تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل55

37.55

المشاهدات 269 نشر في تاريخ أبريل 13, 2026
aafa82001@gmail.com
ترجمة ورفع الفصل aafa82001@gmail.com
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل ٥٥ : مادلين ايشارت

مادلين إيشارت ، كانت أصغر سليل تنين في الوجود.

بطبيعتها، وبسبب الآليات التي وراء نشأة سلالة التنانين، امتلكت أصولًا تختلف عن كل الأجناس الأخرى. ولكي يتم تفسير نظامهم البيئي بدقة، لا بد أولًا من فهم العلاقة بين سليل التنانين والتنانين نفسها.

في الوقت الحالي، انخفض عدد التنانين التي يمكن التعرف عليها على السطح بشكل كبير، وتأثر ذلك إلى حد كبير بحقيقة أن الطعام المفضل لملوح العصا، ريد أستريا في الأزمنة الغابرة، كان لحم التنين.

كان ريد يقتل التنانين كما يحلو له، ويقتل التنانين التي تحدته انتقامًا لما فعله، وبعد سنوات من ذلك، انخفض العدد القليل أصلاً من التنانين بشكل أكبر في غمضة عين، ما أدى إلى اقترابها من الانقراض.

وفي الخلفية وراء سقوط التنانين، لعب نظامهم البيئي دورًا كبيرًا.

أولًا، لم تكن التنانين بحاجة إلى التزاوج أو التكاثر الجنسي لكي يتكاثروا. حتى دون أن يتزاوج ذكر وأنثى، كانوا كائنات قادرة على التكاثر اللاجنسي. أجسادهم مكوّنة من كمية كبيرة من المانا ، وبالتالي كانوا مختلفين جوهريًا عن الأجناس الأخرى؛ وإذا كان لا بد من المقارنة، فأقرب شيء لهم ربما يكون الأرواح.

لكن، على عكس الأرواح التي تمتلك مستويات مثل الصغير ، شبه العظيم، والعظيم*، كانت التنانين تُولد كتنانين، ولم يكن هناك شك في أنها تتمتع بقوة لا تضاهى، تجعلها على قمة الكائنات الحية.

(الصغير أجت بالانجليزي مايكروا وهي جزء من مليون)

ولهذا، لم يكن لدى التنانين تقريبًا أي إحساس بحماية أفراد أخرى من جنسهم، أو المحافظة على النوع.

نظرًا لأنهم كانوا قادرين على التكاثر اللاجنسي ، فقد كان لديهم اهتمام ضئيل حتمًا بالتفاعل مع التنانين الأخرى. أما أولئك الذين تحدّوا ريد انتقامًا لجنسهم، فلم يكن ذلك من أجل التنانين التي قُتلت، بل لأن كبريائهم جعلهم يعتبرون ازدراءه للتنانين أمرًا غير مقبول.

وبناءً على ذلك، عندما أدرك التنانين مدى خطورة وضعهم، كانوا بالفعل على حافة الانقراض—حتى التنين العظيم الذي قاد أحد الأسراب أصبح في النهاية وجبة لريد، وفي أرض أخرى، كان صراعهم مع “ساحرة الكسل” قاتلًا لهم، مما اضطرهم إلى اتخاذ قرار مصيري.

كان ذلك القرار يتعلق بما إذا كان عليهم اتباع كبرياء التنانين أم لا.

التنانين الذين اتبعوا كبريائهم غادروا الأرض، لم يوافقوا على هجمات التنانين الفردية ضد ريد أو ساحرة الكسل، و اختاروا الطيران بعيدًا نحو المجهول. بينما التنانين الذين لم يتبعوا كبريائهم بقوا في الأرض، دون قطع علاقتهم بأولئك الذين تحدّوا التنانين المتفوقين عليهم، واتخذوا الخيار غير المعتاد بمواصلة الصراع.

من منظور بشري، قد تبدو تفسيرات الذين اتبعوا كبرياءهم ومن لم يتبعوه معكوسة، لكن وفقًا لمنطق التنانين، كان هذا التصور صحيحًا.

ففي الأساس، كانت التنانين تُعتبر الوجود الأسمى الذي لا يمكن مقارنته بأي جنس آخر. لم يكن هناك سبب يجعلهم يدخلون في صراعات مع الأجناس الأخرى لإثبات تفوقهم. بالنسبة للتنانين، كان القتال يعني الصراع من أجل البقاء، لذا، فإن من استطاع النجاة كان يُعتبر الجنس الأعلى .

أما التنانين الذين لم يصلوا إلى هذه القناعة، وأصرّوا على القتال ضد البشر لإثبات أمر غير ضروري، وتشبثوا بالأرض وعرضوا حياتهم للخطر، فقد كانوا هم الذين جلبوا الازدراء إلى جنسهم ، وبالتالي كانوا على خطأ.

لهذا السبب، غادر معظم التنانين الأرض، بينما بقي الذين رفضوا الرحيل، وكانوا يعتبرون غريبي الأطوار—وبصراحة، كان يُنظر إليهم على أنها مخالفين لمعايير جنسهم.

على رأس تلك القائمة كان فولكانيكا، التنين الإلهي، الذي كان الأكثر صداقة للبشر بين التنانين التي بقيت، لكن الحديث عن ذلك التنين الشهير يخرج عن نطاق هذه المسألة، ولذلك سيتم إهماله .

وهكذا، نعود أخيرًا إلى موضوع سلالة التنانين.

على الرغم من تعارض ذلك مع إرادة جنس التنانين، فإن التنانين الذين بقوا في الأرض اتخذوا جميعهم قراراتهم بشكل مستقل.

بعض التنانين ماتوا أثناء تحدّي ريد أو ساحرة الكسل، بينما فضّل البعض الآخر العيش منعزلين في المناطق التي أصبحوا مألوفين بها، في حين اختار جزءٌ آخر من التنانين أن يتحوّل إلى بشر—وكان قرار هذا الجزء الأخير هو الأساس الذي أدى إلى ظهور سلالة التنانين.

من السخرية أن وجود ريد أستريا كان له دورٌ كبير في نشأة هذا الجنس.

بغض النظر عمّا إذا كان التنانين قد اتبعوا كبرياءهم أم لا، فإن الرجل الذي دفعهم إلى اتخاذ هذا القرار كان يتمتع بجرأة استثنائية، لكن ما ترك الأثر الأعمق في كبرياء التنانين لم يكن سوى قوته.

كما ذُكر سابقًا، كان التنانين يتفاخرون بأنهم أسمى من كل الكائنات ، وكانوا على دراية كاملة بأنهم الوجود المطلق. فهي، كما يعرفون كيفية تحريك أطرافه والنظر إلى الأشياء وسماع الأصوات دون الحاجة إلى التعلم، يمتلكون هذا الإدراك بشكل فطري.

لذلك، كانت مسألة كونهم الوجود المطلق (الأسمى) مهمة بالنسبة لهم ، وإذا كانوا بالفعل كذلك، فلا داعي لأن يتمسكوا بشكلهم الأصلي كتنين—فطالما أنهم متفوقين ، فإن اتخاذ هيئة البشر لن يكون مشكلة .

من المعروف أن بنية أجساد التنانين كانت قريبة من تركيب الأرواح، وكان لهذا الجانب دورٌ بارز في طبيعتهم .

في الأصل، السبب وراء اتخاذ التنانين الشكل المهيب بأجساد ضخمة وأجنحة قوية وأنياب ومخالب حادة وقشور صلبة، لم يكن سوى وسيلة لإبراز قدراتهم كأسمى الكائنات. وقد حافظ التنانين على هذا الشكل لقرون طويلة، لأنه لم يظهر أي شكل آخر يستطيع تجسيد قوة التنين بصورة أفضل.

لكن، مع تغيّر الأزمنة والتحوّلات التي طرأت على العالم، إن وُجدت حاجةٌ إلى تكيّفٍ مع شكل أكثر ملاءمة، فلن يتردد التنانين في التخلي عن مظهرهم المهيب، بل سيتخذون هيئة البشر مثلهم.

هذا كان أصل سلالة التنانين، وعلاقتهم بالتنانين―― أي أن سلالة التنانين كانت الشكل المتطور للتنانين، الجيل التالي الذي وُلِد من خلال التكاثر العذري * .

(تكاثر عن طريق بيضة غير مخصبة (لا جنسي ))

بينما يمتلكون صفات جسدية مماثلة للبشر، فإن هذا هو السبب وراء قدرة كل سليل تنين على التحرك بطريقة لا تُقارَن بتحركات البشر، ولماذا كانوا يمتلكون قوة استثنائية تفوق الكائنات الحية الأخرى.

لكن، في التاريخ الطويل للتنانين، كانت هذه أول مرة يحدث فيها تطور مفاجئ وجذري بهذا الشكل، وقد تسبب ظهور سلالة التنانين في العديد من المشكلات.

من بين تلك المشكلات، كانت أكثرها خطورة أن الضرر الكبير الذي يلحق بروح التنين الذي يكون والد أحد أفراد سلالة التنانين و كان ذلك يؤدي إلى تحوله إلى كيان فارغ مجرد من العقل، وهو الظاهرة المعروفة بقشرة التنين.( يعني جسد بلا روح/قشرة فارغة)

التنين الذي يتحول إلى قشرة التنين يصبح فعليًا في حالة أقرب إلى جثة حية، وباستثناء الفعل الغريزي للدفاع عن النفس، فإنه يتحول إلى دمية تطيع إرادة سليل التنانين المنحدر منه، والذي يحمل صلة عميقة معه .

ومع ذلك، كانت القوة الاستثنائية التي تمتلكها التنانين ما تزال موجودة ، وبالنسبة للبشر العاديين، فإنهم يشكلون تهديدًا كافيًا، لكن هذه الحالة لم تكن مرغوبة على الإطلاق.

التنانين الذين بقوا في الأرض بأجسادهم كانوا قليلين، والتنانين الذين تطوروا إلى سلالة التنانين كانت أقلّ. ومن عدة جوانب، اعتُبِر التنانين الذين تطوروا إلى هذه السلالة مثالًا مثيرًا للاشمئزاز على الفشل.

ومع ذلك، وبينما كانوا يدركون فشل التنانين الآخرين، استمرت سلالة التنانين في الوجود رغم قلة عددهم.

كما أنهم، رغم إدراكهم أن عرقهم سيحتقرهم بوصفهم منحرفين تخلوا عن كبريائهم كتنانين وظلوا في الأرض غير قادرين على الاعتراف بخطأ قرارهم، ظلّت ولادة سلالة التنانين متواصلة ، وكان أحدهم، ماديلين إيشارت، قد جاءت إلى هذا العالم.

……..

ضربة تفوق حدود الفهم أسقطت ماديلين أرضًا، وهي التي كانت تحتل قشرة التنين الخاص بالتنين السحابي، ميزوريا.

في جسدها الأصلي، جسد الفتاة الصغيرة في صورتها البشرية، كانت ماديلين تعرف ما يعنيه أن يُقذف بها بعيدًا. كان ذلك بالتأكيد أمرًا يثير غضبها، لكنه على الأقل أمر يمكنها فهمه. لكن أن يُقذف هذا الجسد الضخم للتنين السحابي على يد كائن صغير بحجم طرف ذيله، كان حدثًا يتجاوز حدود المنطق تمامًا.

يا له من أمر سخيف ! لم يكن يجب أن يحدث. هذا النوع من الأمور يخرج تمامًا عن نطاق التصور.

ماديلين: “――إنسان!!”

بعد أن اصطدم ظهرها بالجدار، انعكس أمامها في رؤيتها المقلوبة فتى دموي يناديها من فوق الرصيف الحجري المحطم.

شعر ذهبي وأنياب حادة، يمكنها أن تدرك من هالته العنيفة والمخيفة أنه أحد أفراد جنس الوحوش نصف البشرية، لكنه بلا شك كان إنسانًا. لم يكن هناك سبب لزوال شعلة غضب ماديلين.

في المقام الأول، أن يتلقى ضربة مباشرة من زفير تنين ويبقى حيًّا ليحكي القصة ، لم يكن أمرًا يمكن الاستهزاء به.

――بوضع عقلها داخل قشرة التنين الخاص بميزوريا، كانت تتحكم في حركاته كما لو كانت حركاتها هي.

كان هذا امتيازًا خاصًا لماديلين كسليل تنين، وبما أن عدد السنوات منذ قدومها إلى هذا العالم كسليل تنين لا يزال قليلًا، كان ذلك تقنية قوية تمكنت من استخدامها بسبب وجود صلة قوية بينها وبين ميزوريا، ذلك الكائن الذي كان والِدها.

القوى التدميرية التي كانت عادةً تفوق قدرة جسدها الصغير، يمكنها الآن استخدامها بالكامل في هذا الجسد الضخم. كانت تعلن بصوت مرتفع أن هذه القوة العظيمة هي ماديلين الحقيقية.

لم تكن قد تمنّت أن تُولد في جسد صغير وضعيف، يمكن سحقه بسهولة، وعاجز تمامًا.

لو لم يكن الأمر كذلك، لو لم تكن تملك ذلك الجسد، لما تركها باليروي وراءه عندما انطلق لمواجهة معركته الأخيرة.

لو كانت ماديلين تنينًا ذا وجه مرعب وجسد ضخم وقوي―― بالرغم من أنها كانت كذلك.

“――درع المعبد ، غارفييل تينزل.”

بينما كانت أنيابه الحادة تصر وقدماه مغروستان بقوة في الشارع المحطم، أعلن الفتى―― غارفييل، عن اسمه.

كان ذلك يحمل أهمية تقديم المحارب لنفسه عند رمي القفاز لتحدي خصمه، لكن دون إدراك لهذا الأمر، ركّزت سليلة التنين وهجًا حادًا في عيني التنين السحابي، وأرجحت ذيله بشدة.

باستخدام تلك القوة لانتزاع جسدها المقلوب من الجدار، وضعت جميع أطرافها الأربعة على الأرض وحدّقت في الفتى.

لن تخسر. حتى إن كان خصمها كائنًا تحمّل زفيرًا اعتقدت أنه أنهى حياته، وقفز من تحت الأنقاض خلال لحظات فقط، فلن تخسر ماديلين.

كان هذا بالضبط قشرة التنين السحابي الذي رغبت ماديلين فيه كفستان زفاف لأجل باليروي.

ماديلين: “شخص مثلك… ليس مميزًا حقًا …!”

اهتزت شوارب التنين البيضاء الطويلة، وخرجت صرخة مدوية من حلقه. وعلى الرغم من مواجهته زئير التنين الذي يرعب العالم مباشرة ، لم يتراجع غارفييل، نصف ميت ونصف حيّ.

كان مظهره يكاد يوحي بأن عددًا هائلًا من الحلفاء الموثوقين يقفون بجانبه.

غارفييل: “――أوه، أعلم ذلك.”

ماديلين: “――――”

غارفييل: “لأنها، حتى تضمن أنني لم أحمل أفكار خاطئة ، المرأة التي وقعت في حبها أوقفتني عن الاندفاع للأمام بقولها إنني مجرد أحمق حقًا!!”

ضم غارفيل قبضتيه أمام صدره، وارتطمت قفازاته الفضية بقوة، وأطلق زئيرًا.

أمام مخلوق كان من المفترض أن يكون ضعيفًا ، لكنه لم يظهر أدنى علامة على الضعف، شعرت مادلين بالغضب، بالإضافة إلى شيء آخر. ذلك الشعور الذي راودها، أنكرته، فهو أمر يجب على التنين ألا يشعر به تجاه البشر.

مادلين: “――اختفِ أيها اللعين !!”

في اللحظة التالية، استجابة لصرخة مادلين، هز زئير تنين السحاب الثاني العاصمة الإمبراطورية مرة أخرى.

حتى اللحظة السابقة، كان غارفيل يحافظ على موقع مادلين داخل المدينة، وبذل جهدًا كبيرًا لضمان أن يكون اتجاه أنفاسها نحو خارج المدينة. ومن خلال ذلك، قاتل وهو يراقب عن كثب طول وعرض مدى هجوم التنين، لكن هنا، سيضيع كل ذلك الجهد هباءً.

انطلق الهجوم من أقصى جنوب المدينة، وامتد ليصل قلعة الكريستال الواقعة في أقصى نقطة شمال المدينة. أحرقت أشعة الدمار التي تجمعت داخل جسد التنين الشوارع، وحولت المباني إلى رماد، ودمرت كل شيء في طريقها، وكانت على وشك اختراق الشمال―― لولا وجود غارفيل.

غارفيل: “أوه، أُوووووووه!!!”

غرس قدميه في الأرض بقوة وكأنهما يخترقانها، ورفع ذراعيه المغلفتين بالقفازات الفضية أمام جسده، ليصد أنفاس تنين السحاب مباشرة.

حتى مجرد التصدي ولو قليلًا لتلك الهجمة كان ليعد معجزة، إلا أن الفتى لم يُقذف بعيدًا، لم يتحطم ، بل تمكن من الصمود وهو يحمي العاصمة الإمبراطورية من الدمار.

السر وراء هذه القدرة الاستثنائية يكمن في قدميه المغروستين في الأرض.

عيون تنين السحاب، وهي عيون قشرة التنين التي صُنع بكمية ضخمة من المانا، رأت أن المانا كانت تتدفق من الأرض إلى جسد غارفيل بقوة غير طبيعية.

كانت قدرة غارفيل الغريبة على التعافي وتحمله حتى الآن ناتجة على الأرجح عن امتصاص القوة من الأرض بهذه الطريقة، لكن حجمها ونشاطها قد ارتفعا فجأة بشكل مذهل.

وكدليل على ذلك، لم يكن غارفيل يكتفي بتحمل الزفير ، بل وهو مستحمٌ في زفير تنين السحاب، تقدم خطوة إلى الأمام—وهذا بحد ذاته أمر لا يصدق.

خطوة بعد أخرى، تقدم بثبات، مغلقًا المسافة نحو مادلين.

غارفيل: “حتى أضمن إن ذاتي المذهلة لن تنهار، لدي كومة الأشخاص يربتون على ظهري ويقولون لي: واصل التقدم!!”

بينما كانت مادلين تشك في رؤيتها، تردد صوت وسط الدمار حيث احترقت جميع الأصوات حتى التلاشي.

مستحيل. لكن، غارفيل قال ذلك بنفسه. أعلن ذلك، واستمر في التقدم. ضد زفير تنين السحاب، وسط دمار كان كفيلًا بإعادة رسم الخرائط، استمر في التقدم.

(يعني الدمار يغيير خريطة المدينة)

خطوة بعد أخرى، يخطو خطوات ما كان ينبغي أن تكون ممكنة――

مادلين: “――راهفواه!!”

بعد رؤية تقدمه، اضطرب زفير مادلين بشكل كبير.

الصيحة والزفير، بكلمات أخرى، لم يكونا سوى صرخة الحرب المدمرة للتنين. اضطرب عقلها ، وإذا ما انتهى الزفير، سينتهي الدمار.

تقدم غارفيل ومقاومته كانا كفيلين بقهر زفير تنين السحاب.

غارفيل: “غااااااااااااااااه!!”

بصوت اصطدام وهو يخترق الهجوم، رفع غارفيل ذراعيه بكل قوته.

وبفعله ذلك، اندفع الجزء الأخير من زفير تنين السحاب نحو السماء.

ظل التنين بلا حراك، وبخار أبيض كان ينبعث من جسده، كانت عيناه واسعتان وهو يشهد جسد غارفيل، الذي احترق بلون أحمر داكن لدرجة تجعل المرء يرغب في إبعد نظره، يتعافى بسرعة رهيبة.

خلفه، امتدت معالم العاصمة الإمبراطورية التي حماها بذراعيه النحيلتين، إلى جانب الرجل ذي الشعر الأحمر، الذي سقط على مؤخرته وسط هذا المشهد.

مادلين: “――――”

بعد أن تم التصدي لهجومها بالكامل، اجتاحتها صدمة عنيفة.

لكن الأمر لم يكن مجرد فشل زفير التنين، بل الصدمة الحقيقية التي تلقتها مادلين كانت أكثر رعبًا بكثير.

بصوت بلعٍ عالٍ، نظر الإنسان ذو الشعر الأحمر إلى المدينة التي لم تُسحق تحت قوة الزفير، وتحدث قائلاً:

الرجل ذو الشعر الأحمر: “أنت… لستَ عاقلًا… ذلك الزفير كان على وشك أن يمحو القلعة بالكامل، وأنت فقط… أوقفته…!”

مادلين: “――――آه.”

أمام الواقع الجاثم أمام عينيه، كانت تلك كلمات الرجل ذي الشعر الأحمر الخائف.

كان في داخله شيء من الخوف تجاه غارفيل الذي تحدى زفير التنين وصمد، لكن بالنسبة لمادلين، فقد كان الأمر مختلفًا تمامًا.

كانت انعكاسات أفعالها كالأنصال الخبيثة التي انغرست في نفسها بقسوة.

كما قال الرجل ذو الشعر الأحمر—لو لم يوقفه غارفيل، لكان زفيرها قد أباد العاصمة الإمبراطورية.

حتى وإن كانت قلعة الكريستال، الواقع ضمن خط النار ، تحتوي على جسدها، ومعه باليروي وكاريليون.

مادلين: “ه-هذا خطأ لعين… هك.”

ببطء، وبضعف، بدأت تهز رأسها لتنفي أفعالها، بحركاتٍ لا تليق بتنين.

بينما اندفعت الدماء إلى رأسها، وتلطخت أفكارها بالبياض، أصابها الهلع، وسعت لفعل أي شيء تجاه العدو الذي يقف أمامها، حتى أنها، في اندفاعها، كادت أن تمحو كل شيء بلا تمييز.

أن يتم إنقاذها بواسطة إنسان صغير، ضعيف، هش، وعاجز…

مادلين: “هذا خطأ، هذا خطأ، خطأ خطأ خطأ خطأ خطأ خطأ خطأ خطأ خطأ خطـــــــــــــــــــأ…!!”

غارفيل: “آه؟ أوه، ما الذي يجري معك…”

مادلين: “هذا التنين! من أجل باليروي! كل شيء، كل شيء، كل شيء، كان لأجل باليروي !!”

في قمة يأسها، صبت مادلين كلمات الإنكار، بينما كان وجه غارفيل مليئًا بالشك.

وكأنها كانت تحاول طمس صوت غارفيل، الصوت الذي لم تكن تريد سماعه أكثر من أي شيء آخر، صرخت مادلين.

بصرخة لم تكن تفهمها هي نفسها تمامًا، رفرف تنين السحاب بجناحيه بعنف.

غارفيل: “――هك!”

ومع انطلاق عاصفة هوجاء، انحنى غارفيل فورًا، وشعره يتطاير بقوة؛ بينما حلق تنين السحاب ميزوريا دفعة واحدة نحو السماء .

هناك، تراكمت سحب داكنة كثيفة، تغطي العاصمة الإمبراطورية لوبيغانا بالكامل.

مادلين: “شخص مثلك، ليس مميزًا على الإطلاق…!”

تحت صراخ تنين السحاب، ميزوريا، تجمعت السحب من أنحاء الإمبراطورية―― وكانت تحتوي في داخلها على مانا لم يستطع ميزوريا الاحتفاظ بها داخله، مما جعلها قوة تدميرية بيضاء.

لقد جمعتها دفعة واحدة―― لم تكن، بأي حال من الأحوال، شيئًا يمكن لمادلين أن تسيطر عليه.

لكن حتى لو لم تستطع، فإنها كانت قادرة على إسقاطها نحو السطح كمجموعة من القوة غير المعقولة.

مادلين: “هذا التنين، ليس مميزًا على الإطلاق…!”

بمجرد أن تُسقط مادلين السحب على السطح، ستمحو غارفيل والإنسان ذا الشعر الأحمر، ثم ستقتل أي شخص يعرف ما الذي فعلته…

بقيامها بذلك، كانت مادلين――

مادلين: “الشخص الوحيد المميز بحق، هو باليروي…!!”

بينما كانت صيحة التنين تتردد من السماء ، رفع البشر الضئيلون تحتها أنظارهم نحو السماء.

وبينما كان ينظر للأعلى، ذلك الفتى، الصغير، لكنه لم يكن ضعيفًا أو هشًا، صر أنيابه،

غارفيل: “――يا لهذا الأحمق اللعين.”

……..

――وُلدت مادلين إيشارت على قمة جبل بالزوا، الجبل الذي تقع فيه مدينة بحر السحاب ميزوريا.

تلك المدينة، التي حملت اسم تنين السحاب الذي سكن الإمبراطورية لعصور طويلة، كانت أرضًا يقصدها من يطمحون في إتقان التقنية الأصلية للإمبراطورية، ركوب التنين الطائر.

بفضل قوة التنين الذي استقر هناك، كانت الغيوم الكثيفة تلتف حول سطح الجبل الشاهق طوال العام دون أن تتلاشى، وعلى ارتفاع عظيم بُنيت المدينة فوقه.

الجبل كان موطنًا لتنانين طائرة وحشية وعنيفة، وارتفاع مدينة بحر السحاب كان بالكاد يسمح للبشر بالبقاء――

أما أولئك الذين طمحوا للصعود إلى الأعلى، فكان مصيرهم إما أن يُمزّقوا بأنياب التنين الطائر، أو أن يعودوا ومعهم بيضة تنين، ليبدؤوا طريقهم نحو أن يصبحوا فرسان التنانين الطائرة.

أما القمة، المخفية خلف أعظم السحب كثافةً، فلم يرها أي شخص من قبل.

قمة جبل بالزوا الغير مداسة ، كانت مكان ولادة مادلين.

ملفوفة بين الغيوم البيضاء، في مكانٍ رغم وجوده في السماء، لم يكن للمرء أن يرى زُرقَتَها، وُلِدَت مادلين كواحدةٍ من أندر الكائنات في هذا العالم―― سليل التنانين.

الجيل الجديد من التنانين، الوجود الأسمى، وبينما كانت مادلين تستوعب غريزيًا حقيقتها، كانت مأساةٌ بانتظارها. تلك كانت――

“――أنا ميزوريا. وفقًا لصوت طفلي العزيز، سأصبح الريح القادمة من السماوات .”

والدها البيولوجي، تنين السحاب ميزوريا، قد تحول إلى جسدٍ فارغ بعد أن أنجب سليل التنين ، واستقبل ولادة مادلين وهو في حالة يصعب فيها التواصل معه.

لم يتبادلا سوى القليل جدًا من الكلمات، لكن مادلين الوليدة لم تدرك سوى أن الشيء الأقرب إليها كان تنينًا، ولم تُعلَّم أي شيء، فقضت وقتها في عزلةٍ بلا جدوى.

لماذا اختار تنين السحاب، الذي كان ينبغي أن يعيش طويلاً ويدرك قسوة هذا العالم وسخافته ، أن يخوض هذا الانتقال القاسي بين الأجيال؟ حتى الآن، لم تتمكن مادلين من فهم ذلك.

الشيء الوحيد الذي يمكن الجزم به، هو أنه رغم أنها لم تكن وحدها، إلا أن مادلين أمضت أيامها وسط السحب في وحدةٍ أبدية.

والشخص الذي وضع حدًا لتلك الوحدة، كان شخصًا حقق شيئًا لم يفعله أحدٌ في تاريخ الإمبراطورية―― الوصول إلى قمة الجبل المغمور ببحر السحاب. باليروي تيميغليف.

باليروي: “حقًا، كان هدفي أن أتحدى قدراتي فحسب، لكن… لم أكن أتوقع أبدًا أن أجد شابة جميلة وتنينًا مرعبًا في انتظاري عند القمة.”

“――كيرياراراه!”

وسط عالمٍ من السحب الكثيفة، بدلًا من الضباب الكثيف، وجد مادلين――

سليل التنين الصغير الذي لم يحمل هذا الاسم بعد، فحك باليروي خده بحيرةٍ واضحة.

*(قصدوا اسم مادلين)

التنين الطائر بجانبه، كاريليون، كان مقموعًا بهالة تنين السحاب وسليل التنين الصغير، لكنه رغم ذلك، وقف بحزمٍ ليحمي رفيقه، باليروي.

ميزوريا: “――أنا ميزوريا. وفقًا لصوت طفلي العزيز، سأصبح الريح القادمة من السماوات .”

لم يكن تنين السحاب قادرًا على قول شيء سوى تلك الكلمات، ولم يكن يمنح سوى غيومٍ مشبعة بالمانا كوجباتٍ لطفلته.

وربما لم يرفض الزائر المفاجئ لمجرد أنه لم يكن يحمل أي عداء.

أمام باليروي وكاريليون، كان تنين السحاب يرفض غريزيًا أي تنين طائرٍ تائه عن السرب وضائعٍ بين الغيوم، ويجعلهم يختفون قبل أن يتمكنوا من دخول نطاق رؤية طفلته الصغيرة.

ولهذا، كانت هذه أول مرةٍ ترى فيها الطفلة الصغيرة كائنًا حيًا غيرها وغير تنين السحاب.

الطفلة: “――――”

كانت الطفلة الصغيرة صامتة ، أو بالأحرى، لم تكن تعرف أي كلماتٍ لتتحدث بها.

أمام زوج الإنسان والتنين الطائر اللذين ظهرا دون سابق إنذار، لم يكن بوسعها سوى أن تنكمش بجسدها.

أما تنين السحاب، فلم يقل شيئًا في مثل هذه الأوقات، وغرق وعيه في أعماق الضبابية.

وبالطبع، اعتمادًا على الخطوة التالية لهذا الإنسان، كان يمكن لتنين السحاب أن يزيل باليروي وكاريليون بالقوة، بنفس الطريقة التي تعامل بها مع كل التنانين الطائرة التي حدقت بالقمة حتى الآن.

ولكن، أمام حضورٍ ساحقٍ لتنين وسليل التنين ، بادر باليروي، دون أي توترٍ ظاهر، بخلع معطفه، ثم قال:

باليروي: “البسي هذا الآن، الانسة الصغيرة. لا يصح لفتاةٍ أن تكشف بشرتها بتهور.”

وبذلك، تلقت الطفلة الصغيرة―― الفتاة التي سيُطلق عليها لاحقًا اسم مادلين―― أول لمسةٍ من اللطف والدفء عرفتها في حياتها.

……….

――كانت لقاءات مادلين الغريبة مع باليروي تحدث دائمًا وسط بحر السحاب.

باليروي: “مادلين، لقد أتيتُ مجددًا. هل كنتِ فتاةً جيدة؟”

مادلين: “باليروي!”

باليروي: “أواه!؟”

مخترقًا السحب البيضاء الكثيفة، ظهر باليروي، وما إن رأته الطفلة―― مادلين، حتى ركضت نحوه.

وبينما كان يمسك بجسد الفتاة التي قفزت نحوه ، كان تأثير الاصطدام وقوته كفيلين بإسقاطه للخلف، متدحرجًا مع كاريليون بعد أن وصلا لتوه. ورغم دواره، مدّ باليروي يده ليمسح رأس مادلين.

منذ لقائهما الأول، أصبح باليروي يظهر باستمرار عند قمة جبل بالزوا.

تلك القمة التي خاطر العديد من فرسان التنانين الطائرة بحياتهم للوصول إليها، لكن لم يسبق لأي أحد أن وصلها.

حينها، لم تكن مادلين تدرك حجم المشقة التي تكبدها باليروي للوصول إليها، ولا مدى قيمة هذا الفعل.

لكن، بزياراته المتكررة للجبل، وبجلبه لمادلين صلةً بالعالم الخارجي المجهول، أصبح باليروي وجودًا لا يمكن استبداله بالنسبة لها.

أما اسم مادلين، فقد كان أيضًا هديةً من باليروي لها.

عندما لم يكن يعرف بماذا يناديها، سألها عن اسمها، وعندما أخبرته الطفلة بأنها بلا اسم، أمعن التفكير بجدية، إلى أن قرر أن يمنحها هذا الاسم.

باليروي: “عندما كنتُ طفلًا في مثل سنكِ، كان هذا اسم شخصٍ عاملتني بلطفٍ شديد. كانت هي من منحتني اسمي… أُدين لها بالكثير.”

مادلين: “باليروي، ذلك الإنسان، هل كان ثمينًا بالنسبة لك…؟”

باليروي: “افترقنا قبل أن أتمكن من التفكير في ذلك. ومع ذلك، اذا بقيت ذكراها داخلي طوال هذه السنوات، فلا بد أن يكون كذلك.”

ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، لكنها كانت تحمل شيئًا من الوحدة، فتقدمت مادلين برفقٍ، ووضعت خدها على صدره.

الاسم الذي كان يعني له الكثير، منحه لها بهذه الطريقة.

بمعنى آخر، كان هذا دليلًا على أن مادلين كانت ثمينة بالنسبة لباليروي.

مجرد أن يُفكر فيها بهذه الطريقة جعلها تشعر بدفء غميق في قلبها .

تمنّت أن تشعر بذلك أكثر، أكثر بكثير، وأصبحت تتوق إلى وقتها معه بشدة.

لرغبتها في التحدث إليه أكثر، كانت تحفظ كلمات البشر بعناية.

وقد اندهش باليروي من قدرتها العالية على التعلم، لكن ذلك كان، على الأرجح، سمة موروثة من طبيعة التنانين لدى سليل التنين.

لسببٍ ما، لم يختفِ أسلوبها الفريد في الكلام مهما حاولت، لكنه لم يكن يشكل عائقًا أمام محادثاتها مع باليروي.

باليروي: “هيه، يبدو أنني لم أخطئ في اختياري. يليق بكِ كثيرًا، مادلين.”

مادلين: “ه-هل هذا صحيح؟ فوفو…”

وضع يده على ذقنه، وأومأ برضا، بينما دارت مادلين أمامه، وتفحصت إحساس القماش المتطاير―― بل، الملابس التي قدمها لها.

لون الملابس، كما قال باليروي، كان أزرق سماويًا، وهو اللون ذاته الذي يطابق لون شعرها،

وكان شيئًا أعدّه لها خصيصًا.

بكل صراحة، كسليل تنين، شعرت مادلين بالانزعاج من ارتداء هذه الملابس، لأنها كانت تعيق حركتها، لكن ذلك الشعور تلاشى تمامًا عندما نظرت إلى باليروي.

منحها اسمًا، منحها كلماتٍ، منحها ملابس―― منحها السعادة.

راحت مادلين تحصي الأشياء التي منحها لها باليروي، وتذكرتها كلها.

كان ذلك من طبيعة التنانين؛ فالتنانين لا تنسى أبدًا الكنوز التي جمعتها.

وكل الأشياء والمشاعر التي جلبها لها باليروي، كانت كنوزًا لا تقدر بثمن بالنسبة لمادلين.

باليروي: “حسنًا إذن، سأعود قبل أن يكتمل نصف القمر، مادلين.”

ومع اقتراب نهاية الوقت الثمين والهش الذي قضياه معًا، امتطى باليروي كاريليون، وحلّق مبتعدًا عن عش تنين السحاب.

ومع وعد اللقاء القادم مغروسًا في قلبها، قاومت مادلين مشاعر الحزن، وظلت تراقبه وهو يبتعد.

――ترك مادلين خلفه على القمة، فمن ذا الذي يمكنه وصف باليروي بالقسوة بينما يحلّق بعيدًا؟

في عش التنين، المحاط بالغيوم البيضاء، لم يكن الأمر كما لو أن باليروي لم يحاول إخراج مادلين―― التي لم ترَ حتى السماء التي تتشارك اللون مع شعرها―― إلى الخارج.

لكنه لم يكن قادرًا على ذلك. حتى لو أن تنين السحاب، الذي يعيش في عالم غامض، قد تغاضى عن دخول باليروي وكاريليون إلى عشه، فهو لم يكن ليسمح لهما بمحاولة إخراج مادلين للخارج.

ميزوريا: “――أنا ميزوريا. وفقًا لصوت طفلي العزيز، سأصبح الريح القادمة من السماوات .”

لقد قبل ميزوريا وجود باليروي وكاريليون، طالما أنهما لم يحملا أي عداء؛ لكن بمجرد أن حاولا إخراج مادلين، تحركت غرائزه ، وكشر عن أنيابه .

في عش التنين، تحت عيون التنين الذي يحكمه، لم يكن هناك أي فرصة لربح معركة أمامه.

ولذلك، لم يأخذ باليروي مادلين معه. كما أن مادلين، بدورها، لم تكن ترغب في أن يموت باليروي.

وهذا هو السبب وراء أنها لم تطلب منه ولو مرة واحدة أن يأخذها إلى الخارج.

بدلًا من ذلك، في لحظةٍ واحدة فقط، قدمت له طلبًا آخر…

مادلين: “باليروي، ألا يمكنك أن تبقى هنا… مع هذا التنين، إلى الأبد؟”

باليروي: “――――”

عندما رأت كيف تصلبت وجنتا باليروي عند سماعه طلبها، شعرت مادلين بالندم.

فالصمت الذي نشأ بينهما كان بمثابة إجابة واضحة على رجائها؛ باليروي لن يبقى هنا على القمة.

خارج هذا العالم المغمور بالبياض، كان هناك الكثير من الأشياء الثمينة بالنسبة له.

وكما لم يكن لدى مادلين شيء سوى هذا العالم الأبيض، لم يكن لدى باليروي شيء سوى العالم الخارجي.

كان هذا عالمًا لا يمكن لباليروي، للبشر، أن يعيشوا فيه.

باليروي: “――أنا آسف جدًا، مادلين.”

اعتذر لها بينما كانت تستوعب ذلك، ومد يده ليمسح رأسها كما اعتاد، لكن للمرة الأولى، رفضت مادلين راحته، وأبعدته عنها.

بينما بدأت دموعها تتجمع في عينيها، انفجرت في نوبة غضبٍ وصراخ، ومع طردها لباليروي وكاريليون بعيدًا عن القمة، كما لو كانت تلقي عليهما اللوم، بدأت مادلين تبكي.

بكت لمدة ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ، وندمت بشدة على أفعالها.

خلال ذلك الوقت، استسلمت لعواطفها، وتسائلت عما ستفعله إن لم يعد باليروي مجددًا، وتحسرت بمرارة من أعماق قلبها.

أن تكون آخر مرةٍ تراه فيها وهو يحمل ذلك التعبير الحزين على وجهه… كانت تكره ذلك بشدة.

لقد تحسرت بكل كيانها.

لكن مادلين كانت صغيرة، وأفكارها وخيالها كانا ساذجين وقصيري النظر.

وأعظم ندمٍ في حياتها، كان ينتظرها بعد تلك الأيام والليالي الثلاث من البكاء.

――في ذلك اليوم، عندما غادر تنين السحاب ميزوريا جانبها، لم تكن مادلين قلقة بشكل خاص.

حتى لو ابتعد عنها، فإن جناحيه لم يكونا ليطيرا لمسافةٍ أبعد من هذا الجبل المغلف بالغيوم.

في أفضل الأحوال، كان مداه يصل إلى حدٍ لا يزال فيه هديره المدوي يُسمع بكل وضوح.

سواء كان ذلك لصيد التنانين الطائرة التي دخلت عش تنين السحاب بلا اكتراث، أو بسبب متحدي متهور وطأ طريق الجبل متجهًا نحو القمة، فقد ظنت أنه أحد هذين الأمرين.

ومهما كان السبب، لم يكن لديها أدنى شك في أن ميزوريا سيعود مع مرور الوقت.

لكن الأهم من ذلك، كان ندمها الذي لم يتلاشى مهما مرت الأيام، والطريقة التي يمكنها بها السيطرة على مشاعرها وهي تواصل بكائها بلا توقف، كان ذلك هو المشكلة الحقيقية.

ولهذا، لم تهتم مطلقًا بحقيقة أن تنين السحاب، ميزوريا، قد عاد حاملًا على حراشفه جراحًا لم يشهدها من قبل، ولم تهتم بمن كان وراء تلك الجراح.

“――أنا آسف جدًا، مادلين.”

جاء اكتشافها للإجابة عندما رأت باليروي، الذي عاد مجددًا إلى القمة بعد أيامٍ من ذلك الفراق الأسوأ على الإطلاق، مغطى بجروحٍ تجعل المرء يرغب في إبعاد نظره عنه.

اعتذار باليروي لمادلين، التي بقيت صامتة دون أي كلمة، لم يكن اعتذارًا لغيابه لبعض الوقت، ولم يكن اعتذارًا لعدم قدرته على تلبية طلبها.

باليروي: “…كنتُ أريد أن أهزم تنين السحاب، وأُخرجكِ من هنا، رغم ذلك.”

قال ذلك بينما جسده على حافة الموت، يربّت على ظهر تنينه المحبوب، الذي كان منهكًا بنفس الدرجة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ بائسة، وانهمرت دموع مادلين على وجنتيها.

لقد ندمت. كان ذلك أعظم ندمٍ في حياتها كسليل تنين ، ندمًا لا يمكن محوه أبدًا.

――التنانين تتشبث بكنوزها. كان ذلك من طبيعة التنانين.

ولهذا، كان تنين السحاب، الذي غرق في عالمٍ غامضٍ بعدما أصبح جسدًا فارغًا ، يحتفظ بهذه الطبيعة، حتى في تلك الحالة، وكانت مادلين هي الكنز الذي لم يكن ليتحمل خسارته أبدًا.

باليروي كان قد حاول انتزاع ذلك منه، مخاطِرًا بحياته في سبيل ذلك.

مادلين: “أيها الأحمق اللعين…”

باليروي: “كنت أظن أنني قادرٌ على فعلها، لكن… حقًا، حتى أنا نفسي كنت مصدومًا.”

مادلين: “خطأ! خطأ كبير! ليس باليروي… بل هذا التنين هو الأحمق اللعين…!”

أنكرت مادلين كلمات باليروي بينما كان ينغمس في احتقار ذاته، وضغطت مادلين بقوة على أسنانها .

حتى هذا اليوم، حتى هذه اللحظة، لعنت نفسها لأنها لم تفعل سوى تلقي الأشياء من باليروي، لكن الآن، دون أن يخبرها أحد، أدركت أخيرًا ما ينبغي عليها فعله.

هذه السحب البيضاء الكثيفة التي عاشت فيها منذ ولادتها، كانت جدرانًا يجب أن تمزقها بنفسها، بمخالبها الخاصة.

لقد اعتمدت على لطف باليروي، وظلت تسمح له بأن يخترق تلك الجدران، وحتى عندما خاطر بحياته حتى حافة الموت، لم تحاول أن تفهم ذلك ولو لمرة واحدة.

كم كانت وقحة؟ هل كان هذا السلوك غير اللائق يليق حقًا بسليل التنين ، بوجودٍ أسمى؟

مادلين: “أنا، هذا التنين، سأفعلها بنفسي.”

باليروي: “مادلين؟”

مادلين: “هذا التنين… ستخرج للخارج بمفردها. لن تُؤخذ، بل ستخرج بنفسها… هذه المرة، هذا التنين ستذهب لمقابلة باليروي بنفسها. إذا فعلتُ ذلك…”

بينما كانت تشد بحزمٍ على أطراف الثياب التي أهداها لها باليروي، ومع الكلمات التي تعلمتها منه، احتفظت بالمشاعر التي منحها لها، وستنقلها إلى باليروي، الذي منحها كل شيء.

ككائنٍ أسمى، كسليل تنين ، ستنقل هذه المشاعر إلى ذلك الإنسان الفريد، الذي أسر قلبها.

مادلين: “إذا فعلتُ ذلك، هل ستجعل هذا التنين عروسك؟”

باليروي: “――――”

عند سؤال مادلين، وُلدت لحظةُ صمتٍ مشابهة لتلك التي حدثت في السابق.

لكن صمت باليروي هذه المرة كان مختلفًا عن ذلك الصمت الذي عذب مادلين الحمقاء الجاهلة، التي انتهى بها الأمر بالبكاء لثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ، كانت تعلم أن هناك شيئًا مخفيًا خلفه.

في ذلك الوقت، كانت مادلين ترى فقط ما أرادت أن تراه.

حتى حين نادت باليروي، لم تكن تريد إلا أن يراها هي فقط. ولهذا――

باليروي: “――أعتقد أن الأمر سيكون كذلك. لو فعلتِ ذلك، فسيكون شيئًا رائعًا لكِ ولي أيضًا، مادلين.”

لقد أبدى باليروي لطفًا لأقصى حدٍ ممكن، وجعل مادلين تدرك تمامًا أنها لم تكن الأهم بالنسبة له، وبهذا، تم تبادل الوعد بينهما.

………

――ربما هناك من سيقول إن مشاعر مادلين لم تكن حبًا حقيقيًا.

وربما هناك من سيحلل الأمر على أنه يشبه ما يحدث لفرخ يخرج من بيضته، فيطبع أول شيءٍ يراه في ذهنه ليعتمد عليه كدعم.

ربما لم يكن الأمر سوى أنها أرادت أن تصدق أن أول شخصٍ تواصلت معه خارج الكيانات المقربة منها، أول كائنٍ أظهر لها اللطف، تلك العلاقة التي منحتها العديد من “أوّل مرة”، كان شخصًا مميزًا.

وربما هناك من سيضحك على رد باليروي، الذي أظهر ابتسامةً عابرة في مواجهة طلب مادلين، على أنه كذبةٌ طيبة من أبٍ لا يريد جرح مشاعر ابنته التي قالت إنها ستتزوجه في المستقبل.

ربما هناك من سيتعاطف مع باليروي، الذي كان يحمل مشاعر لشخصٍ آخر، ويراه مجرد شخصٍ شديد الاهتمام بمادلين، نظرًا لكونهما في موقفٍ مشابه من عدم القدرة على البوح بمشاعرهما المخفية.

لكن، كل ذلك لم يكن سوى قياسٍ بشري.

سلالة التنانين ، أو حتى التنانين أنفسهم ، كان لهم قيمٌ وطرق تفكيرٍ مختلفة عن البشر.

ولو افترضنا أن سلالة التنانين والتنانين لا يختلفون عن البشر، فحينها ستكون قيم مادلين هي الفريدة من نوعها.

من أعماق قلبها، من أعمق أعماق روحها، رغبت مادلين في باليروي تيميغليف.

ولو لم يكن ذلك رومانسيةً أو حبًا، فستقضي مادلين بقية الأبدية دون أن تعرف ما هو الحب أصلًا.

إلى الحد الذي جعلها تعتقد بذلك، كانت روحها مليئة بعاطفةٍ الاستعداد للمخاطرة بحياتها.

تعهدت مادلين لباليروي، الذي كاد أن يموت لأجلها، وشقت طريقها عبر السحب البيضاء.

مواجهةً تنين السحاب الذي وقف في طريقها وهي تحاول الخروج، بينما كان يستخدم قوته كتنينٍ ليحبط رغبتها تمامًا، غرست أنيابها فيه، وفي النهاية، أخضعته.

لأول مرة، ألقت بنفسها تحت السماء التي تشترك في لونها مع شعرها؛ لأول مرة، أنجزت شيئًا اختارت أن تفعله بنفسها؛ لأول مرة، حاولت الذهاب إلى جانب الشخص الذي تحبه بإرادتها، وحينها، أدركت الحقيقة――

باليروي تيميغليف قاتل ضد الإمبراطورية، ولقي حتفه.

مادلين: “――ماذا يفترض بي أن أفعل الآن؟”

في تلك اللحظة، لم تكن تعرف الإجابة على ذلك.

أمام شيءٍ يفوق قدرتها على الاستيعاب، فقدت مشاعر حبها وجهتها.

وبحبٍ بلا وجهةٍ لبلوغها ، كان الحمل ثقيلًا للغاية عليها حتى أنها فقدت معنى حياتها.

دون أن تعرف ما الذي يتعين عليها فعله، فكرت مادلين حتى في أن تصبح واحدةً من تنانين الدمار التي ستظل في تاريخ الإمبراطورية―― والشخص الذي وجدها حينها كان بيرستيتز، الذي كان يبحث عن شخصٍ ليشغل المقعد الفارغ في الجنرالات الإلهيين التسعة .

كان الموقع هو مقر إقامة باليروي الذي بقي في العاصمة الإمبراطورية، وهو المكان الذي عثرت عليه مادلين بعد أن تتبعت رائحته.

سُجل اسم باليروي كمتمرد، والسبب وراء أن بيرستيتز، الذي عهد إليه بالتخلص من ممتلكاته، لم يُقتل على يد مادلين، رغم تصادف وجودها هناك، كان لأنه في عينيه الخيطيتين كان يسكن نفس الضوء الذي ملأ عيني مادلين――

ضوء شخصٍ فقد شيئًا عزيزًا عليه.

أنصت بيرستيتز بصبرٍ بينما كانت مادلين تروي قصتها بصعوبة، وعندما علم أن مادلين كانت سليل تنين ، وأنها كانت تربطها علاقةٌ بباليروي، قدم لها خيارين:

الأول، أن تتصرف باندفاعٍ مع مشاعرها الجامحة، وتسلك نفس طريق باليروي، الذي قتل كعدوٍ للإمبراطورية.

والثاني، أن تقبل تأييد بيرستيتز، الذي التقت به للتو هنا، وتصبح واحدةً من الجنرالات الإلهيين التسعة كما كان باليروي سابقًا، وبينما تتبع خطاه، تنتظر فرصةً للانتقام.

لم تستغرق وقتًا طويلًا لاتخاذ قرارها.

ولم تكن متأكدةً من السبب وراء ذلك.

ربما، كان مجرد أنها أرادت العثور على ما تركه باليروي وراءه――

ولو كان مجرد القليل فقط.

بيرستيتز: “――مادلين إيشارت. إنه اسمٌ قديمٌ لعائلةٍ من فولاكيا لم يعد لها وجود، ولكنه سيُورَّث لكِ. المكانة لها أهميةٌ كبيرة، في نهاية المطاف.”

مادلين: “مكانة؟”

بيرستيتز: “السبب في عدم وجودهم الآن، هو أنهم قاتلوا ضد الإمبراطورية واختفوا. قد يكون هذا مجرد حدسٍ من عظامي العجوزة، لكني أشعر بأنه يتناسب تمامًا مع أمنيتك الأعظم.”

بناءً على النصيحة التي قدمها بيرستيتز بصوتٍ منخفض، وُلدت مادلين إيشارت.

بعد ذلك، قبلت تأييد بيرستيتز، وتقدمت في الأحداث وفقًا لنواياه؛ وشغلت المنصب الذي كان يشغله باليروي سابقًا، وانطلقت في رحلةٍ لاكتشاف ذلك الشخص الذي لم تعرفه حقًا.

كانت رحلةً لم تكن متأكدةً من الوجهة التي ينبغي لها أن تسعى إليها.

حتى حين خطت خارج تلك القمة الجبلية، تاركةً وراءها ذلك العالم الضيق المغمور بالغيوم، ودخلت العالم الذي أخبرها عنه باليروي، ظل قلب مادلين عالقًا في ذلك اليوم، مأسورًا بذلك الرجل الذي جاء إليها مع تنينه الطائر.

ومع ذلك، أدت الواجبات المطلوبة من الجنرالات الألهين―― نيابةً عن باليروي.

ومع ذلك، جسدت الهيبة التي يجب أن يتحلى بها جنرالات الإمبراطورية―― نيابةً عن باليروي.

ومع ذلك، استخدمت القوة اللازمة لهزيمة أعداء الإمبراطورية―― نيابةً عن باليروي.

ربما كان بيرستيتز يحمل نوايا حسنة عندما نصح مادلين بتولي منصبها الحالي.

أو ربما كان لديه أمنيةٌ لا تزال عالقةً بداخله مع تقدمه في العمر، وفي سبيل تحقيقها، حسب البيادق المطلوبة، واستخدم مادلين.

في كلتا الحالتين، لم تحمل مادلين أي ضغينةٍ تجاه بيرستيتز.

ولم يكن ذلك مقتصرًا عليه وحده―― بل لم يكن في قلبها مساحةٌ لذلك ببساطة .

وبعد حصولها على منصب جنرالٍ إلهي ، قضت وقتها كجنرالٍ تتبع خطى باليروي.

كانت تلك أيامًا مرعبة لا يُمكن تصورها بالنسبة لمادلين.

في كل مرةٍ قاتلت بشراسة، في كل مرةٍ فكرت في باليروي، في كل مرةٍ حاولت سدّ الفراغ الذي تركه، كانت تشعر وكأنها تقتل باليروي بيديها.

في كل مرةٍ عوضت غياب باليروي، كانت تسرق مكانه في هذا العالم، وآثاره التي تركها وراءه.

وفي هذه الحالة، هل ينبغي لها أن تسلم الأمر لشخصٍ آخر؟

ربما لو فعلت ذلك، لشعرت بأن الشخص الذي تلقاه كان يقتل باليروي، وكانت ستقتله هي بنفسها.

كانت تدرك على الأقل أن باليروي لم يكن ليريد ذلك، لذا استمرت مادلين في إرهاق نفسها.

بما أنها لن تسمح لأي شخصٍ آخر بفعل ذلك، فستستمر في قتل باليروي بنفسها.

وحين تقتل باليروي أخيرًا، هل سيموت قلبها أيضًا؟

إن كان الأمر كذلك، فقد شعرت بأن ذلك سيكون أفضل طريقةٍ لفعل ذلك.

القلب الذي منحها إياه باليروي، المشاعر التي منحها لها――

حين مات باليروي، في لحظته الأهم، حين لم تكن بجانبه، كان ينبغي لها أن تُمحى معه.

ومع ذلك――

مادلين: “لماذا هناك نابُ تنينٍ… لماذا ناب كاريليون معلقٌ حول عنقك!؟”

في ذروة الفوضى التي زلزلت الإمبراطورية، واجهت مادلين رجلاً يحمل ناب التنين الطائر، التنين الذي مات مع باليروي.

ومن الرجل الذي عرف باليروي الذي لم تعرفه هي، سمعت مادلين قصصًا عن باليروي――

عن زمنٍ لم يكن فيه بجانبها، عن زمنٍ لم يكن فيه جنرالًا، ومن جديد، ازدهرت بداخلها مشاعر الحب.

ثم، وبينما كانت الهزات تستدعي هزاتٍ أخرى، حدث ذلك――

لقد أعادت الكارثة الكبرى، بلا شك، إحياء ما فقدته مادلين.

أثنى على لون شعرها الأزرق السماوي، قائلًا إنه كان لونه المفضل، ثم مدّ يده ومسح رأسها.

أظهر لها ابتسامةً لطيفةً ناعمة، كانت كفيلة بأن تضيق أنفاسها لرؤيتها، وعدها غير المكتمل معه―― كانت قد أرادت معانقته تحت سماءٍ صافية، في مكانٍ لا تحجب الغيوم رؤيتها.

أخيرًا، التقت مادلين بباليروي في مكانٍ خارج تلك القمة الجبلية.

ومع ذلك، كانت الغيوم الكثيفة لا تزال تملأ السماء، وكان العالم لا يزال مغمورًا بالظلام.

مادلين: “――ماذا يفترض بي أن أفعل الآن؟”

لم تعد مادلين تعرف ما الذي ينبغي لها فعله بعد الآن.

شعرت بالكثير، بالكثير من الحب―― لكن فيما عدا ذلك، لم تكن تعرف شيئًا على الإطلاق.

ولم تكن تريد أن تعرف، أيضًا.

……

في السماء، تجمّعت دوّامة من الغيوم القاتمة، و تتخذ من تنين السحاب مركزًا لها.

وبينما كان ينظر إليها من الأرض، انتصبت كل شعرةٍ في جسد غارفيل، وغلى الدم المتدفق في عروقه؛ كان اندفاعًا غريزيًا يخترق دماغه.

بعد أن صمد أمام زفير التنين، كان جسده في طور التعافي السريع من موجة الحرارة التي أحرقت جلده.

لكن الغيوم السوداء المدمّرة تصرفت كستارٍ يحجب السماوات بالكامل، وكانت قوة هائلة مخبئة داخلها ―― تكفي ليُبيد تعافي غارفيل، ويدمر حتى مشهد العاصمة الإمبراطورية الذي كان يحميه بشراسة.

غارفيل: “تلك الغيوم العملاقة، كلها مكوّنةٌ من مانا التنين اللعين…!!!”

كانت تلك خدعة مخفية لم يتم اكتشافها حتى قام ميزوريا بتحريكها، مما تسبب في تغير طبيعتها بالكامل.

البطاقة الرابحة لتنين السحاب، التي كانت مخبأةً بجرأة، كانت الآن تكشّر عن أنيابها أمامه بهذه الطريقة――

ومع ذلك، لم يكن ما جعل قلب غارفيل يرتجف هو الدمار الذي ستُحدثه هذه القوة الهائلة ، بل كان حالة تنين السحاب الذي يتحكم بها.

تنين السحاب، ميزوريا―― لا، لقد فهم تقريبًا أن هناك كيانًا مختلفًا في داخله.

بالنسبة لتنينٍ عاش قرونًا عديدة، وحلّق عبر سماوات هذا العالم طوال حياته الطويلة، كانت كلماته وتصرفاته تفتقر بشدة إلى الهيبة التي تليق به.

كان ذلك حدسًا من نوعٍ مختلف تمامًا عن القوة، وكان شيئًا أدركه غارفيل بما أنه عرف ريوزو، التي، رغم مظهرها الشاب، كانت تحمل شخصيةً عاشت زمنًا طويلًا.

وفي الوقت ذاته، شعر غارفيل بعمق مدى روعة أمر سوبارو.

غارفيل: “القائد، أنت فعلاً أمرت ذاتي المذهلة بالمضي قدمًا وإسقاط التنين الطائر في السماء…”

أن يُدفَع ليقاتل وجهًا لوجه ضد تنين―― الكائن الأقوى في هذا العالم، وأن يُنظر إليه على أنه مؤهل لهذه المهمة―― كان ذلك أمرًا هائلًا بالفعل.

القوة التي مُنحت له كانت كافيةً لإعادته إلى الواقع من المسرح الذي شهده غير المفهوم بينما كان على شفا الموت.

لكن، في جوهر الأمر، كان هناك معنىٌ آخر وراء إرسال غارفيل إلى هنا.

لم يكن يعرف إن كان سوبارو قد خطط لذلك أم لا.

لكن، في النهاية، لم يكن ذلك مهمًا.

كان يجب مواجهة تنين السحاب، ميزوريا، من قبل غارفيل―― فهذا النوع من الأعداء الذي كان بحاجةٍ له وحده.

والسبب في ذلك――

غارفيل: “――أنت تُرهق نفسك وتصرخ، متوسلًا أن يحمي أحدٌ عالمك.”

بينما كان ميزوريا يصرخ، ويجمع القوة بلا هوادة، كان ذلك يجلب إحساسًا مزعجًا ومخزيًا إلى قلب غارفيل.

في الماضي، انفجر غارفيل على من حوله بنفس الغضب والوجع الذي يحمله ميزوريا الآن.

لكن حينها، أوقفه رفاقه بالقوة، ولهذا أصبح لديه اليوم موقف قوي، وعزيمة صلبة، وجسد قوي يقف على ساقين ثابتتين.

بالطبع، كان غارفيل وميزوريا مختلفين في المواقع، في الظروف، وحتى في الأجناس. ولهذا، لم يكن بالضرورة أن يستخدم نفس الحل على ميزوريا.

لكن، رغم ذلك، لم يكن هناك سببٌ يمنعه من استخدامه.

لكي يتحقق من ذلك، لم يكن أمام غارفيل خيار سوى أن يجعله يخفض أنيابه ويتحدث――

كما حدث معه تمامًا.

ولهذا الغرض――

غارفيل: “――هك.”

بينما كان يتفحص محيطه المضطرب، ضغط غارفيل بقوة على أنيابه.

كان الجدار الواقي على وشك الانهيار، وزفير التنين السابق قد أحرق العاصمة الإمبراطورية، مسببًا دمارًا جزئيًا واسع النطاق.

حتى لو أراد الوصول إلى ميزوريا، لم يكن بوسعه أن يبلغ ارتفاع السحب.

ولهذا، تخلى غارفيل عن فكرة القيام بكل شيءٍ بنفسه.

غارفيل: “الرجل العجوز!!”

هاينكل: “――آه؟”

نظر غارفيل للخلف، وفي مجال رؤيته، رأى هاينكل ينظر إلى السماء بذهول، وقد سقطت مؤخرته على الأرض بالكامل.

كانت عيناه الزرقاوان ترتجفان، و تركيزه مشوش ، وحين رأى غارفيل نفسه منعكسًا فيهما، أمسك كتفي هاينكل بكلتا يديه.

غارفيل: “ساعدني! أحتاجك أن تساعدني للطيران عاليًا حتى هناك!”

هاينكل: “طيران… الطيران؟ تقول الطيران؟ ما الذي، ما الذي تقوله بحق الجحيم!؟ لا يمكننا فعل شيءٍ كهذا مطلقًا! هل تدرك كم هو مرتفعٌ هذا المكان اللعين!؟”

صرخ هاينكل بشكل عنيف، بعد أن اتسعت عيناه عند سماعه طلب غارفيل، ثم حاول أن يحرر نفسه من الأيدي التي تمسكه، مشيرًا نحو الأعلى.

كانت الغيوم العاصفة تتحرك في دوامة عنيفة، تبتلع لون السماء الممتدة لما وراء السحب السوداء، وتحوّلت السماوات إلى لونٍ بنفسجي مخضبٍ بالأزرق السماوي.

وبينما كان يشير إلى ما لا يمكن وصفه إلا بأنه كارثةٌ طبيعية، بوجهٍ شاحبٍ تمامًا، قال هاينكل:

هاينكل: “لقد انتهى الأمر بالفعل!”

غارفيل: “لن أسمح له بأن ينتهي!”

هاينكل: “――هك.”

غارفيل: “لن أسمح لأي شيءٍ بأن ينتهي هنا! لا أنا ولا الرجل العجوز، لا يمكننا أن نخسر!”

بينما كان غارفيل يُمسك كتفي هاينكل بقوةٍ حتى لا يتمكن من التخلص من قبضته، وجه له نداءً قويًا.

ابتلع هاينكل أنفاسه بصعوبة، وتصلبت وجنتاه.

كان إصبعه المرتعش يشير نحو السماء، و كانت يده الأخرى لا تزال ممسكةً بسيفه، وغارفيل قرر أن يثق به.

غارفيل: “لا يوجد إحساس بالواقع الآن، أدرك ذلك، الرجل العجوز―― إنه أشبه وكأنه نهاية العالم.”

ضيّق غارفيل عينيه متأملًا، بينما كانت الدمار يتشكل في دوّامةٍ من الغيوم فوقه، ثم وجه بصره إلى السماء فوق ساحات المعارك المختلفة في البعيد، وهز رأسه.

لقد كان الأمر كما لو أن كل موقعٍ هناك هو “تينوزان” الذي تحدث عنه سوبارو.

في الشمال من العاصمة الإمبراطورية، كانت كتلةٌ جليديةٌ تخترق الغيوم، وفي الشمال الشرقي، كانت ومضاتُ سيفٍ تمزق العالم نفسه، تصل إلى الأسوار، بل وحتى الجبال وراءها.

أما في الشرق، فقد كانت السماوات والأرض مغمورتين بأكثر من مئة ظل من اللون الأحمر؛ كل ساحة معركة هناك كانت تحاول جلب دمارٍ مختلف إلى الإمبراطورية.

لكن، غارفيل لن يستسلم.

غارفيل: “أليس كذلك، القائد.”

بينما كان سوبارو يواجه الدمار القادم، اختار أسلوب قتالهم بعناية.

ولهذا السبب، لكي يواجه الدمار في هذا الموقع، اختار سوبارو أقوى ورقة لديه―― غارفيل تينزل.

ليس إيميليا، ليس بياتريس، ليس روزوال ، ليس سبيكا، ليس هاليبيل، ليس أولبارت، ليس تانزا، ليس ميديوم، ليس جمال―― بل اختار غارفيل.

غارفيل: “――«أمام التنين، سياف القدر ريد يضحك ويسحب سيفه».”

هاينكل: “…لا تقارنني بذلك السلف المجنون الخاص بي.”

غارفيل: “――«لا مهرب من راينهارد».”

هاينكل: “لا تذكر ذلك الاسم! أنا! أنا…!”

غارفيل: “――――”

هاينكل: “أنا…”

في ذلك المكان حيث كانت السماء والأرض على وشك لقاء نهايتها ، غطّى هاينكل وجهه باليد التي كان قد رفعها نحو السماء، وأطلق تلك الكلمات بصوتٍ واهنٍ ضعيف.

الكلمات التي كانت تتلو ذلك، لم يكن غارفيل يعرفها.

ربما حتى هاينكل نفسه لم يكن قد اكتشف بعد ما الذي سيخرج بعد هذه الكلمات.

وفي هذه الحالة――

غارفيل: “――الرجل العجوز، مع ذاتي المذهلة، دعنا نمضي ونكشف الكلمات التالية التي تعجز عن نطقها.”

……….

هل يمكن حتى تخيل ذلك؟

امتدت السماء الشاسعة بلا نهايةٍ في كل الاتجاهات، والغيوم التي غطتها بالكامل كانت تتحلل إلى وابلٍ من الرصاص وغابةٍ من الشفرات؛ وكان المشهد المتساقط منها أشبه وكأنه نهاية العالم.

حتى الآن، كان ذلك على وشك الحدوث بالفعل.

ومع ذلك، على عكس الانطباع الذي تتركه عبارة “وابل من الرصاص وغابة من الشفرات”, لم تكن غيوم الدمار تمطر بكثافةٍ عبر أراضي الإمبراطورية الواسعة، بل كانت قد تجمعت دفعة واحدة، على وشك أن تخترق بقوة منطقة مركزةً واحدة.

――كانت دوامة الغيوم السوداء تلتف في شكل حلزوني، وتتخذ شكل مخروطٍ هائلٍ تدور في السماء .

كان ذلك الشكل الجبار ينذر بالسوء؛ ومع ذلك، في جانبٍ واحدٍ يمثل الدمار وفي الجانب الآخر ―― كان هناك جمال حقيقي.

نشر تنين السحاب جناحيه البيض في السماء ، و رفع ذراعيه، وجلب معه هيكل الدمار هذا ، وبعكس جسده الضخم ، صرخ التنين بصوتٍ أشبه بصراخ الطفل―― بينما كان يُطلقه من يديه.

تنين السحاب: “――فلتختفي …”

ذلك الصوت――سواء كان موجهًا إلى أحدٍ ما على الأرض، حيث تساقط مطر الدمار ، أو كان موجهًا إلى الأرض نفسها، التي قد لا تقوى على احتماله فتنفجر، أو إن لم يكن موجهًا لأحدٍ أو للأرض، بل كان عقوبةً يُنزلها على نفسه، كان أمرًا غير واضح.

لكن، مهما كان الأمر ، النتيجة كانت واحدة.

لم تكن هناك أي وسيلةٍ للدفاع أمام بطاقةٍ رابحة أعدّها تنين على مدى فترةٍ طويل.

كان النصف الجنوبي من العاصمة الإمبراطورية على وشك التحطم ، مُخلِّفًا وراءه العديد من الضحايا، وفقًا لإرادة الكارثة العظيمة .

بالنسبة للكارثة ، يمثل سقوط العاصمة الإمبراطورية هزيمة ساحقة للإمبراطورية، وجيش الزومبي ستبتلع الأرض المنكوبة، وستمضي نحو الدول المتبقية بقوةٍ لا تعرف الرحمة.

وبذلك، سينجر العالم إلى سلسلةٍ من المصائب التي لا نهاية لها.

تلك، كانت النتيجة الحتمية لعالمٍ سقط في الهلاك.

لم يكن هناك من سيفرح بهذا سوى ساحرةٍ ما، تجسيدٌ الفضول، والوحيدون القادرون على إبطالها كانوا محاربين صغار ، لكن شجعان――

محاربين قفزوا نحو حتفهم المحتوم.

“――――”

بينما كان يشعر بوجود الأراضي الشاسعة في روحه قبل أن ينطلق، جمع المحارب الشجاع كل القوة التي استطاع حشدها، وجعلها تتدفق عبر جسده بالكامل.

تمدّدت ساقاه بقوة، مستندة على سيف بقي في غمده، ثم في لحظة توازن للقوة، اندفع بقوة هائلة نحو الأعلى.

كانت تلك ضربة مدهشة .

لم تكن موجهة ضد التنين الهائل كخصم، ولم تكن شيئًا يخترق المخروط الذي حاول جلب الدمار للعالم، ولم تستخدم أيًا من المهارات التي تدرب عليها.

لم يتبادل النظرات مع العدو، ومع ذلك، كانت ضربة مدهشة .

على الأقل، كان ذلك هو الحكم الذي أصدره المحارب الشجاع الذي تلقى تلك الضربة بباطن قدميه.

(يقصد ضربة السيف الي جعلت غارفيل يطير)

ما إذا كانت تلك الضربة المدهشة ستظل غير مسجلة، ولا يتذكرها أي شخص، كان أمرًا متروكًا له لإثباته، حيث تم تكليفه بوضع الخاتمة.

تنين السحاب: “――――”

من وراء النهاية القادمة، التقت عيناه بعيني التنين أثناء صعوده إلى السماء.

رأى تلك العيون ترتجف بفزع رهيب، وارتسمت ابتسامة على وجهه.

كانت تلك الابتسامة في غير محلها، مربكة للغاية.

ثم غُطيت فورًا بابتسامة نمر شرس، قوي، متوحش، وعنيف.

“تذوّق هذه اللكمات.”

بكل قوته، دون أي تردد، سدد لكمة إليه.

لكمه، ثم――

“دع ذاتي المذهلة تسمع قصتك―― تمامًا كما استمع القائد والآخرون إلى قصتي ذات مرة.”

ارتفعت ذراعيه الفضيتان القويتان، ثم اصطدمتا بالسحب الداكنة المخروطية التي تنذر بالدمار.

في تلك اللحظة، انفجرت طبقات السماء والسحب السوداء المتصاعدة في انفجار بلا صوت، ليغمر العالم.

“――――”

نتيجة الاصطدام، كانت عالمًا فقد فيه الصوت وجوده.

أي نوع من الخاتمة نشأ عن ذلك الاصطدام؟ ربما لن تتشكل إلا بعد ومضة من الضوء.

لكن، السماء التي وُلدت بعد التصادم، السماء التي تلاشت منها السحب السوداء، كانت زرقاء.

في الماضي، أطلق فارس التنين الطائر اسمًا على سليل تنين وحيد؛ ومثل لون الشعر الذي داعبه بمحبة وحنان مرارًا، امتدت السماء بلونها الأزرق السماوي، وهذا كان كل شيء.

……..

Hijazi

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.