Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 29

36.29
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

36.29

كان الرجل واقفًا على قمة التل، يحدّق بعيدًا نحو الأفق الممتد.

ما كان يجوز لدموع كهذه أن تُذرف. فإن ذُرفت، فسيكون ذلك لعنةً تعيد السيدة المتألقة، سيدة مدينة الشياطين المسماة يورنا ميشيغيرو، إلى مجرد فتاة قروية تُدعى إيريس.

لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.

بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――

وما زاد الطين بلّة، أنّ كثيرًا من الرجال العاملين كانوا مصابين، وكان عدد المشاعل أقل من المعتاد، لذا بدا مشهد رجل واقف في الظلام غريبًا جدًّا في نظر الفتاة.

ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.

فلقد كانت عصابات اللصوص تهاجم القرى المجاورة، وقريتها قد نالت النصيب الأكبر من تلك الهجمات، إذ فقدت الكثير من مواشيها وطعامها، وأُصيب رجالها بجراح بالغة.

وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.

ومع ذلك، فإن حقيقة بقاء القرية وعدم فنائها كانت بمثابة بصيص نور في ظلمة حالكة، ويمكن القول إنّ وجود الرجل على قمة التل كان من جملة الحظ السعيد الذي حظيت به القرية.

يورنا: […حضرتك، أأنت هو؟]

حين هاجم اللصوص القرية، قُتل أو جُرح الرجال الذين قاوموا، وأُسر النساء والأطفال الواحد تلو الآخر.

كانت النار تلتهم يديها حرفيًّا، لكنها كانت محاولة ناجحة. [1]

وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.

لم تستطع الردّ فورًا على كلماته. ما كان بوسعها قول شيء من قبيل “أي هراء هذا”. إذ إن كلماته أصابت صميم نواياها.

طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.

كان قد توقف عن السير، وتلقى نظراتها―― هو، ببشرته الشاحبة وقزحيتيه الذهبيتين، قد تبدّل تمامًا عن الصورة التي عرفتها يورنا.

ثم مكثوا قرب القرية لحمايتها وإعادة إعمارها بسرعة لافتة، فأقيم سور متين حولها، أقوى من الذي كان يحيط بها قبل أن تُهاجم.

وحين نظرت إلى جسدها وهي على السرير، رأت أنّ ما ترتديه لم يكن كيمونوها المعتاد، بل فستانٌ أزرق مصنوع من أفخم الأقمشة، تفوح منه رائحة الرفاهية.

وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.

عند ندائها له بذلك، توقّف الرجل عن التقدّم، وشدّت يورنا شفتيها بقوة.

وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.

وصيحاتهم ودماؤهم لم تكن إلا وسيلته للتواصل معهم.

وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.

لقاء غير مرجو بعد فراق غير مرغوب فيه مع يوغارد، لربما كان ذلك أعز أمنيات يورنا. ومن هذا المنطلق، ربما كان يمكن القول إن تلك الأمنية قد تحققت أخيرًا.

الرجل: [――――]

بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.

كان منظر الرجل الصامت، المحدّق في ظلام الليل، يُمكن أن يُوصف بأنه مثير للسخرية.

ولهذا، كانت مشاعر يورنا متضاربة تجاه هذا الرجل المتقدم نحوها، وارتعشت شفتيها――،

فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.

؟؟؟: [――هل استيقظتِ، يا نجمتي؟]

لكن في نظر الفتاة الصغيرة، لم يكن هذا الرجل مثيرًا للسخرية.

أُخذت على حين غرة بظهور يوغارد المفاجئ، ولم تستطع تفادي قيد الأشواك. ثم، وهي مقيدة ومعها اراكيا فاقدة الوعي، وجدت بريسيلا نفسها تواجه يوغارد، ومعه حشد من أصحاب العيون الذهبية――

بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.

يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]

وما حدث بعد ذلك، كان سببه فضولها الجارف لمعرفة ما الذي يسعى لرؤيته.

لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.

الفتاة: [ألن يكون من الأجدر أن تُحصي النجوم في السماء، بدلًا من التحديق في الظلمة؟]

؟؟؟: [――هل استيقظتِ، يا نجمتي؟]

وقبل أن تدرك، كانت قد خاطبته من خلفه.

عند ندائها له بذلك، توقّف الرجل عن التقدّم، وشدّت يورنا شفتيها بقوة.

استدار الرجل نحوها وفي عينيه لمحة من الدهشة، مما جعلها تشعر بشيء من الفخر.

وشعرها الذي كانت تربطه قد فُك، ويبدو أن زينتها من حُليّ وأقراط قد أُزيلت.

――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.

كان منظر الرجل الصامت، المحدّق في ظلام الليل، يُمكن أن يُوصف بأنه مثير للسخرية.

△▼△▼△▼△

يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]

――ذلك اللقاء مجددًا، لم يكن بالإمكان التنبؤ به.

ثم، استأنف خطاه التي كان قد أوقفها، واقترب منها حتى وقف أمام عينيها، ولمس خدها بيده الممدودة بلطف.

فلعله ينبغي تسميته تقلبًا قاسيًا في أقدار الزمن، أو ضربة عجيبة من حظٍ غريب.

وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.

وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.

تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.

مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.

يورنا: [――――]

ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.

روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.

فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.

يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]

ورغم الهجوم المروع الذي شنّه الأموات على الأحياء، والضربة العاتية التي شكلتها الكارثة، فإنّ عدد الضحايا كان أقل مما كان متوقّعًا.

يورنا: […تمامًا كفتاة صغيرة ضعيفة.]

لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.

ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.

ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.

؟؟؟: [――أه.]

فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.

زفرة خافتة خرجت من شفتيها، وبدأ الوعي يعود إليها رويدًا.

مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.

أجفانها الطويلة ارتجفت، كالشمس التي تخشى الفجر، وبدأت عيناها الزرقاوان تعكسان العالم ببطء؛ طرفت مرتين، وفي لحظةٍ واحدة، تبدّد الحلم العابر، واستقر الوعي في أرض الواقع.

أمسكت يورنا بصدرها بغريزة، ونظرة سريعة كشفت عن نقش لم يكن موجودًا من قبل على فستانها―― أشواك رمادية اللون قد أضيفت.

؟؟؟: [――هك.]

مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.

جلست في سريرها على عجل، والعالم الذي انعكس في عينيها كان غريبًا عليها.

وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.

الغرفة ذات سقف مرتفع، وجدرانها وأرضيتها مصنوعة من مواد راقية، صُنعت بإتقان بالغ. الأثاث الفاخر يملأ أرجاء الغرفة، مشيعًا فيها هالة لا تخفى من الفخامة والنبالة.

لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.

وكان استلقاؤها على سرير ناعم داخل هذه الغرفة الفسيحة سببًا إضافيًّا للشعور بالغرابة، وهذا الإدراك بحد ذاته كان شاذًّا.

يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]

إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.

فهذا كان――،

؟؟؟: [كنت أشارك في…]

يورنا: [ما كنتُ لأرغب برؤيتك بهذا الوجه وتلك العيون، يا صاحب السمو.]

…معركة العاصمة الإمبراطورية، هكذا فكرت.

وحين نظرت إلى جسدها وهي على السرير، رأت أنّ ما ترتديه لم يكن كيمونوها المعتاد، بل فستانٌ أزرق مصنوع من أفخم الأقمشة، تفوح منه رائحة الرفاهية.

على الفور، استحضرت عالمًا كانت فيه الأرض والسماء تصطبغان بالقرمز، وتذكرت كيف كانت تعمل جهدها مع ابنتها التي التقت بها أخيرًا، في محاولة لتهدئة طفل باكٍ.

وكان استلقاؤها على سرير ناعم داخل هذه الغرفة الفسيحة سببًا إضافيًّا للشعور بالغرابة، وهذا الإدراك بحد ذاته كان شاذًّا.

كانت النار تلتهم يديها حرفيًّا، لكنها كانت محاولة ناجحة. [1]

ولهذا، كانت مشاعر يورنا متضاربة تجاه هذا الرجل المتقدم نحوها، وارتعشت شفتيها――،

ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،

وحين وصلت بتفكيرها إلى هذه النقطة، لاحظت متأخرةً الإحساس الغريب بملمس يدها الموضوعة على صدرها.

؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]

وحين وصلت بتفكيرها إلى هذه النقطة، لاحظت متأخرةً الإحساس الغريب بملمس يدها الموضوعة على صدرها.

يورنا: [ما كنتُ لأرغب برؤيتك بهذا الوجه وتلك العيون، يا صاحب السمو.]

وحين نظرت إلى جسدها وهي على السرير، رأت أنّ ما ترتديه لم يكن كيمونوها المعتاد، بل فستانٌ أزرق مصنوع من أفخم الأقمشة، تفوح منه رائحة الرفاهية.

يوغارد: [طلب؟]

وشعرها الذي كانت تربطه قد فُك، ويبدو أن زينتها من حُليّ وأقراط قد أُزيلت.

يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]

كل تلك الأشياء كانت لا تُقدّر بثمن عندها، ولم تكن لتفارقها حتى لو فقدت الوعي――،

ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.

؟؟؟: [――هل استيقظتِ، يا نجمتي؟]

يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]

وقبل أن تنهض من السرير بحثًا عن زينتها المفقودة، سمعت ذلك الصوت.

وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.

؟؟؟: [――آه.]

قصةٌ اشتهرت بلقاء وافتراق الفتاة المعروفة باسم “إيريس” وإمبراطور فولاكيا الملقب بـ”ملك الأشواك”، وبالخاتمة المأساوية التي صُوِّرت فيها.

ذلك الصوت، الذي تسلّل إلى أذنيها على حين غرة، استحوذ على كامل نشاط عقلها بلا مبالغة.

فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.

كان صادرًا من مدخل الغرفة، المزخرف بأناقة وأثاث ساحرٍ يخطف الأبصار، لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك.

جلست في سريرها على عجل، والعالم الذي انعكس في عينيها كان غريبًا عليها.

فكأن أذنيها قد أُسرتا، وكأن قلبها قد أُسر، وجذب وعيها نحو ذلك الاتجاه.

يورنا: [الاثنان اللذان كانا معي هناك، هل هما بخير؟]

بالنسبة لها―― بالنسبة ليورنا ميشيغوري، كان ذلك أمرًا حتميًّا.

وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.

يورنا: [――――]

غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.

بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.

يورنا: [الاثنان اللذان كانا معي هناك، هل هما بخير؟]

كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.

ولهذا السبب، كانت يورنا تدرك أنها هنا الآن.

شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.

والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.

غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.

يوغارد: [إن كنتِ معهم، فلم يقعا تحت ناظري. ما تراه عيوني، يا نجمتي، ليس إلا أنتِ.]

حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.

في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.

ولهذا السبب، كانت يورنا تدرك أنها هنا الآن.

يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]

لأنها تعلم――،

وماهية الشعور الذي جعلها ترتجف، لم تكن لتفهمه بوضوح. فقد كان هناك فرح غامر في هذا اللقاء المستحيل، ورغبة عارمة في الارتماء إلى صدره.

يورنا: […حضرتك، أأنت هو؟]

يوغارد: [طلب؟]

الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]

مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.

وقد حمل سؤال يورنا، الذي كان يحمل في طياته ظنًّا لا يُصدّق، إجابة من ذلك الرجل ضئيل الجسد.

روح إيريس لم تصعد إلى السماء، بل قُيِّدت بأراضي الإمبراطورية الشاسعة، مما أدى إلى ولادة يورنا ميشيغيرو بعد أن أعيد تجسيدها مرارًا. والذي قيد روح إيريس بهذه الأرض لم يكن سوى ملك الأشواك، يوغارد فولاكيا.

صوته كان جافًّا، باردًا، ومثقلاً بالحزن، ورغم قِصر عبارته، فقد حوى من المشاعر ما يكاد ينفجر من فرط غزارته.

؟؟؟: [――آه.]

وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.

وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.

فالرجل الذي أمامها، كان يحب يورنا ميشيغوري.

وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.

ولم يكن ذلك لامتلاكه قدرة خاصة نابعة من كونه “محبوبًا” من يورنا، بل كان شعورًا جارفًا جليًّا، حتى إنّ أي شخص آخر في الغرفة كان ليدركه على الفور.

وبينما شعرت بألم آخر، منفصل عن ألم الأشواك، يعصر قلبها――

لكن لم يكن بالإمكان وجود شخص آخر في هذا المكان.

لم يخفف يوغارد قيد الأشواك. سواء كانت الضحية يورنا أم غيرها، فالأمر سيان. في الأصل، لم يكن تصرف يوغارد نابعًا من غضب أو تأديب.

فهذا كان――،

وحين وصلت بتفكيرها إلى هذه النقطة، لاحظت متأخرةً الإحساس الغريب بملمس يدها الموضوعة على صدرها.

الرجل: [لقاءً بعد فُرقةٍ دامت قرابة ثلاثمائة عام. لن يعوقنا أحد، لا أنا ولا أنتِ.]

يورنا: [لماذا، يا صاحب السمو… لماذا الآن؟]

يورنا: [――――]

لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.

الرجل: [دعيني أرى وجهك. حتى وإن تغيّرت هيئتك، أود أن أراك عن قرب.]

وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.

وبينما اقترب منها ببطء وهو يقول ذلك، ارتجف قلب يورنا.

يورنا: [――――]

وماهية الشعور الذي جعلها ترتجف، لم تكن لتفهمه بوضوح. فقد كان هناك فرح غامر في هذا اللقاء المستحيل، ورغبة عارمة في الارتماء إلى صدره.

وشعرها الذي كانت تربطه قد فُك، ويبدو أن زينتها من حُليّ وأقراط قد أُزيلت.

لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.

وعلى النقيض من حركته الحنونة، كانت أصابعه باردة، وكلما اقترب منها أكثر، غرزت أشواك قلبها بعمق أكبر.

ولهذا، كانت مشاعر يورنا متضاربة تجاه هذا الرجل المتقدم نحوها، وارتعشت شفتيها――،

لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.

يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]

؟؟؟: [――أه.]

عند ندائها له بذلك، توقّف الرجل عن التقدّم، وشدّت يورنا شفتيها بقوة.

يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]

فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.

الفتاة: [ألن يكون من الأجدر أن تُحصي النجوم في السماء، بدلًا من التحديق في الظلمة؟]

فقط يورنا―― لا، فقط هذه الروح التي بدأت حياتها كفتاة تُدعى “إيريس”، لا يمكنها البتة أن تخطئ ذلك الرجل المعروف بلقب “ملك الأشواك”، يوغارد.

في قلبها وجسدها، شعرت يورنا بألم يخترقها؛ وحين أفلتها، ترك يوغارد تلك الكلمات، وأدار لها ظهره.

――إيريس وملك الأشواك.

الرجل: [――――]

كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.

يورنا: [إن كان الأمر كذلك، يا صاحب السمو، لديّ طلب.]

قصةٌ اشتهرت بلقاء وافتراق الفتاة المعروفة باسم “إيريس” وإمبراطور فولاكيا الملقب بـ”ملك الأشواك”، وبالخاتمة المأساوية التي صُوِّرت فيها.

وإن تحقق ذلك――

روح إيريس لم تصعد إلى السماء، بل قُيِّدت بأراضي الإمبراطورية الشاسعة، مما أدى إلى ولادة يورنا ميشيغيرو بعد أن أعيد تجسيدها مرارًا. والذي قيد روح إيريس بهذه الأرض لم يكن سوى ملك الأشواك، يوغارد فولاكيا.

لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.

بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――

ثم أشار إلى رف بجوار السرير، وختم حديثه معها دون أن يهدر كلمات إضافية.

يورنا: [لا يمكن لتلك أن تكون حكاية جميلة.]

لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.

هزّت يورنا رأسها ببطء، كاتمةً المشاعر التي اجتاحت قلبها.

كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.

لقاء غير مرجو بعد فراق غير مرغوب فيه مع يوغارد، لربما كان ذلك أعز أمنيات يورنا. ومن هذا المنطلق، ربما كان يمكن القول إن تلك الأمنية قد تحققت أخيرًا.

بريسيكا، سكان مدينة الشياطين، وكثير من أهل الإمبراطورية؛ أرادت أن تبقى هي، تلك التي تحبهم جميعًا.

لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.

يورنا: [لا يمكن لتلك أن تكون حكاية جميلة.]

يورنا: [ما كنتُ لأرغب برؤيتك بهذا الوجه وتلك العيون، يا صاحب السمو.]

الفتاة: [ألن يكون من الأجدر أن تُحصي النجوم في السماء، بدلًا من التحديق في الظلمة؟]

وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.

لم يخفف يوغارد قيد الأشواك. سواء كانت الضحية يورنا أم غيرها، فالأمر سيان. في الأصل، لم يكن تصرف يوغارد نابعًا من غضب أو تأديب.

كان قد توقف عن السير، وتلقى نظراتها―― هو، ببشرته الشاحبة وقزحيتيه الذهبيتين، قد تبدّل تمامًا عن الصورة التي عرفتها يورنا.

وبينما اقترب منها ببطء وهو يقول ذلك، ارتجف قلب يورنا.

لم تكن تعلم ما الذي حلّ به على وجه الدقة.

بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――

لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.

والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.

فيوغارد، بهيئة متغيرة تمامًا، قد حقق قيامة مستحيلة―― وإذا ما كانت هذه الغرفة الغريبة التي استيقظت فيها إحدى غرف القصر البلوري، فقد مرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات.

فهذا كان――،

احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.

يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]

يورنا: [يا صاحب السمو… ما الذي حدث في هذا العالم لتصبح على هذا الحال؟]

وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.

كان هنالك من القصص ما يعادل عدد الدموع التي يمكن ذرفها.

بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――

ومع ذلك، حاولت يورنا كبح مشاعرها، وسألت ما يجب سؤاله.

؟؟؟: [――آه.]

ولكن――

على الفور، استحضرت عالمًا كانت فيه الأرض والسماء تصطبغان بالقرمز، وتذكرت كيف كانت تعمل جهدها مع ابنتها التي التقت بها أخيرًا، في محاولة لتهدئة طفل باكٍ.

يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]

وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.

سؤال يورنا قُطع بإيماءة بسيطة من يوغارد وهو يرفع إصبعه.

…معركة العاصمة الإمبراطورية، هكذا فكرت.

لم تكن الإيماءة في حد ذاتها ما أخرس يورنا. بل كان الألم الحاد الذي اجتاح قلبها معها، مجبرًا إياها على الصمت.

يوغارد: [طلب؟]

يورنا: [كاه، آه…]

في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.

وغرز الألم الحاد في قلبها، ليخرج من حنجرتها أنين عوضًا عن سؤال.

لم يخفف يوغارد قيد الأشواك. سواء كانت الضحية يورنا أم غيرها، فالأمر سيان. في الأصل، لم يكن تصرف يوغارد نابعًا من غضب أو تأديب.

أمسكت يورنا بصدرها بغريزة، ونظرة سريعة كشفت عن نقش لم يكن موجودًا من قبل على فستانها―― أشواك رمادية اللون قد أضيفت.

حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.

كانت تلك الأشواك تلتف حول مركز صدرها، تمر عبر بشرتها الشاحبة وتتوغل إلى الداخل.

بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.

غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.

يوغارد: [طلب؟]

وفي خضم سحابة الألم، ما خطر في بال يورنا كان لقب يوغارد―― إذ كان يُمنح الأباطرة المتعاقبون ألقابًا تعكس طريقتهم في الحكم وفتوحاتهم، لكن لقب يوغارد كان «إمبراطور العوسج».

فكأن أذنيها قد أُسرتا، وكأن قلبها قد أُسر، وجذب وعيها نحو ذلك الاتجاه.

فحرفيًّا، كان يوغارد يملك قوة تقيد وتُخضع الآخرين بألم الأشواك.

كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.

لقد أخضع رعاياه بأشواك لا تُلمس، غرسها فيهم؛ الإمبراطور العظيم الذي استخدم الألم والخوف لتوسيع أراضي الإمبراطورية إلى ما هي عليه الآن.

يورنا: […الدم لا يمكن إنكاره.]

وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.

وصيحاتهم ودماؤهم لم تكن إلا وسيلته للتواصل معهم.

ثم تذكرت.――في خضم تلك المعركة المتعلقة بالعاصمة الإمبراطورية، بعد أن قامت هي وبريسيلا بإسكات اراكيا التي كانت تصرخ وتثور، ما الهزيمة التي منيت بها؟

ثم تذكرت.――في خضم تلك المعركة المتعلقة بالعاصمة الإمبراطورية، بعد أن قامت هي وبريسيلا بإسكات اراكيا التي كانت تصرخ وتثور، ما الهزيمة التي منيت بها؟

لا شيء على الإطلاق.

وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.

أُخذت على حين غرة بظهور يوغارد المفاجئ، ولم تستطع تفادي قيد الأشواك. ثم، وهي مقيدة ومعها اراكيا فاقدة الوعي، وجدت بريسيلا نفسها تواجه يوغارد، ومعه حشد من أصحاب العيون الذهبية――

وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.

يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]

ذلك الألم الحلو المألوف كان كفيلًا بأن يدفعها إلى الجنون، والمخيف أنها لم تكن قادرة على مقاومته.

سؤال طُرح وسط ألم حاد لا يُحتمل.

وفي خضم سحابة الألم، ما خطر في بال يورنا كان لقب يوغارد―― إذ كان يُمنح الأباطرة المتعاقبون ألقابًا تعكس طريقتهم في الحكم وفتوحاتهم، لكن لقب يوغارد كان «إمبراطور العوسج».

وحقيقة أن شفتيها، التي لم تكن تنطق سوى أنينًا من شدة الألم، استطاعت تكوين سؤال مفهوم، كان سببه الوحيد أن مشاعرها غلبت معاناتها.

لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.

في الحقيقة، لم ينقص الألم الذي كانت تشعر به قيد أنملة.

وهي تحمل مشاعرها العميقة، وجهت يورنا سؤالًا إلى ظهره المتوجه نحو باب الغرفة.

لم يخفف يوغارد قيد الأشواك. سواء كانت الضحية يورنا أم غيرها، فالأمر سيان. في الأصل، لم يكن تصرف يوغارد نابعًا من غضب أو تأديب.

ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.

بالنسبة له، زرع الأشواك وتقييد الآخرين كانا أمرين طبيعيين كالتنفس.

بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.

كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.

وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.

وصيحاتهم ودماؤهم لم تكن إلا وسيلته للتواصل معهم.

وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.

لذلك، كان الوجود معه يعني تقاسم هذا الألم.

يورنا: [كُه.]

تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.

وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.

يورنا: [الاثنان اللذان كانا معي هناك، هل هما بخير؟]

سؤال يورنا قُطع بإيماءة بسيطة من يوغارد وهو يرفع إصبعه.

يوغارد: [إن كنتِ معهم، فلم يقعا تحت ناظري. ما تراه عيوني، يا نجمتي، ليس إلا أنتِ.]

ولم يكن ذلك لامتلاكه قدرة خاصة نابعة من كونه “محبوبًا” من يورنا، بل كان شعورًا جارفًا جليًّا، حتى إنّ أي شخص آخر في الغرفة كان ليدركه على الفور.

يورنا: [هكذا إذًا…]

وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.

لم تكن إجابة يوغارد هي ما رغبت في سماعه.

يورنا: [――――]

لكن، لما ساء نبرتها، ضاق يوغارد عينيه وكأنه يتأمل شيئًا ما.

كعادته، كان سريعًا في اتخاذ قراراته.

يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]

――إيريس وملك الأشواك.

عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.

الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.

وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.

وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.

وبينما شعرت بألم آخر، منفصل عن ألم الأشواك، يعصر قلبها――

بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.

يورنا: [إن كان الأمر كذلك، يا صاحب السمو، لديّ طلب.]

سؤال طُرح وسط ألم حاد لا يُحتمل.

يوغارد: [طلب؟]

وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.

يورنا: [――. قلتَ إنها ساحرة؟ أرغب في التأكد ما إن كان أولئك الذين جاءت بهم رفاقي.]

كان صادرًا من مدخل الغرفة، المزخرف بأناقة وأثاث ساحرٍ يخطف الأبصار، لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك.

بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.

――إيريس وملك الأشواك.

فبالنسبة ليورنا، التي لم تكن تفهم الوضع بالكامل، كان الأهم في تلك اللحظة هو سلامة هاتين الاثنتين.

وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.

وإن تحقق ذلك――

ذلك الألم الحلو المألوف كان كفيلًا بأن يدفعها إلى الجنون، والمخيف أنها لم تكن قادرة على مقاومته.

يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]

لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.

الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.

إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.

يورنا: [――――]

وشعرها الذي كانت تربطه قد فُك، ويبدو أن زينتها من حُليّ وأقراط قد أُزيلت.

رفعت يورنا وجهها من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما نظر يوغارد إليها من علو.

لقد أخضع رعاياه بأشواك لا تُلمس، غرسها فيهم؛ الإمبراطور العظيم الذي استخدم الألم والخوف لتوسيع أراضي الإمبراطورية إلى ما هي عليه الآن.

لم تستطع الردّ فورًا على كلماته. ما كان بوسعها قول شيء من قبيل “أي هراء هذا”. إذ إن كلماته أصابت صميم نواياها.

شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.

روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.

كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.

ويوغارد فولاكيا كان قد رأى ذلك بكل وضوح.

يورنا: [ما كنتُ لأرغب برؤيتك بهذا الوجه وتلك العيون، يا صاحب السمو.]

يورنا: […الدم لا يمكن إنكاره.]

وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.

وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.

لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.

ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.

وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.

لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.

الرجل: [دعيني أرى وجهك. حتى وإن تغيّرت هيئتك، أود أن أراك عن قرب.]

يورنا: [إن كان في ذلك نجاةٌ لأولئك الأطفال، فموتي ليس إلا أمرًا تافهًا.]

وقبل أن تدرك، كانت قد خاطبته من خلفه.

يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]

يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]

فيما كانت يورنا تبتسم رغم الألم، أومأ يوغارد دون أن يتغير تعبيره.

حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.

ثم، استأنف خطاه التي كان قد أوقفها، واقترب منها حتى وقف أمام عينيها، ولمس خدها بيده الممدودة بلطف.

إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.

وعلى النقيض من حركته الحنونة، كانت أصابعه باردة، وكلما اقترب منها أكثر، غرزت أشواك قلبها بعمق أكبر.

احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.

يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]

…معركة العاصمة الإمبراطورية، هكذا فكرت.

في قلبها وجسدها، شعرت يورنا بألم يخترقها؛ وحين أفلتها، ترك يوغارد تلك الكلمات، وأدار لها ظهره.

والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.

كعادته، كان سريعًا في اتخاذ قراراته.

يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]

وهي تحمل مشاعرها العميقة، وجهت يورنا سؤالًا إلى ظهره المتوجه نحو باب الغرفة.

لا شيء على الإطلاق.

يورنا: [ما الذي حلّ بالكيمونو الذي كنت أرتديه، وزينتي من الحلي والشَعر؟]

الرجل: [دعيني أرى وجهك. حتى وإن تغيّرت هيئتك، أود أن أراك عن قرب.]

يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]

يورنا: […تمامًا كفتاة صغيرة ضعيفة.]

ثم أشار إلى رف بجوار السرير، وختم حديثه معها دون أن يهدر كلمات إضافية.

ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.

توجه إلى خارج الغرفة، وبساطته تلك كانت بحق من صفات الرجل الذي عرفته يورنا. طوال حياته، كان يعيش بعجلة واندفاع، وكأن الوقت لا يكفيه.

بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――

وأرادت أن تخبره أنه لا داعي للعجلة، يومًا ما وقفت إيريس بجانبه――

لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.

يورنا: […تمامًا كفتاة صغيرة ضعيفة.]

ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،

هزّت رأسها برفق، ونزلت من السرير، واتجهت نحو الرف.

سؤال يورنا قُطع بإيماءة بسيطة من يوغارد وهو يرفع إصبعه.

وعندما فتحت الدرج، وجدت الكيمونو والـ”أوبي” مطويين بعناية، وكذلك كيسًا يحتوي على زينتها وأقراطها، مما جعلها تزفر بارتياح.

يورنا: [――. قلتَ إنها ساحرة؟ أرغب في التأكد ما إن كان أولئك الذين جاءت بهم رفاقي.]

وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――

خرج صوت ضعيف بشكل غير معتاد من حنجرتها، وفي الوقت نفسه شعرت بحرارة تجتاح وجنتيها.

يورنا: [――آه.]

إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.

خرج صوت ضعيف بشكل غير معتاد من حنجرتها، وفي الوقت نفسه شعرت بحرارة تجتاح وجنتيها.

روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.

يورنا: [كُه.]

وماهية الشعور الذي جعلها ترتجف، لم تكن لتفهمه بوضوح. فقد كان هناك فرح غامر في هذا اللقاء المستحيل، ورغبة عارمة في الارتماء إلى صدره.

انحنى جسدها للأمام، وعضّت شفتيها بقوة تكتم بها نشيجًا.

حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.

ما كان يجوز لدموع كهذه أن تُذرف. فإن ذُرفت، فسيكون ذلك لعنةً تعيد السيدة المتألقة، سيدة مدينة الشياطين المسماة يورنا ميشيغيرو، إلى مجرد فتاة قروية تُدعى إيريس.

وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.

والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.

لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.

في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.

لم تستطع الردّ فورًا على كلماته. ما كان بوسعها قول شيء من قبيل “أي هراء هذا”. إذ إن كلماته أصابت صميم نواياها.

يورنا: [لماذا، يا صاحب السمو… لماذا الآن؟]

كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.

بريسيكا، سكان مدينة الشياطين، وكثير من أهل الإمبراطورية؛ أرادت أن تبقى هي، تلك التي تحبهم جميعًا.

الرجل: [لقاءً بعد فُرقةٍ دامت قرابة ثلاثمائة عام. لن يعوقنا أحد، لا أنا ولا أنتِ.]

لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.

الرجل: [――――]

ذلك الألم الحلو المألوف كان كفيلًا بأن يدفعها إلى الجنون، والمخيف أنها لم تكن قادرة على مقاومته.

وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.

لم تكن قادرة على مقاومته.

في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.

في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط