36.29
كان الرجل واقفًا على قمة التل، يحدّق بعيدًا نحو الأفق الممتد.
لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.
لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.
لم تكن الإيماءة في حد ذاتها ما أخرس يورنا. بل كان الألم الحاد الذي اجتاح قلبها معها، مجبرًا إياها على الصمت.
وما زاد الطين بلّة، أنّ كثيرًا من الرجال العاملين كانوا مصابين، وكان عدد المشاعل أقل من المعتاد، لذا بدا مشهد رجل واقف في الظلام غريبًا جدًّا في نظر الفتاة.
كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.
فلقد كانت عصابات اللصوص تهاجم القرى المجاورة، وقريتها قد نالت النصيب الأكبر من تلك الهجمات، إذ فقدت الكثير من مواشيها وطعامها، وأُصيب رجالها بجراح بالغة.
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
ومع ذلك، فإن حقيقة بقاء القرية وعدم فنائها كانت بمثابة بصيص نور في ظلمة حالكة، ويمكن القول إنّ وجود الرجل على قمة التل كان من جملة الحظ السعيد الذي حظيت به القرية.
كل تلك الأشياء كانت لا تُقدّر بثمن عندها، ولم تكن لتفارقها حتى لو فقدت الوعي――،
حين هاجم اللصوص القرية، قُتل أو جُرح الرجال الذين قاوموا، وأُسر النساء والأطفال الواحد تلو الآخر.
الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]
وبينما كانت الفتاة تواجه احتمال أن تُباع، أو أن تتعرض لشيء أسوأ من ذلك، ظهر جنود أوفدتهم العاصمة، وكان من بينهم ذلك الرجل الواقف على التل.
روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.
طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.
لذلك، كان الوجود معه يعني تقاسم هذا الألم.
ثم مكثوا قرب القرية لحمايتها وإعادة إعمارها بسرعة لافتة، فأقيم سور متين حولها، أقوى من الذي كان يحيط بها قبل أن تُهاجم.
يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]
وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.
ولكن――
وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.
وكما كانت تفعل النساء الكبيرات، كانت الفتاة الصغيرة مشغولة تسعى هنا وهناك، تعتني بالجرحى، وتقدم الطعام للجنود، وترعى أطفال القرية.
وفي طريق عودتها إلى منزلها بعد انتهائها من العمل، أبصرت الرجل على التل.
الرجل: [لقاءً بعد فُرقةٍ دامت قرابة ثلاثمائة عام. لن يعوقنا أحد، لا أنا ولا أنتِ.]
الرجل: [――――]
إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.
كان منظر الرجل الصامت، المحدّق في ظلام الليل، يُمكن أن يُوصف بأنه مثير للسخرية.
وإن تحقق ذلك――
فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.
كان هنالك من القصص ما يعادل عدد الدموع التي يمكن ذرفها.
لكن في نظر الفتاة الصغيرة، لم يكن هذا الرجل مثيرًا للسخرية.
كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.
بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
وما حدث بعد ذلك، كان سببه فضولها الجارف لمعرفة ما الذي يسعى لرؤيته.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
الفتاة: [ألن يكون من الأجدر أن تُحصي النجوم في السماء، بدلًا من التحديق في الظلمة؟]
لم تكن قادرة على مقاومته.
وقبل أن تدرك، كانت قد خاطبته من خلفه.
وبينما شعرت بألم آخر، منفصل عن ألم الأشواك، يعصر قلبها――
استدار الرجل نحوها وفي عينيه لمحة من الدهشة، مما جعلها تشعر بشيء من الفخر.
فبالنسبة ليورنا، التي لم تكن تفهم الوضع بالكامل، كان الأهم في تلك اللحظة هو سلامة هاتين الاثنتين.
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
حين هاجم اللصوص القرية، قُتل أو جُرح الرجال الذين قاوموا، وأُسر النساء والأطفال الواحد تلو الآخر.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
――ذلك اللقاء مجددًا، لم يكن بالإمكان التنبؤ به.
حين هاجم اللصوص القرية، قُتل أو جُرح الرجال الذين قاوموا، وأُسر النساء والأطفال الواحد تلو الآخر.
فلعله ينبغي تسميته تقلبًا قاسيًا في أقدار الزمن، أو ضربة عجيبة من حظٍ غريب.
كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.
وسط الخطر غير المسبوق الذي اجتاح إمبراطورية فولاكيا، أضحت ملامح الكارثة الكبرى معلومة للجميع تقريبًا في آنٍ واحد.
كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.
مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.
يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]
ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
ثم تذكرت.――في خضم تلك المعركة المتعلقة بالعاصمة الإمبراطورية، بعد أن قامت هي وبريسيلا بإسكات اراكيا التي كانت تصرخ وتثور، ما الهزيمة التي منيت بها؟
ورغم الهجوم المروع الذي شنّه الأموات على الأحياء، والضربة العاتية التي شكلتها الكارثة، فإنّ عدد الضحايا كان أقل مما كان متوقّعًا.
ومع ذلك، فإن حقيقة بقاء القرية وعدم فنائها كانت بمثابة بصيص نور في ظلمة حالكة، ويمكن القول إنّ وجود الرجل على قمة التل كان من جملة الحظ السعيد الذي حظيت به القرية.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
ولم يكن ذلك لامتلاكه قدرة خاصة نابعة من كونه “محبوبًا” من يورنا، بل كان شعورًا جارفًا جليًّا، حتى إنّ أي شخص آخر في الغرفة كان ليدركه على الفور.
ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.
يورنا: [――――]
؟؟؟: [――أه.]
شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.
زفرة خافتة خرجت من شفتيها، وبدأ الوعي يعود إليها رويدًا.
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
أجفانها الطويلة ارتجفت، كالشمس التي تخشى الفجر، وبدأت عيناها الزرقاوان تعكسان العالم ببطء؛ طرفت مرتين، وفي لحظةٍ واحدة، تبدّد الحلم العابر، واستقر الوعي في أرض الواقع.
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
؟؟؟: [――هك.]
؟؟؟: [――آه.]
جلست في سريرها على عجل، والعالم الذي انعكس في عينيها كان غريبًا عليها.
غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.
الغرفة ذات سقف مرتفع، وجدرانها وأرضيتها مصنوعة من مواد راقية، صُنعت بإتقان بالغ. الأثاث الفاخر يملأ أرجاء الغرفة، مشيعًا فيها هالة لا تخفى من الفخامة والنبالة.
…معركة العاصمة الإمبراطورية، هكذا فكرت.
وكان استلقاؤها على سرير ناعم داخل هذه الغرفة الفسيحة سببًا إضافيًّا للشعور بالغرابة، وهذا الإدراك بحد ذاته كان شاذًّا.
بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――
إذ مقارنةً بما تتذكره من لحظاتها السابقة، فإن هذا المكان لا يمتّ للواقع بصلة.
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
؟؟؟: [كنت أشارك في…]
وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.
…معركة العاصمة الإمبراطورية، هكذا فكرت.
يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]
على الفور، استحضرت عالمًا كانت فيه الأرض والسماء تصطبغان بالقرمز، وتذكرت كيف كانت تعمل جهدها مع ابنتها التي التقت بها أخيرًا، في محاولة لتهدئة طفل باكٍ.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
كانت النار تلتهم يديها حرفيًّا، لكنها كانت محاولة ناجحة. [1]
لم تكن تعلم ما الذي حلّ به على وجه الدقة.
ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،
فكأن أذنيها قد أُسرتا، وكأن قلبها قد أُسر، وجذب وعيها نحو ذلك الاتجاه.
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.
وحين وصلت بتفكيرها إلى هذه النقطة، لاحظت متأخرةً الإحساس الغريب بملمس يدها الموضوعة على صدرها.
يورنا: [――――]
وحين نظرت إلى جسدها وهي على السرير، رأت أنّ ما ترتديه لم يكن كيمونوها المعتاد، بل فستانٌ أزرق مصنوع من أفخم الأقمشة، تفوح منه رائحة الرفاهية.
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
وشعرها الذي كانت تربطه قد فُك، ويبدو أن زينتها من حُليّ وأقراط قد أُزيلت.
يورنا: [――――]
كل تلك الأشياء كانت لا تُقدّر بثمن عندها، ولم تكن لتفارقها حتى لو فقدت الوعي――،
كان الرجل واقفًا على قمة التل، يحدّق بعيدًا نحو الأفق الممتد.
؟؟؟: [――هل استيقظتِ، يا نجمتي؟]
على الفور، استحضرت عالمًا كانت فيه الأرض والسماء تصطبغان بالقرمز، وتذكرت كيف كانت تعمل جهدها مع ابنتها التي التقت بها أخيرًا، في محاولة لتهدئة طفل باكٍ.
وقبل أن تنهض من السرير بحثًا عن زينتها المفقودة، سمعت ذلك الصوت.
يورنا: [كُه.]
؟؟؟: [――آه.]
بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.
ذلك الصوت، الذي تسلّل إلى أذنيها على حين غرة، استحوذ على كامل نشاط عقلها بلا مبالغة.
ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،
كان صادرًا من مدخل الغرفة، المزخرف بأناقة وأثاث ساحرٍ يخطف الأبصار، لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك.
خرج صوت ضعيف بشكل غير معتاد من حنجرتها، وفي الوقت نفسه شعرت بحرارة تجتاح وجنتيها.
فكأن أذنيها قد أُسرتا، وكأن قلبها قد أُسر، وجذب وعيها نحو ذلك الاتجاه.
يورنا: [ما الذي حلّ بالكيمونو الذي كنت أرتديه، وزينتي من الحلي والشَعر؟]
بالنسبة لها―― بالنسبة ليورنا ميشيغوري، كان ذلك أمرًا حتميًّا.
جلست في سريرها على عجل، والعالم الذي انعكس في عينيها كان غريبًا عليها.
يورنا: [――――]
يورنا: [كاه، آه…]
بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.
توجه إلى خارج الغرفة، وبساطته تلك كانت بحق من صفات الرجل الذي عرفته يورنا. طوال حياته، كان يعيش بعجلة واندفاع، وكأن الوقت لا يكفيه.
كان هناك جسد ضئيل الحجم. أقصر بكثير من يورنا، التي كانت طويلة أصلًا كامرأة، وكان بُنيته النحيلة توحي بأنه طفل. لكنّه كان رجلًا وسيمًا بملامح حادة.
طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.
شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.
وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.
حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.
شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.
ولهذا السبب، كانت يورنا تدرك أنها هنا الآن.
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
لأنها تعلم――،
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
يورنا: […حضرتك، أأنت هو؟]
فيما كانت يورنا تبتسم رغم الألم، أومأ يوغارد دون أن يتغير تعبيره.
الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]
ومع ذلك، كان هناك من غاصوا في لجّة الفوضى تلك، لكنهم استطاعوا الزحف خارجها.
وقد حمل سؤال يورنا، الذي كان يحمل في طياته ظنًّا لا يُصدّق، إجابة من ذلك الرجل ضئيل الجسد.
وقبل أن تنهض من السرير بحثًا عن زينتها المفقودة، سمعت ذلك الصوت.
صوته كان جافًّا، باردًا، ومثقلاً بالحزن، ورغم قِصر عبارته، فقد حوى من المشاعر ما يكاد ينفجر من فرط غزارته.
――هذا اللقاء بين فتاة وملك، سيغدو لاحقًا حكاية خرافية تُروى لوقتٍ طويلٍ، طويلٍ جدًّا.
وكان ذلك نتيجة شدة التعلّق الذي يختلج صدره، ومصدر ذلك التعلّق هو الحب.
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
فالرجل الذي أمامها، كان يحب يورنا ميشيغوري.
الرجل: [دعيني أرى وجهك. حتى وإن تغيّرت هيئتك، أود أن أراك عن قرب.]
ولم يكن ذلك لامتلاكه قدرة خاصة نابعة من كونه “محبوبًا” من يورنا، بل كان شعورًا جارفًا جليًّا، حتى إنّ أي شخص آخر في الغرفة كان ليدركه على الفور.
وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.
لكن لم يكن بالإمكان وجود شخص آخر في هذا المكان.
يورنا: [إن كان الأمر كذلك، يا صاحب السمو، لديّ طلب.]
فهذا كان――،
لم تكن الإيماءة في حد ذاتها ما أخرس يورنا. بل كان الألم الحاد الذي اجتاح قلبها معها، مجبرًا إياها على الصمت.
الرجل: [لقاءً بعد فُرقةٍ دامت قرابة ثلاثمائة عام. لن يعوقنا أحد، لا أنا ولا أنتِ.]
يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]
يورنا: [――――]
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
الرجل: [دعيني أرى وجهك. حتى وإن تغيّرت هيئتك، أود أن أراك عن قرب.]
حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.
وبينما اقترب منها ببطء وهو يقول ذلك، ارتجف قلب يورنا.
وحقيقة أن شفتيها، التي لم تكن تنطق سوى أنينًا من شدة الألم، استطاعت تكوين سؤال مفهوم، كان سببه الوحيد أن مشاعرها غلبت معاناتها.
وماهية الشعور الذي جعلها ترتجف، لم تكن لتفهمه بوضوح. فقد كان هناك فرح غامر في هذا اللقاء المستحيل، ورغبة عارمة في الارتماء إلى صدره.
لكن ذلك لا يعني أنّ النتيجة كانت مثلى، رغم ما عكسه من بسالة الأحياء.
لكن في الوقت ذاته، كان هناك ثلاثمائة عام من الأسباب التي تمنعها من فعل ذلك. وكانت العقود الأخيرة من تلك الأعوام أبرز أسبابها في هذه اللحظة.
يورنا: [لا يمكن لتلك أن تكون حكاية جميلة.]
ولهذا، كانت مشاعر يورنا متضاربة تجاه هذا الرجل المتقدم نحوها، وارتعشت شفتيها――،
لقد مضى وقتٌ طويل على غروب الشمس، وكانت القرية الفقيرة، التي تفتقر إلى مصادر الضوء، عاجزة تمامًا أمام ظلمة الليل الدامسة.
يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]
كان قد توقف عن السير، وتلقى نظراتها―― هو، ببشرته الشاحبة وقزحيتيه الذهبيتين، قد تبدّل تمامًا عن الصورة التي عرفتها يورنا.
عند ندائها له بذلك، توقّف الرجل عن التقدّم، وشدّت يورنا شفتيها بقوة.
وقد حمل سؤال يورنا، الذي كان يحمل في طياته ظنًّا لا يُصدّق، إجابة من ذلك الرجل ضئيل الجسد.
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
فيوغارد، بهيئة متغيرة تمامًا، قد حقق قيامة مستحيلة―― وإذا ما كانت هذه الغرفة الغريبة التي استيقظت فيها إحدى غرف القصر البلوري، فقد مرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات.
فقط يورنا―― لا، فقط هذه الروح التي بدأت حياتها كفتاة تُدعى “إيريس”، لا يمكنها البتة أن تخطئ ذلك الرجل المعروف بلقب “ملك الأشواك”، يوغارد.
الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.
――إيريس وملك الأشواك.
ذلك الصوت، الذي تسلّل إلى أذنيها على حين غرة، استحوذ على كامل نشاط عقلها بلا مبالغة.
كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
قصةٌ اشتهرت بلقاء وافتراق الفتاة المعروفة باسم “إيريس” وإمبراطور فولاكيا الملقب بـ”ملك الأشواك”، وبالخاتمة المأساوية التي صُوِّرت فيها.
يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]
روح إيريس لم تصعد إلى السماء، بل قُيِّدت بأراضي الإمبراطورية الشاسعة، مما أدى إلى ولادة يورنا ميشيغيرو بعد أن أعيد تجسيدها مرارًا. والذي قيد روح إيريس بهذه الأرض لم يكن سوى ملك الأشواك، يوغارد فولاكيا.
ومع ذلك، ها هي الآن في مكان كهذا. شيء لا يمكن تفسيره البتة――،
بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
يورنا: [لا يمكن لتلك أن تكون حكاية جميلة.]
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
هزّت يورنا رأسها ببطء، كاتمةً المشاعر التي اجتاحت قلبها.
كان الرجل واقفًا على قمة التل، يحدّق بعيدًا نحو الأفق الممتد.
لقاء غير مرجو بعد فراق غير مرغوب فيه مع يوغارد، لربما كان ذلك أعز أمنيات يورنا. ومن هذا المنطلق، ربما كان يمكن القول إن تلك الأمنية قد تحققت أخيرًا.
والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.
لكن ذلك لم يكن صحيحًا. لم يكن هذا اللقاء هو الصورة التي تصورتها يورنا.
الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.
يورنا: [ما كنتُ لأرغب برؤيتك بهذا الوجه وتلك العيون، يا صاحب السمو.]
وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.
وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.
يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]
كان قد توقف عن السير، وتلقى نظراتها―― هو، ببشرته الشاحبة وقزحيتيه الذهبيتين، قد تبدّل تمامًا عن الصورة التي عرفتها يورنا.
لأنها تعلم――،
لم تكن تعلم ما الذي حلّ به على وجه الدقة.
ومع ذلك، فإن حقيقة بقاء القرية وعدم فنائها كانت بمثابة بصيص نور في ظلمة حالكة، ويمكن القول إنّ وجود الرجل على قمة التل كان من جملة الحظ السعيد الذي حظيت به القرية.
لكنها كانت واثقة أن هيئته غير طبيعية، وأنه من المؤكد أنها لن تعود بالنفع لا عليها ولا على أولادها الأعزاء.
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
فيوغارد، بهيئة متغيرة تمامًا، قد حقق قيامة مستحيلة―― وإذا ما كانت هذه الغرفة الغريبة التي استيقظت فيها إحدى غرف القصر البلوري، فقد مرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات.
لم تستطع الردّ فورًا على كلماته. ما كان بوسعها قول شيء من قبيل “أي هراء هذا”. إذ إن كلماته أصابت صميم نواياها.
احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
يورنا: [يا صاحب السمو… ما الذي حدث في هذا العالم لتصبح على هذا الحال؟]
يورنا: [――――]
كان هنالك من القصص ما يعادل عدد الدموع التي يمكن ذرفها.
روح إيريس لم تصعد إلى السماء، بل قُيِّدت بأراضي الإمبراطورية الشاسعة، مما أدى إلى ولادة يورنا ميشيغيرو بعد أن أعيد تجسيدها مرارًا. والذي قيد روح إيريس بهذه الأرض لم يكن سوى ملك الأشواك، يوغارد فولاكيا.
ومع ذلك، حاولت يورنا كبح مشاعرها، وسألت ما يجب سؤاله.
وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.
ولكن――
ذلك الألم الحلو المألوف كان كفيلًا بأن يدفعها إلى الجنون، والمخيف أنها لم تكن قادرة على مقاومته.
يوغارد: [――يا نجمة قلبي.]
يورنا: [إن كان في ذلك نجاةٌ لأولئك الأطفال، فموتي ليس إلا أمرًا تافهًا.]
سؤال يورنا قُطع بإيماءة بسيطة من يوغارد وهو يرفع إصبعه.
يورنا: [――――]
لم تكن الإيماءة في حد ذاتها ما أخرس يورنا. بل كان الألم الحاد الذي اجتاح قلبها معها، مجبرًا إياها على الصمت.
غير أنّ يورنا كانت تعلم أنه في الحقيقة، ليس بذلك البرود، وإنما الناس كانوا يخافونه، وهو لم يحاول أن يصدّهم. ――بل إنه لم يبعد نفسه عنها قط.
يورنا: [كاه، آه…]
لم تكن تعلم ما الذي حلّ به على وجه الدقة.
وغرز الألم الحاد في قلبها، ليخرج من حنجرتها أنين عوضًا عن سؤال.
لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.
أمسكت يورنا بصدرها بغريزة، ونظرة سريعة كشفت عن نقش لم يكن موجودًا من قبل على فستانها―― أشواك رمادية اللون قد أضيفت.
وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
كانت تلك الأشواك تلتف حول مركز صدرها، تمر عبر بشرتها الشاحبة وتتوغل إلى الداخل.
فلقد كانت عصابات اللصوص تهاجم القرى المجاورة، وقريتها قد نالت النصيب الأكبر من تلك الهجمات، إذ فقدت الكثير من مواشيها وطعامها، وأُصيب رجالها بجراح بالغة.
غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.
بمعنى آخر، كانت هذه بمثابة خاتمة غير مكتوبة لقصة «إيريس وملك الأشواك»――
وفي خضم سحابة الألم، ما خطر في بال يورنا كان لقب يوغارد―― إذ كان يُمنح الأباطرة المتعاقبون ألقابًا تعكس طريقتهم في الحكم وفتوحاتهم، لكن لقب يوغارد كان «إمبراطور العوسج».
فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.
فحرفيًّا، كان يوغارد يملك قوة تقيد وتُخضع الآخرين بألم الأشواك.
بل كان يحدّق في البعيد بكل جوارحه، وكأنه يحاول التحقق من شيء لا يراه سواه.
لقد أخضع رعاياه بأشواك لا تُلمس، غرسها فيهم؛ الإمبراطور العظيم الذي استخدم الألم والخوف لتوسيع أراضي الإمبراطورية إلى ما هي عليه الآن.
وقبل أن تدرك، كانت قد خاطبته من خلفه.
وهي تتلوى من ألم لا يُطاق، ارتجف حلق يورنا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
فبغض النظر عن قوتهم البدنية، تمكنوا من النهوض ككائنات ذات قوة روحية ونفسية هائلة―― وفي أعين الناس العاديين والمتوسطين، كانوا يُرَون أبطالًا واستثناءات. وغالبًا ما كانت تلك الشخصيات القوية جسديًّا أيضًا، لكنّ أفعالهم أثّرت بشكل كبير في مصير العاصمة الإمبراطورية.
ثم تذكرت.――في خضم تلك المعركة المتعلقة بالعاصمة الإمبراطورية، بعد أن قامت هي وبريسيلا بإسكات اراكيا التي كانت تصرخ وتثور، ما الهزيمة التي منيت بها؟
كل تلك الأشياء كانت لا تُقدّر بثمن عندها، ولم تكن لتفارقها حتى لو فقدت الوعي――،
لا شيء على الإطلاق.
يورنا: [――جلالتك، يوغارد فولاكيا.]
أُخذت على حين غرة بظهور يوغارد المفاجئ، ولم تستطع تفادي قيد الأشواك. ثم، وهي مقيدة ومعها اراكيا فاقدة الوعي، وجدت بريسيلا نفسها تواجه يوغارد، ومعه حشد من أصحاب العيون الذهبية――
وإن تحقق ذلك――
يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]
فبالنسبة ليورنا، التي لم تكن تفهم الوضع بالكامل، كان الأهم في تلك اللحظة هو سلامة هاتين الاثنتين.
سؤال طُرح وسط ألم حاد لا يُحتمل.
لا شيء على الإطلاق.
وحقيقة أن شفتيها، التي لم تكن تنطق سوى أنينًا من شدة الألم، استطاعت تكوين سؤال مفهوم، كان سببه الوحيد أن مشاعرها غلبت معاناتها.
وصيحاتهم ودماؤهم لم تكن إلا وسيلته للتواصل معهم.
في الحقيقة، لم ينقص الألم الذي كانت تشعر به قيد أنملة.
طوّقوا اللصوص في لمح البصر، وقضوا عليهم بلا مقاومة تُذكر.
لم يخفف يوغارد قيد الأشواك. سواء كانت الضحية يورنا أم غيرها، فالأمر سيان. في الأصل، لم يكن تصرف يوغارد نابعًا من غضب أو تأديب.
مسيرة الموتى العائدين من القبور أغرقت الأحياء في فوضى عارمة.
بالنسبة له، زرع الأشواك وتقييد الآخرين كانا أمرين طبيعيين كالتنفس.
استدار الرجل نحوها وفي عينيه لمحة من الدهشة، مما جعلها تشعر بشيء من الفخر.
كما يمشي الناس على قدمين، كان يوغارد يقيد الآخرين بالأشواك.
بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.
وصيحاتهم ودماؤهم لم تكن إلا وسيلته للتواصل معهم.
بالنسبة لها―― بالنسبة ليورنا ميشيغوري، كان ذلك أمرًا حتميًّا.
لذلك، كان الوجود معه يعني تقاسم هذا الألم.
ثم تذكرت.――في خضم تلك المعركة المتعلقة بالعاصمة الإمبراطورية، بعد أن قامت هي وبريسيلا بإسكات اراكيا التي كانت تصرخ وتثور، ما الهزيمة التي منيت بها؟
تذكرت ذلك من تجربتها الشخصية، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي يورنا وهي تكرر سؤالها.
فيوغارد، بهيئة متغيرة تمامًا، قد حقق قيامة مستحيلة―― وإذا ما كانت هذه الغرفة الغريبة التي استيقظت فيها إحدى غرف القصر البلوري، فقد مرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات.
يورنا: [الاثنان اللذان كانا معي هناك، هل هما بخير؟]
وبينما شعرت بألم آخر، منفصل عن ألم الأشواك، يعصر قلبها――
يوغارد: [إن كنتِ معهم، فلم يقعا تحت ناظري. ما تراه عيوني، يا نجمتي، ليس إلا أنتِ.]
يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]
يورنا: [هكذا إذًا…]
ثم، استأنف خطاه التي كان قد أوقفها، واقترب منها حتى وقف أمام عينيها، ولمس خدها بيده الممدودة بلطف.
لم تكن إجابة يوغارد هي ما رغبت في سماعه.
يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]
لكن، لما ساء نبرتها، ضاق يوغارد عينيه وكأنه يتأمل شيئًا ما.
وقبل أن تنهض من السرير بحثًا عن زينتها المفقودة، سمعت ذلك الصوت.
يوغارد: […مع ذلك، لقد جلبت الساحرة بعض الكائنات الحية إلى القصر. لعل أولئك الذين تتحدثين عنهم ضمنهم.]
رفعت يورنا وجهها من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما نظر يوغارد إليها من علو.
عند إضافته تلك الكلمات، شهقت يورنا بحدة.
لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.
وعلى الرغم من أن عيني يوغارد الذهبيتين تختلفان عن زرقتهما التي في ذاكرتها، إلا أن نظرته الحانية واهتمامه العفوي لم يتغيرا عما كان عليه.
ولكن――
وبينما شعرت بألم آخر، منفصل عن ألم الأشواك، يعصر قلبها――
؟؟؟: […الكيمونو خاصتي؟]
يورنا: [إن كان الأمر كذلك، يا صاحب السمو، لديّ طلب.]
احتمال وقوع أمر شاذ، وأن حال الإمبراطورية قد تغيّر.
يوغارد: [طلب؟]
فهذا كان――،
يورنا: [――. قلتَ إنها ساحرة؟ أرغب في التأكد ما إن كان أولئك الذين جاءت بهم رفاقي.]
يورنا: [――بريسيكا… هل هي بخير؟]
بريسيكا واراكيا، أرادت أن تتأكد من سلامتهما.
ذلك الصوت، الذي تسلّل إلى أذنيها على حين غرة، استحوذ على كامل نشاط عقلها بلا مبالغة.
فبالنسبة ليورنا، التي لم تكن تفهم الوضع بالكامل، كان الأهم في تلك اللحظة هو سلامة هاتين الاثنتين.
يورنا: [――――]
وإن تحقق ذلك――
ومع ذلك، حاولت يورنا كبح مشاعرها، وسألت ما يجب سؤاله.
يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]
ثم مكثوا قرب القرية لحمايتها وإعادة إعمارها بسرعة لافتة، فأقيم سور متين حولها، أقوى من الذي كان يحيط بها قبل أن تُهاجم.
الكلمات التي نطق بها يوغارد، اخترقت صدر يورنا مرة أخرى بألم مختلف.
الرجل: [غريبٌ ما نطقتِ به. لكنني أقبله. كل ما يتصل بروحكِ، أقبله.] [2]
يورنا: [――――]
وكأن قدرًا خبيثًا يسخر منها، نظرت يورنا إلى يوغارد وهي تتملكها مرارة حزينة.
رفعت يورنا وجهها من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما نظر يوغارد إليها من علو.
ما كان يجوز لدموع كهذه أن تُذرف. فإن ذُرفت، فسيكون ذلك لعنةً تعيد السيدة المتألقة، سيدة مدينة الشياطين المسماة يورنا ميشيغيرو، إلى مجرد فتاة قروية تُدعى إيريس.
لم تستطع الردّ فورًا على كلماته. ما كان بوسعها قول شيء من قبيل “أي هراء هذا”. إذ إن كلماته أصابت صميم نواياها.
ففي بداية الفوضى، ابتلع الهجوم المباغت أفرادًا كان من المفترض أن يُحسبوا بين الاستثناءات، قبل أن يتمكنوا من النهوض والمواجهة.
روحها المقيدة بأرض الإمبراطورية الشاسعة، كانت تُبعث في جسد جديد تحت اسم جديد في كل مرة تموت فيها.――تكرر ذلك مرارًا، ويورنا، أو إيريس، قد حملت أمنية ما.
خرج صوت ضعيف بشكل غير معتاد من حنجرتها، وفي الوقت نفسه شعرت بحرارة تجتاح وجنتيها.
ويوغارد فولاكيا كان قد رأى ذلك بكل وضوح.
فالتمعّن في الظلمة، حيث لا يُتوقّع أن يُرى شيء، يُعدّ قمّة العبث. فالأفعال التي لا تؤدي إلى نتائج لا تُقدَّر قيمتها؛ هكذا كانت قسوة الإمبراطورية.
يورنا: […الدم لا يمكن إنكاره.]
وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――
وذلك الشيء ذاته، كان قد رآه فينسنت فولاكيا أيضًا.
يورنا: [كُه.]
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
وفي خضم سحابة الألم، ما خطر في بال يورنا كان لقب يوغارد―― إذ كان يُمنح الأباطرة المتعاقبون ألقابًا تعكس طريقتهم في الحكم وفتوحاتهم، لكن لقب يوغارد كان «إمبراطور العوسج».
لذلك، أومأت يورنا برأسها ردًا على سؤال يوغارد.
――ذلك اللقاء مجددًا، لم يكن بالإمكان التنبؤ به.
يورنا: [إن كان في ذلك نجاةٌ لأولئك الأطفال، فموتي ليس إلا أمرًا تافهًا.]
يوغارد: [――هل ستتخلّين عن الموت، يا نجمتي؟]
يوغارد: [ذلك كافٍ. سأحقق لك طلبك، يا نجمتي.]
يورنا: [――――]
فيما كانت يورنا تبتسم رغم الألم، أومأ يوغارد دون أن يتغير تعبيره.
يورنا: [إن كان الأمر كذلك، يا صاحب السمو، لديّ طلب.]
ثم، استأنف خطاه التي كان قد أوقفها، واقترب منها حتى وقف أمام عينيها، ولمس خدها بيده الممدودة بلطف.
ورغم الهجوم المروع الذي شنّه الأموات على الأحياء، والضربة العاتية التي شكلتها الكارثة، فإنّ عدد الضحايا كان أقل مما كان متوقّعًا.
وعلى النقيض من حركته الحنونة، كانت أصابعه باردة، وكلما اقترب منها أكثر، غرزت أشواك قلبها بعمق أكبر.
لكن في نظر الفتاة الصغيرة، لم يكن هذا الرجل مثيرًا للسخرية.
يوغارد: [انتظري لحظة قصيرة.]
بعينين متسعتين، ظلت يورنا، وهي لا تزال على السرير، تحدق في الهيئة الواقفة عند المدخل.
في قلبها وجسدها، شعرت يورنا بألم يخترقها؛ وحين أفلتها، ترك يوغارد تلك الكلمات، وأدار لها ظهره.
كانت تلك حكاية خرافية تُروى في هذا العالم منذ زمنٍ بعيد، وفي ذات الوقت، كانت قصةً قديمة من حقائق التاريخ.
كعادته، كان سريعًا في اتخاذ قراراته.
يورنا: [الاثنان اللذان كانا معي هناك، هل هما بخير؟]
وهي تحمل مشاعرها العميقة، وجهت يورنا سؤالًا إلى ظهره المتوجه نحو باب الغرفة.
غرست أشواكها في قلب يورنا، مسببة ألمًا هائلًا اجتاح جسدها كله. ولم يكن لمسها مجديًا؛ إذ كانت تنزلق من بين أصابعها وتبقى غير ملموسة.
يورنا: [ما الذي حلّ بالكيمونو الذي كنت أرتديه، وزينتي من الحلي والشَعر؟]
في الحقيقة، لم ينقص الألم الذي كانت تشعر به قيد أنملة.
يوغارد: [لم تكن تعجبني. لكنها كانت أشياءً تزيّنت بها. لقد أبقيتها جانبًا.]
يورنا: [ما الذي حلّ بالكيمونو الذي كنت أرتديه، وزينتي من الحلي والشَعر؟]
ثم أشار إلى رف بجوار السرير، وختم حديثه معها دون أن يهدر كلمات إضافية.
وفي خضم سحابة الألم، ما خطر في بال يورنا كان لقب يوغارد―― إذ كان يُمنح الأباطرة المتعاقبون ألقابًا تعكس طريقتهم في الحكم وفتوحاتهم، لكن لقب يوغارد كان «إمبراطور العوسج».
توجه إلى خارج الغرفة، وبساطته تلك كانت بحق من صفات الرجل الذي عرفته يورنا. طوال حياته، كان يعيش بعجلة واندفاع، وكأن الوقت لا يكفيه.
على الفور، استحضرت عالمًا كانت فيه الأرض والسماء تصطبغان بالقرمز، وتذكرت كيف كانت تعمل جهدها مع ابنتها التي التقت بها أخيرًا، في محاولة لتهدئة طفل باكٍ.
وأرادت أن تخبره أنه لا داعي للعجلة، يومًا ما وقفت إيريس بجانبه――
فيوغارد، بهيئة متغيرة تمامًا، قد حقق قيامة مستحيلة―― وإذا ما كانت هذه الغرفة الغريبة التي استيقظت فيها إحدى غرف القصر البلوري، فقد مرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات.
يورنا: […تمامًا كفتاة صغيرة ضعيفة.]
فإن كان قد توقف عندما دُعي بهذا الاسم، فهي لم تخطئه إذًا. ولم تكن لتخطئه أصلًا. حتى إن أخطأه الجميع، فإن يورنا وحدها لا يمكن أن تخطئه.
هزّت رأسها برفق، ونزلت من السرير، واتجهت نحو الرف.
يورنا: [――――]
وعندما فتحت الدرج، وجدت الكيمونو والـ”أوبي” مطويين بعناية، وكذلك كيسًا يحتوي على زينتها وأقراطها، مما جعلها تزفر بارتياح.
شعره، بلونه الأخضر القاتم المائل إلى السواد، كان يتدلّى حتى كتفيه، والهالات الداكنة حول عينيه تعكس شخصيته المتجهمة.
وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――
وإن شُفي الرجال من إصاباتهم، فإن القرية ستكون في مأمن مؤقتًا.
يورنا: [――آه.]
وغرز الألم الحاد في قلبها، ليخرج من حنجرتها أنين عوضًا عن سؤال.
خرج صوت ضعيف بشكل غير معتاد من حنجرتها، وفي الوقت نفسه شعرت بحرارة تجتاح وجنتيها.
حتى عندما كانت تواجه لحظاتها الأخيرة، لم يبتعد عنها بإخلاص.
يورنا: [كُه.]
وأرادت أن تخبره أنه لا داعي للعجلة، يومًا ما وقفت إيريس بجانبه――
انحنى جسدها للأمام، وعضّت شفتيها بقوة تكتم بها نشيجًا.
لم تكن إجابة يوغارد هي ما رغبت في سماعه.
ما كان يجوز لدموع كهذه أن تُذرف. فإن ذُرفت، فسيكون ذلك لعنةً تعيد السيدة المتألقة، سيدة مدينة الشياطين المسماة يورنا ميشيغيرو، إلى مجرد فتاة قروية تُدعى إيريس.
لقد أخضع رعاياه بأشواك لا تُلمس، غرسها فيهم؛ الإمبراطور العظيم الذي استخدم الألم والخوف لتوسيع أراضي الإمبراطورية إلى ما هي عليه الآن.
والعودة إلى كونها إيريس تعني حصر مشاعرها في شخص واحد فقط تحبه.
فيما كانت يورنا تبتسم رغم الألم، أومأ يوغارد دون أن يتغير تعبيره.
في ثلاثمائة عام مضت، كانت ابنةً لأحدهم، وأمًّا لأحدهم، وزوجةً لأحدهم؛ والعودة إلى كونها إيريس تعني إنكار كل تلك الأيام التي مضت.
وبينما اقترب منها ببطء وهو يقول ذلك، ارتجف قلب يورنا.
يورنا: [لماذا، يا صاحب السمو… لماذا الآن؟]
وربما لأن شعورها بالراحة كان مبالغًا فيه――
بريسيكا، سكان مدينة الشياطين، وكثير من أهل الإمبراطورية؛ أرادت أن تبقى هي، تلك التي تحبهم جميعًا.
لا شيء على الإطلاق.
لكن ألم الأشواك، وقد غرس أشواكه في قلبها، كان يحاول أن يجعلها تنسى كل ذلك.
وغرز الألم الحاد في قلبها، ليخرج من حنجرتها أنين عوضًا عن سؤال.
ذلك الألم الحلو المألوف كان كفيلًا بأن يدفعها إلى الجنون، والمخيف أنها لم تكن قادرة على مقاومته.
وهي تحمل مشاعرها العميقة، وجهت يورنا سؤالًا إلى ظهره المتوجه نحو باب الغرفة.
لم تكن قادرة على مقاومته.
لقد أخضع رعاياه بأشواك لا تُلمس، غرسها فيهم؛ الإمبراطور العظيم الذي استخدم الألم والخوف لتوسيع أراضي الإمبراطورية إلى ما هي عليه الآن.
ولهذا، اختارت يورنا أن تتحالف مع فينسنت، وتُلقي بنفسها في معركة استعادة العاصمة من الخونة. بالطبع، كان لانهيار مدينة الشياطين دور كبير، لكنها كانت تعتبر نفسها مخادعة حين تتردد في تحديد نواياها الحقيقية.
