36.29
كان الرجل واقفًا على قمة التل، يحدّق بعيدًا نحو الأفق الممتد.
فحرفيًّا، كان يوغارد يملك قوة تقيد وتُخضع الآخرين بألم الأشواك.
لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.
كان الرجل واقفًا على قمة التل، يحدّق بعيدًا نحو الأفق الممتد.
وما زاد الطين بلّة، أنّ كثيرًا من الرجال العاملين كانوا مصابين، وكان عدد المشاعل أقل من المعتاد، لذا بدا مشهد رجل واقف في الظلام غريبًا جدًّا في نظر الفتاة.
يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]
فلقد كانت عصابات اللصوص تهاجم القرى المجاورة، وقريتها قد نالت النصيب الأكبر من تلك الهجمات، إذ فقدت الكثير من مواشيها وطعامها، وأُصيب رجالها بجراح بالغة.
وأرادت أن تخبره أنه لا داعي للعجلة، يومًا ما وقفت إيريس بجانبه――
ومع ذلك، فإن حقيقة بقاء القرية وعدم فنائها كانت بمثابة بصيص نور في ظلمة حالكة، ويمكن القول إنّ وجود الرجل على قمة التل كان من جملة الحظ السعيد الذي حظيت به القرية.
△▼△▼△▼△
حين هاجم اللصوص القرية، قُتل أو جُرح الرجال الذين قاوموا، وأُسر النساء والأطفال الواحد تلو الآخر.
لم تكن إجابة يوغارد هي ما رغبت في سماعه.
وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.
هزّت يورنا رأسها ببطء، كاتمةً المشاعر التي اجتاحت قلبها.
طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.
وحين وصلت بتفكيرها إلى هذه النقطة، لاحظت متأخرةً الإحساس الغريب بملمس يدها الموضوعة على صدرها.
ثم مكثوا قرب القرية لحمايتها وإعادة إعمارها بسرعة لافتة، فأقيم سور متين حولها، أقوى من الذي كان يحيط بها قبل أن تُهاجم.
لقاء غير مرجو بعد فراق غير مرغوب فيه مع يوغارد، لربما كان ذلك أعز أمنيات يورنا. ومن هذا المنطلق، ربما كان يمكن القول إن تلك الأمنية قد تحققت أخيرًا.
وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.
ثم، استأنف خطاه التي كان قد أوقفها، واقترب منها حتى وقف أمام عينيها، ولمس خدها بيده الممدودة بلطف.
وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
الرجل: [――――]
؟؟؟: [――آه.]
كان منظر الرجل الصامت، المحدّق في ظلام الليل، يُمكن أن يُوصف بأنه مثير للسخرية.
وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.
فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
لكن في نظر الفتاة الصغيرة، لم يكن هذا الرجل مثيرًا للسخرية.
ولم يكن ذلك لامتلاكه قدرة خاصة نابعة من كونه “محبوبًا” من يورنا، بل كان شعورًا جارفًا جليًّا، حتى إنّ أي شخص آخر في الغرفة كان ليدركه على الفور.
بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.
لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.
وما حدث بعد ذلك، كان سببه فضولها الجارف لمعرفة ما الذي يسعى لرؤيته.
وكان استلقاؤها على سرير ناعم داخل هذه الغرفة الفسيحة سببًا إضافيًّا للشعور بالغرابة، وهذا الإدراك بحد ذاته كان شاذًّا.
الفتاة: [ألن يكون من الأجدر أن تُحصي النجوم في السماء، بدلًا من التحديق في الظلمة؟]
ويوغارد فولاكيا كان قد رأى ذلك بكل وضوح.
وقبل أن تدرك، كانت قد خاطبته من خلفه.
وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.
استدار الرجل نحوها وفي عينيه لمحة من الدهشة، مما جعلها تشعر بشيء من الفخر.
وحقيقة أن شفتيها، التي لم تكن تنطق سوى أنينًا من شدة الألم، استطاعت تكوين سؤال مفهوم، كان سببه الوحيد أن مشاعرها غلبت معاناتها.
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.
△▼△▼△▼△
فلقد كانت عصابات اللصوص تهاجم القرى المجاورة، وقريتها قد نالت النصيب الأكبر من تلك الهجمات، إذ فقدت الكثير من مواشيها وطعامها، وأُصيب رجالها بجراح بالغة.
――ذلك اللقاء مجددًا، لم يكن بالإمكان التنبؤ به.
ثم مكثوا قرب القرية لحمايتها وإعادة إعمارها بسرعة لافتة، فأقيم سور متين حولها، أقوى من الذي كان يحيط بها قبل أن تُهاجم.
فلعله ينبغي تسميته تقلبًا قاسيًا في أقدار الزمن، أو ضربة عجيبة من حظٍ غريب.
لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.
وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.
وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――
مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.
الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.
ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.
وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
ورغم الهجوم المروع الذي شنّه الأموات على الأحياء، والضربة العاتية التي شكلتها الكارثة، فإنّ عدد الضحايا كان أقل مما كان متوقّعًا.
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
؟؟؟: [――أه.]
ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.
وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.
؟؟؟: [――أه.]
وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.
زفرة خافتة خرجت من شفتيها، وبدأ الوعي يعود إليها رويدًا.
ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.
أجفانها الطويلة ارتجفت، كالشمس التي تخشى الفجر، وبدأت عيناها الزرقاوان تعكسان العالم ببطء؛ طرفت مرتين، وفي لحظةٍ واحدة، تبدّد الحلم العابر، واستقر الوعي في أرض الواقع.
؟؟؟: [――أه.]
؟؟؟: [――هك.]
فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.
جلست في سريرها على عجل، والعالم الذي انعكس في عينيها كان غريبًا عليها.
روح إيريس لم تصعد إلى السماء، بل قُيِّدت بأراضي الإمبراطورية الشاسعة، مما أدى إلى ولادة يورنا ميشيغيرو بعد أن أعيد تجسيدها مرارًا. والذي قيد روح إيريس بهذه الأرض لم يكن سوى ملك الأشواك، يوغارد فولاكيا.
الغرفة ذات سقف مرتفع، وجدرانها وأرضيتها مصنوعة من مواد راقية، صُنعت بإتقان بالغ. الأثاث الفاخر يملأ أرجاء الغرفة، مشيعًا فيها هالة لا تخفى من الفخامة والنبالة.
وقبل أن تدرك، كانت قد خاطبته من خلفه.
وكان استلقاؤها على سرير ناعم داخل هذه الغرفة الفسيحة سببًا إضافيًّا للشعور بالغرابة، وهذا الإدراك بحد ذاته كان شاذًّا.
يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]
إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.
يورنا: [――――]
؟؟؟: [كنت أشارك في…]
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
…معركة العاصمة الإمبراطورية، هكذا فكرت.
طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.
على الفور، استحضرت عالمًا كانت فيه الأرض والسماء تصطبغان بالقرمز، وتذكرت كيف كانت تعمل جهدها مع ابنتها التي التقت بها أخيرًا، في محاولة لتهدئة طفل باكٍ.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
كانت النار تلتهم يديها حرفيًّا، لكنها كانت محاولة ناجحة. [1]
وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.
ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،
وقبل أن تنهض من السرير بحثًا عن زينتها المفقودة، سمعت ذلك الصوت.
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.
وحين وصلت بتفكيرها إلى هذه النقطة، لاحظت متأخرةً الإحساس الغريب بملمس يدها الموضوعة على صدرها.
احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.
وحين نظرت إلى جسدها وهي على السرير، رأت أنّ ما ترتديه لم يكن كيمونوها المعتاد، بل فستانٌ أزرق مصنوع من أفخم الأقمشة، تفوح منه رائحة الرفاهية.
كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.
وشعرها الذي كانت تربطه قد فُك، ويبدو أن زينتها من حُليّ وأقراط قد أُزيلت.
يورنا: [يا صاحب السمو… ما الذي حدث في هذا العالم لتصبح على هذا الحال؟]
كل تلك الأشياء كانت لا تُقدّر بثمن عندها، ولم تكن لتفارقها حتى لو فقدت الوعي――،
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
؟؟؟: [――هل استيقظتِ، يا نجمتي؟]
وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.
وقبل أن تنهض من السرير بحثًا عن زينتها المفقودة، سمعت ذلك الصوت.
في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.
؟؟؟: [――آه.]
بالنسبة لها―― بالنسبة ليورنا ميشيغوري، كان ذلك أمرًا حتميًّا.
ذلك الصوت، الذي تسلّل إلى أذنيها على حين غرة، استحوذ على كامل نشاط عقلها بلا مبالغة.
ثم أشار إلى رف بجوار السرير، وختم حديثه معها دون أن يهدر كلمات إضافية.
كان صادرًا من مدخل الغرفة، المزخرف بأناقة وأثاث ساحرٍ يخطف الأبصار، لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك.
ثم أشار إلى رف بجوار السرير، وختم حديثه معها دون أن يهدر كلمات إضافية.
فكأن أذنيها قد أُسرتا، وكأن قلبها قد أُسر، وجذب وعيها نحو ذلك الاتجاه.
وهي تحمل مشاعرها العميقة، وجهت يورنا سؤالًا إلى ظهره المتوجه نحو باب الغرفة.
بالنسبة لها―― بالنسبة ليورنا ميشيغوري، كان ذلك أمرًا حتميًّا.
وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.
يورنا: [――――]
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.
غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.
كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.
كل تلك الأشياء كانت لا تُقدّر بثمن عندها، ولم تكن لتفارقها حتى لو فقدت الوعي――،
شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.
يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]
غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.
وأرادت أن تخبره أنه لا داعي للعجلة، يومًا ما وقفت إيريس بجانبه――
حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.
لم تكن إجابة يوغارد هي ما رغبت في سماعه.
ولهذا السبب، كانت يورنا تدرك أنها هنا الآن.
لم تكن قادرة على مقاومته.
لأنها تعلم――،
يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]
يورنا: […حضرتك، أأنت هو؟]
كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.
الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]
لكن لم يكن بالإمكان وجود شخص آخر في هذا المكان.
وقد حمل سؤال يورنا، الذي كان يحمل في طياته ظنًّا لا يُصدّق، إجابة من ذلك الرجل ضئيل الجسد.
وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
صوته كان جافًّا، باردًا، ومثقلاً بالحزن، ورغم قِصر عبارته، فقد حوى من المشاعر ما يكاد ينفجر من فرط غزارته.
يورنا: [يا صاحب السمو… ما الذي حدث في هذا العالم لتصبح على هذا الحال؟]
وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.
لا شيء على الإطلاق.
فالرجل الذي أمامها، كان يحب يورنا ميشيغوري.
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
ولم يكن ذلك لامتلاكه قدرة خاصة نابعة من كونه “محبوبًا” من يورنا، بل كان شعورًا جارفًا جليًّا، حتى إنّ أي شخص آخر في الغرفة كان ليدركه على الفور.
إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.
لكن لم يكن بالإمكان وجود شخص آخر في هذا المكان.
ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.
فهذا كان――،
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
الرجل: [لقاءً بعد فُرقةٍ دامت قرابة ثلاثمائة عام. لن يعوقنا أحد، لا أنا ولا أنتِ.]
بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.
يورنا: [――――]
كان منظر الرجل الصامت، المحدّق في ظلام الليل، يُمكن أن يُوصف بأنه مثير للسخرية.
الرجل: [دعيني أرى وجهك. حتى وإن تغيّرت هيئتك، أود أن أراك عن قرب.]
في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.
وبينما اقترب منها ببطء وهو يقول ذلك، ارتجف قلب يورنا.
ولهذا السبب، كانت يورنا تدرك أنها هنا الآن.
وماهية الشعور الذي جعلها ترتجف، لم تكن لتفهمه بوضوح. فقد كان هناك فرح غامر في هذا اللقاء المستحيل، ورغبة عارمة في الارتماء إلى صدره.
كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.
لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.
وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.
ولهذا، كانت مشاعر يورنا متضاربة تجاه هذا الرجل المتقدم نحوها، وارتعشت شفتيها――،
غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.
يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]
لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.
عند ندائها له بذلك، توقّف الرجل عن التقدّم، وشدّت يورنا شفتيها بقوة.
كان هنالك من القصص ما يعادل عدد الدموع التي يمكن ذرفها.
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
فقط يورنا―― لا، فقط هذه الروح التي بدأت حياتها كفتاة تُدعى “إيريس”، لا يمكنها البتة أن تخطئ ذلك الرجل المعروف بلقب “ملك الأشواك”، يوغارد.
الغرفة ذات سقف مرتفع، وجدرانها وأرضيتها مصنوعة من مواد راقية، صُنعت بإتقان بالغ. الأثاث الفاخر يملأ أرجاء الغرفة، مشيعًا فيها هالة لا تخفى من الفخامة والنبالة.
――إيريس وملك الأشواك.
أمسكت يورنا بصدرها بغريزة، ونظرة سريعة كشفت عن نقش لم يكن موجودًا من قبل على فستانها―― أشواك رمادية اللون قد أضيفت.
كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
قصةٌ اشتهرت بلقاء وافتراق الفتاة المعروفة باسم “إيريس” وإمبراطور فولاكيا الملقب بـ”ملك الأشواك”، وبالخاتمة المأساوية التي صُوِّرت فيها.
ويوغارد فولاكيا كان قد رأى ذلك بكل وضوح.
روح إيريس لم تصعد إلى السماء، بل قُيِّدت بأراضي الإمبراطورية الشاسعة، مما أدى إلى ولادة يورنا ميشيغيرو بعد أن أعيد تجسيدها مرارًا. والذي قيد روح إيريس بهذه الأرض لم يكن سوى ملك الأشواك، يوغارد فولاكيا.
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――
كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.
يورنا: [لا يمكن لتلك أن تكون حكاية جميلة.]
الغرفة ذات سقف مرتفع، وجدرانها وأرضيتها مصنوعة من مواد راقية، صُنعت بإتقان بالغ. الأثاث الفاخر يملأ أرجاء الغرفة، مشيعًا فيها هالة لا تخفى من الفخامة والنبالة.
هزّت يورنا رأسها ببطء، كاتمةً المشاعر التي اجتاحت قلبها.
وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.
لقاء غير مرجو بعد فراق غير مرغوب فيه مع يوغارد، لربما كان ذلك أعز أمنيات يورنا. ومن هذا المنطلق، ربما كان يمكن القول إن تلك الأمنية قد تحققت أخيرًا.
؟؟؟: [――أه.]
لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
يورنا: [ما كنتُ لأرغب برؤيتك بهذا الوجه وتلك العيون، يا صاحب السمو.]
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.
صوته كان جافًّا، باردًا، ومثقلاً بالحزن، ورغم قِصر عبارته، فقد حوى من المشاعر ما يكاد ينفجر من فرط غزارته.
كان قد توقف عن السير، وتلقى نظراتها―― هو، ببشرته الشاحبة وقزحيتيه الذهبيتين، قد تبدّل تمامًا عن الصورة التي عرفتها يورنا.
ويوغارد فولاكيا كان قد رأى ذلك بكل وضوح.
لم تكن تعلم ما الذي حلّ به على وجه الدقة.
شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.
لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.
يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]
فيوغارد، بهيئة متغيرة تمامًا، قد حقق قيامة مستحيلة―― وإذا ما كانت هذه الغرفة الغريبة التي استيقظت فيها إحدى غرف القصر البلوري، فقد مرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات.
فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.
احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
يورنا: [يا صاحب السمو… ما الذي حدث في هذا العالم لتصبح على هذا الحال؟]
فقط يورنا―― لا، فقط هذه الروح التي بدأت حياتها كفتاة تُدعى “إيريس”، لا يمكنها البتة أن تخطئ ذلك الرجل المعروف بلقب “ملك الأشواك”، يوغارد.
كان هنالك من القصص ما يعادل عدد الدموع التي يمكن ذرفها.
لكن في نظر الفتاة الصغيرة، لم يكن هذا الرجل مثيرًا للسخرية.
ومع ذلك، حاولت يورنا كبح مشاعرها، وسألت ما يجب سؤاله.
كانت النار تلتهم يديها حرفيًّا، لكنها كانت محاولة ناجحة. [1]
ولكن――
بالنسبة لها―― بالنسبة ليورنا ميشيغوري، كان ذلك أمرًا حتميًّا.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.
سؤال يورنا قُطع بإيماءة بسيطة من يوغارد وهو يرفع إصبعه.
فلعله ينبغي تسميته تقلبًا قاسيًا في أقدار الزمن، أو ضربة عجيبة من حظٍ غريب.
لم تكن الإيماءة في حد ذاتها ما أخرس يورنا. بل كان الألم الحاد الذي اجتاح قلبها معها، مجبرًا إياها على الصمت.
لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.
يورنا: [كاه، آه…]
بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.
وغرز الألم الحاد في قلبها، ليخرج من حنجرتها أنين عوضًا عن سؤال.
الفتاة: [ألن يكون من الأجدر أن تُحصي النجوم في السماء، بدلًا من التحديق في الظلمة؟]
أمسكت يورنا بصدرها بغريزة، ونظرة سريعة كشفت عن نقش لم يكن موجودًا من قبل على فستانها―― أشواك رمادية اللون قد أضيفت.
بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.
كانت تلك الأشواك تلتف حول مركز صدرها، تمر عبر بشرتها الشاحبة وتتوغل إلى الداخل.
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.
وبينما اقترب منها ببطء وهو يقول ذلك، ارتجف قلب يورنا.
وفي خضم سحابة الألم، ما خطر في بال يورنا كان لقب يوغارد―― إذ كان يُمنح الأباطرة المتعاقبون ألقابًا تعكس طريقتهم في الحكم وفتوحاتهم، لكن لقب يوغارد كان «إمبراطور العوسج».
يورنا: [ما الذي حلّ بالكيمونو الذي كنت أرتديه، وزينتي من الحلي والشَعر؟]
فحرفيًّا، كان يوغارد يملك قوة تقيد وتُخضع الآخرين بألم الأشواك.
وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
لقد أخضع رعاياه بأشواك لا تُلمس، غرسها فيهم؛ الإمبراطور العظيم الذي استخدم الألم والخوف لتوسيع أراضي الإمبراطورية إلى ما هي عليه الآن.
لم تكن تعلم ما الذي حلّ به على وجه الدقة.
وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.
ثم تذكرت.――في خضم تلك المعركة المتعلقة بالعاصمة الإمبراطورية، بعد أن قامت هي وبريسيلا بإسكات اراكيا التي كانت تصرخ وتثور، ما الهزيمة التي منيت بها؟
ورغم الهجوم المروع الذي شنّه الأموات على الأحياء، والضربة العاتية التي شكلتها الكارثة، فإنّ عدد الضحايا كان أقل مما كان متوقّعًا.
لا شيء على الإطلاق.
روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.
أُخذت على حين غرة بظهور يوغارد المفاجئ، ولم تستطع تفادي قيد الأشواك. ثم، وهي مقيدة ومعها اراكيا فاقدة الوعي، وجدت بريسيلا نفسها تواجه يوغارد، ومعه حشد من أصحاب العيون الذهبية――
كانت تلك الأشواك تلتف حول مركز صدرها، تمر عبر بشرتها الشاحبة وتتوغل إلى الداخل.
يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]
لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.
سؤال طُرح وسط ألم حاد لا يُحتمل.
؟؟؟: [كنت أشارك في…]
وحقيقة أن شفتيها، التي لم تكن تنطق سوى أنينًا من شدة الألم، استطاعت تكوين سؤال مفهوم، كان سببه الوحيد أن مشاعرها غلبت معاناتها.
وقد حمل سؤال يورنا، الذي كان يحمل في طياته ظنًّا لا يُصدّق، إجابة من ذلك الرجل ضئيل الجسد.
في الحقيقة، لم ينقص الألم الذي كانت تشعر به قيد أنملة.
يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]
لم يخفف يوغارد قيد الأشواك. سواء كانت الضحية يورنا أم غيرها، فالأمر سيان. في الأصل، لم يكن تصرف يوغارد نابعًا من غضب أو تأديب.
يورنا: [――آه.]
بالنسبة له، زرع الأشواك وتقييد الآخرين كانا أمرين طبيعيين كالتنفس.
لم تكن الإيماءة في حد ذاتها ما أخرس يورنا. بل كان الألم الحاد الذي اجتاح قلبها معها، مجبرًا إياها على الصمت.
كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.
وكان استلقاؤها على سرير ناعم داخل هذه الغرفة الفسيحة سببًا إضافيًّا للشعور بالغرابة، وهذا الإدراك بحد ذاته كان شاذًّا.
وصيحاتهم ودماؤهم لم تكن إلا وسيلته للتواصل معهم.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
لذلك، كان الوجود معه يعني تقاسم هذا الألم.
سؤال يورنا قُطع بإيماءة بسيطة من يوغارد وهو يرفع إصبعه.
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.
يورنا: [الاثنان اللذان كانا معي هناك، هل هما بخير؟]
لكن، لما ساء نبرتها، ضاق يوغارد عينيه وكأنه يتأمل شيئًا ما.
يوغارد: [إن كنتِ معهم، فلم يقعا تحت ناظري. ما تراه عيوني، يا نجمتي، ليس إلا أنتِ.]
وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.
يورنا: [هكذا إذًا…]
وما زاد الطين بلّة، أنّ كثيرًا من الرجال العاملين كانوا مصابين، وكان عدد المشاعل أقل من المعتاد، لذا بدا مشهد رجل واقف في الظلام غريبًا جدًّا في نظر الفتاة.
لم تكن إجابة يوغارد هي ما رغبت في سماعه.
يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]
لكن، لما ساء نبرتها، ضاق يوغارد عينيه وكأنه يتأمل شيئًا ما.
كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.
يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]
لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]
وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.
عند ندائها له بذلك، توقّف الرجل عن التقدّم، وشدّت يورنا شفتيها بقوة.
وبينما شعرت بألم آخر، منفصل عن ألم الأشواك، يعصر قلبها――
غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.
يورنا: [إن كان الأمر كذلك، يا صاحب السمو، لديّ طلب.]
وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.
يوغارد: [طلب؟]
ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.
يورنا: [――. قلتَ إنها ساحرة؟ أرغب في التأكد ما إن كان أولئك الذين جاءت بهم رفاقي.]
يورنا: [إن كان في ذلك نجاةٌ لأولئك الأطفال، فموتي ليس إلا أمرًا تافهًا.]
بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.
وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.
فبالنسبة ليورنا، التي لم تكن تفهم الوضع بالكامل، كان الأهم في تلك اللحظة هو سلامة هاتين الاثنتين.
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
وإن تحقق ذلك――
يورنا: [――――]
يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]
؟؟؟: [――هل استيقظتِ، يا نجمتي؟]
الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.
بريسيكا، سكان مدينة الشياطين، وكثير من أهل الإمبراطورية؛ أرادت أن تبقى هي، تلك التي تحبهم جميعًا.
يورنا: [――――]
كانت تلك الأشواك تلتف حول مركز صدرها، تمر عبر بشرتها الشاحبة وتتوغل إلى الداخل.
رفعت يورنا وجهها من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما نظر يوغارد إليها من علو.
الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]
لم تستطع الردّ فورًا على كلماته. ما كان بوسعها قول شيء من قبيل “أي هراء هذا”. إذ إن كلماته أصابت صميم نواياها.
بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.
روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.
كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.
ويوغارد فولاكيا كان قد رأى ذلك بكل وضوح.
وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.
يورنا: […الدم لا يمكن إنكاره.]
لكن، لما ساء نبرتها، ضاق يوغارد عينيه وكأنه يتأمل شيئًا ما.
وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
يورنا: [――――]
يورنا: [إن كان في ذلك نجاةٌ لأولئك الأطفال، فموتي ليس إلا أمرًا تافهًا.]
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]
لكن في نظر الفتاة الصغيرة، لم يكن هذا الرجل مثيرًا للسخرية.
فيما كانت يورنا تبتسم رغم الألم، أومأ يوغارد دون أن يتغير تعبيره.
كان هنالك من القصص ما يعادل عدد الدموع التي يمكن ذرفها.
ثم، استأنف خطاه التي كان قد أوقفها، واقترب منها حتى وقف أمام عينيها، ولمس خدها بيده الممدودة بلطف.
يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]
وعلى النقيض من حركته الحنونة، كانت أصابعه باردة، وكلما اقترب منها أكثر، غرزت أشواك قلبها بعمق أكبر.
هزّت يورنا رأسها ببطء، كاتمةً المشاعر التي اجتاحت قلبها.
يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]
فالرجل الذي أمامها، كان يحب يورنا ميشيغوري.
في قلبها وجسدها، شعرت يورنا بألم يخترقها؛ وحين أفلتها، ترك يوغارد تلك الكلمات، وأدار لها ظهره.
؟؟؟: [――هك.]
كعادته، كان سريعًا في اتخاذ قراراته.
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
وهي تحمل مشاعرها العميقة، وجهت يورنا سؤالًا إلى ظهره المتوجه نحو باب الغرفة.
بريسيكا، سكان مدينة الشياطين، وكثير من أهل الإمبراطورية؛ أرادت أن تبقى هي، تلك التي تحبهم جميعًا.
يورنا: [ما الذي حلّ بالكيمونو الذي كنت أرتديه، وزينتي من الحلي والشَعر؟]
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
ثم أشار إلى رف بجوار السرير، وختم حديثه معها دون أن يهدر كلمات إضافية.
غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.
توجه إلى خارج الغرفة، وبساطته تلك كانت بحق من صفات الرجل الذي عرفته يورنا. طوال حياته، كان يعيش بعجلة واندفاع، وكأن الوقت لا يكفيه.
احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.
وأرادت أن تخبره أنه لا داعي للعجلة، يومًا ما وقفت إيريس بجانبه――
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
يورنا: […تمامًا كفتاة صغيرة ضعيفة.]
فلعله ينبغي تسميته تقلبًا قاسيًا في أقدار الزمن، أو ضربة عجيبة من حظٍ غريب.
هزّت رأسها برفق، ونزلت من السرير، واتجهت نحو الرف.
ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.
وعندما فتحت الدرج، وجدت الكيمونو والـ”أوبي” مطويين بعناية، وكذلك كيسًا يحتوي على زينتها وأقراطها، مما جعلها تزفر بارتياح.
طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.
وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――
لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.
يورنا: [――آه.]
الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]
خرج صوت ضعيف بشكل غير معتاد من حنجرتها، وفي الوقت نفسه شعرت بحرارة تجتاح وجنتيها.
وماهية الشعور الذي جعلها ترتجف، لم تكن لتفهمه بوضوح. فقد كان هناك فرح غامر في هذا اللقاء المستحيل، ورغبة عارمة في الارتماء إلى صدره.
يورنا: [كُه.]
――ذلك اللقاء مجددًا، لم يكن بالإمكان التنبؤ به.
انحنى جسدها للأمام، وعضّت شفتيها بقوة تكتم بها نشيجًا.
كانت النار تلتهم يديها حرفيًّا، لكنها كانت محاولة ناجحة. [1]
ما كان يجوز لدموع كهذه أن تُذرف. فإن ذُرفت، فسيكون ذلك لعنةً تعيد السيدة المتألقة، سيدة مدينة الشياطين المسماة يورنا ميشيغيرو، إلى مجرد فتاة قروية تُدعى إيريس.
ومع ذلك، حاولت يورنا كبح مشاعرها، وسألت ما يجب سؤاله.
والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.
فلقد كانت عصابات اللصوص تهاجم القرى المجاورة، وقريتها قد نالت النصيب الأكبر من تلك الهجمات، إذ فقدت الكثير من مواشيها وطعامها، وأُصيب رجالها بجراح بالغة.
في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.
؟؟؟: [――أه.]
يورنا: [لماذا، يا صاحب السمو… لماذا الآن؟]
يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]
بريسيكا، سكان مدينة الشياطين، وكثير من أهل الإمبراطورية؛ أرادت أن تبقى هي، تلك التي تحبهم جميعًا.
رفعت يورنا وجهها من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما نظر يوغارد إليها من علو.
لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.
ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،
ذلك الألم الحلو المألوف كان كفيلًا بأن يدفعها إلى الجنون، والمخيف أنها لم تكن قادرة على مقاومته.
وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.
لم تكن قادرة على مقاومته.
لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.
لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.
