Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 15

34.15

34.15

بصوتٍ خالٍ من الهمّ، حكّ الرجل الوحش رأسه مبتسمًا ابتسامةً عريضة، وهو يقضم غليونه الذهبي الطويل.

لقد اتجه وجهه الذئبي نحو الباب الموصل بالعربة المجاورة، وبعد لحظةٍ واحدة، طُرِق الباب من الجهة الأخرى.

كان ذا فراءٍ أسود معتدل الطول، وملامحَ تنضح بالودّ واللطف. لم يكن في نبرته الهادئة أي أثرٍ للخبث، ولا في وقفته المسترخية ما يدلّ على حذرٍ أو ريبةٍ وهو واقفٌ أمامهم.

وحين رأى الزائر ذلك الاهتمام من هاليبيل، ابتسم شاكرًا له، ثم――

بل والأدهى من ذلك، أنّ أحدًا من أولئك المجتمعين في المقصورة المزدوجة لعربات التنّين—حيث كان يجري اجتماعٌ بين شخصياتٍ رفيعة من المملكة والإمبراطورية—لم يلحظ وجوده أصلًا.

نعم، بصوتٍ تسلّل إليه خوفٌ خفيّ، تمتم غوز بهذا الاسم، وكان هو أكثر من أبدى حذرًا تجاه ذلك الوجود وهو يحمي سيّده وحليفه الجديد من خلفه.

غوز: [هاليبِل، قلتَ…؟]

فنسنت: [――«المُعجَب»، إذن؟ ما الذي جاء ب‏يعني غيرها الى “حجر اساس كاراراغي” إلى هنا؟]

نعم، بصوتٍ تسلّل إليه خوفٌ خفيّ، تمتم غوز بهذا الاسم، وكان هو أكثر من أبدى حذرًا تجاه ذلك الوجود وهو يحمي سيّده وحليفه الجديد من خلفه.

أوتو: [في المقام الأول، هو شخص يستطيع قتلنا دون الحاجة إلى اللجوء لأساليب ملتوية. ألن يكون من غير اللائق أن يلهو بنا إلى هذه الدرجة ثم يأخذ حياتنا؟]

فهو نفسه أحد «التسعة المقدّسين»، رجلٌ عسكريّ يحمل لقب «جنرال من الدرجة الأولى»، وهو من أعلى الرتب في هذه الإمبراطورية التي يعجّ تاريخها بالمحاربين. ومع ذلك، فإنّ هذا الغوز نفسه لم يلحظ ظهور الرجل الوحش الذي يقف أمامه الآن.

فينسنت: [――زوّار من كاراراغي.]

لكنّ هذا وحده لم يكن ما جعل صوته متصلّبًا.

وإذا كانت إرادته قد انطفأت تمامًا، فلن يستغرق جسده طويلًا قبل أن تتلاشى قوّته بدوره. والآن، وقد فرغ الاثنان معًا، فسيهلك هنا على الأرض التي سقط فوقها، متعفّنًا حتى الفناء.

فنسنت: [――«المُعجَب»، إذن؟ ما الذي جاء ب‏يعني غيرها الى “حجر اساس كاراراغي” إلى هنا؟]

أمال هاليبِل رأسه بخفّةٍ متجنّبًا ضربة المِطرقة، ثمّ بدأ يتكلّم. تصلّب وجه غوز عند سماع كلماته، وارتعش ذراعه المفعم بالقوّة.

ومن خلف ظهر غوز، موجّهًا بصره عبر جسده الضخم نحو الرجل الوحش――نحو هاليبِل، سأله آبل بهذا الشكل.

روزوال: [ومع ذلك، لم أتوقّع أن تتدخّل كاراراغي ههنا~. حتى وإن لم تكن في خصومةٍ كالمملكة والإمبراطورية، لم يُسمع يومًا أنّ كاراراغي على وفاقٍ مع الإمبراطورية. خصوصًا حين نضع في الاعتبار منصبك الرسميّ المعلن.]

ربّما كان اللقب الذي تلفّظ به قبل السؤال هو الاسم المعروف لهذا الرجل الكلبيّ. ولسببٍ ما، شعر سوبارو أنّه سمعه من قبل، فانشغل يحاول تذكّره بين فوضى ذكرياته.

احتجّ سوبارو بخوف وهو يحاول استيضاح أسلوب الترحيب الشبيه بالنينجا، فيما أجاب هاليبيل على سؤال بياتريس اللاحق ببرود.

وفي تلك الأثناء، وبينما كان سوبارو يقطّب حاجبيه، وجّه هاليبِل، وهو لا يزال مبتسمًا، نظره الضيّق نحوه.

وربّما بدا أنّ الأمور على وشك الانفجار.

هاليبِل: [إن كنتَ مضطرًّا للتفكير بهذا القدر، فاسمي ليس مهمًّا إلى هذا الحدّ. إنّهم فقط ينادونني هكذا لأنني أُكثر من المديح، وأمّا «حجر الاساس» فذلك لأنّهم يبالغون في تقديري لا أكثر.]

هاليبِل: [أوه، أتَعرفون عني؟ يا للحرج، كأنّي أحد المشاهير.]

سوبارو: [يبالغون في تقديرك…؟]

وهكذا، بدلًا من أن تكون لحظة لقاءٍ سعيد، انطلقت الصرخة الأولى في لقائهما مجددًا.

هاليبِل: [نعم نعم. فالأمر ببساطة أنّه في كاراراغي، لا أحد أقوى منّي.]

لم يتبقّ في أيّ جزء من جسده ذرّة من القوّة.

قال هاليبِل ذلك بنبرةٍ هادئة، كما لو كان يتحدّث عن الطقس.

هل تعرفان شيئًا؟ كان على وشك إتمام سؤاله حين――

تجمّد سوبارو مبهورًا من كلماته؛ وما إن استوعب عقله كلمة «كاراراغي»، حتى تذكّر فجأةً ما كان يبحث عنه قبل لحظة.

ومن خلف ظهر غوز، موجّهًا بصره عبر جسده الضخم نحو الرجل الوحش――نحو هاليبِل، سأله آبل بهذا الشكل.

«المُعجَب» من كاراراغي――ومغزى هذا اللقب كان…

يوليوس: [――كنتُ أودّ أن أقول إنني سعيد بسلامتك، لكن لِمَ دائمًا هناك أمر غريب يحدث لك؟]

غوز: [أقوى شينُوبي في كاراراغي! لأيّ سببٍ صعدتَ إلى عربة التنين هذه!؟!]

روان: [صاح، لا بدّ أن لك اسمًا، أليس كذلك؟ لن يزداد الأمر سوءًا لو أخبرتني.]

وفي اللحظة التالية، داس غوز على أرض العربة بقوّةٍ أحدثت صوت انفجارٍ، ودفع بمطرقته الضخمة نحو هاليبِل الذي ظلّ واقفًا بلا حراك.

يوليوس: [――كنتُ أودّ أن أقول إنني سعيد بسلامتك، لكن لِمَ دائمًا هناك أمر غريب يحدث لك؟]

كانت مطرقة غوز ذات شكلٍ غريب، تشبه رمحًا طويلاً تتدلّى من طرفه كرةٌ معدنيةٌ مليئةٌ بالمسامير لتُضرب بها الأعداء. تشبه سلاح الصباح الذي كانت ريم تفضّله، لكنّ حجمها ووزنها كانا ملائمين لجسامة غوز وقوّته.

فهو نفسه أحد «التسعة المقدّسين»، رجلٌ عسكريّ يحمل لقب «جنرال من الدرجة الأولى»، وهو من أعلى الرتب في هذه الإمبراطورية التي يعجّ تاريخها بالمحاربين. ومع ذلك، فإنّ هذا الغوز نفسه لم يلحظ ظهور الرجل الوحش الذي يقف أمامه الآن.

وهكذا، مع الظهور المفاجئ لأقوى محاربٍ من كاراراغي، اتّخذ الجنديّ الإمبراطوريّ وضعية الهجوم.

زيكر: [على الأقل، الزائرة الجميلة قالت ذلك بنفسها.]

وربّما بدا أنّ الأمور على وشك الانفجار.

«المُعجَب» من كاراراغي――ومغزى هذا اللقب كان…

غير أنّ――

بهذا الإعلان، الذي كان صوته مألوفًا، أمره آبيل بصمتٍ أن «ادخل».

هاليبِل: [أنا من سبّب كلّ هذه الفوضى، لذا ربّما ليس من شأني أن أقول هذا، لكن ما رأيكم أن نهدأ قليلًا ونتحدّث بهدوء بدل أن نُشعل الموقف أكثر؟]

هاليبِل: [لا داعي لكلّ هذا التوتّر. لقد قلتُ ما جئتُ من أجله منذ البداية، أليس كذلك؟ كنتُ فقط أتساءل إن كان من اللائق أن أطلّ لإلقاء تحيّةٍ سريعة.]

غوز: [غغ…!]

غوز: [غغ…!]

أمال هاليبِل رأسه بخفّةٍ متجنّبًا ضربة المِطرقة، ثمّ بدأ يتكلّم. تصلّب وجه غوز عند سماع كلماته، وارتعش ذراعه المفعم بالقوّة.

؟؟؟: [أيعقل… أنني ما زلتُ حيًّا…؟]

رفع هاليبِل غليونه الذهبي ليقابل به حافة مِطرقة غوز الذهبيّة كذلك، ومع هذه الحركة فقط، توقّف سلاح غوز تمامًا عن الحركة، غير قادرٍ على التحرّك ولو بسنتمترٍ واحد.

بصوتٍ خالٍ من الهمّ، حكّ الرجل الوحش رأسه مبتسمًا ابتسامةً عريضة، وهو يقضم غليونه الذهبي الطويل.

غوز: [――――]

كلّ شيء، كلّ شيءٍ على الإطلاق، قد مضى هباءً.

ربّما كان هاليبِل قد تحكّم بدقّةٍ مذهلةٍ في توازن قوّته داخل الغليون، مانعًا المِطرقة من التحرّك في أيّ اتجاه.

هاليبِل: [إن كنتَ مضطرًّا للتفكير بهذا القدر، فاسمي ليس مهمًّا إلى هذا الحدّ. إنّهم فقط ينادونني هكذا لأنني أُكثر من المديح، وأمّا «حجر الاساس» فذلك لأنّهم يبالغون في تقديري لا أكثر.]

ومهما حاول غوز تحريك سلاحه، كانت مقاومة الغليون من الجهة المقابلة تمنعه من ذلك، لا بقوّةٍ غاشمة، بل بمهارةٍ بلغت ذروتها في التحكّم بتدفّق القوّة بدقّةٍ متناهية.

فنسنت: [لا بدّ أنك على علمٍ بموقف الإمبراطورية تجاه قوم الذئاب. عبورك الحدود ودخولك هنا تصرّفٌ ينمّ عن تهوّرٍ كبير.]

غوز: [أنت… ههك!]

ثمّ حرّك ذراعيه بخفّةٍ وأمسك بذيله مقعدًا مجاورًا له، فجلس عليه وجثا بركبته معانقًا ساقه الأخرى.

احمرّ وجه غوز، ودوّى صوت احتكاك أسنانه في المقصورة، لكن رغم ذلك، كانت أفعال هاليبِل هادئةً وسلسةً إلى حدٍّ يبعث على الرهبة.

هاليبِل: [بالطبع أعلم ذلك، وإن لم يكن لديّ شعورٌ طيّب نحوه. لكن عليكم أن تعلموا أنّ السبب في أنّني لا أُخفي كوني من قوم الذئاب هو ببساطة أنّ أحدًا لا يستطيع قتلي. ومن الواضح أنّ سيسيلوس ليس هنا.]

في تلك اللحظة، كان الكائن المسمّى «هاليبِل» يُنهي تقييمه لهذا المكان.

وضعت إميليا يدها على صدرها وهي تشكر بلطف، فأومأ هاليبِل وسحب غليونه إلى الخلف. وفي تلك اللحظة تحرّر سلاح غوز من تقييده، لكنه لم يُقدِم على أيّ فعلٍ متهوّرٍ كهجومٍ مضاد.

فنسنت: [كفَّ عن هذا يا غوز. فلو كان يضمر نية الأذى، لقطع رؤوسنا جميعًا قبل أن يُفصح عن وجوده.]

بإذنٍ من الإمبراطور، أجاب صاحب الصوت برفق، وقبل أن ينتبه أحد، كان هاليبيل الواقف بجوار الباب قد فتحه بيده، كاشفًا عن الزائر.

إميليا: [بما أنّك لم تفعل، فهذا يعني أنّك لستَ عدوّنا… أليس كذلك؟]

وفور أن أنهى كلماته، أمسكه من ياقة ثوبه، وبدأ يجرّه بقوّةٍ عبر الأرض القاحلة. كان الرجل، باسطًا ساقيه الاثنتين، يسحب جسده بلا مقاومة.

بينما كان غوز وهاليبِل في مواجهةٍ صامتة، تدخّل كلٌّ من آبل وإميليا بالكلام.

هاليبِل: [همم؟ أوه، بالطبع أعرفه. لقد جاء ذات مرة ليحاول قتلي. لكن لسببٍ ما، بعد أن تبادلنا القتال لبعض الوقت، قال شيئًا مثل «يبدو أنّ الوقت لم يحن بعد»، ثمّ عاد إلى بيته.]

وكما قالا، لو شاء هاليبِل بالفعل، لما كان غريبًا أن يُبادَ كلّ من في المقصورة قبل أن يشعر أحدٌ بوجوده أصلًا.

ورغم أن سيسيلوس لم يكن حاضرًا هنا، فقد كان الحديث عنه بنبرة ازدراء، لكن من المرجّح أنه حتى لو حضر، لظلّ الكلام عنه على هذا النحو.

وعندما أُشير إلى ذلك، اتّسعت ابتسامة هاليبِل الهادئة وقال:

بأسلوبه الودود الزائد وسجيّته المألوفة، رأى الرجل الذي عرّف نفسه باسم “روان”، فتنفّس بعمقٍ طويل.

هاليبِل: [أجل أجل، أنا سعيد لأنّكم تفهمونني. الإمبراطور جانبًا، لكن يا فتاة نصف شيطان، صراحتك هذه تدلّ على أنّك فتاة طيبة. رغم أنّ الناس يكرهونك كما يكرهونني، فقد تربّيتِ على الصدق… لا بدّ أنّ من ربّاكِ كانوا أناسًا رائعين.]

وعندما أُشير إلى ذلك، اتّسعت ابتسامة هاليبِل الهادئة وقال:

إميليا: [شكرًا لك. وأنا أيضًا أظنّ أنّني محظوظة لأنّ باك وأمّي وجيوس هم من ربّوني.]

لم يكن في جسده ما يكفي من الطاقة ليحرّك عضلة واحدة، غير أنّ صاحب الصوت مدّ يده وقلبه على ظهره. وفي لحظة، غمر عينيه ضوء السماء الزرقاء الصافية، فأنَّ بصوتٍ خافت: “أوووه”.

وضعت إميليا يدها على صدرها وهي تشكر بلطف، فأومأ هاليبِل وسحب غليونه إلى الخلف. وفي تلك اللحظة تحرّر سلاح غوز من تقييده، لكنه لم يُقدِم على أيّ فعلٍ متهوّرٍ كهجومٍ مضاد.

وبجانبها كان تابعها، شابٌّ يرتدي لباسًا يابانيّ الطراز.

ورغم إحباطه، ظلّ غوز متيقّظًا تجاه هاليبِل، وقال:

وبنبرةٍ غير رسمية وابتسامةٍ ودودة، مع ملاحظةٍ قاسية، وبشعرٍ بنفسجيٍّ فاتحٍ مربوطٍ إلى الخلف، ووشاحٍ من الفراء على كتفيها، وكمِّي كيمونو ينسابان من ذراعيها―― كانت تلك المرأة أناستازيا هوشين.

غوز: [إن خالفتَ كلماتك تلك، فسأهزمك ولو على حساب حياتي. تذكّر هذا.]

فنسنت: [لن أكرّر السؤال ثالثة. لأيّ غرضٍ جئتَ، أيّها المُعجَب؟]

هاليبِل: [لن أفعل ذلك، أبدًا. انظر، أنا جالس بهدوء كما ترى.]

؟؟؟: [أيعقل… أنني ما زلتُ حيًّا…؟]

ثمّ حرّك ذراعيه بخفّةٍ وأمسك بذيله مقعدًا مجاورًا له، فجلس عليه وجثا بركبته معانقًا ساقه الأخرى.

فالتجّار دائمًا يرهفون السمع بحثًا عن فرصٍ لجني الأرباح.

كان طوله مقاربًا لطول غوز، ولكن حين طوى جسده النحيل بهذا الشكل، ازداد شبهه بكلبٍ ضخمٍ من فصيلةٍ كبيرة. ولم تبدُ كلماته عن «الجلوس بهدوء» ساخرةً على الإطلاق.

فهو نفسه أحد «التسعة المقدّسين»، رجلٌ عسكريّ يحمل لقب «جنرال من الدرجة الأولى»، وهو من أعلى الرتب في هذه الإمبراطورية التي يعجّ تاريخها بالمحاربين. ومع ذلك، فإنّ هذا الغوز نفسه لم يلحظ ظهور الرجل الوحش الذي يقف أمامه الآن.

روزوال: [ومع ذلك، لم أتوقّع أن تتدخّل كاراراغي ههنا~. حتى وإن لم تكن في خصومةٍ كالمملكة والإمبراطورية، لم يُسمع يومًا أنّ كاراراغي على وفاقٍ مع الإمبراطورية. خصوصًا حين نضع في الاعتبار منصبك الرسميّ المعلن.]

؟؟؟: [――――]

هاليبِل: [أوه، أتَعرفون عني؟ يا للحرج، كأنّي أحد المشاهير.]

هاليبيل: [صحيح؟]

سوبارو: [روزوال، عندما تقول «منصبه الرسميّ المعلن» تقصد ماذا بالضبط…؟]

قال هاليبِل ذلك بنبرةٍ هادئة، كما لو كان يتحدّث عن الطقس.

رام: [بما أنّ باروسو جاهل كما يبدو، فسأوضّح له. «المُعجَب» هاليبِل هو من قوم الذئاب.]

وفور أن أنهى كلماته، أمسكه من ياقة ثوبه، وبدأ يجرّه بقوّةٍ عبر الأرض القاحلة. كان الرجل، باسطًا ساقيه الاثنتين، يسحب جسده بلا مقاومة.

قوم الذئاب――وعند سماع تلك الكلمات من رام، اهتزّ قلب سوبارو وجسده في لحظةٍ واحدة.

هاليبيل: [حسنًا، أنا لست جيّدا مع الأماكن المرتفعة.]

لكنّ ذلك لم يكن بسبب هاليبِل نفسه، بل لأسبابٍ أخرى. فالمعلومة بحدّ ذاتها لم تُضِف إلى فهمه شيئًا مباشرًا، غير أنّ المحادثة تابعت مجراها بطبيعتها.

خرجت من بين شفتيه كلماتٌ متكسّرة بنبرة جافة.

فنسنت: [لا بدّ أنك على علمٍ بموقف الإمبراطورية تجاه قوم الذئاب. عبورك الحدود ودخولك هنا تصرّفٌ ينمّ عن تهوّرٍ كبير.]

سوبارو: [روزوال، عندما تقول «منصبه الرسميّ المعلن» تقصد ماذا بالضبط…؟]

هاليبِل: [بالطبع أعلم ذلك، وإن لم يكن لديّ شعورٌ طيّب نحوه. لكن عليكم أن تعلموا أنّ السبب في أنّني لا أُخفي كوني من قوم الذئاب هو ببساطة أنّ أحدًا لا يستطيع قتلي. ومن الواضح أنّ سيسيلوس ليس هنا.]

؟؟؟: [أيعقل… أنني ما زلتُ حيًّا…؟]

سوبارو: [――! مهلاً، هل تعرف سيسي؟]

وهكذا، مع الظهور المفاجئ لأقوى محاربٍ من كاراراغي، اتّخذ الجنديّ الإمبراطوريّ وضعية الهجوم.

هاليبِل: [همم؟ أوه، بالطبع أعرفه. لقد جاء ذات مرة ليحاول قتلي. لكن لسببٍ ما، بعد أن تبادلنا القتال لبعض الوقت، قال شيئًا مثل «يبدو أنّ الوقت لم يحن بعد»، ثمّ عاد إلى بيته.]

سواء كانت كلماته اللطيفة إجابة مباشرة أم لا، فقد أقرّ ضِمنيًّا بأن ما قاله زيكر مرتبط به.

رغم أنّ الحديث انحرف عن موضوع الذئاب، فقد أجاب هاليبِل على سؤال سوبارو دون تردّد.

ثم قال――

كانت إجابةً غير متوقّعة، ومصدرَ صلةٍ غير متوقّع. أن يكون سيسيلوس قد قاتل هاليبِل ذات يومٍ قتالًا مميتًا لم يكن أمرًا مستبعدًا، خاصةً وأنّ سيسيلوس على الأرجح هو من بدأ المعركة.

سيرينا: [لقد تكبّدوا عناء الصعود على متن سفينة التنين خاصّتي. فهل يجب أن نتوقع قدوم أشخاص ذوي نفوذٍ كبير يحملون كلماتٍ ذات أهمية بالغة؟]

ثمّ――

بل والأدهى من ذلك، أنّ أحدًا من أولئك المجتمعين في المقصورة المزدوجة لعربات التنّين—حيث كان يجري اجتماعٌ بين شخصياتٍ رفيعة من المملكة والإمبراطورية—لم يلحظ وجوده أصلًا.

بيرستيتز: [في الإمبراطورية الفولاكية، التي تُعرَف بموقفها الحازم تجاه قوم الذئاب، يظهر أشهر وأقوى شخصٍ من كاراراغي. والأسوأ أنّه فعل ذلك في المقصورة نفسها التي يجلس فيها صاحب السموّ فنسنت.]

ابتلع سوبارو ريقه، إذ تخيّل أمرًا مروّعًا بعد أن أدرك موقف هاليبيل.

سيرينا: [وإن أضفتُ إلى ذلك أنّه اطّلع على تفاصيل اجتماعٍ مهمٍّ بين بلادنا والمملكة، أوَليس هذا سببًا كافيًا لقطع رأسه، ولو أشعل ذلك صاعقةً زرقاء؟]

وبجانبها كان تابعها، شابٌّ يرتدي لباسًا يابانيّ الطراز.

روزوال: [سيرينا، أما كان من الأفضل ألا تثيري الخطر على كلّ من في هذا المكان بذوقك الرديء؟]

روزوال: [ومع ذلك، لم أتوقّع أن تتدخّل كاراراغي ههنا~. حتى وإن لم تكن في خصومةٍ كالمملكة والإمبراطورية، لم يُسمع يومًا أنّ كاراراغي على وفاقٍ مع الإمبراطورية. خصوصًا حين نضع في الاعتبار منصبك الرسميّ المعلن.]

استغلّت سيرينا تلخيص بيرستيتز للموقف لتدلي بتعليقها المليء بالسخرية والخطر، وكان من شدّة تطرف كلماتها أن روزوال لم يتمالك نفسه فأنّبها تحذيرًا.

قوم الذئاب――وعند سماع تلك الكلمات من رام، اهتزّ قلب سوبارو وجسده في لحظةٍ واحدة.

وهكذا، وبعد أن خفّت الصدمة والاضطراب اللذان رافقا الظهور المفاجئ لهاليبِل، عادوا إلى أصل المسألة.

يوليوس: [――كنتُ أودّ أن أقول إنني سعيد بسلامتك، لكن لِمَ دائمًا هناك أمر غريب يحدث لك؟]

فنسنت: [لن أكرّر السؤال ثالثة. لأيّ غرضٍ جئتَ، أيّها المُعجَب؟]

كلّ شيء بدا غريبًا إلى حدّ العبث. لم يكن المكان مكانه، ولا الهدف مما يمكن بلوغه. لقد مدّ يده نحو ما لا يمكن إدراكه، وكان ذلك أكبر أخطاء حياته… ومع ذلك، كرّر الخطأ ذاته مرّة أخرى.

سواءٌ كان هاليبِل متأثّرًا بما يراه من قوّة الحاضرين أم لا، فإنّ كلمة «تملّق» لم تكن موجودة في قاموس آبل. وإذ كان سوبارو يراقب صاحب ذلك القاموس الذي محا منه كلّ ألفاظ التواضع واللين، ابتلع ريقه متسائلًا كيف سيجيب هاليبِل.

في الواقع، كان من المعتاد عند سوبارو أن يتوهّم بأن الأقوياء يتحلّون بسلوك لائق، لذا كان تصرّف كلٍّ من راينهارد وهاليبيل مثاليًّا في نظره.

لكنّ الأخير، على عكس التوتّر الذي خيّم على المكان، بقي جالسًا وهو يسند ذقنه إلى يديه على الطاولة وقال بهدوء:

لم يكن من الممكن أن يحبّ شخصًا مثله، ولهذا لم يكن أمامه إلا أن يكره نفسه أكثر فأكثر، حتى بلغ حدّ الاشمئزاز من وجوده ذاته.

هاليبِل: [لا داعي لكلّ هذا التوتّر. لقد قلتُ ما جئتُ من أجله منذ البداية، أليس كذلك؟ كنتُ فقط أتساءل إن كان من اللائق أن أطلّ لإلقاء تحيّةٍ سريعة.]

روزوال: [سيرينا، أما كان من الأفضل ألا تثيري الخطر على كلّ من في هذا المكان بذوقك الرديء؟]

سوبارو: [بقولك «مرحبًا»، هل تقصد في الحقيقة شيئًا مثل اقتلاع قلوبنا جميعًا بدلًا من الترحيب بنا…؟]

وبينما كان يجرّه، استغلّ عجزه عن المقاومة ذريعةً، وأخذ يدندن ويغنّي:

هاليبيل: [أوي! يا لك من صاحب أفكار مرعبة يا فتى، أليس كذلك؟ ما كنتُ لأفعل شيئًا كهذا.]

قوم الذئاب――وعند سماع تلك الكلمات من رام، اهتزّ قلب سوبارو وجسده في لحظةٍ واحدة.

بياتريس: [في هذه الحالة، أنت تقول إن هدفك كان بالفعل أن تلقي التحية وتُظهر نفسك فحسب، أليس كذلك؟]

ابتلع سوبارو ريقه، إذ تخيّل أمرًا مروّعًا بعد أن أدرك موقف هاليبيل.

هاليبيل: [صحيح؟]

سوبارو: [يبالغون في تقديرك…؟]

احتجّ سوبارو بخوف وهو يحاول استيضاح أسلوب الترحيب الشبيه بالنينجا، فيما أجاب هاليبيل على سؤال بياتريس اللاحق ببرود.

رغم أنّ الحديث انحرف عن موضوع الذئاب، فقد أجاب هاليبِل على سؤال سوبارو دون تردّد.

وببلوغهما هذه المرحلة، بدا حقًا أن هاليبيل لا ينوي اللجوء إلى العنف.

؟؟؟: [――بالرغم من أن الناس قد تكبّدوا مشقّة القدوم إلى الإمبراطورية على عجل، أليس من القسوة أن تتفوّه بكلامٍ كهذا، ناتسُكي-كون؟]

أوتو: [في المقام الأول، هو شخص يستطيع قتلنا دون الحاجة إلى اللجوء لأساليب ملتوية. ألن يكون من غير اللائق أن يلهو بنا إلى هذه الدرجة ثم يأخذ حياتنا؟]

ثمّ حرّك ذراعيه بخفّةٍ وأمسك بذيله مقعدًا مجاورًا له، فجلس عليه وجثا بركبته معانقًا ساقه الأخرى.

سوبارو: [كنتُ خائفًا أيضًا، لكن لا ينبغي أن تُخرج من الناس رأيًا كهذا… لكن، إن كان الأمر كذلك…]

وهكذا، دون أن يدرك أيٌّ منهما من هو الآخر، أفصح هاينكل أسترِيا عن اسمه.

إميليا: [إن كان الأمر كذلك؟ هل خطر لك شيء، سوبارو؟]

سوبارو: [بقولك «مرحبًا»، هل تقصد في الحقيقة شيئًا مثل اقتلاع قلوبنا جميعًا بدلًا من الترحيب بنا…؟]

ابتلع سوبارو ريقه، إذ تخيّل أمرًا مروّعًا بعد أن أدرك موقف هاليبيل.

لم يتبقّ في أيّ جزء من جسده ذرّة من القوّة.

وحين سألته إميليا عن ذلك، وافترض أن صورة هاليبيل في ذهنه كانت كما أجاب بنفسه――

في الواقع، كان من المعتاد عند سوبارو أن يتوهّم بأن الأقوياء يتحلّون بسلوك لائق، لذا كان تصرّف كلٍّ من راينهارد وهاليبيل مثاليًّا في نظره.

سوبارو: [إن كان كلٌّ من راينهارد وهذا الشخص مستقيمَين فعلًا، فحينها ذلك الموقف مع سيسي كان…]

الغريب: [أنا روان، الرونين البخيل. وأنت يا صاح، ما اسمك؟]

فينسنت: [كُفّ عن هذا، ناتسُكي سوبارو. قد طُلِب منك التعاون، لكن لا أذكر أنني سمحتُ لك بالتحقيق في فضائح بلادنا.]

سوبارو: [كنتُ خائفًا أيضًا، لكن لا ينبغي أن تُخرج من الناس رأيًا كهذا… لكن، إن كان الأمر كذلك…]

بيرستيتز: [فضائح… شخصيًّا، لا أستطيع إحصاء القضايا المرتبطة بالجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس.]

وإذ عجز عن العثور على الجواب في نفسه، توجّه بالسؤال إلى ذاك الغريب الذي لا يفهمه.

فيما يخصّ مسألة إنسانية سيسيلوس، لم يكن سوبارو وآبيل وحدهما، بل حتى بيرستيتز، متفقين على الرأي نفسه.

رفع هاليبِل غليونه الذهبي ليقابل به حافة مِطرقة غوز الذهبيّة كذلك، ومع هذه الحركة فقط، توقّف سلاح غوز تمامًا عن الحركة، غير قادرٍ على التحرّك ولو بسنتمترٍ واحد.

ورغم أن سيسيلوس لم يكن حاضرًا هنا، فقد كان الحديث عنه بنبرة ازدراء، لكن من المرجّح أنه حتى لو حضر، لظلّ الكلام عنه على هذا النحو.

ومن خلف ظهر غوز، موجّهًا بصره عبر جسده الضخم نحو الرجل الوحش――نحو هاليبِل، سأله آبل بهذا الشكل.

في الواقع، كان من المعتاد عند سوبارو أن يتوهّم بأن الأقوياء يتحلّون بسلوك لائق، لذا كان تصرّف كلٍّ من راينهارد وهاليبيل مثاليًّا في نظره.

سوبارو: [روزوال، عندما تقول «منصبه الرسميّ المعلن» تقصد ماذا بالضبط…؟]

ومن ناحية أخرى، كان يؤمن أيضًا بأنه لولا وجود سيسيلوس في جزيرة المصارعين لما سارت الأمور على ما يرام، فهي حكاية تثبت أن لكل شيءٍ جانبًا حسنًا وآخر سيئًا.

قوم الذئاب――وعند سماع تلك الكلمات من رام، اهتزّ قلب سوبارو وجسده في لحظةٍ واحدة.

إميليا: [إذن؟ في النهاية، ما هدف تحيّتك؟ هذه عربة تنين متجهة شمالًا، لكن حدود كاراراغي لا تزال بعيدة… لا يبدو ذلك سببًا كافيًا لاستدعاء حذرك، أليس كذلك؟]

يبدو أن الزائر كان ينتظر على وصلة العربتين، لكن لا بد أن أذنه حادّة جدًا حتى استطاع المشاركة في الحديث، وهو أمرٌ طبيعي بالنسبة له.

هاليبيل: [هممم~، سيكون أسرع بكثير لو سألتم صاحبي بدلاً منّي. الأمور تعقّدت قليلًا بعدما صفّقتُ بيدي دون تفكير… آه، يبدو أن الوقت قد حان الآن.]

إميليا: [هاليبيل-سان، هل جئتَ قبل أولئك الأشخاص؟]

إميليا: [الوقت قد حان…؟]

سوبارو: [بقولك «مرحبًا»، هل تقصد في الحقيقة شيئًا مثل اقتلاع قلوبنا جميعًا بدلًا من الترحيب بنا…؟]

كانت ملامح هاليبيل تبدو مسرورةً وفيها مسحة خجل، لكنه سرعان ما رفع رأسه حين أدرك شيئًا ما، فتابعه سوبارو بنظره.

زيكر: [صاحب الجلالة، لديّ أمر يجب أن أبلّغه… لكن، ذلك الشخص هناك…]

لقد اتجه وجهه الذئبي نحو الباب الموصل بالعربة المجاورة، وبعد لحظةٍ واحدة، طُرِق الباب من الجهة الأخرى.

سيرينا: [لقد تكبّدوا عناء الصعود على متن سفينة التنين خاصّتي. فهل يجب أن نتوقع قدوم أشخاص ذوي نفوذٍ كبير يحملون كلماتٍ ذات أهمية بالغة؟]

؟؟؟: [――أعذروني على مقاطعة الاجتماع. لديّ أمر يجب أن أبلّغه.]

روزوال: [ومع ذلك، لم أتوقّع أن تتدخّل كاراراغي ههنا~. حتى وإن لم تكن في خصومةٍ كالمملكة والإمبراطورية، لم يُسمع يومًا أنّ كاراراغي على وفاقٍ مع الإمبراطورية. خصوصًا حين نضع في الاعتبار منصبك الرسميّ المعلن.]

بهذا الإعلان، الذي كان صوته مألوفًا، أمره آبيل بصمتٍ أن «ادخل».

سوبارو: [آه…]

فُتح الباب، ودخل رجلٌ قصير القامة ذو شعر منفوش.

سوبارو: [بقولك «مرحبًا»، هل تقصد في الحقيقة شيئًا مثل اقتلاع قلوبنا جميعًا بدلًا من الترحيب بنا…؟]

وما إن رآه سوبارو حتى اتّسعت عيناه دهشةً.

هاليبيل: [هممم~، سيكون أسرع بكثير لو سألتم صاحبي بدلاً منّي. الأمور تعقّدت قليلًا بعدما صفّقتُ بيدي دون تفكير… آه، يبدو أن الوقت قد حان الآن.]

سوبارو: [زيكر-سان! الحمد لله أنك بخير!]

روزوال: [سيرينا، أما كان من الأفضل ألا تثيري الخطر على كلّ من في هذا المكان بذوقك الرديء؟]

زيكر: [بالفعل، لا داعي للقلق. ويسعدني أيضًا أنكِ سالمة، آنسة ناتسُمي.]

كانت ملامح هاليبيل تبدو مسرورةً وفيها مسحة خجل، لكنه سرعان ما رفع رأسه حين أدرك شيئًا ما، فتابعه سوبارو بنظره.

سوبارو: [لا زلتَ تناديني هكذا رغم أنني بهذا الشكل…]

وربّما بدا أنّ الأمور على وشك الانفجار.

كان الرجل قد ابتسم له عندما التقيا وعندما افترقا، وها هو الجنرال الإمبراطوري من الدرجة الثانية زيكر عثمان أمامه حيًّا يُرزق، فتنفّس سوبارو الصعداء وارتاح قلبه.

وببلوغهما هذه المرحلة، بدا حقًا أن هاليبيل لا ينوي اللجوء إلى العنف.

لكنّ ابتسامة زيكر سرعان ما اختفت، وقال بجدّية:

الغريب: [أنا روان، الرونين البخيل. وأنت يا صاح، ما اسمك؟]

زيكر: [صاحب الجلالة، لديّ أمر يجب أن أبلّغه… لكن، ذلك الشخص هناك…]

وببلوغهما هذه المرحلة، بدا حقًا أن هاليبيل لا ينوي اللجوء إلى العنف.

فينسنت: [تجاهله في الوقت الحالي. على الأرجح أنه غير منفصل عن تقريرك.]

فحتى سيسيلوس يستطيع الركض أسرع من الطيران، لذا فالأمر سيّان تقريبًا.

كان ردّ آبيل قاسيًا تجاه قلق زيكر من وجود هاليبيل في ركن المقصورة، لكن زيكر كان معتادًا على صرامة الإمبراطور في كبح الكلمات، فأومأ قائلًا: [حاضر، سيدي.]

وحين سألته إميليا عن ذلك، وافترض أن صورة هاليبيل في ذهنه كانت كما أجاب بنفسه――

زيكر: [لقد عادت سفينة التنين الطائر التابعة للكونتيسة العُليا دراكروي، ومعها شخصيات بارزة من المدينة المحصّنة غاركلا، إضافةً إلى زوّار من كاراراغي.]

رفع هاليبِل غليونه الذهبي ليقابل به حافة مِطرقة غوز الذهبيّة كذلك، ومع هذه الحركة فقط، توقّف سلاح غوز تمامًا عن الحركة، غير قادرٍ على التحرّك ولو بسنتمترٍ واحد.

فينسنت: [――زوّار من كاراراغي.]

رام: [بما أنّ باروسو جاهل كما يبدو، فسأوضّح له. «المُعجَب» هاليبِل هو من قوم الذئاب.]

تمتم آبيل بهذه الكلمات موجّهًا نظره السوداء نحو هاليبيل.

يبدو أن الزائر كان ينتظر على وصلة العربتين، لكن لا بد أن أذنه حادّة جدًا حتى استطاع المشاركة في الحديث، وهو أمرٌ طبيعي بالنسبة له.

وبما أن وجهة عربات التنين المزدوجة كانت نحو المدينة المحصّنة غاركلا، فمن الطبيعي أن يأتي القائمون هناك عبر التنانين الطائرة. وإن كانوا قد اصطحبوا أشخاصًا من كاراراغي، فلابدّ أن لذلك صلة بهاليبيل.

سوبارو: [آنستازيا-سان و… يوليوس!؟]

بمعنى آخر――

لم تكن هناك أيّ مراجعة للنفس، ولذلك لم يتبقَّ له سوى الندم.

إميليا: [هاليبيل-سان، هل جئتَ قبل أولئك الأشخاص؟]

فيما يخصّ مسألة إنسانية سيسيلوس، لم يكن سوبارو وآبيل وحدهما، بل حتى بيرستيتز، متفقين على الرأي نفسه.

هاليبيل: [حسنًا، أنا لست جيّدا مع الأماكن المرتفعة.]

سواءٌ كان هاليبِل متأثّرًا بما يراه من قوّة الحاضرين أم لا، فإنّ كلمة «تملّق» لم تكن موجودة في قاموس آبل. وإذ كان سوبارو يراقب صاحب ذلك القاموس الذي محا منه كلّ ألفاظ التواضع واللين، ابتلع ريقه متسائلًا كيف سيجيب هاليبِل.

سواء كانت كلماته اللطيفة إجابة مباشرة أم لا، فقد أقرّ ضِمنيًّا بأن ما قاله زيكر مرتبط به.

سوبارو: [بقولك «مرحبًا»، هل تقصد في الحقيقة شيئًا مثل اقتلاع قلوبنا جميعًا بدلًا من الترحيب بنا…؟]

ورغم أن سوبارو استوعب أن هاليبيل لا يحبّ المرتفعات ولم يركب سفينة التنين الطائر، فإنه لم يستطع أن يفهم كيف وصل قبلها، غير أن لا فائدة من قول ذلك لأناسٍ يفوقون البشر في هذا العالم.

سواء كانت كلماته اللطيفة إجابة مباشرة أم لا، فقد أقرّ ضِمنيًّا بأن ما قاله زيكر مرتبط به.

فحتى سيسيلوس يستطيع الركض أسرع من الطيران، لذا فالأمر سيّان تقريبًا.

ومع ذلك، لم تكن تلك الابتسامة ساخرة منه، ولهذا لم يفهم مغزاها.

على أية حال――

فهو نفسه أحد «التسعة المقدّسين»، رجلٌ عسكريّ يحمل لقب «جنرال من الدرجة الأولى»، وهو من أعلى الرتب في هذه الإمبراطورية التي يعجّ تاريخها بالمحاربين. ومع ذلك، فإنّ هذا الغوز نفسه لم يلحظ ظهور الرجل الوحش الذي يقف أمامه الآن.

سيرينا: [لقد تكبّدوا عناء الصعود على متن سفينة التنين خاصّتي. فهل يجب أن نتوقع قدوم أشخاص ذوي نفوذٍ كبير يحملون كلماتٍ ذات أهمية بالغة؟]

إميليا: [إن كان الأمر كذلك؟ هل خطر لك شيء، سوبارو؟]

زيكر: [على الأقل، الزائرة الجميلة قالت ذلك بنفسها.]

شعر بأنّ صاحب الصوت يبتسم، فرأى وجهه المقلوب يشقّ السماء الزرقاء الصافية المنعكسة في بصره. كان من الصعب تمييز ملامحه بسبب الوهج القادم من الخلف، لكنّه أدرك أنّ الرجل يبتسم ابتسامة واسعة.

فينسنت: [من طريقتك في الحديث، يبدو أنها امرأة؟]

هاليبيل: [حسنًا، أنا لست جيّدا مع الأماكن المرتفعة.]

كان تقرير زيكر واضحًا، فقد أتت امرأة من كاراراغي.

هاليبِل: [أجل أجل، أنا سعيد لأنّكم تفهمونني. الإمبراطور جانبًا، لكن يا فتاة نصف شيطان، صراحتك هذه تدلّ على أنّك فتاة طيبة. رغم أنّ الناس يكرهونك كما يكرهونني، فقد تربّيتِ على الصدق… لا بدّ أنّ من ربّاكِ كانوا أناسًا رائعين.]

أمال سوبارو رأسه حيرةً من الأمر، لكن رفاقه تفاعلوا بطريقة مختلفة؛ إذ شدّت بياتريس قبضتها على يده ونظرت إلى إميليا وقالت:

وإذ عجز عن العثور على الجواب في نفسه، توجّه بالسؤال إلى ذاك الغريب الذي لا يفهمه.

بياتريس: [إميليا، إنهم يتحدثون عن زوّارٍ من كاراراغي، في الواقع.]

هاليبِل: [أجل أجل، أنا سعيد لأنّكم تفهمونني. الإمبراطور جانبًا، لكن يا فتاة نصف شيطان، صراحتك هذه تدلّ على أنّك فتاة طيبة. رغم أنّ الناس يكرهونك كما يكرهونني، فقد تربّيتِ على الصدق… لا بدّ أنّ من ربّاكِ كانوا أناسًا رائعين.]

إميليا: [نعم، بالفعل. ربما تكون تلك هي――]

في النهاية، لم يستطع أن يكون سوى نفسه. والجحيم… ذاك الشيء لم يكن سوى ما يقبع في داخله.

سوبارو: [هاه؟ هااه؟ هل تعرفان شيئًا ما…؟]

الزائر: [مرّ وقتٌ طويل منذ أن التقينا وجهًا لوجه، لكنني مسرورةٌ حقًا برؤيتكم بخير.]

هل تعرفان شيئًا؟ كان على وشك إتمام سؤاله حين――

فحتى سيسيلوس يستطيع الركض أسرع من الطيران، لذا فالأمر سيّان تقريبًا.

؟؟؟: [――بالرغم من أن الناس قد تكبّدوا مشقّة القدوم إلى الإمبراطورية على عجل، أليس من القسوة أن تتفوّه بكلامٍ كهذا، ناتسُكي-كون؟]

إميليا: [نعم، بالفعل. ربما تكون تلك هي――]

سوبارو: [――――]

بل والأدهى من ذلك، أنّ أحدًا من أولئك المجتمعين في المقصورة المزدوجة لعربات التنّين—حيث كان يجري اجتماعٌ بين شخصياتٍ رفيعة من المملكة والإمبراطورية—لم يلحظ وجوده أصلًا.

على نحوٍ غير متوقع، قاطع الصوت الحديث، بصوتٍ أنيق صادرٍ من خلف زيكر.

؟؟؟: [أيعقل… أنني ما زلتُ حيًّا…؟]

يبدو أن الزائر كان ينتظر على وصلة العربتين، لكن لا بد أن أذنه حادّة جدًا حتى استطاع المشاركة في الحديث، وهو أمرٌ طبيعي بالنسبة له.

سوبارو: [آنستازيا-سان و… يوليوس!؟]

فالتجّار دائمًا يرهفون السمع بحثًا عن فرصٍ لجني الأرباح.

سيرينا: [وإن أضفتُ إلى ذلك أنّه اطّلع على تفاصيل اجتماعٍ مهمٍّ بين بلادنا والمملكة، أوَليس هذا سببًا كافيًا لقطع رأسه، ولو أشعل ذلك صاعقةً زرقاء؟]

بيرستيتز: [صاحب الجلالة، ما الذي يجب فعله؟]

وبنبرةٍ غير رسمية وابتسامةٍ ودودة، مع ملاحظةٍ قاسية، وبشعرٍ بنفسجيٍّ فاتحٍ مربوطٍ إلى الخلف، ووشاحٍ من الفراء على كتفيها، وكمِّي كيمونو ينسابان من ذراعيها―― كانت تلك المرأة أناستازيا هوشين.

إزاء حقيقة أن الصوت قد سمع ما دار من حديث، طلب بيرستيتز رأي آبيل، فوجه هذا الأخير نظرةً نحو سوبارو ليتحقق من تعبير وجهه، ثمّ نظر إلى الباب الذي صدر منه الصوت:

وبنبرةٍ غير رسمية وابتسامةٍ ودودة، مع ملاحظةٍ قاسية، وبشعرٍ بنفسجيٍّ فاتحٍ مربوطٍ إلى الخلف، ووشاحٍ من الفراء على كتفيها، وكمِّي كيمونو ينسابان من ذراعيها―― كانت تلك المرأة أناستازيا هوشين.

فينسنت: [يبدو أنك لست شخصًا فظًّا ومتطفّلًا فحسب. قدّم نفسك.]

أوتو: [في المقام الأول، هو شخص يستطيع قتلنا دون الحاجة إلى اللجوء لأساليب ملتوية. ألن يكون من غير اللائق أن يلهو بنا إلى هذه الدرجة ثم يأخذ حياتنا؟]

الزائر: [إذن لن أمتنع عن ذلك.]

في الواقع، كان من المعتاد عند سوبارو أن يتوهّم بأن الأقوياء يتحلّون بسلوك لائق، لذا كان تصرّف كلٍّ من راينهارد وهاليبيل مثاليًّا في نظره.

بإذنٍ من الإمبراطور، أجاب صاحب الصوت برفق، وقبل أن ينتبه أحد، كان هاليبيل الواقف بجوار الباب قد فتحه بيده، كاشفًا عن الزائر.

ولم يكن يعلم… أنّ المصادفة والمقدَّر هما الحيل القديمة التي اعتادت الأقدار أن تستخدمها دومًا.

وحين رأى الزائر ذلك الاهتمام من هاليبيل، ابتسم شاكرًا له، ثم――

روزوال: [سيرينا، أما كان من الأفضل ألا تثيري الخطر على كلّ من في هذا المكان بذوقك الرديء؟]

الزائر: [مرّ وقتٌ طويل منذ أن التقينا وجهًا لوجه، لكنني مسرورةٌ حقًا برؤيتكم بخير.]

ربّما كان اللقب الذي تلفّظ به قبل السؤال هو الاسم المعروف لهذا الرجل الكلبيّ. ولسببٍ ما، شعر سوبارو أنّه سمعه من قبل، فانشغل يحاول تذكّره بين فوضى ذكرياته.

سوبارو: [آه…]

فنسنت: [――«المُعجَب»، إذن؟ ما الذي جاء ب‏يعني غيرها الى “حجر اساس كاراراغي” إلى هنا؟]

الزائر: [ومع ذلك، يبدو أن إميليا-سان والبقية بارعون جدًا في الوقوع في المآزق. يبدو أنكم ستحتاجون إلى قوّتنا مرة أخرى.]

ولم يكن يعلم… أنّ المصادفة والمقدَّر هما الحيل القديمة التي اعتادت الأقدار أن تستخدمها دومًا.

وبنبرةٍ غير رسمية وابتسامةٍ ودودة، مع ملاحظةٍ قاسية، وبشعرٍ بنفسجيٍّ فاتحٍ مربوطٍ إلى الخلف، ووشاحٍ من الفراء على كتفيها، وكمِّي كيمونو ينسابان من ذراعيها―― كانت تلك المرأة أناستازيا هوشين.

وفي اللحظة التالية، داس غوز على أرض العربة بقوّةٍ أحدثت صوت انفجارٍ، ودفع بمطرقته الضخمة نحو هاليبِل الذي ظلّ واقفًا بلا حراك.

وبجانبها كان تابعها، شابٌّ يرتدي لباسًا يابانيّ الطراز.

ولم يعد في مقدوره حتى البكاء. لا الشغف، ولا الاستحقاق لذلك بقي فيه.

سوبارو: [آنستازيا-سان و… يوليوس!؟]

غير أنّه――

شخصان لم يكن يظنّ أنه سيراهم هنا أبدًا، فدهش سوبارو من المفاجأة.

وببلوغهما هذه المرحلة، بدا حقًا أن هاليبيل لا ينوي اللجوء إلى العنف.

وعند سماع صوته المندهش، وضعت أناستازيا يدها على فمها وابتسمت، بينما الرجل الذي نُودي باسمه―― يوليوس، مرّر إصبعه على الندبة الحادّة تحت عينه اليسرى، ونظر إلى سوبارو.

وبينما كان يجرّه، استغلّ عجزه عن المقاومة ذريعةً، وأخذ يدندن ويغنّي:

ثم قال――

لكنّ هذا وحده لم يكن ما جعل صوته متصلّبًا.

يوليوس: [――كنتُ أودّ أن أقول إنني سعيد بسلامتك، لكن لِمَ دائمًا هناك أمر غريب يحدث لك؟]

وضعت إميليا يدها على صدرها وهي تشكر بلطف، فأومأ هاليبِل وسحب غليونه إلى الخلف. وفي تلك اللحظة تحرّر سلاح غوز من تقييده، لكنه لم يُقدِم على أيّ فعلٍ متهوّرٍ كهجومٍ مضاد.

سوبارو: [لا تقل كلامًا يوحي وكأنني دائمًا أثير المشاكل لدرجة أنني أصغر حجمًا!]

بصوتٍ خالٍ من الهمّ، حكّ الرجل الوحش رأسه مبتسمًا ابتسامةً عريضة، وهو يقضم غليونه الذهبي الطويل.

وهكذا، بدلًا من أن تكون لحظة لقاءٍ سعيد، انطلقت الصرخة الأولى في لقائهما مجددًا.

نعم، بصوتٍ تسلّل إليه خوفٌ خفيّ، تمتم غوز بهذا الاسم، وكان هو أكثر من أبدى حذرًا تجاه ذلك الوجود وهو يحمي سيّده وحليفه الجديد من خلفه.

△▼△▼△▼△

سوبارو: [إن كان كلٌّ من راينهارد وهذا الشخص مستقيمَين فعلًا، فحينها ذلك الموقف مع سيسي كان…]

حين تلاشت كلّ قوّته من ركبتيه، سقط إلى الأمام وانهار على السهل المدمَّر.

سوبارو: [――! مهلاً، هل تعرف سيسي؟]

ولأن إرادته لم تعد تملك ما يسند جسده، ارتطم وجهه بالأرض القاسية بلا رحمة، فشعر بألمٍ حادّ حين تهشّم أنفه، وجرت الدماء من شفتيه المتشققتين.

رفع هاليبِل غليونه الذهبي ليقابل به حافة مِطرقة غوز الذهبيّة كذلك، ومع هذه الحركة فقط، توقّف سلاح غوز تمامًا عن الحركة، غير قادرٍ على التحرّك ولو بسنتمترٍ واحد.

وبينما تذوّق دماءه، رطَّب ذلك السائل الساخن باطن فمه الجافّ قليلًا.

قوم الذئاب――وعند سماع تلك الكلمات من رام، اهتزّ قلب سوبارو وجسده في لحظةٍ واحدة.

؟؟؟: [――――]

هاليبِل: [إن كنتَ مضطرًّا للتفكير بهذا القدر، فاسمي ليس مهمًّا إلى هذا الحدّ. إنّهم فقط ينادونني هكذا لأنني أُكثر من المديح، وأمّا «حجر الاساس» فذلك لأنّهم يبالغون في تقديري لا أكثر.]

لم يتبقّ في أيّ جزء من جسده ذرّة من القوّة.

إميليا: [نعم، بالفعل. ربما تكون تلك هي――]

وإذا كانت إرادته قد انطفأت تمامًا، فلن يستغرق جسده طويلًا قبل أن تتلاشى قوّته بدوره. والآن، وقد فرغ الاثنان معًا، فسيهلك هنا على الأرض التي سقط فوقها، متعفّنًا حتى الفناء.

في النهاية، لم يستطع أن يكون سوى نفسه. والجحيم… ذاك الشيء لم يكن سوى ما يقبع في داخله.

كلّ شيء، كلّ شيءٍ على الإطلاق، قد مضى هباءً.

بل والأدهى من ذلك، أنّ أحدًا من أولئك المجتمعين في المقصورة المزدوجة لعربات التنّين—حيث كان يجري اجتماعٌ بين شخصياتٍ رفيعة من المملكة والإمبراطورية—لم يلحظ وجوده أصلًا.

ما حاول فعله، وما أغضبه أنّه اضطرّ لفعله، وما استمرّ عليه بدافع العادة وحدها، كلّ ذلك كان بلا طائل.

الزائر: [ومع ذلك، يبدو أن إميليا-سان والبقية بارعون جدًا في الوقوع في المآزق. يبدو أنكم ستحتاجون إلى قوّتنا مرة أخرى.]

في النهاية، لم يستطع أن يكون سوى نفسه. والجحيم… ذاك الشيء لم يكن سوى ما يقبع في داخله.

هاليبِل: [إن كنتَ مضطرًّا للتفكير بهذا القدر، فاسمي ليس مهمًّا إلى هذا الحدّ. إنّهم فقط ينادونني هكذا لأنني أُكثر من المديح، وأمّا «حجر الاساس» فذلك لأنّهم يبالغون في تقديري لا أكثر.]

وفي تلك الحالة، كيف له أن يفرّ منه؟ لا أحد يستطيع ذلك. لا أحد يمكنه الهرب من الجحيم الذي يحمل اسمه هو ذاته.

كلّ شيء بدا غريبًا إلى حدّ العبث. لم يكن المكان مكانه، ولا الهدف مما يمكن بلوغه. لقد مدّ يده نحو ما لا يمكن إدراكه، وكان ذلك أكبر أخطاء حياته… ومع ذلك، كرّر الخطأ ذاته مرّة أخرى.

؟؟؟: [أيها… اللعنة…]

وضعت إميليا يدها على صدرها وهي تشكر بلطف، فأومأ هاليبِل وسحب غليونه إلى الخلف. وفي تلك اللحظة تحرّر سلاح غوز من تقييده، لكنه لم يُقدِم على أيّ فعلٍ متهوّرٍ كهجومٍ مضاد.

خرجت من بين شفتيه كلماتٌ متكسّرة بنبرة جافة.

؟؟؟: [ماذا… سنفعل؟]

ولم يعد في مقدوره حتى البكاء. لا الشغف، ولا الاستحقاق لذلك بقي فيه.

الزائر: [إذن لن أمتنع عن ذلك.]

كلّ شيء بدا غريبًا إلى حدّ العبث. لم يكن المكان مكانه، ولا الهدف مما يمكن بلوغه. لقد مدّ يده نحو ما لا يمكن إدراكه، وكان ذلك أكبر أخطاء حياته… ومع ذلك، كرّر الخطأ ذاته مرّة أخرى.

أوتو: [في المقام الأول، هو شخص يستطيع قتلنا دون الحاجة إلى اللجوء لأساليب ملتوية. ألن يكون من غير اللائق أن يلهو بنا إلى هذه الدرجة ثم يأخذ حياتنا؟]

لم تكن هناك أيّ مراجعة للنفس، ولذلك لم يتبقَّ له سوى الندم.

يوليوس: [――كنتُ أودّ أن أقول إنني سعيد بسلامتك، لكن لِمَ دائمًا هناك أمر غريب يحدث لك؟]

لم يكن من الممكن أن يحبّ شخصًا مثله، ولهذا لم يكن أمامه إلا أن يكره نفسه أكثر فأكثر، حتى بلغ حدّ الاشمئزاز من وجوده ذاته.

كان ذا فراءٍ أسود معتدل الطول، وملامحَ تنضح بالودّ واللطف. لم يكن في نبرته الهادئة أي أثرٍ للخبث، ولا في وقفته المسترخية ما يدلّ على حذرٍ أو ريبةٍ وهو واقفٌ أمامهم.

ولم يعد قادرًا حتى على أن يواصل حبّ من أحبّهم. كفى… إنّ الفاشلين المثيرين للشفقة أمثاله عليهم فقط أن يسرعوا وين――

احتجّ سوبارو بخوف وهو يحاول استيضاح أسلوب الترحيب الشبيه بالنينجا، فيما أجاب هاليبيل على سؤال بياتريس اللاحق ببرود.

؟؟؟: [――أوه؟ كنتُ أظنّ أنّي سأجرّد جثّة من مقتنياتها، لكن يبدو أنّ فيك بقايا نفس. هذا يستحقّ تصفيقًا، تصفيقًا.]

وكما قالا، لو شاء هاليبِل بالفعل، لما كان غريبًا أن يُبادَ كلّ من في المقصورة قبل أن يشعر أحدٌ بوجوده أصلًا.

فجأة، دوّى صوتٌ فوق رأس الجسد المنهار.

قال هاليبِل ذلك بنبرةٍ هادئة، كما لو كان يتحدّث عن الطقس.

لم يكن في جسده ما يكفي من الطاقة ليحرّك عضلة واحدة، غير أنّ صاحب الصوت مدّ يده وقلبه على ظهره. وفي لحظة، غمر عينيه ضوء السماء الزرقاء الصافية، فأنَّ بصوتٍ خافت: “أوووه”.

الزائر: [مرّ وقتٌ طويل منذ أن التقينا وجهًا لوجه، لكنني مسرورةٌ حقًا برؤيتكم بخير.]

وهناك، الدموع التي لم تسل في لحظات خزيه وتوبته، بدأت أخيرًا تتكوّن في عينيه.

وإذا كانت إرادته قد انطفأت تمامًا، فلن يستغرق جسده طويلًا قبل أن تتلاشى قوّته بدوره. والآن، وقد فرغ الاثنان معًا، فسيهلك هنا على الأرض التي سقط فوقها، متعفّنًا حتى الفناء.

وكان ذلك محبطًا إلى حدٍّ ساحق.

وهكذا، بدلًا من أن تكون لحظة لقاءٍ سعيد، انطلقت الصرخة الأولى في لقائهما مجددًا.

كلّ شيء، كلّ جزءٍ من هذا الجسد، هل كان حقًّا لا يعمل إلا من أجله هو، ولا شيء غيره؟

بهذا الإعلان، الذي كان صوته مألوفًا، أمره آبيل بصمتٍ أن «ادخل».

الغريب: [ما بالك، يا سيد المنهار؟ غاضب من شيء؟ يا صاح، طالما أن جسدك ما زال حيًّا وسليمًا، فكلّ ما تحتاجه هو غمضة عين فحسب.]

فينسنت: [يبدو أنك لست شخصًا فظًّا ومتطفّلًا فحسب. قدّم نفسك.]

؟؟؟: [أيعقل… أنني ما زلتُ حيًّا…؟]

كان طوله مقاربًا لطول غوز، ولكن حين طوى جسده النحيل بهذا الشكل، ازداد شبهه بكلبٍ ضخمٍ من فصيلةٍ كبيرة. ولم تبدُ كلماته عن «الجلوس بهدوء» ساخرةً على الإطلاق.

الغريب: [هاه، يبدو أنّك من النوع الذي سئم من الحياة؟ يا للعجب… على حدّ علمي، لا يوجد سوى علاج واحد لتلك الأفكار الكئيبة.]

ثم قال――

؟؟؟: [――――]

سوبارو: [روزوال، عندما تقول «منصبه الرسميّ المعلن» تقصد ماذا بالضبط…؟]

شعر بأنّ صاحب الصوت يبتسم، فرأى وجهه المقلوب يشقّ السماء الزرقاء الصافية المنعكسة في بصره. كان من الصعب تمييز ملامحه بسبب الوهج القادم من الخلف، لكنّه أدرك أنّ الرجل يبتسم ابتسامة واسعة.

فجأة، دوّى صوتٌ فوق رأس الجسد المنهار.

ومع ذلك، لم تكن تلك الابتسامة ساخرة منه، ولهذا لم يفهم مغزاها.

بينما كان غوز وهاليبِل في مواجهةٍ صامتة، تدخّل كلٌّ من آبل وإميليا بالكلام.

غير أنّه――

لكنّ الأخير، على عكس التوتّر الذي خيّم على المكان، بقي جالسًا وهو يسند ذقنه إلى يديه على الطاولة وقال بهدوء:

؟؟؟: [ماذا… سنفعل؟]

وإذ عجز عن العثور على الجواب في نفسه، توجّه بالسؤال إلى ذاك الغريب الذي لا يفهمه.

وبينما تذوّق دماءه، رطَّب ذلك السائل الساخن باطن فمه الجافّ قليلًا.

على الأقل، وهو يلعن نفسه لكونه ما زال يتوق إلى الخلاص، أراد أن يسمع منه جوابًا أنبل مما يستحقّه.

رفع هاليبِل غليونه الذهبي ليقابل به حافة مِطرقة غوز الذهبيّة كذلك، ومع هذه الحركة فقط، توقّف سلاح غوز تمامًا عن الحركة، غير قادرٍ على التحرّك ولو بسنتمترٍ واحد.

وما إن سمع الرجل السؤال، حتى اتّسعت ابتسامته كمن أُصيب في الصميم، ثم قال:

تمتم آبيل بهذه الكلمات موجّهًا نظره السوداء نحو هاليبيل.

الغريب: [أليس واضحًا؟ ―ـ سنذهب لنشرب الخمر حتى نغتسل به!]

فنسنت: [――«المُعجَب»، إذن؟ ما الذي جاء ب‏يعني غيرها الى “حجر اساس كاراراغي” إلى هنا؟]

وفور أن أنهى كلماته، أمسكه من ياقة ثوبه، وبدأ يجرّه بقوّةٍ عبر الأرض القاحلة. كان الرجل، باسطًا ساقيه الاثنتين، يسحب جسده بلا مقاومة.

وربّما بدا أنّ الأمور على وشك الانفجار.

وبينما كان يجرّه، استغلّ عجزه عن المقاومة ذريعةً، وأخذ يدندن ويغنّي:

الزائر: [مرّ وقتٌ طويل منذ أن التقينا وجهًا لوجه، لكنني مسرورةٌ حقًا برؤيتكم بخير.]

الغريب: [أنا روان، الرونين البخيل. وأنت يا صاح، ما اسمك؟]

هاليبِل: [بالطبع أعلم ذلك، وإن لم يكن لديّ شعورٌ طيّب نحوه. لكن عليكم أن تعلموا أنّ السبب في أنّني لا أُخفي كوني من قوم الذئاب هو ببساطة أنّ أحدًا لا يستطيع قتلي. ومن الواضح أنّ سيسيلوس ليس هنا.]

؟؟؟: [――――]

احمرّ وجه غوز، ودوّى صوت احتكاك أسنانه في المقصورة، لكن رغم ذلك، كانت أفعال هاليبِل هادئةً وسلسةً إلى حدٍّ يبعث على الرهبة.

روان: [صاح، لا بدّ أن لك اسمًا، أليس كذلك؟ لن يزداد الأمر سوءًا لو أخبرتني.]

زيكر: [بالفعل، لا داعي للقلق. ويسعدني أيضًا أنكِ سالمة، آنسة ناتسُمي.]

بأسلوبه الودود الزائد وسجيّته المألوفة، رأى الرجل الذي عرّف نفسه باسم “روان”، فتنفّس بعمقٍ طويل.

الزائر: [ومع ذلك، يبدو أن إميليا-سان والبقية بارعون جدًا في الوقوع في المآزق. يبدو أنكم ستحتاجون إلى قوّتنا مرة أخرى.]

لم يكن ملزمًا بالإجابة، لكنه لم يجد سببًا ليمتنع أيضًا. كان يفكّر، وهو في حالٍ لم يعد يعنيه فيها ما سيؤول إليه مصيره――

؟؟؟: [――أعذروني على مقاطعة الاجتماع. لديّ أمر يجب أن أبلّغه.]

؟؟؟: [اسمي… هاينكل.]

سيرينا: [لقد تكبّدوا عناء الصعود على متن سفينة التنين خاصّتي. فهل يجب أن نتوقع قدوم أشخاص ذوي نفوذٍ كبير يحملون كلماتٍ ذات أهمية بالغة؟]

وهكذا، دون أن يدرك أيٌّ منهما من هو الآخر، أفصح هاينكل أسترِيا عن اسمه.

كانت مطرقة غوز ذات شكلٍ غريب، تشبه رمحًا طويلاً تتدلّى من طرفه كرةٌ معدنيةٌ مليئةٌ بالمسامير لتُضرب بها الأعداء. تشبه سلاح الصباح الذي كانت ريم تفضّله، لكنّ حجمها ووزنها كانا ملائمين لجسامة غوز وقوّته.

ولم يكن يعلم… أنّ المصادفة والمقدَّر هما الحيل القديمة التي اعتادت الأقدار أن تستخدمها دومًا.

ما حاول فعله، وما أغضبه أنّه اضطرّ لفعله، وما استمرّ عليه بدافع العادة وحدها، كلّ ذلك كان بلا طائل.

ومع ذلك، لم تكن تلك الابتسامة ساخرة منه، ولهذا لم يفهم مغزاها.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط