ.)
توقّف الرجل عن الكلام، إذ رأى لامبارد يهزّ رأسه ببطء.
كان لامبارد يملك زمام الحديث تمامًا. مال برأسه إلى الأمام، وعيناه تحملان ثلج الشتاء كلّه. “والسبب في تردّدكم بين قتله وإبقائه حيًا…”
“على حد علمي، بانيت تشارلتون ليس أحد رجالك. هو يعيش بحدّ سيفه، لذا سأناقش الأجر معه شخصيًا.” لم يكن صوت لامبارد مرتفعًا، لكنه حمل نبرة لا تقبل الجدل.
داخل العربة، سمع تاليس لامبارد يقول كلمة كلمة: “إنّ قيمة هذا الصبي أعظم من كل ذلك مجتمعًا.”
“أما أنتم، فكفّوا عن استخدام قِطع الآخرين للمساومة. إن كنتم لا تزالون ترغبون في أخذ ذلك الصبي، ذلك الأمير…”
انقطعت أفكار تاليس بالمشهد الذي بدا أمامه.
ومع سماع تاليس هاتين الجملتين عنه، انبلجت حقيقة مهمة في ذهنه فجأة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(بانيت تشارلتون. هو من هبط بسرعة من جُرف السماء وقتل الملك نوڤين في منطقة الدرع. ولكن وفقًا لكلام الرجل…)
“ثمَني؟”
(أي أنّ سبب ظهور لامبارد أمامي بجيش…)
رفع لامبارد ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بحدّة. “تريدون الصبي؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن.”
لم ينطق الرجل ثانية. اكتفى بالنظر إلى لامبارد، وعيناه تكشفان تعقيدًا خفيًا. وبالمقابل، لم يُبدِ لامبارد أي انفعال.
لم يعد صوت الرجل بنفس ارتخائه السابق. وفي أذنَي تاليس، بدا أنّ وتيرة كلامه تتسارع.
وفي النهاية، انهزم الرجل أمام نظرة لامبارد. تنهد وقال: “يا لك من جشع.”
“إذن لَخَطَفتُه أنا بنفسي للحصول على الفدية.” ردّ لامبارد بسرعة، وبصوت مهيب. “ولماذا أتعامل معك أصلًا؟”
“لسنا نجري حديثًا عابرًا هنا.” هزّ لامبارد رأسه وألقى بهذه الكلمات ببرود وهو يستدير راحلًا.
وأخيرًا، نطق الرجل الغريب ببطء. في نبرته برود قاسٍ يثير القشعريرة. “يا صاحب السعادة، لم تحلّ بعد ورطتك الحالية—غزو مدينة سحب التنين وإكستيدت—وتفكر فعلًا بما هو أبعد.”
تغيّر وجه الرجل. (يا له من آرشيدوق بخيل صغير النفس)، تمتم في قلبه بضيق.
الفصل 198: السعر
“حسنًا، حسنًا. يا صاحب السعادة!” أوقف لامبارد، وقد بدا عليه شيء من الانزعاج. هزّ الرجل الغريب كتفيه كأنه استسلم، ومرّ بريق غريب في عينيه.
ابتسم الرجل، رفع يده نحو صدره، وانحنى مُحيّيًا لامبارد، ثم حرّك شفتيه قليلًا. هزّ لامبارد رأسه بخفة وقال شيئًا ما.
“ما دمتَ مستعدًا لتسليمنا الصبي…”
توقّف الرجل عن الكلام، إذ رأى لامبارد يهزّ رأسه ببطء.
أطلق الرجل زفرة بطيئة، وعادت إلى ملامحه تلك الابتسامة الغريبة.
“مساعدة؟” قطع لامبارد كلامه مرة أخرى، دون أن يبدي أي احترام، فأُخمد حديث الرجل في حلقه. نفخ الآرشيدوق باستخفاف. “لم تفعلوا شيئًا سوى التواصل مع مغتال موثوق.”
“لدينا نطاق واسع من الموارد والقوة البشرية، من دوقية آنلينزو إلى عصابة ڤاليير، ومن مدينة اليشم الكريستالي إلى جُزر الشياطين الثلاث. والأمر نفسه في إكستيدت.” قال الرجل وهو يضحك بخفة. “وأراهن أنّ إكستيدت الوليدة ستحتاج إلينا في أمور كثيرة. فليس كل أحد سيخدم سيّدًا متوحشًا مشتبهًا بقتل الملك. يمكننا مساعدتك في تهدئة الشؤون الداخلية. وإن كان لديك من الأتباع الحمقى من يصعب عليك التخلص منهم…”
“يا صاحب السمو، كنتُ أظنّ أننا جئنا اليوم لِـ—” نطق الرجل بامتعاض، غير أنّ لامبارد قطع كلامه من جديد دون أن يُبدي أي اعتبار لمشاعره.
(موارد. قوة بشرية. صعب التعامل معهم…)
وهنا، تجمّدت ملامح الرجل أخيرًا. حدّق مطوّلًا في الآرشيدوق لامبارد.
انقبض قلب تاليس رعبًا. وفي تلك اللحظة، أدرك فجأة هوية الرجل الواقف أمامه.
“ومن أجل شراكاتٍ مستقبليّة أعمق وأكبر شأنًا، ألا يجدر بنا أن نظهر قليلًا من حسن النيّة؟ أن نترك لأنفسنا فسحةً مشتركة؟” قال الرجل بصوت خفيض.
كان جواب لامبارد كلمتين باردتين: “ليس كافيًا.”
“بهذه السرعة؟” ضيّق الرجل عينيه، ثم عرف الجواب بعد ثانيتين. ضمّ كفيه وارتسمت ابتسامة على شفتيه. ملامحه الهادئة المهذّبة تحوّلت فجأة إلى ودودة مرحبة. “البوابة الأخيرة وقصر الروح البطولية ما زالا بالتأكيد في يد مدينة سحب التنين. لا تقل لي إنك تسلّلت ببساطة وخطفته من هناك؟”
تفاجئ الرجل قليلًا. وقطّب جبينه وهو يفكّر مليًا. وبعد برهة، ارتخى جبينه وقال بحذر، “إن كان هذا لا يرضيك…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“فلا يزال بحوزتنا الكثير من المعلومات. سواء كانت فضائح سياسية أو أسرار دولة، فبقليل من التلاعب أو التعديل يمكن أن نشعل فوضى عارمة في بضع دول صغيرة.”
كانت نظرة اخترقت الزجاج، وجعلت الرعب يتجمّد في أطراف تاليس. كانت عينين مليئتين بالطمع والرغبة… كعيني أفعى قبل أن تنقض.
لم يعد صوت الرجل بنفس ارتخائه السابق. وفي أذنَي تاليس، بدا أنّ وتيرة كلامه تتسارع.
“لقد أعلنتُ ثمني.” لم يُبدِ لامبارد أدنى رغبة في التفاوض. راقبه ببرود، وقال: “أخبرني، لماذا هو مهمّ بهذا القدر بالنسبة لكم؟”
“ومما أعلمه، أنّ إكستيدت طالما شغلتها أحوال الغرب وخطوط المواجهة في الممر الذهبي. يمكننا أيضًا أن نغرق تحالف الحرية في اضطراب داخلي يعجز عن الفكاك منه لسنوات. بل يمكننا حتى جرّ الجبل الأبيض إلى المتاعب، إن كانت طموحاتك الجامحة—”
شبك كفيه بخفة، وبدت ملامحه وكأنه يفكّر في الكلمة ببطء. ثم ضحك بلا تحفّظ. “اعذر لسانِي الطويل. لكن منذ البداية، مساعدتنا لكم قد—”
قبض تاليس قبضتيه بقوة وابتلع ريقه. (هذا ليس صائبًا. هذا يبدو وكأن…)
***
“ليس كافيًا.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
خلافًا لتوقعات تاليس، كان جواب لامبارد هو الكلمتين الباردتين نفسيهما.
(هذا صحيح… إنّه يتحدّث عن محاولة اغتياله على يد وحدة البندقية الصوفية في حصن التنّين المحطم… ثم، إن وصلنا ذلك بكلمات بوفريت الأخيرة…)
وهنا، تجمّدت ملامح الرجل أخيرًا. حدّق مطوّلًا في الآرشيدوق لامبارد.
ومثلما علّمه “السيف الأسود”، عليه أن يستدعي ذلك الإحساس ومعه الإيحاء بأنّ شخصًا آخر يسكن جسده.
أغمض الرجل عينيه وأطلق نفسًا حارًا من أنفه. وحين فتحهما، ظهر في نظراته قصد قاسٍ إلى جانب ذلك البرود الكئيب.
رمق الرجل العربة بنظرة، ثم خفَض عينيه فورًا. ولم ينطق بكلمة.
“فما الذي تريده بالضبط؟”
نطق لامبارد ببرود: “إنّه هو، أليس كذلك؟”
كانت نبرة ضيق خفي قد تسللت إلى كلامه. وتلاشت نبرته الهادئة اللطيفة شيئًا فشيئًا.
رفع الرجل يده وعدّل ثوبه، وفي كلماته برودة فولاذ.
“السلطة؟ يمكننا أن نكون جواسيسك وأتباعك. يمكننا أن نكون سيوفك ورماحك ودروعك وخيولك، نخدمك حتى تبلغ أوسع طموحاتك. الثروة؟ وإن لم تكن مخازننا كمخازن الدول، فنحن نملك كنوزًا نادرة لم ترها حتى العائلات الملكية. النساء الجميلات؟ يمكننا… لا، لا أظنّك من أصحاب تلك الشهوات الدنيئة. إذًا، يا صاحب السعادة، ما الثمن الذي في قلبك؟”
***
أخذ الرجل نفسًا عميقًا. وقد اختفت الابتسامة عن وجهه من غير أثر.
“فلا يزال بحوزتنا الكثير من المعلومات. سواء كانت فضائح سياسية أو أسرار دولة، فبقليل من التلاعب أو التعديل يمكن أن نشعل فوضى عارمة في بضع دول صغيرة.”
“قلها، يمكننا التفاوض على أي شيء.”
ارتفع حاجب تاليس قليلًا. (لا أعرف هذا الرجل، لا يكاد يختلف عن شماليّ عاديّ.)
حافظ لامبارد على نظرته الثابتة نحوه. وفي لحظة خفية، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
ثانية… ثانيتان… ثلاث…
“ثمَني؟”
“فما الذي تريده بالضبط؟”
أطلق آرشيدوق إقليم الرمال السوداء نفخة ساخرة، فأومضت في عيني الرجل لمحة ضيق.
انقبض قلب تاليس رعبًا. وفي تلك اللحظة، أدرك فجأة هوية الرجل الواقف أمامه.
“بصفتك رأس منظمة اغتيال تعتمد حتى على بيع المعلومات والأسرار لكسب رزقها؛ أنت مستعد لدفع هذا الثمن بلا تردد. كل ذلك لأجل ذلك الصبي.” خطا لامبارد خطوة إلى الأمام واقترب شيئًا فشيئًا من الرجل الغريب، وكانت عيناه تقدحان كوحش مفترس أُطلق بعد عزلة طويلة.
رفع تاليس رأسه قليلًا، والأسئلة تتلاطم في صدره. (هو؟ من يكون؟)
“وهذا لا يثبت سوى أمر واحد.”
تسلّل البرد إلى قلب الرجل تحت ضغط نظرات لامبارد الساحقة. وتراجع خطوة بلا وعي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
داخل العربة، سمع تاليس لامبارد يقول كلمة كلمة: “إنّ قيمة هذا الصبي أعظم من كل ذلك مجتمعًا.”
“لديّ طرقي.” لم تتغير لهجة آرشيدوق إقليم الرمال السوداء. لم يُظهر أي رغبة في تلطيف كلامه أمام الرجل. “ما قولك؟”
وبسمعه المتفوق، سمع تاليس أنفاسه تتسارع.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(قيمتي… ما هي؟ وما علاقتها بهم؟)
“أما أنتم، فكفّوا عن استخدام قِطع الآخرين للمساومة. إن كنتم لا تزالون ترغبون في أخذ ذلك الصبي، ذلك الأمير…”
تغيّر وجه الرجل مجددًا. اتسعت عيناه وهو يراقب لامبارد يمدّ يده ببطء نحو سيفه عند خصره. وأصدرت ثياب الآرشيدوق القتالية صوت احتكاك واضح.
لم يقل لامبارد شيئًا، فاكتفى بمراقبته بهدوء بارد.
“هناك سرّ عنه لا أعرفه.” قال لامبارد بصوت عميق، وقد ثبت عينيه على وجه الرجل الذي كانت ملامحه تتبدل بلا توقف. “طلبي بسيط: أريد ذلك السرّ؛ السبب الذي جعلكم تخطّطون وتكدّون للوصول إليه.”
“يا صاحب السمو، أنت حليفٌ نقدّره ونعتزّ به.” زفر الرجل بعمق، وكأنّه اتّخذ قرارًا مؤلمًا.
مع انتهاء كلام لامبارد، توقف الاثنان عن الحديث، وغرقت المفاوضات في صمت. لم يُسمع إلا همهمة الناس خارج الزقاق. صار الجو بينهما غريبًا. وبلَغ التوتر حدًا جعل تاليس في العربة يكاد يقفز منها ليحثّهما.
“نعم، هو راضٍ وسعيد بالتعاون بيننا.” وصل صوت الرجل الغريب متأنّيًا في الهواء. بدا واثقًا هادئًا. “يبدو أنّ الأمور تسير بسلاسة…”
وأخيرًا، نطق الرجل الغريب ببطء. في نبرته برود قاسٍ يثير القشعريرة. “يا صاحب السعادة، لم تحلّ بعد ورطتك الحالية—غزو مدينة سحب التنين وإكستيدت—وتفكر فعلًا بما هو أبعد.”
“السلطة؟ يمكننا أن نكون جواسيسك وأتباعك. يمكننا أن نكون سيوفك ورماحك ودروعك وخيولك، نخدمك حتى تبلغ أوسع طموحاتك. الثروة؟ وإن لم تكن مخازننا كمخازن الدول، فنحن نملك كنوزًا نادرة لم ترها حتى العائلات الملكية. النساء الجميلات؟ يمكننا… لا، لا أظنّك من أصحاب تلك الشهوات الدنيئة. إذًا، يا صاحب السعادة، ما الثمن الذي في قلبك؟”
“المستقبل زاخر بالوعود، وكذلك أنت. فلماذا تلتهم أكثر مما تستطيع مضغه؟”
(بانيت تشارلتون. هو من هبط بسرعة من جُرف السماء وقتل الملك نوڤين في منطقة الدرع. ولكن وفقًا لكلام الرجل…)
لم يستطع تاليس إلّا أن يعضّ شفتيه.
كان لامبارد يملك زمام الحديث تمامًا. مال برأسه إلى الأمام، وعيناه تحملان ثلج الشتاء كلّه. “والسبب في تردّدكم بين قتله وإبقائه حيًا…”
“لقد أعلنتُ ثمني.” لم يُبدِ لامبارد أدنى رغبة في التفاوض. راقبه ببرود، وقال: “أخبرني، لماذا هو مهمّ بهذا القدر بالنسبة لكم؟”
“على حد علمي، بانيت تشارلتون ليس أحد رجالك. هو يعيش بحدّ سيفه، لذا سأناقش الأجر معه شخصيًا.” لم يكن صوت لامبارد مرتفعًا، لكنه حمل نبرة لا تقبل الجدل.
رمق الرجل العربة بنظرة، ثم خفَض عينيه فورًا. ولم ينطق بكلمة.
“في الحقيقة، لقد خمّنتُ بعض الأمور سلفًا.” رفع الآرشيدوق رأسه قليلًا، وارتجّت السيف في يده ارتجافًا خافتًا. “في البداية، دبّرتم وجود جاسوس داخل جيشي لاغتياله، وفعلتم ذلك بلا أدنى تردّد. أمّا اليوم، فأنتم تريدونه حيًّا.”
“وقتي ضيّق.” أضاف لامبارد ببرود. “لديك عشر ثوانٍ لتقرر.”
(العام الدموي…)
ارتعش حاجبا الرجل بلا إرادة، وتحركت تفاحته صعودًا وهبوطًا؛ لقد كان يتردد. وفي تلك اللحظة، حتى تاليس حبس أنفاسه.
“نعم، هو راضٍ وسعيد بالتعاون بيننا.” وصل صوت الرجل الغريب متأنّيًا في الهواء. بدا واثقًا هادئًا. “يبدو أنّ الأمور تسير بسلاسة…”
أطلق الرجل زفرة وقال ببطء: “أنت تعرف أنه أمير… والأمراء بطبيعتهم ثمينون.”
وفي النهاية، انهزم الرجل أمام نظرة لامبارد. تنهد وقال: “يا لك من جشع.”
ازدرى لامبارد بصوت خافت. “لا تقل لي إنك تريد أخذه إلى الكوكبة لتفادي فدية.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“وما المشكلة في هذا؟” ظهرت ابتسامة باهتة أخيرًا على شفتي الرجل، لكن غيمة قاتمة خيمت في عينيه. “ثروة العائلة الملكية لآل جيدستار معروفة للجميع.”
تلألأت عينا الغريب وهو يعود ببصره نحو لامبارد. “تاليس جيدستار؟ أهو هو؟”
“إذن لَخَطَفتُه أنا بنفسي للحصول على الفدية.” ردّ لامبارد بسرعة، وبصوت مهيب. “ولماذا أتعامل معك أصلًا؟”
“ألا تكفيك أمثلتهم لجذب انتباهك؟”
كان الرجل يضغط أسنانه ضغطًا خفيفًا.
(موارد. قوة بشرية. صعب التعامل معهم…)
“يا صاحب السمو، كنتُ أظنّ أننا جئنا اليوم لِـ—” نطق الرجل بامتعاض، غير أنّ لامبارد قطع كلامه من جديد دون أن يُبدي أي اعتبار لمشاعره.
انكمش حاجبا تاليس.
“في الحقيقة، لقد خمّنتُ بعض الأمور سلفًا.” رفع الآرشيدوق رأسه قليلًا، وارتجّت السيف في يده ارتجافًا خافتًا. “في البداية، دبّرتم وجود جاسوس داخل جيشي لاغتياله، وفعلتم ذلك بلا أدنى تردّد. أمّا اليوم، فأنتم تريدونه حيًّا.”
لكنّ مجيبَه لم يُبدِ صبرًا للدردشة.
عضّ تاليس على أسنانه.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
(هذا صحيح… إنّه يتحدّث عن محاولة اغتياله على يد وحدة البندقية الصوفية في حصن التنّين المحطم… ثم، إن وصلنا ذلك بكلمات بوفريت الأخيرة…)
ابتسم الرجل، رفع يده نحو صدره، وانحنى مُحيّيًا لامبارد، ثم حرّك شفتيه قليلًا. هزّ لامبارد رأسه بخفة وقال شيئًا ما.
“كان يُظَنّ أولًا أنّ موته يكفي. والآن، تريدون الأمير حيًا بين أيديكم.” قال لامبارد، وصوته ينساب كالحديدة الباردة، “مؤامرتكم مرتبطةٌ بتعيين الملك في الكوكبة، أليس كذلك؟”
خلافًا لتوقعات تاليس، كان جواب لامبارد هو الكلمتين الباردتين نفسيهما.
ضيّق الرجل عينيه. ولو نظر إليه أحد من بعيد لخيّل إليه أنّه أفعى تلمع عيناها وهي تُخرج لسانها. ولكن كلمات لامبارد التالية أطفأت لونه فجأة، كأن صاعقةً مرّت خلال دمه:
عضّ تاليس على أسنانه.
“ما فعلتموه في الكوكبة قبل اثني عشر عامًا… له صلةٌ بهذا، أليس كذلك؟”
انقطعت أفكار تاليس بالمشهد الذي بدا أمامه.
ولم يكن الرجل وحده من شحب وجهه… بل كان تاليس أيضًا في العربة.
ارتعش حاجبا الرجل بلا إرادة، وتحركت تفاحته صعودًا وهبوطًا؛ لقد كان يتردد. وفي تلك اللحظة، حتى تاليس حبس أنفاسه.
(العام الدموي…)
(هذا صحيح… إنّه يتحدّث عن محاولة اغتياله على يد وحدة البندقية الصوفية في حصن التنّين المحطم… ثم، إن وصلنا ذلك بكلمات بوفريت الأخيرة…)
لم يتخيّل قطّ أنّه، وفي مثل هذا الظرف، سيتمكن من لمس هذا السرّ الذي ظلّ يطارده طويلًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان لامبارد يملك زمام الحديث تمامًا. مال برأسه إلى الأمام، وعيناه تحملان ثلج الشتاء كلّه. “والسبب في تردّدكم بين قتله وإبقائه حيًا…”
حدّق الرجل بصمت في لامبارد، محاولًا أن يقرأ شيئًا من وجهه المتعب.
“…هو أنّ شخصًا بالغ الأهمية في منظمتكم ظهر وقلب توقّعات صغار خدّامكم رأسًا على عقب، أليس كذلك؟”
“ومما أعلمه، أنّ إكستيدت طالما شغلتها أحوال الغرب وخطوط المواجهة في الممر الذهبي. يمكننا أيضًا أن نغرق تحالف الحرية في اضطراب داخلي يعجز عن الفكاك منه لسنوات. بل يمكننا حتى جرّ الجبل الأبيض إلى المتاعب، إن كانت طموحاتك الجامحة—”
ازداد وجه الرجل قتامة.
(قيمتي… ما هي؟ وما علاقتها بهم؟)
نطق لامبارد ببرود: “إنّه هو، أليس كذلك؟”
“لا أعرف.” تقطب جبين تاليس. لم يكن أيّ منهما يتحدث بصوت مرتفع، فلم يستطع سماع شيء من داخل العربة.
رفع تاليس رأسه قليلًا، والأسئلة تتلاطم في صدره. (هو؟ من يكون؟)
ومع سماع تاليس هاتين الجملتين عنه، انبلجت حقيقة مهمة في ذهنه فجأة.
تجمّد الرجل لحظةً. تنفّس بعمق، ثم رفع عينيه.
تسلّل البرد إلى قلب الرجل تحت ضغط نظرات لامبارد الساحقة. وتراجع خطوة بلا وعي.
“لا نرغب في إشغالك بهذا.” تجلّى في ملامحه ترفّعٌ وإصرار على عدم الإجابة. “سنختصر الأمر: نحن بحاجة إلى هذا الفتى.”
وأخيرًا، نطق الرجل الغريب ببطء. في نبرته برود قاسٍ يثير القشعريرة. “يا صاحب السعادة، لم تحلّ بعد ورطتك الحالية—غزو مدينة سحب التنين وإكستيدت—وتفكر فعلًا بما هو أبعد.”
“طبعًا.” رفع لامبارد يده اليسرى قليلًا باتجاه العربة وقال بنبرة لينة تحمل في باطنها صلابة الحجر، “على أن تخبروني—وبالكامل—لماذا تريدونه على وجه التحديد.”
“لننظر إلى آيدي الثاني في الكوكبة.” قال الرجل ساخرًا. “وذاك الأمير الأكبر المهيب… تفضّل وانظر أين هما الآن.”
حدّق الرجل بصمت في لامبارد، محاولًا أن يقرأ شيئًا من وجهه المتعب.
انقبض قلب تاليس رعبًا. وفي تلك اللحظة، أدرك فجأة هوية الرجل الواقف أمامه.
“نعم، صحيح.” تكلّم الرجل ببطء شديد. “التحكّم بهذا الصبي يعني التحكّم بعرش الكوكبة، أليس كذلك؟ وعندها قد تنالون أنتم أيضًا عونًا عظيمًا—”
أطلق الرجل زفرة وقال ببطء: “أنت تعرف أنه أمير… والأمراء بطبيعتهم ثمينون.”
لم يسمح لامبارد له بإتمام الجملة.
ابتسم الرجل، رفع يده نحو صدره، وانحنى مُحيّيًا لامبارد، ثم حرّك شفتيه قليلًا. هزّ لامبارد رأسه بخفة وقال شيئًا ما.
“لقد ضَجِرتُ من ثرثرتك، أيها الساعي.” قالها الآرشيدوق بفتورٍ لا مبالٍ. “أين ذاك الشخص المهم لديكم؟ أين المسؤول الحقيقي؟”
“من هذا؟” وضعت الشقية رأسها قرب تاليس.
تغيرت ملامح الرجل مرة أخرى. راقبَه لامبارد بوجهٍ خاوٍ من كلّ تعبير.
تفاجئ الرجل قليلًا. وقطّب جبينه وهو يفكّر مليًا. وبعد برهة، ارتخى جبينه وقال بحذر، “إن كان هذا لا يرضيك…
“يا صاحب السمو، أنت حليفٌ نقدّره ونعتزّ به.” زفر الرجل بعمق، وكأنّه اتّخذ قرارًا مؤلمًا.
“نعم، هو راضٍ وسعيد بالتعاون بيننا.” وصل صوت الرجل الغريب متأنّيًا في الهواء. بدا واثقًا هادئًا. “يبدو أنّ الأمور تسير بسلاسة…”
“ومن أجل شراكاتٍ مستقبليّة أعمق وأكبر شأنًا، ألا يجدر بنا أن نظهر قليلًا من حسن النيّة؟ أن نترك لأنفسنا فسحةً مشتركة؟” قال الرجل بصوت خفيض.
ارتجف تاليس قليلًا وهو يتنصّت. (التواصل مع مغتال موثوق؟)
راقب لامبارد تلك الملامح، ثم أخذ نفسًا باردًا.
توقّف الرجل عن الكلام، إذ رأى لامبارد يهزّ رأسه ببطء.
“قاعدة التعاون هي العدل.” قال الآرشيدوق دون أن يتغيّر شيء في محيّاه. “لم تفعلوا شيئًا بعدُ، ومع ذلك تريدون أخذ ورقة الضغط الأهم من يدي؟”
“بالطبع هذا رائع!” صفق الرجل مرة، ثم انفجر ضاحكًا. “نحن ممتنون للغاية لعونك، يا صاحب السعادة. وستنال صداقتنا الأبدية—”
اتّسعت عينا الرجل قليلًا، ومرّ في بصره بريقٌ قاتم.
“هناك سرّ عنه لا أعرفه.” قال لامبارد بصوت عميق، وقد ثبت عينيه على وجه الرجل الذي كانت ملامحه تتبدل بلا توقف. “طلبي بسيط: أريد ذلك السرّ؛ السبب الذي جعلكم تخطّطون وتكدّون للوصول إليه.”
“لم نفعل شيئًا؟”
ضيّق الرجل عينيه. ولو نظر إليه أحد من بعيد لخيّل إليه أنّه أفعى تلمع عيناها وهي تُخرج لسانها. ولكن كلمات لامبارد التالية أطفأت لونه فجأة، كأن صاعقةً مرّت خلال دمه:
ابتسم الرجل بابتسامة ساخرة باهتة. “صدّقني يا صاحب السمو، إن وصلنا إلى النقطة التي نضطرّ فيها لفعل شيءٍ حقًّا… فلن ترغب في رؤية ذلك اليوم.”
“لا نرغب في إشغالك بهذا.” تجلّى في ملامحه ترفّعٌ وإصرار على عدم الإجابة. “سنختصر الأمر: نحن بحاجة إلى هذا الفتى.”
لمعت شرارة غريبة في عيني لامبارد.
انقطعت أفكار تاليس بالمشهد الذي بدا أمامه.
“أأنت… ماذا تقصد؟” نطق الآرشيدوق كلماته ببطء، بصوت هادئ كأنه يخشى إيقاظ نائمين في فجرٍ بارد.
“من هذا؟” وضعت الشقية رأسها قرب تاليس.
شعر تاليس بغريزةٍ أنّ أمرًا خاطئًا يحدث. لكن الرجل كان كأنه لا يسمع طبقة الصوت في كلام لامبارد. رأى تاليس زاوية فمه ترتفع قليلًا.
ارتفع حاجب تاليس قليلًا. (لا أعرف هذا الرجل، لا يكاد يختلف عن شماليّ عاديّ.)
“أعني أنّه، مهما بلغ الإنسان من ثقة، فمن الأفضل له أن يفكّر مرتين قبل التمرد ضدّنا.”
رأى تاليس أمام عينيه—وبكلّ وضوح—لامبارد يرفع ذراعه اليمنى فجأة… ويمسك بعُنق الرجل.
رفع الرجل يده وعدّل ثوبه، وفي كلماته برودة فولاذ.
“يا صاحب السمو، أنت حليفٌ نقدّره ونعتزّ به.” زفر الرجل بعمق، وكأنّه اتّخذ قرارًا مؤلمًا.
“لننظر إلى آيدي الثاني في الكوكبة.” قال الرجل ساخرًا. “وذاك الأمير الأكبر المهيب… تفضّل وانظر أين هما الآن.”
نزل لامبارد من العربة وحده، ثم أُغلِق باب العربة بإحكام مرة أخرى.
انكمش حاجبا تاليس.
كان واضحًا أنّه لا ينوي السماح لتاليس بالنزول معه.
أمّا لامبارد، فظلّ ثابتًا لا يتحرّك. لم يتبدّل شيء في وجهه، إلا تلك الومضات الغامضة التي رقصت في عينيه.
(موارد. قوة بشرية. صعب التعامل معهم…)
خفض الرجل يديه، ورفع رأسه، ونظر مباشرةً إلى الآرشيدوق. حمل صوته نبرةً غريبة، مزيجًا من التهديد واليقين.
رفع تاليس رأسه ونظر عبر النافذة. هناك، استدار الرجل ذو المعطف السميك ونظر نحو العربة.
“ألا تكفيك أمثلتهم لجذب انتباهك؟”
“وما المشكلة في هذا؟” ظهرت ابتسامة باهتة أخيرًا على شفتي الرجل، لكن غيمة قاتمة خيمت في عينيه. “ثروة العائلة الملكية لآل جيدستار معروفة للجميع.”
لم يردّ لامبارد بكلمة.
“في الحقيقة، لقد خمّنتُ بعض الأمور سلفًا.” رفع الآرشيدوق رأسه قليلًا، وارتجّت السيف في يده ارتجافًا خافتًا. “في البداية، دبّرتم وجود جاسوس داخل جيشي لاغتياله، وفعلتم ذلك بلا أدنى تردّد. أمّا اليوم، فأنتم تريدونه حيًّا.”
بل ردّ بالفعل.
(هذا لأجل البقاء. ساعدني.)
رأى تاليس أمام عينيه—وبكلّ وضوح—لامبارد يرفع ذراعه اليمنى فجأة… ويمسك بعُنق الرجل.
داخل العربة، سمع تاليس لامبارد يقول كلمة كلمة: “إنّ قيمة هذا الصبي أعظم من كل ذلك مجتمعًا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان واضحًا أنّه لا ينوي السماح لتاليس بالنزول معه.
بل ردّ بالفعل.
