تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل15

34.15

المشاهدات 312 نشر في تاريخ أبريل 13, 2026
aafa82001@gmail.com
ترجمة ورفع الفصل aafa82001@gmail.com
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

بصوتٍ خالٍ من الهمّ، حكّ الرجل الوحش رأسه مبتسمًا ابتسامةً عريضة، وهو يقضم غليونه الذهبي الطويل.

كان ذا فراءٍ أسود معتدل الطول، وملامحَ تنضح بالودّ واللطف. لم يكن في نبرته الهادئة أي أثرٍ للخبث، ولا في وقفته المسترخية ما يدلّ على حذرٍ أو ريبةٍ وهو واقفٌ أمامهم.

بل والأدهى من ذلك، أنّ أحدًا من أولئك المجتمعين في المقصورة المزدوجة لعربات التنّين—حيث كان يجري اجتماعٌ بين شخصياتٍ رفيعة من المملكة والإمبراطورية—لم يلحظ وجوده أصلًا.

غوز: [هاليبِل، قلتَ…؟]

نعم، بصوتٍ تسلّل إليه خوفٌ خفيّ، تمتم غوز بهذا الاسم، وكان هو أكثر من أبدى حذرًا تجاه ذلك الوجود وهو يحمي سيّده وحليفه الجديد من خلفه.

فهو نفسه أحد «التسعة المقدّسين»، رجلٌ عسكريّ يحمل لقب «جنرال من الدرجة الأولى»، وهو من أعلى الرتب في هذه الإمبراطورية التي يعجّ تاريخها بالمحاربين. ومع ذلك، فإنّ هذا الغوز نفسه لم يلحظ ظهور الرجل الوحش الذي يقف أمامه الآن.

لكنّ هذا وحده لم يكن ما جعل صوته متصلّبًا.

فنسنت: [――«المُعجَب»، إذن؟ ما الذي جاء ب‏يعني غيرها الى “حجر اساس كاراراغي” إلى هنا؟]

ومن خلف ظهر غوز، موجّهًا بصره عبر جسده الضخم نحو الرجل الوحش――نحو هاليبِل، سأله آبل بهذا الشكل.

ربّما كان اللقب الذي تلفّظ به قبل السؤال هو الاسم المعروف لهذا الرجل الكلبيّ. ولسببٍ ما، شعر سوبارو أنّه سمعه من قبل، فانشغل يحاول تذكّره بين فوضى ذكرياته.

وفي تلك الأثناء، وبينما كان سوبارو يقطّب حاجبيه، وجّه هاليبِل، وهو لا يزال مبتسمًا، نظره الضيّق نحوه.

هاليبِل: [إن كنتَ مضطرًّا للتفكير بهذا القدر، فاسمي ليس مهمًّا إلى هذا الحدّ. إنّهم فقط ينادونني هكذا لأنني أُكثر من المديح، وأمّا «حجر الاساس» فذلك لأنّهم يبالغون في تقديري لا أكثر.]

سوبارو: [يبالغون في تقديرك…؟]

هاليبِل: [نعم نعم. فالأمر ببساطة أنّه في كاراراغي، لا أحد أقوى منّي.]

قال هاليبِل ذلك بنبرةٍ هادئة، كما لو كان يتحدّث عن الطقس.

تجمّد سوبارو مبهورًا من كلماته؛ وما إن استوعب عقله كلمة «كاراراغي»، حتى تذكّر فجأةً ما كان يبحث عنه قبل لحظة.

«المُعجَب» من كاراراغي――ومغزى هذا اللقب كان…

غوز: [أقوى شينُوبي في كاراراغي! لأيّ سببٍ صعدتَ إلى عربة التنين هذه!؟!]

وفي اللحظة التالية، داس غوز على أرض العربة بقوّةٍ أحدثت صوت انفجارٍ، ودفع بمطرقته الضخمة نحو هاليبِل الذي ظلّ واقفًا بلا حراك.

كانت مطرقة غوز ذات شكلٍ غريب، تشبه رمحًا طويلاً تتدلّى من طرفه كرةٌ معدنيةٌ مليئةٌ بالمسامير لتُضرب بها الأعداء. تشبه سلاح الصباح الذي كانت ريم تفضّله، لكنّ حجمها ووزنها كانا ملائمين لجسامة غوز وقوّته.

وهكذا، مع الظهور المفاجئ لأقوى محاربٍ من كاراراغي، اتّخذ الجنديّ الإمبراطوريّ وضعية الهجوم.

وربّما بدا أنّ الأمور على وشك الانفجار.

غير أنّ――

هاليبِل: [أنا من سبّب كلّ هذه الفوضى، لذا ربّما ليس من شأني أن أقول هذا، لكن ما رأيكم أن نهدأ قليلًا ونتحدّث بهدوء بدل أن نُشعل الموقف أكثر؟]

غوز: [غغ…!]

أمال هاليبِل رأسه بخفّةٍ متجنّبًا ضربة المِطرقة، ثمّ بدأ يتكلّم. تصلّب وجه غوز عند سماع كلماته، وارتعش ذراعه المفعم بالقوّة.

رفع هاليبِل غليونه الذهبي ليقابل به حافة مِطرقة غوز الذهبيّة كذلك، ومع هذه الحركة فقط، توقّف سلاح غوز تمامًا عن الحركة، غير قادرٍ على التحرّك ولو بسنتمترٍ واحد.

غوز: [――――]

ربّما كان هاليبِل قد تحكّم بدقّةٍ مذهلةٍ في توازن قوّته داخل الغليون، مانعًا المِطرقة من التحرّك في أيّ اتجاه.

ومهما حاول غوز تحريك سلاحه، كانت مقاومة الغليون من الجهة المقابلة تمنعه من ذلك، لا بقوّةٍ غاشمة، بل بمهارةٍ بلغت ذروتها في التحكّم بتدفّق القوّة بدقّةٍ متناهية.

غوز: [أنت… ههك!]

احمرّ وجه غوز، ودوّى صوت احتكاك أسنانه في المقصورة، لكن رغم ذلك، كانت أفعال هاليبِل هادئةً وسلسةً إلى حدٍّ يبعث على الرهبة.

في تلك اللحظة، كان الكائن المسمّى «هاليبِل» يُنهي تقييمه لهذا المكان.

فنسنت: [كفَّ عن هذا يا غوز. فلو كان يضمر نية الأذى، لقطع رؤوسنا جميعًا قبل أن يُفصح عن وجوده.]

إميليا: [بما أنّك لم تفعل، فهذا يعني أنّك لستَ عدوّنا… أليس كذلك؟]

بينما كان غوز وهاليبِل في مواجهةٍ صامتة، تدخّل كلٌّ من آبل وإميليا بالكلام.

وكما قالا، لو شاء هاليبِل بالفعل، لما كان غريبًا أن يُبادَ كلّ من في المقصورة قبل أن يشعر أحدٌ بوجوده أصلًا.

وعندما أُشير إلى ذلك، اتّسعت ابتسامة هاليبِل الهادئة وقال:

هاليبِل: [أجل أجل، أنا سعيد لأنّكم تفهمونني. الإمبراطور جانبًا، لكن يا فتاة نصف شيطان، صراحتك هذه تدلّ على أنّك فتاة طيبة. رغم أنّ الناس يكرهونك كما يكرهونني، فقد تربّيتِ على الصدق… لا بدّ أنّ من ربّاكِ كانوا أناسًا رائعين.]

إميليا: [شكرًا لك. وأنا أيضًا أظنّ أنّني محظوظة لأنّ باك وأمّي وجيوس هم من ربّوني.]

وضعت إميليا يدها على صدرها وهي تشكر بلطف، فأومأ هاليبِل وسحب غليونه إلى الخلف. وفي تلك اللحظة تحرّر سلاح غوز من تقييده، لكنه لم يُقدِم على أيّ فعلٍ متهوّرٍ كهجومٍ مضاد.

ورغم إحباطه، ظلّ غوز متيقّظًا تجاه هاليبِل، وقال:

غوز: [إن خالفتَ كلماتك تلك، فسأهزمك ولو على حساب حياتي. تذكّر هذا.]

هاليبِل: [لن أفعل ذلك، أبدًا. انظر، أنا جالس بهدوء كما ترى.]

ثمّ حرّك ذراعيه بخفّةٍ وأمسك بذيله مقعدًا مجاورًا له، فجلس عليه وجثا بركبته معانقًا ساقه الأخرى.

كان طوله مقاربًا لطول غوز، ولكن حين طوى جسده النحيل بهذا الشكل، ازداد شبهه بكلبٍ ضخمٍ من فصيلةٍ كبيرة. ولم تبدُ كلماته عن «الجلوس بهدوء» ساخرةً على الإطلاق.

روزوال: [ومع ذلك، لم أتوقّع أن تتدخّل كاراراغي ههنا~. حتى وإن لم تكن في خصومةٍ كالمملكة والإمبراطورية، لم يُسمع يومًا أنّ كاراراغي على وفاقٍ مع الإمبراطورية. خصوصًا حين نضع في الاعتبار منصبك الرسميّ المعلن.]

هاليبِل: [أوه، أتَعرفون عني؟ يا للحرج، كأنّي أحد المشاهير.]

سوبارو: [روزوال، عندما تقول «منصبه الرسميّ المعلن» تقصد ماذا بالضبط…؟]

رام: [بما أنّ باروسو جاهل كما يبدو، فسأوضّح له. «المُعجَب» هاليبِل هو من قوم الذئاب.]

قوم الذئاب――وعند سماع تلك الكلمات من رام، اهتزّ قلب سوبارو وجسده في لحظةٍ واحدة.

لكنّ ذلك لم يكن بسبب هاليبِل نفسه، بل لأسبابٍ أخرى. فالمعلومة بحدّ ذاتها لم تُضِف إلى فهمه شيئًا مباشرًا، غير أنّ المحادثة تابعت مجراها بطبيعتها.

فنسنت: [لا بدّ أنك على علمٍ بموقف الإمبراطورية تجاه قوم الذئاب. عبورك الحدود ودخولك هنا تصرّفٌ ينمّ عن تهوّرٍ كبير.]

هاليبِل: [بالطبع أعلم ذلك، وإن لم يكن لديّ شعورٌ طيّب نحوه. لكن عليكم أن تعلموا أنّ السبب في أنّني لا أُخفي كوني من قوم الذئاب هو ببساطة أنّ أحدًا لا يستطيع قتلي. ومن الواضح أنّ سيسيلوس ليس هنا.]

سوبارو: [――! مهلاً، هل تعرف سيسي؟]

هاليبِل: [همم؟ أوه، بالطبع أعرفه. لقد جاء ذات مرة ليحاول قتلي. لكن لسببٍ ما، بعد أن تبادلنا القتال لبعض الوقت، قال شيئًا مثل «يبدو أنّ الوقت لم يحن بعد»، ثمّ عاد إلى بيته.]

رغم أنّ الحديث انحرف عن موضوع الذئاب، فقد أجاب هاليبِل على سؤال سوبارو دون تردّد.

كانت إجابةً غير متوقّعة، ومصدرَ صلةٍ غير متوقّع. أن يكون سيسيلوس قد قاتل هاليبِل ذات يومٍ قتالًا مميتًا لم يكن أمرًا مستبعدًا، خاصةً وأنّ سيسيلوس على الأرجح هو من بدأ المعركة.

ثمّ――

بيرستيتز: [في الإمبراطورية الفولاكية، التي تُعرَف بموقفها الحازم تجاه قوم الذئاب، يظهر أشهر وأقوى شخصٍ من كاراراغي. والأسوأ أنّه فعل ذلك في المقصورة نفسها التي يجلس فيها صاحب السموّ فنسنت.]

سيرينا: [وإن أضفتُ إلى ذلك أنّه اطّلع على تفاصيل اجتماعٍ مهمٍّ بين بلادنا والمملكة، أوَليس هذا سببًا كافيًا لقطع رأسه، ولو أشعل ذلك صاعقةً زرقاء؟]

روزوال: [سيرينا، أما كان من الأفضل ألا تثيري الخطر على كلّ من في هذا المكان بذوقك الرديء؟]

استغلّت سيرينا تلخيص بيرستيتز للموقف لتدلي بتعليقها المليء بالسخرية والخطر، وكان من شدّة تطرف كلماتها أن روزوال لم يتمالك نفسه فأنّبها تحذيرًا.

وهكذا، وبعد أن خفّت الصدمة والاضطراب اللذان رافقا الظهور المفاجئ لهاليبِل، عادوا إلى أصل المسألة.

فنسنت: [لن أكرّر السؤال ثالثة. لأيّ غرضٍ جئتَ، أيّها المُعجَب؟]

سواءٌ كان هاليبِل متأثّرًا بما يراه من قوّة الحاضرين أم لا، فإنّ كلمة «تملّق» لم تكن موجودة في قاموس آبل. وإذ كان سوبارو يراقب صاحب ذلك القاموس الذي محا منه كلّ ألفاظ التواضع واللين، ابتلع ريقه متسائلًا كيف سيجيب هاليبِل.

لكنّ الأخير، على عكس التوتّر الذي خيّم على المكان، بقي جالسًا وهو يسند ذقنه إلى يديه على الطاولة وقال بهدوء:

هاليبِل: [لا داعي لكلّ هذا التوتّر. لقد قلتُ ما جئتُ من أجله منذ البداية، أليس كذلك؟ كنتُ فقط أتساءل إن كان من اللائق أن أطلّ لإلقاء تحيّةٍ سريعة.]

سوبارو: [بقولك «مرحبًا»، هل تقصد في الحقيقة شيئًا مثل اقتلاع قلوبنا جميعًا بدلًا من الترحيب بنا…؟]

هاليبيل: [أوي! يا لك من صاحب أفكار مرعبة يا فتى، أليس كذلك؟ ما كنتُ لأفعل شيئًا كهذا.]

بياتريس: [في هذه الحالة، أنت تقول إن هدفك كان بالفعل أن تلقي التحية وتُظهر نفسك فحسب، أليس كذلك؟]

هاليبيل: [صحيح؟]

احتجّ سوبارو بخوف وهو يحاول استيضاح أسلوب الترحيب الشبيه بالنينجا، فيما أجاب هاليبيل على سؤال بياتريس اللاحق ببرود.

وببلوغهما هذه المرحلة، بدا حقًا أن هاليبيل لا ينوي اللجوء إلى العنف.

أوتو: [في المقام الأول، هو شخص يستطيع قتلنا دون الحاجة إلى اللجوء لأساليب ملتوية. ألن يكون من غير اللائق أن يلهو بنا إلى هذه الدرجة ثم يأخذ حياتنا؟]

سوبارو: [كنتُ خائفًا أيضًا، لكن لا ينبغي أن تُخرج من الناس رأيًا كهذا… لكن، إن كان الأمر كذلك…]

إميليا: [إن كان الأمر كذلك؟ هل خطر لك شيء، سوبارو؟]

ابتلع سوبارو ريقه، إذ تخيّل أمرًا مروّعًا بعد أن أدرك موقف هاليبيل.

وحين سألته إميليا عن ذلك، وافترض أن صورة هاليبيل في ذهنه كانت كما أجاب بنفسه――

سوبارو: [إن كان كلٌّ من راينهارد وهذا الشخص مستقيمَين فعلًا، فحينها ذلك الموقف مع سيسي كان…]

فينسنت: [كُفّ عن هذا، ناتسُكي سوبارو. قد طُلِب منك التعاون، لكن لا أذكر أنني سمحتُ لك بالتحقيق في فضائح بلادنا.]

بيرستيتز: [فضائح… شخصيًّا، لا أستطيع إحصاء القضايا المرتبطة بالجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس.]

فيما يخصّ مسألة إنسانية سيسيلوس، لم يكن سوبارو وآبيل وحدهما، بل حتى بيرستيتز، متفقين على الرأي نفسه.

ورغم أن سيسيلوس لم يكن حاضرًا هنا، فقد كان الحديث عنه بنبرة ازدراء، لكن من المرجّح أنه حتى لو حضر، لظلّ الكلام عنه على هذا النحو.

في الواقع، كان من المعتاد عند سوبارو أن يتوهّم بأن الأقوياء يتحلّون بسلوك لائق، لذا كان تصرّف كلٍّ من راينهارد وهاليبيل مثاليًّا في نظره.

ومن ناحية أخرى، كان يؤمن أيضًا بأنه لولا وجود سيسيلوس في جزيرة المصارعين لما سارت الأمور على ما يرام، فهي حكاية تثبت أن لكل شيءٍ جانبًا حسنًا وآخر سيئًا.

إميليا: [إذن؟ في النهاية، ما هدف تحيّتك؟ هذه عربة تنين متجهة شمالًا، لكن حدود كاراراغي لا تزال بعيدة… لا يبدو ذلك سببًا كافيًا لاستدعاء حذرك، أليس كذلك؟]

هاليبيل: [هممم~، سيكون أسرع بكثير لو سألتم صاحبي بدلاً منّي. الأمور تعقّدت قليلًا بعدما صفّقتُ بيدي دون تفكير… آه، يبدو أن الوقت قد حان الآن.]

إميليا: [الوقت قد حان…؟]

كانت ملامح هاليبيل تبدو مسرورةً وفيها مسحة خجل، لكنه سرعان ما رفع رأسه حين أدرك شيئًا ما، فتابعه سوبارو بنظره.

لقد اتجه وجهه الذئبي نحو الباب الموصل بالعربة المجاورة، وبعد لحظةٍ واحدة، طُرِق الباب من الجهة الأخرى.

؟؟؟: [――أعذروني على مقاطعة الاجتماع. لديّ أمر يجب أن أبلّغه.]

بهذا الإعلان، الذي كان صوته مألوفًا، أمره آبيل بصمتٍ أن «ادخل».

فُتح الباب، ودخل رجلٌ قصير القامة ذو شعر منفوش.

وما إن رآه سوبارو حتى اتّسعت عيناه دهشةً.

سوبارو: [زيكر-سان! الحمد لله أنك بخير!]

زيكر: [بالفعل، لا داعي للقلق. ويسعدني أيضًا أنكِ سالمة، آنسة ناتسُمي.]

سوبارو: [لا زلتَ تناديني هكذا رغم أنني بهذا الشكل…]

كان الرجل قد ابتسم له عندما التقيا وعندما افترقا، وها هو الجنرال الإمبراطوري من الدرجة الثانية زيكر عثمان أمامه حيًّا يُرزق، فتنفّس سوبارو الصعداء وارتاح قلبه.

لكنّ ابتسامة زيكر سرعان ما اختفت، وقال بجدّية:

زيكر: [صاحب الجلالة، لديّ أمر يجب أن أبلّغه… لكن، ذلك الشخص هناك…]

فينسنت: [تجاهله في الوقت الحالي. على الأرجح أنه غير منفصل عن تقريرك.]

كان ردّ آبيل قاسيًا تجاه قلق زيكر من وجود هاليبيل في ركن المقصورة، لكن زيكر كان معتادًا على صرامة الإمبراطور في كبح الكلمات، فأومأ قائلًا: [حاضر، سيدي.]

زيكر: [لقد عادت سفينة التنين الطائر التابعة للكونتيسة العُليا دراكروي، ومعها شخصيات بارزة من المدينة المحصّنة غاركلا، إضافةً إلى زوّار من كاراراغي.]

فينسنت: [――زوّار من كاراراغي.]

تمتم آبيل بهذه الكلمات موجّهًا نظره السوداء نحو هاليبيل.

وبما أن وجهة عربات التنين المزدوجة كانت نحو المدينة المحصّنة غاركلا، فمن الطبيعي أن يأتي القائمون هناك عبر التنانين الطائرة. وإن كانوا قد اصطحبوا أشخاصًا من كاراراغي، فلابدّ أن لذلك صلة بهاليبيل.

بمعنى آخر――

إميليا: [هاليبيل-سان، هل جئتَ قبل أولئك الأشخاص؟]

هاليبيل: [حسنًا، أنا لست جيّدا مع الأماكن المرتفعة.]

سواء كانت كلماته اللطيفة إجابة مباشرة أم لا، فقد أقرّ ضِمنيًّا بأن ما قاله زيكر مرتبط به.

ورغم أن سوبارو استوعب أن هاليبيل لا يحبّ المرتفعات ولم يركب سفينة التنين الطائر، فإنه لم يستطع أن يفهم كيف وصل قبلها، غير أن لا فائدة من قول ذلك لأناسٍ يفوقون البشر في هذا العالم.

فحتى سيسيلوس يستطيع الركض أسرع من الطيران، لذا فالأمر سيّان تقريبًا.

على أية حال――

سيرينا: [لقد تكبّدوا عناء الصعود على متن سفينة التنين خاصّتي. فهل يجب أن نتوقع قدوم أشخاص ذوي نفوذٍ كبير يحملون كلماتٍ ذات أهمية بالغة؟]

زيكر: [على الأقل، الزائرة الجميلة قالت ذلك بنفسها.]

فينسنت: [من طريقتك في الحديث، يبدو أنها امرأة؟]

كان تقرير زيكر واضحًا، فقد أتت امرأة من كاراراغي.

أمال سوبارو رأسه حيرةً من الأمر، لكن رفاقه تفاعلوا بطريقة مختلفة؛ إذ شدّت بياتريس قبضتها على يده ونظرت إلى إميليا وقالت:

بياتريس: [إميليا، إنهم يتحدثون عن زوّارٍ من كاراراغي، في الواقع.]

إميليا: [نعم، بالفعل. ربما تكون تلك هي――]

سوبارو: [هاه؟ هااه؟ هل تعرفان شيئًا ما…؟]

هل تعرفان شيئًا؟ كان على وشك إتمام سؤاله حين――

؟؟؟: [――بالرغم من أن الناس قد تكبّدوا مشقّة القدوم إلى الإمبراطورية على عجل، أليس من القسوة أن تتفوّه بكلامٍ كهذا، ناتسُكي-كون؟]

سوبارو: [――――]

على نحوٍ غير متوقع، قاطع الصوت الحديث، بصوتٍ أنيق صادرٍ من خلف زيكر.

يبدو أن الزائر كان ينتظر على وصلة العربتين، لكن لا بد أن أذنه حادّة جدًا حتى استطاع المشاركة في الحديث، وهو أمرٌ طبيعي بالنسبة له.

فالتجّار دائمًا يرهفون السمع بحثًا عن فرصٍ لجني الأرباح.

بيرستيتز: [صاحب الجلالة، ما الذي يجب فعله؟]

إزاء حقيقة أن الصوت قد سمع ما دار من حديث، طلب بيرستيتز رأي آبيل، فوجه هذا الأخير نظرةً نحو سوبارو ليتحقق من تعبير وجهه، ثمّ نظر إلى الباب الذي صدر منه الصوت:

فينسنت: [يبدو أنك لست شخصًا فظًّا ومتطفّلًا فحسب. قدّم نفسك.]

الزائر: [إذن لن أمتنع عن ذلك.]

بإذنٍ من الإمبراطور، أجاب صاحب الصوت برفق، وقبل أن ينتبه أحد، كان هاليبيل الواقف بجوار الباب قد فتحه بيده، كاشفًا عن الزائر.

وحين رأى الزائر ذلك الاهتمام من هاليبيل، ابتسم شاكرًا له، ثم――

الزائر: [مرّ وقتٌ طويل منذ أن التقينا وجهًا لوجه، لكنني مسرورةٌ حقًا برؤيتكم بخير.]

سوبارو: [آه…]

الزائر: [ومع ذلك، يبدو أن إميليا-سان والبقية بارعون جدًا في الوقوع في المآزق. يبدو أنكم ستحتاجون إلى قوّتنا مرة أخرى.]

وبنبرةٍ غير رسمية وابتسامةٍ ودودة، مع ملاحظةٍ قاسية، وبشعرٍ بنفسجيٍّ فاتحٍ مربوطٍ إلى الخلف، ووشاحٍ من الفراء على كتفيها، وكمِّي كيمونو ينسابان من ذراعيها―― كانت تلك المرأة أناستازيا هوشين.

وبجانبها كان تابعها، شابٌّ يرتدي لباسًا يابانيّ الطراز.

سوبارو: [آنستازيا-سان و… يوليوس!؟]

شخصان لم يكن يظنّ أنه سيراهم هنا أبدًا، فدهش سوبارو من المفاجأة.

وعند سماع صوته المندهش، وضعت أناستازيا يدها على فمها وابتسمت، بينما الرجل الذي نُودي باسمه―― يوليوس، مرّر إصبعه على الندبة الحادّة تحت عينه اليسرى، ونظر إلى سوبارو.

ثم قال――

يوليوس: [――كنتُ أودّ أن أقول إنني سعيد بسلامتك، لكن لِمَ دائمًا هناك أمر غريب يحدث لك؟]

سوبارو: [لا تقل كلامًا يوحي وكأنني دائمًا أثير المشاكل لدرجة أنني أصغر حجمًا!]

وهكذا، بدلًا من أن تكون لحظة لقاءٍ سعيد، انطلقت الصرخة الأولى في لقائهما مجددًا.

△▼△▼△▼△

حين تلاشت كلّ قوّته من ركبتيه، سقط إلى الأمام وانهار على السهل المدمَّر.

ولأن إرادته لم تعد تملك ما يسند جسده، ارتطم وجهه بالأرض القاسية بلا رحمة، فشعر بألمٍ حادّ حين تهشّم أنفه، وجرت الدماء من شفتيه المتشققتين.

وبينما تذوّق دماءه، رطَّب ذلك السائل الساخن باطن فمه الجافّ قليلًا.

؟؟؟: [――――]

لم يتبقّ في أيّ جزء من جسده ذرّة من القوّة.

وإذا كانت إرادته قد انطفأت تمامًا، فلن يستغرق جسده طويلًا قبل أن تتلاشى قوّته بدوره. والآن، وقد فرغ الاثنان معًا، فسيهلك هنا على الأرض التي سقط فوقها، متعفّنًا حتى الفناء.

كلّ شيء، كلّ شيءٍ على الإطلاق، قد مضى هباءً.

ما حاول فعله، وما أغضبه أنّه اضطرّ لفعله، وما استمرّ عليه بدافع العادة وحدها، كلّ ذلك كان بلا طائل.

في النهاية، لم يستطع أن يكون سوى نفسه. والجحيم… ذاك الشيء لم يكن سوى ما يقبع في داخله.

وفي تلك الحالة، كيف له أن يفرّ منه؟ لا أحد يستطيع ذلك. لا أحد يمكنه الهرب من الجحيم الذي يحمل اسمه هو ذاته.

؟؟؟: [أيها… اللعنة…]

خرجت من بين شفتيه كلماتٌ متكسّرة بنبرة جافة.

ولم يعد في مقدوره حتى البكاء. لا الشغف، ولا الاستحقاق لذلك بقي فيه.

كلّ شيء بدا غريبًا إلى حدّ العبث. لم يكن المكان مكانه، ولا الهدف مما يمكن بلوغه. لقد مدّ يده نحو ما لا يمكن إدراكه، وكان ذلك أكبر أخطاء حياته… ومع ذلك، كرّر الخطأ ذاته مرّة أخرى.

لم تكن هناك أيّ مراجعة للنفس، ولذلك لم يتبقَّ له سوى الندم.

لم يكن من الممكن أن يحبّ شخصًا مثله، ولهذا لم يكن أمامه إلا أن يكره نفسه أكثر فأكثر، حتى بلغ حدّ الاشمئزاز من وجوده ذاته.

ولم يعد قادرًا حتى على أن يواصل حبّ من أحبّهم. كفى… إنّ الفاشلين المثيرين للشفقة أمثاله عليهم فقط أن يسرعوا وين――

؟؟؟: [――أوه؟ كنتُ أظنّ أنّي سأجرّد جثّة من مقتنياتها، لكن يبدو أنّ فيك بقايا نفس. هذا يستحقّ تصفيقًا، تصفيقًا.]

فجأة، دوّى صوتٌ فوق رأس الجسد المنهار.

لم يكن في جسده ما يكفي من الطاقة ليحرّك عضلة واحدة، غير أنّ صاحب الصوت مدّ يده وقلبه على ظهره. وفي لحظة، غمر عينيه ضوء السماء الزرقاء الصافية، فأنَّ بصوتٍ خافت: “أوووه”.

وهناك، الدموع التي لم تسل في لحظات خزيه وتوبته، بدأت أخيرًا تتكوّن في عينيه.

وكان ذلك محبطًا إلى حدٍّ ساحق.

كلّ شيء، كلّ جزءٍ من هذا الجسد، هل كان حقًّا لا يعمل إلا من أجله هو، ولا شيء غيره؟

الغريب: [ما بالك، يا سيد المنهار؟ غاضب من شيء؟ يا صاح، طالما أن جسدك ما زال حيًّا وسليمًا، فكلّ ما تحتاجه هو غمضة عين فحسب.]

؟؟؟: [أيعقل… أنني ما زلتُ حيًّا…؟]

الغريب: [هاه، يبدو أنّك من النوع الذي سئم من الحياة؟ يا للعجب… على حدّ علمي، لا يوجد سوى علاج واحد لتلك الأفكار الكئيبة.]

؟؟؟: [――――]

شعر بأنّ صاحب الصوت يبتسم، فرأى وجهه المقلوب يشقّ السماء الزرقاء الصافية المنعكسة في بصره. كان من الصعب تمييز ملامحه بسبب الوهج القادم من الخلف، لكنّه أدرك أنّ الرجل يبتسم ابتسامة واسعة.

ومع ذلك، لم تكن تلك الابتسامة ساخرة منه، ولهذا لم يفهم مغزاها.

غير أنّه――

؟؟؟: [ماذا… سنفعل؟]

وإذ عجز عن العثور على الجواب في نفسه، توجّه بالسؤال إلى ذاك الغريب الذي لا يفهمه.

على الأقل، وهو يلعن نفسه لكونه ما زال يتوق إلى الخلاص، أراد أن يسمع منه جوابًا أنبل مما يستحقّه.

وما إن سمع الرجل السؤال، حتى اتّسعت ابتسامته كمن أُصيب في الصميم، ثم قال:

الغريب: [أليس واضحًا؟ ―ـ سنذهب لنشرب الخمر حتى نغتسل به!]

وفور أن أنهى كلماته، أمسكه من ياقة ثوبه، وبدأ يجرّه بقوّةٍ عبر الأرض القاحلة. كان الرجل، باسطًا ساقيه الاثنتين، يسحب جسده بلا مقاومة.

وبينما كان يجرّه، استغلّ عجزه عن المقاومة ذريعةً، وأخذ يدندن ويغنّي:

الغريب: [أنا روان، الرونين البخيل. وأنت يا صاح، ما اسمك؟]

؟؟؟: [――――]

روان: [صاح، لا بدّ أن لك اسمًا، أليس كذلك؟ لن يزداد الأمر سوءًا لو أخبرتني.]

بأسلوبه الودود الزائد وسجيّته المألوفة، رأى الرجل الذي عرّف نفسه باسم “روان”، فتنفّس بعمقٍ طويل.

لم يكن ملزمًا بالإجابة، لكنه لم يجد سببًا ليمتنع أيضًا. كان يفكّر، وهو في حالٍ لم يعد يعنيه فيها ما سيؤول إليه مصيره――

؟؟؟: [اسمي… هاينكل.]

وهكذا، دون أن يدرك أيٌّ منهما من هو الآخر، أفصح هاينكل أسترِيا عن اسمه.

ولم يكن يعلم… أنّ المصادفة والمقدَّر هما الحيل القديمة التي اعتادت الأقدار أن تستخدمها دومًا.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.