38.63
والد وابن الإمبراطورية.
لم ينجُ فقط من أن يتحوّل إلى رماد على حافة المعركة الحاسمة في الحصن، بل إن دوره كمساند حين رمى سلاحه في النهاية ليمنح سيسيليوس لحظة التألق، كان أيضًا بمثابة لحظة تألق له هو نفسه.
ـــ كان الشخص المعروف باسم روان سيغمونت، رجلًا غير مؤهل تمامًا ليكون أبًا.
فقد جاء سيسيليوس وآل إلى هنا بحثًا عن سيف اللعنة موراسامي، القادر على قطع اللعنات، ولكن للأسف، لم يُحقق هذا الهدف. وبحلول هذه اللحظة، كان من المفترض أن يكون غروفي منشغلًا في قتال مُطلق لعنة الأشواك الخطيرة.
فعلى الرغم من أن سيسيليوس سيغمونت كان يظن أن ما يُسمى بالحسّ العام لا ضرورة له بالنسبة للبطل الرئيسي، فقد كان من الواضح أن روان كان أبًا بعيدًا كل البعد عن صورة العائلة التقليدية.
لم يكن الأمر متعلقًا بسرعة حركته، ولا بمهارته التقنية، بل كان تحولًا سببه تغيّر في وعيه.
فالأب المثالي ليس من يقتل طفله لمجرد أنه “لا يبدو” أنه سينمو بالشكل الذي يرغبه.
سيسيليوس: “لا أكره ذلك، بل في الواقع، أحبه كثيرًا.”
انحرافٌ كامل عن كل مفاهيم الحب الأبوي، تلك كانت كل الأسباب التي جعلت روان يقتل جميع إخوة سيسيليوس الأكبر سنًّا وهم لا يزالون رُضَّعًا.
شخصيًّا، لم يكن سيسيليوس راغبًا في الافتراق عن آل وتركه وحيدًا.
مبارز يقطنه جنون حقيقي، لا يتردد في سحق أي شيء طالما كان ذلك لأجل بلوغ “سيف السماوي” ― ذلك هو روان سيغمونت، لا أكثر ولا أقل.
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
على الأرجح، كان روان سيغمونت يُعد أسوأ أب في العالم حتى وإن بحثت في مشارق الأرض ومغاربها. وقد وُلِد سيسيليوس في هذا العالم ابنًا لأب يفتقر تمامًا إلى الاحترام أو الحب العائلي، ومع ذلك فقد كان سيسيليوس يعتقد حقًّا من أعماق قلبه أنه محظوظ.
لكن في أعماق روحه، كان سيسيليوس سيغمونت يعلم علم اليقين أن هذا يعني موت والده، دون أدنى شك.
ـــ فالرغبة التي كان يحملها روان تجاه “سيف السماوي”، كانت رغبة يحملها سيسيليوس أيضًا.
منذ اللحظة التي أصبح فيها واعيًا بالعالم من حوله، لم يكن له هدفٌ سوى السيف السماوي. في كل لحظة يقظة، في كل لحظة نوم، لم يحلم بشيء سوى الوصول إلى السيف السماوي. هذا ما شكّل الكيان المسمى “روان” طوال حياته.
إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
ـــ فالرغبة التي كان يحملها روان تجاه “سيف السماوي”، كانت رغبة يحملها سيسيليوس أيضًا.
لو أنه تربّى في عائلة محترمة ذات تاريخ عريق، أو في منزل فقير شريف يتردد في سرقة لقمة العيش، لَما كان لدى سيسيليوس أي دليل حاسم على أن رغبته في بلوغ “سيف السماوي” كانت خالية من الشوائب.
لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في معركة سيسيليوس، المعروف باسم البرق الأزرق، أحد أطرافها. ولكن هذه اللحظة لم تكن من صنع سيسيليوس وحده، بل كانت دليلًا على أن روان قد تجاوز حدود القدرة البشرية.
ولهذا، كان روان سيغمونت.
الساحرة: “لأكون صريحة، جئتُ هنا من أجل تنفيذ هدفي. لقد أنجزت أحد هدفيّ الرئيسيين. وبمجرد أن أحقق الآخر، أُخمّن أنني سأتمكن من التفرّغ تمامًا لغاية وجودي الأصلية: الخلق.”
إذ قطع جميع الروابط الدموية التي تعوقه، وأزال كل العقبات دون تردد في سبيل إتقان فنّ السيف بعزم لا يلين، وفرض على ابنه المحن تلو المحن دون أن يُعير حياته اهتمامًا يُذكر.
لكن في أعماق روحه، كان سيسيليوس سيغمونت يعلم علم اليقين أن هذا يعني موت والده، دون أدنى شك.
ذلك الجنون الخالص المكرَّس للسيف، والخالي من كل شائبة، سكبه روان بلا تردد في سيسيليوس.
آل: “قلتُها من قبل. لدي شيءٌ يجب أن أفعله. ما حدث مع الآنسة الصغيرة أراكيّا كان مجرّد منعطفٍ غير متوقّع… أشعر بالسوء تجاه غروفي، بصراحة.”
ولذلك، فقد فكّر سيسيليوس:
رفع آل الـ داو الحجري فوق رأسه، ثم اهتزّ صوته نحو الساحرة――
ـــ كما هو متوقّع، أنا، المولود في هذا العالم ابنًا لروان، أمتلك ذلك بالفعل.
فإن كان لدى آل شخص يريد إنقاذه، فمن المنطقي أن يساعده سيسيليوس في تلك المهمة.
***
منذ اللحظة الأولى التي لامست فيها أصابعه الفولاذ على هيئة سيف، لم يبقَ لروان سيغمونت طريقٌ آخر سوى أن يكرّس نفسه لإتقان فن التلويح به.
مُستلًّا من غمد الأحلام، لمع “سيف الأحلام” وهو يشقّ سماء الواقع ـــ
سيسيليوس: “هاهاهاها، عند ذكرك، حتى أنا أتعجب كيف فهمت هذا الشيء!”
قاطعًا الانفجار الضوئي الذي بدا وكأنه يدعو إلى دمار العالم، مضى طرفه إلى الفتاة الجميلة التي تَسكُن لهبًا أزرق في إحدى عينيها بينما تذرف دموعًا من الدم.
ورغم أنه لم يسمع الكلمات بصوتٍ مسموع، إلا أن المشاعر المتبادلة بين الأب والابن، اللذين يحبان المظاهر المبالغ بها، سمحت له بسماعها داخل روحه.
لكن، رغم تعرّضها لضربة سحرية فوق طبيعية، لم تُشطر حياة الفتاة ــ أراكيّا ــ إلى نصفين؛ فلم يحدث ذلك.
روان: “آاااه… لقد أتى وقت مجدي العظيم، أخيرًا.”
والسبب هو أن حتى نتائج ضربة “السيف المسحور”، المصنوع بعقلٍ لا ينتمي إلى هذا العالم، لم تكن تتقيد بالمنطق أو الحسّ العام.
في بريق ذلك السيف، سكنت سنواتٌ من التدريب الجاد، والدراسة المتفانية الخالية من التراخي؛ ومع رؤيته لهذا، ارتعشت عيناه.
ـــ “الحجر، موسبِل”.
ذلك الختام الكابوسي، الذي وُلد من تركيزٍ كامل ومطلق، لم يكن ليسمح له سيف الأحلام “ماسايومي” بأن يتحقق.
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
نفخ سيسيليوس صدره بفخر وهو يرد بهذا الشكل، ليزفر “آل” تنهيدة بينما يعبث بقطع التثبيت المعدنية في خوذته.
حتى وإن كان قد فهم بفطرته أن ما قام بتبديده بواسطة “سيف الأحلام ماسايومي” كان أراكيّا ــ وكان في الوقت ذاته ليس أراكيّا ــ حضورًا متطرفًا كان يطغى على وجودها ذاته، فإن سيسيليوس لم يكن لديه وسيلة للكشف عن هويته الحقيقية.
كان سيسيليوس معروفًا، في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، بأنه لا يستطيع الاعتناء بأحد. وبما أنه جعل من الصعب جدًا تتبعه حتى هذه المرحلة، لم يكن هنالك من كان أكثر عبئًا من هذه الفتاة.
لكن، في نهاية المطاف، لم يكن عزم سيسيليوس أو أفعاله ليتغيرا، حتى لو كان يعلم.
سيسيليوس: “انتظر، انتظر، مهلاا، آل-سان. يبدو أنك قد أسأت الفهم قليلًا، فدعني أوضح الأمر لك. والدي، صحيح أنه أصبح ميتًا، لكنه لم يتحوّل إلى أداة بيد أحد. السبب الذي دفعه لمهاجمتي لم يكن فقدانه لصوابه.”
حتى وإن كان قد أدرك أن أراضي الإمبراطورية الشاسعة ستنهار مع الروح العظيم إن دُمّر موسبِل، صار من الحتمي أن يستل سيسيليوس سيف الأحلام.
ـــ كان الشخص المعروف باسم روان سيغمونت، رجلًا غير مؤهل تمامًا ليكون أبًا.
فأن يضع وجود البطلة فوق أراضي الإمبراطورية الشاسعة، كان قرارًا طبيعيًا بالنسبة للبطل الرئيسي.
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
منذ البداية، حين يتعلق الأمر بالنص، من المستحيل أن يؤدي أي شيء يفعله سيسيليوس بقناعة إلى نهاية سيئة.
سيسيليوس: “أنا مندهش.”
ولذلك――
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
أراكيّا: “――――”
آل: “ماذا…؟”
لم تستطع أراكيّا تحمّل القوة التي استوعبتها داخلها، والتي كانت على وشك الانفجار. أمام سيسيليوس، الذي طرد تلك القوة الجبارة التي هددت حياتها باستخدام سيف الأحلام، حلّقت حول أراكيّا شرائط لا تُعدّ من الضوء―― تلك الأطواق الماسية تحوّلت إلى جسيمات ساطعة، وذابت في العاصمة الإمبراطورية المصبوغة بالقرمزي.
رفض آل عرض سيسيليوس، وهو يهزّ رأسه نافيًا، ثم نهض من وضعيته الراكعة، وسلّم أراكيّا من جديد إلى سيسيليوس.
وبينما سقطت أراكيّا ببطء وسط تلك الجسيمات المتراقصة من الضوء، أعاد سيسيليوس سيف الأحلام إلى غمده، الذي ظهر فجأة عند خصره كأنه حلم، ومدّ يديه نحوها.
منذ ظهور الساحرة، لم ينطق آل بكلمة واحدة.
بدا جسده مغطى بالجراح. وقد أُصيب بتمزقات في كامل جسده، وثوبه المشبع بالدماء صار ممزقًا ومهترئًا، ومظهره بات بعيدًا كل البعد عن أن يُوصف بلباس لمبارزة.
إلى جانبه، خطا آل خطوة إلى الأمام.
مع ذلك، وعلى النقيض من هيئته المزرية تلك، لم يغب بصيص النور عن عيني سيسيليوس وهو يمسك بأراكيّا.
آل: “―― إيكيدنــــــــــــا!!”
سيسيليوس: “――――”
لم ينجُ فقط من أن يتحوّل إلى رماد على حافة المعركة الحاسمة في الحصن، بل إن دوره كمساند حين رمى سلاحه في النهاية ليمنح سيسيليوس لحظة التألق، كان أيضًا بمثابة لحظة تألق له هو نفسه.
كانت الفتاة الفاقدة للوعي قد أغمضت عينيها، وبدت ملامحها النائمة وكأنها ميتة.
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
لكنه لم يشعر بالذعر، لأنه أدرك من إحساسها بين يديه أنها ليست ميتة حقًا. فقط، هزّ كتفيه بهدوء وكأنه يقول “يا للعجب”.
ذلك الإحساس لم يجلب لروان شعورًا بالتحرّر، بل تركه بشعورٍ بالخسارة، ونوعٍ من الضيق وعدم الارتياح. وسط ذلك الانزعاج الذي مسّ روحه، فكّر روان بهذا الأمر للمرة الأولى في حياته:
سيسيليوس: “أنتِ حقًا تعرفين كيف تثيرين الضجة، أنيا.”
قبل بضع ساعات، حين ودّع روان وهو لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس يرى فيه أي مؤشر على وصوله إلى هذا المستوى. أما الآن، وقد التقيا مجددًا، وروان قد أصبح ميتًا حيًّا، فإن مهارته بالسيف قد تطورت بسرعة مذهلة، وبدأت موهبته تتفتح بعد وفاته.
من بين الذكريات الباهتة التي استُعيدت في ذهنه خلال المعركة، كانت الغالبية تدور حول حديث المساء الذي دار بينه وبين صديقه الذي صغّر “سيسيليوس ما قبل” إلى “سيسيليوس ما بعد”. ولكن، باستثناء تلك الأغلبية، فإن من تركت الأثر الأكبر في ذاكرته كانت هذه الفتاة.
من خلف سيسيليوس، الذي كان يحمل أراكيّا، ناداه صوت يحمل نبرة توتر خفيفة.
كان سيسيليوس معروفًا، في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، بأنه لا يستطيع الاعتناء بأحد. وبما أنه جعل من الصعب جدًا تتبعه حتى هذه المرحلة، لم يكن هنالك من كان أكثر عبئًا من هذه الفتاة.
سيسيليوس: “يبدو أن هذه كانت نيتي منذ البداية. كما لو أنني، منذ أول مرة هزمت فيها أنيا، قررت أن أتحمّل تلك المسؤولية.”
وربما، ما كان من المبالغة في شيء أن يُقال إنها كانت أعظم عبء في الإمبراطورية كلها.
لا أحد كان قادرًا على فهم روان―― لا أحد، سوى سيسيليوس.
؟؟؟:
“…أفترض أنه يمكنني اعتبار الأمور منتهية؟”
روحه مشتعلة، حياته تتلاشى إلى رماد، ومصيره على وشك أن يبلغ منتهاه.
من خلف سيسيليوس، الذي كان يحمل أراكيّا، ناداه صوت يحمل نبرة توتر خفيفة.
كان سيسيليوس معروفًا، في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، بأنه لا يستطيع الاعتناء بأحد. وبما أنه جعل من الصعب جدًا تتبعه حتى هذه المرحلة، لم يكن هنالك من كان أكثر عبئًا من هذه الفتاة.
متقدمًا بخطوات حذرة تُظهر حذره، وبحالة لا تقلّ سوءًا عن سيسيليوس من آثار المعركة، ظهر “آل”.
وكأنه يتحدث عن شخص آخر بينما هي في الواقع قضيّته، رأى سيسيليوس ملامح أراكيّا في طفولتها تتراكب على وجهها النائم في أحضانه.
لم ينجُ فقط من أن يتحوّل إلى رماد على حافة المعركة الحاسمة في الحصن، بل إن دوره كمساند حين رمى سلاحه في النهاية ليمنح سيسيليوس لحظة التألق، كان أيضًا بمثابة لحظة تألق له هو نفسه.
سيسيليوس: “لا يمكن لأحلامي أو دوافعي أن تنفد أبدًا!َ”
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
آل: “قلتُها من قبل. لدي شيءٌ يجب أن أفعله. ما حدث مع الآنسة الصغيرة أراكيّا كان مجرّد منعطفٍ غير متوقّع… أشعر بالسوء تجاه غروفي، بصراحة.”
آل: “عشرة من ماذا، من حيث إعجابك بي؟ في هذه الحالة، لا يهمني الأمر إطلاقًا.”
قاطعًا الانفجار الضوئي الذي بدا وكأنه يدعو إلى دمار العالم، مضى طرفه إلى الفتاة الجميلة التي تَسكُن لهبًا أزرق في إحدى عينيها بينما تذرف دموعًا من الدم.
منكّسًا كتفيه بطريقة تدل على ضجره، نظر “آل” إلى أراكيّا.
واللهب لا يزال يلتهم جسده، وحياته تحترق، وبينما كان روان مغموسًا في عالم الموت، أطلق ضربة سيفٍ واحدة؛ ومع تألق النصل وسط عالمٍ خالٍ من اللون والضوء، ظل سيسيليوس يراقب ذلك بإعجاب.
“الأهم من هذا…”
لو أنه تربّى في عائلة محترمة ذات تاريخ عريق، أو في منزل فقير شريف يتردد في سرقة لقمة العيش، لَما كان لدى سيسيليوس أي دليل حاسم على أن رغبته في بلوغ “سيف السماوي” كانت خالية من الشوائب.
كانت النظرة المنبعثة من خلف خوذته الحديدية مشبعة بالوجل، باعثة على جوّ من التوتر والخوف، ولكن――
سيسيليوس: “أنا مندهش.”
آل: “الآنسة أراكيّا الصغيرة هي…”
لقد سئم من تكرار تلك الأسئلة المملة. تلك الحزمة من التساؤلات كانت هراءً لا يمت له بصلة.
سيسيليوس: “ليست ميتة. فبعد كل شيء، ولأجل الوصول إلى خاتمة لا تموت فيها، أرهقت نفسي بتمزيق حدودي مرة، ثم مرة ثانية، ثم ثالثة. لَكان من الفظاعة أن أوقفها بقتلها! إنها طريقة سيسيليوس سيغمونت أن يلبّي التوقّعات، ويخون التنبؤات الباهتة.”
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
طوال حياته، لم يتوقف عن السير، ومع ذلك، لم يتمكّن في النهاية من بلوغ “السيف السماوي”.
نفخ سيسيليوس صدره بفخر وهو يرد بهذا الشكل، ليزفر “آل” تنهيدة بينما يعبث بقطع التثبيت المعدنية في خوذته.
فأن يضع وجود البطلة فوق أراضي الإمبراطورية الشاسعة، كان قرارًا طبيعيًا بالنسبة للبطل الرئيسي.
بالطبع، كان سيسيليوس مدركًا لمخاوف “آل”. المسألة كانت ما إن كان الخطر الناتج عن إبقاء أراكيّا على قيد الحياة يستحق التضحية بالشعور بالأمان الذي سيأتي بقتلها. لكن――
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
سيسيليوس: “إن كان الأمر سينتهي بذلك النوع من النقاشات المعقدة والمملة، فلا تتردد في طرحه على أحد الحكماء عابسي الوجه في مكان لا أكون فيه. إجابتي كما تراها، يا آل-سان.”
لكن، رغم تعرّضها لضربة سحرية فوق طبيعية، لم تُشطر حياة الفتاة ــ أراكيّا ــ إلى نصفين؛ فلم يحدث ذلك.
آل: “… كنت أعلم منذ البداية أن إقناعك أو الجدال معك سيكون ثلاثي الضربات: غير معقول، مستحيل، وعديم التفكير. لذا عليك أن تتحمّل مسؤولية الآنسة الصغيرة.”
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
سيسيليوس: “يبدو أن هذه كانت نيتي منذ البداية. كما لو أنني، منذ أول مرة هزمت فيها أنيا، قررت أن أتحمّل تلك المسؤولية.”
روان: “آاااه… لقد أتى وقت مجدي العظيم، أخيرًا.”
وكأنه يتحدث عن شخص آخر بينما هي في الواقع قضيّته، رأى سيسيليوس ملامح أراكيّا في طفولتها تتراكب على وجهها النائم في أحضانه.
كانت بشرته قد اسودّت من الاحتراق، مما أخفى بعضًا من ملامحه، لكن الوميض الذهبي في عينيه بدا كافيًا ليُدرك الجميع أن هذا الرجل كان من الأموات الأحياء بلا شك.
تمامًا كما رأى صديقه الذي افترق عنه عند المغيب، كانت تلك صورة زائفة لا تُرى إلا لأنه قضى معها وقتًا طويلًا. وربما، ينبغي له أن يشدّ من عزيمته قليلًا، ويواجه تلك الذكريات التي ظلّ مترددًا في استرجاعها.
رفع آل الـ داو الحجري فوق رأسه، ثم اهتزّ صوته نحو الساحرة――
سيسيليوس: “لكن يبدو أن هنالك واجبًا آخر عليّ إنجازه، قبل أن أغوص في تلك الحكاية.”
سيسيليوس: “أغلب الناس على الأرجح لن يرضوا عن العلاقة بيني وبين والدي، لكن――”
آل: “هاه؟”
آل: “――――”
تساءل “آل” بدهشة عندما تمتم سيسيليوس فجأة، لكن هذا الأخير لم يرد بكلمات، بل أجاب بالفعل فقط، بتوجيه نظره إلى جهة أخرى.
سيسيليوس: “إذاً، فآل – سان سيذهب في طريقه وحده. قد لا يحق لي قول هذا، لكن هل ستكون بخير وأنت تتجول وحيدًا بلا سلاح؟ الموت عبثًا سيكون أقصى ما يمكنك تحقيقه، أليس كذلك؟”
في أعقاب معركته مع أراكيّا، كانت المباني والشوارع قد ذابت، والمدينة الإمبراطورية أصبحت في حالة جحيمية مصبوغة بالأحمر―― وسط هذا المشهد، نهض جنون شرير تجسّد في هيئة مناسبة تمامًا.
لقد سئم من تكرار تلك الأسئلة المملة. تلك الحزمة من التساؤلات كانت هراءً لا يمت له بصلة.
؟؟؟: ――――””
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
وقف رجل ذو شعر أزرق، تشتعل النيران التي لا تنطفئ في كل جسده.
بدا جسده مغطى بالجراح. وقد أُصيب بتمزقات في كامل جسده، وثوبه المشبع بالدماء صار ممزقًا ومهترئًا، ومظهره بات بعيدًا كل البعد عن أن يُوصف بلباس لمبارزة.
كانت بشرته قد اسودّت من الاحتراق، مما أخفى بعضًا من ملامحه، لكن الوميض الذهبي في عينيه بدا كافيًا ليُدرك الجميع أن هذا الرجل كان من الأموات الأحياء بلا شك.
لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
أما بالنسبة إلى سيسيليوس، فقد تجلّت له حقيقة أكبر مما يمكن أن يراها غيره.
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
سيسيليوس: “――أويا أويا أويا، ظننتُ أن شخصًا ما كان يركض بجنون إلى هنا، لكن لتظن أن يكون دخولاً مشتعلاً؟ يا إلهي، أليست هذه مسرحية فخمة، إن جاز لي القول؟”
على ما تبقّى من شارعٍ بالكاد يمكن تسميته طريقًا، وبناءً على طلب روان الذي ظهر هناك متّقدًا بنيران لا تنطفئ، ألقى سيسيليوس بأراكيّا قسرًا على عاتق آل.
لم يكن يركض جزافًا، بل كان يركض بهدف واضح في ذهنه.
روان: “――――”
والحقيقة أن خطاه العجلى توقفت هنا، لم تكن محض مصادفة، بل لأن ذلك الهدف كان هنا―― لا، بل كان ذلك الهدف يسكن في شخص واحد فقط: سيسيليوس سيغمونت.
وما إن اقتنع روان بأنه لن يبلغ “السيف السماوي”، حتى لم يبقَ شيء ليفكر فيه.
―― ذاك المبارز الذي نبذ كل شيء في سبيل بلوغ السيف السماوي، روان سيغمونت.
والده، الذي لن يتمكن من رؤية وجهه ثانيةً، وهو الآن ميتٌ حيّ، بصق تلك الكلمات بكراهية مع زفيرٍ طويل، ثم تحدث.
الآن وقد تخلّى حتى عن حياته، وصل الأب إلى هذا المكان في هيئة مختلفة تمامًا، ليُقابل سيسيليوس ذلك بغمزات عديدة وابتسامة.
نفخ سيسيليوس صدره بفخر وهو يرد بهذا الشكل، ليزفر “آل” تنهيدة بينما يعبث بقطع التثبيت المعدنية في خوذته.
كان روان يبتسم وهو محاط بالنيران. وسيسيليوس، بدوره، ابتسم وهو غارق في الدماء.
كرجل، كان من الممكن أن يُقيّم روان كأبٍ من أسوأ الآباء، وربما لم يكن سيسيليوس لينكر ذلك. ومع ذلك، فإنه كان يحب كثيرًا عقلية روان، تلك التي ظلت تصبّ كل روحه في الدور الذي يؤدّيه.
الوالد والابن، اللذان لم يُقدّر لهما سوى أن يُحيا ويموتا بالسيف، يبتسمان لبعضهما――
لم يكن لها أي أثر يُذكر على العاصمة الإمبراطورية، أو على الإمبراطورية، أو حتى على العالم بأسره؛ معركة فردية ضد ميّتٍ أحيته الأرواح، كان سيختفي على أية حال، لا يمكن اعتبارها سوى مسألة تافهة.
سيسيليوس: “لأول مرة، جعلتني أفكر بهذا يا أبي―― لا أقول إنني أكره ذلك، بل على العكس، أظنني أحببته.”
وقف رجل ذو شعر أزرق، تشتعل النيران التي لا تنطفئ في كل جسده.
قال ذلك، ناسِيًا بسخرية “سيسيليوس ما بعد”، ليحتفل بأن الفرصة لتحقيق الوعد الذي قطعه “سيسيليوس ما قبل” قد أتت أخيرًا.
كان روان يبتسم وهو محاط بالنيران. وسيسيليوس، بدوره، ابتسم وهو غارق في الدماء.
***
سيسيليوس: “إذاً، فآل – سان سيذهب في طريقه وحده. قد لا يحق لي قول هذا، لكن هل ستكون بخير وأنت تتجول وحيدًا بلا سلاح؟ الموت عبثًا سيكون أقصى ما يمكنك تحقيقه، أليس كذلك؟”
―― كان روان سيغمونت يتوق إلى السيف السماوي.
الوالد والابن، اللذان لم يُقدّر لهما سوى أن يُحيا ويموتا بالسيف، يبتسمان لبعضهما――
لماذا؟ لأي سبب؟ لأي غاية؟
كان والده، الذي كان بارعًا أيّما براعة في أن يكون مثالًا سيئًا، ليس وحشًا عصيّ الفهم. وهذا وحده كان دليلًا كافيًا على أن العلاقة بين سيغمونت وابنه كانت علاقةً صحية، وإن لم تكن تقليدية.
لقد سئم من تكرار تلك الأسئلة المملة. تلك الحزمة من التساؤلات كانت هراءً لا يمت له بصلة.
في بريق ذلك السيف، سكنت سنواتٌ من التدريب الجاد، والدراسة المتفانية الخالية من التراخي؛ ومع رؤيته لهذا، ارتعشت عيناه.
لقد تجاوز دافعه حدود أقدم ذكرياته، وكان منشأه قد أُلقي في مجرى نهر النسيان.
رفض آل عرض سيسيليوس، وهو يهزّ رأسه نافيًا، ثم نهض من وضعيته الراكعة، وسلّم أراكيّا من جديد إلى سيسيليوس.
منذ اللحظة الأولى التي لامست فيها أصابعه الفولاذ على هيئة سيف، لم يبقَ لروان سيغمونت طريقٌ آخر سوى أن يكرّس نفسه لإتقان فن التلويح به.
وبينما سقطت أراكيّا ببطء وسط تلك الجسيمات المتراقصة من الضوء، أعاد سيسيليوس سيف الأحلام إلى غمده، الذي ظهر فجأة عند خصره كأنه حلم، ومدّ يديه نحوها.
حتى بعد أن مُنِح وصيةً كنجمٌ محدق، وحتى بعدما رُزق بابنٍ يكون إناءً لوصوله إلى السيف السماوي، واصل روان طريقه، لا يفعل شيئًا سوى أن يغرق في الدراسة المتفانية ليصل هو بنفسه إلى ذاك السيف السماوي.
كرجل، كان من الممكن أن يُقيّم روان كأبٍ من أسوأ الآباء، وربما لم يكن سيسيليوس لينكر ذلك. ومع ذلك، فإنه كان يحب كثيرًا عقلية روان، تلك التي ظلت تصبّ كل روحه في الدور الذي يؤدّيه.
بل حتى حين أصبح أعظم عائق أمامه للوصول إلى السيف السماوي هو من صُنع يديه، واصل الدراسة المتفانية، عبر الدراسة المتفانية، لأجل الدراسة المتفانية، بدافع الدراسة المتفانية، عاش في الدراسة المتفانية――
ذلك الختام الكابوسي، الذي وُلد من تركيزٍ كامل ومطلق، لم يكن ليسمح له سيف الأحلام “ماسايومي” بأن يتحقق.
روان: “آاااه… لقد أتى وقت مجدي العظيم، أخيرًا.”
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
روحه مشتعلة، حياته تتلاشى إلى رماد، ومصيره على وشك أن يبلغ منتهاه.
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
كل شيء قد ابتلعته النيران، ومع تلاشي كينونته نحو عالم ما بعد الموت، دخل روان حيزًا لا تطأه قدم حيّ أو ميت ―― الفاصل بين الحياة والموت، النقطة التي يُمكن تسميتها بالـ “ما وراء”.
والسبب هو أن حتى نتائج ضربة “السيف المسحور”، المصنوع بعقلٍ لا ينتمي إلى هذا العالم، لم تكن تتقيد بالمنطق أو الحسّ العام.
وكان ذلك بمثابة كشفٍ عن الجوهر الحقيقي، للحياة والروح.
***
ثوانٍ قليلة أخرى، مهما بدت واقعية، كانت على وشك أن تفيض بالمعنى النهائي لوجود روان سيغمونت.
انحرافٌ كامل عن كل مفاهيم الحب الأبوي، تلك كانت كل الأسباب التي جعلت روان يقتل جميع إخوة سيسيليوس الأكبر سنًّا وهم لا يزالون رُضَّعًا.
روان: ――――””
أن يتجاوز، عبر تجربة الموت، تلك الخطوة الواحدة التي لم يستطع اجتيازها طوال حياته―― يا لها من سخرية، ويا له من أمر قد يُقال عنه إنه غباء منقطع النظير.
ومع كل مرة تنهار فيها جثته كميت حيّ، كان يجهّز الكاتانا خاصته المحبوبة، التي ظلت تُبعث من جديد مع كل مرة يُبعث فيها، ويتقدم إلى الأمام.
لذا، ردّ سيسيليوس بالمثل، وبهيبة.
الهيئة الصغيرة التي ظهرت خلف ألسنة اللهب المتراقصة، متّخذةً نفس وضعية القتال التي اتّخذها――
حتى بعد أن مُنِح وصيةً كنجمٌ محدق، وحتى بعدما رُزق بابنٍ يكون إناءً لوصوله إلى السيف السماوي، واصل روان طريقه، لا يفعل شيئًا سوى أن يغرق في الدراسة المتفانية ليصل هو بنفسه إلى ذاك السيف السماوي.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
آل: “――――”
سيسيليوس: “مبارزة شريفة――!!”
ولأن السبب في نعته بـ “الابن العاق” كان كذلك، لم يكن لدى سيسيليوس أي حجّة أو عذر. وإن كان منذ البداية لا يملك أي نية لعيش حياة يحتاج فيها للاعتذار أو التبرير.
―― متحديًا السيف السماوي، اشتعل بريق اللحظة العابرة لروان سيغمونت بسطوعٍ فائق.
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
***
الساحرة: “آه، أحقًا؟ في هذه الحالة، إجابتي بسيطة. لا يمكنك قتلي.”
سيسيليوس: “سأترك أنيا في عهدتك.”
انحرافٌ كامل عن كل مفاهيم الحب الأبوي، تلك كانت كل الأسباب التي جعلت روان يقتل جميع إخوة سيسيليوس الأكبر سنًّا وهم لا يزالون رُضَّعًا.
على ما تبقّى من شارعٍ بالكاد يمكن تسميته طريقًا، وبناءً على طلب روان الذي ظهر هناك متّقدًا بنيران لا تنطفئ، ألقى سيسيليوس بأراكيّا قسرًا على عاتق آل.
واللهب لا يزال يلتهم جسده، وحياته تحترق، وبينما كان روان مغموسًا في عالم الموت، أطلق ضربة سيفٍ واحدة؛ ومع تألق النصل وسط عالمٍ خالٍ من اللون والضوء، ظل سيسيليوس يراقب ذلك بإعجاب.
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
قاطعًا الانفجار الضوئي الذي بدا وكأنه يدعو إلى دمار العالم، مضى طرفه إلى الفتاة الجميلة التي تَسكُن لهبًا أزرق في إحدى عينيها بينما تذرف دموعًا من الدم.
مرةً أخرى، اختفى اللون، والصوت، والرائحة من عالم سيسيليوس، وصار محكومًا فقط بخفقات الفولاذ.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
وعند سماعه لضحكة سيسيليوس الصافية، نظر روان إلى السماء. كان سيفه قد تحوّل إلى غبار، ومع تفتت وجوده ابتداءً من أطراف أصابعه المشتعلة، ضيّق عينيه الذهبيتين. ثم――
واضعًا يده على الكاتانا عند خصره، بدت شفتا روان تتحركان لتنطق بذلك التحدي، وهو يتأهب.
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
ورغم أنه لم يسمع الكلمات بصوتٍ مسموع، إلا أن المشاعر المتبادلة بين الأب والابن، اللذين يحبان المظاهر المبالغ بها، سمحت له بسماعها داخل روحه.
على الأرجح، كان روان سيغمونت يُعد أسوأ أب في العالم حتى وإن بحثت في مشارق الأرض ومغاربها. وقد وُلِد سيسيليوس في هذا العالم ابنًا لأب يفتقر تمامًا إلى الاحترام أو الحب العائلي، ومع ذلك فقد كان سيسيليوس يعتقد حقًّا من أعماق قلبه أنه محظوظ.
لذا، ردّ سيسيليوس بالمثل، وبهيبة.
فأن يضع وجود البطلة فوق أراضي الإمبراطورية الشاسعة، كان قرارًا طبيعيًا بالنسبة للبطل الرئيسي.
سيسيليوس: “مبارزة شريفة――!!”
واللهب لا يزال يلتهم جسده، وحياته تحترق، وبينما كان روان مغموسًا في عالم الموت، أطلق ضربة سيفٍ واحدة؛ ومع تألق النصل وسط عالمٍ خالٍ من اللون والضوء، ظل سيسيليوس يراقب ذلك بإعجاب.
وفي لحظة، اختفى الفراغ الذي فصل بين الاثنين.
من بين الذكريات الباهتة التي استُعيدت في ذهنه خلال المعركة، كانت الغالبية تدور حول حديث المساء الذي دار بينه وبين صديقه الذي صغّر “سيسيليوس ما قبل” إلى “سيسيليوس ما بعد”. ولكن، باستثناء تلك الأغلبية، فإن من تركت الأثر الأكبر في ذاكرته كانت هذه الفتاة.
لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في معركة سيسيليوس، المعروف باسم البرق الأزرق، أحد أطرافها. ولكن هذه اللحظة لم تكن من صنع سيسيليوس وحده، بل كانت دليلًا على أن روان قد تجاوز حدود القدرة البشرية.
إلى جانبه، خطا آل خطوة إلى الأمام.
سيسيليوس: “أنا مندهش.”
فعلى الرغم من أن سيسيليوس سيغمونت كان يظن أن ما يُسمى بالحسّ العام لا ضرورة له بالنسبة للبطل الرئيسي، فقد كان من الواضح أن روان كان أبًا بعيدًا كل البعد عن صورة العائلة التقليدية.
كان ذلك إعجابًا صادقًا.
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
قبل بضع ساعات، حين ودّع روان وهو لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس يرى فيه أي مؤشر على وصوله إلى هذا المستوى. أما الآن، وقد التقيا مجددًا، وروان قد أصبح ميتًا حيًّا، فإن مهارته بالسيف قد تطورت بسرعة مذهلة، وبدأت موهبته تتفتح بعد وفاته.
“الأهم من هذا…”
لم يكن الأمر متعلقًا بسرعة حركته، ولا بمهارته التقنية، بل كان تحولًا سببه تغيّر في وعيه.
بالطبع، لم يكن هذا النوع من الكلام ليواسي روان الذي فشل في تحقيق الأمنية التي طاردها طوال حياته.
تأثير الحالة الذهنية على الأداء ليس أمرًا يُستهان به، ولكن حتى مع ذلك، فإن الخروج من القوقعة النفسية لا يؤدي بالضرورة إلى تطور جسدي خارق. لذا، فإن التغير في روان لم يكن تحولًا جسديًّا محضًا.
آل: “――――”
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
أن يكون هو من يبلغه، لا روان نفسه ―― يا لها من سخريةٍ خبيثة من “إله السيف”. مرارة ويأس، حزن وندم؛ لو بدأ بالكلام، فلن يتمكن من تطهير رأسه من سيل تلك المشاعر السوداوية.
لم تكن تلك الخطوة خطوةً جسدية، بل كان من الصعب وصفها على مستوى يتجاوز الإحساس الخالص. كما أن هناك مسافةً هائلة بين الهواة والمحترفين، فإن هناك أيضًا فجوة بين المحترفين من الدرجة الثانية والأولى.
إذ قطع جميع الروابط الدموية التي تعوقه، وأزال كل العقبات دون تردد في سبيل إتقان فنّ السيف بعزم لا يلين، وفرض على ابنه المحن تلو المحن دون أن يُعير حياته اهتمامًا يُذكر.
وكذلك، بين المحترفين من الدرجة الأولى وأصحاب الطراز الرفيع، وبين هؤلاء والكائنات المتجاوزة لكل الحدود، وُجدت فجواتٌ أخرى.
لكن، في نهاية المطاف، لم يكن عزم سيسيليوس أو أفعاله ليتغيرا، حتى لو كان يعلم.
غير مرئية للعين، عصيّةٌ على الشرح بالكلمات، عبّر سيسيليوس عنها عمدًا هنا بعبارة “خطوة واحدة”، واعتبر أن روان قد تجاوز ذلك الحدّ.
أعاد سيف ماسايومي إلى غمده بعد أن أتم مهمته، ثم التفت سيسيليوس ونادى على آل.
أن يتجاوز، عبر تجربة الموت، تلك الخطوة الواحدة التي لم يستطع اجتيازها طوال حياته―― يا لها من سخرية، ويا له من أمر قد يُقال عنه إنه غباء منقطع النظير.
الساحرة: “آه، أحقًا؟ في هذه الحالة، إجابتي بسيطة. لا يمكنك قتلي.”
ولكن، لا أحد سوى سيسيليوس وحده كان ليقول――
سيسيليوس: “――أويا أويا أويا، ظننتُ أن شخصًا ما كان يركض بجنون إلى هنا، لكن لتظن أن يكون دخولاً مشتعلاً؟ يا إلهي، أليست هذه مسرحية فخمة، إن جاز لي القول؟”
سيسيليوس: “لا أكره ذلك، بل في الواقع، أحبه كثيرًا.”
لكن في أعماق روحه، كان سيسيليوس سيغمونت يعلم علم اليقين أن هذا يعني موت والده، دون أدنى شك.
واللهب لا يزال يلتهم جسده، وحياته تحترق، وبينما كان روان مغموسًا في عالم الموت، أطلق ضربة سيفٍ واحدة؛ ومع تألق النصل وسط عالمٍ خالٍ من اللون والضوء، ظل سيسيليوس يراقب ذلك بإعجاب.
إذ قطع جميع الروابط الدموية التي تعوقه، وأزال كل العقبات دون تردد في سبيل إتقان فنّ السيف بعزم لا يلين، وفرض على ابنه المحن تلو المحن دون أن يُعير حياته اهتمامًا يُذكر.
في بريق ذلك السيف، سكنت سنواتٌ من التدريب الجاد، والدراسة المتفانية الخالية من التراخي؛ ومع رؤيته لهذا، ارتعشت عيناه.
ولذلك――
كرجل، كان من الممكن أن يُقيّم روان كأبٍ من أسوأ الآباء، وربما لم يكن سيسيليوس لينكر ذلك. ومع ذلك، فإنه كان يحب كثيرًا عقلية روان، تلك التي ظلت تصبّ كل روحه في الدور الذي يؤدّيه.
الساحرة: “أنا ساحرة الجشع――”
روان: “――――”
حتى وإن كان لا علاقة له بالموضوع، إلا أن نبرة آل دلّت بوضوح على أن شيئًا ما قد مسّ وترًا حسّاسًا داخله. أزاح سيسيليوس كتفيه بخفة، وضبط وضعية حمله لـ أراكيّا.
موقدًا ما تبقّى من حياته كوقود، أطلق روان أعظم ضربة سيفٍ في حياته، حيًّا وميتًا.
سيسيليوس: “آه، وبالمناسبة، عندما قلت «صوابه» فأنا أعني المعنى المتعارف عليه للكلمة، لذا من الممكن أن يكون والدي قد انفصل منذ وقت طويل عن نوع الصواب التقليدي. من هذه الناحية، لا شك في ذلك، لكن…”
تلك الضربة، المصقولة حتى الحافة الأخيرة، ظلت تنبض بهالة من فن السيف جعلت سيسيليوس يرى الموت بأمّ عينه――
حتى وإن كان قد فهم بفطرته أن ما قام بتبديده بواسطة “سيف الأحلام ماسايومي” كان أراكيّا ــ وكان في الوقت ذاته ليس أراكيّا ــ حضورًا متطرفًا كان يطغى على وجودها ذاته، فإن سيسيليوس لم يكن لديه وسيلة للكشف عن هويته الحقيقية.
ذلك الختام الكابوسي، الذي وُلد من تركيزٍ كامل ومطلق، لم يكن ليسمح له سيف الأحلام “ماسايومي” بأن يتحقق.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
سيف الشيطان “موراسامي” كان سيفًا مسحورًا يقطع مفهوم “جوهر” الأشياء. أما ماسايومي، الذي يستخدم الأحلام كغمْدٍ له، فتكمن قيمته الحقيقية في――
***
سيسيليوس: “أن يفترس الأحلام… ويمنح الأحلام.”
ساعيًا دومًا نحو “السيف السماوي”، ولم يتخلّ عن تلك الرغبة حتى في الموت، كانت تلك لحظة النهاية للسيّاف الشرير المعروف باسم روان سيغمونت.
مقابل الدافع الذي يحمله المرء لتحقيق أمنيةٍ ما، فإن السيف المسحور يمتلك القدرة على تحقيق تلك الأمنية.
الساحرة: “لأكون صريحة، جئتُ هنا من أجل تنفيذ هدفي. لقد أنجزت أحد هدفيّ الرئيسيين. وبمجرد أن أحقق الآخر، أُخمّن أنني سأتمكن من التفرّغ تمامًا لغاية وجودي الأصلية: الخلق.”
لهذا، مُنِح سيف الأحلام اسم “تحقيق الحلم”، لأنه يجعل الأحلام واقعًا. وحتى لو أصبح سيفًا باهتًا وعديم النفع إذا امتلكه من لا يستحقه، إلا أنه ظلّ يُمتدح كسيفٍ مسحور قادر على شقّ العالم إلى نصفين.
روان: “حسنًا… أفضل من أن يصل إليه شخصٌ آخر.”
وقد تنقّل ذلك النصل من يدٍ إلى أخرى عبر السنوات، إذ إن من تحققت أمنيته كان ينسى حتى السبب الذي جعله يرغب بها في البداية. وهكذا، تبدّل مالك السيف مراتٍ لا تُحصى، حتى استقر أخيرًا في يد سيسيليوس.
آل: “تعرف تمامًا ما أعنيه! قبل قليل، كان ذاك والدك، أليس كذلك؟! لقد كان على قيد الحياة آخر مرة رأيته فيها، لكنه الآن مات وأصبح أداة في يد العدو، هذا…!”
ولكلا الطرفين، سيسيليوس وسيف الأحلام، كانت هذه مصادفةً معجزة. وذلك لأن――
كان والده، الذي كان بارعًا أيّما براعة في أن يكون مثالًا سيئًا، ليس وحشًا عصيّ الفهم. وهذا وحده كان دليلًا كافيًا على أن العلاقة بين سيغمونت وابنه كانت علاقةً صحية، وإن لم تكن تقليدية.
سيسيليوس: “لا يمكن لأحلامي أو دوافعي أن تنفد أبدًا!َ”
إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
لذا، ردّ سيسيليوس بالمثل، وبهيبة.
رغبةٌ استثنائية نحو الأحلام التي يحملها المرء، هي ما يُمكّن سيف الأحلام ماسايومي من إظهار قدراته القصوى.
متقدمًا بخطوات حذرة تُظهر حذره، وبحالة لا تقلّ سوءًا عن سيسيليوس من آثار المعركة، ظهر “آل”.
―― وفي تلك اللحظة، قامت الضربة المطلقة بتشويش الحدود بين الحلم والواقع وهي تشقّ طريقها.
والسبب هو أن حتى نتائج ضربة “السيف المسحور”، المصنوع بعقلٍ لا ينتمي إلى هذا العالم، لم تكن تتقيد بالمنطق أو الحسّ العام.
سيسيليوس: “――――”
بالطبع، كان سيسيليوس مدركًا لمخاوف “آل”. المسألة كانت ما إن كان الخطر الناتج عن إبقاء أراكيّا على قيد الحياة يستحق التضحية بالشعور بالأمان الذي سيأتي بقتلها. لكن――

إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
مقارنةً بالمعركة الحاسمة التي جرت عند المعقل بين سيسيليوس وآراكيّا قبل لحظات، كانت هذه المواجهة هادئة إلى حدٍّ كبير.
لم يكن لها أي أثر يُذكر على العاصمة الإمبراطورية، أو على الإمبراطورية، أو حتى على العالم بأسره؛ معركة فردية ضد ميّتٍ أحيته الأرواح، كان سيختفي على أية حال، لا يمكن اعتبارها سوى مسألة تافهة.
سيسيليوس: “لكن، لماذا أنتِ هنا؟ ألم تتعلمي الدرس حين قتلتكِ أول مرة وجئتِ الآن تطلبين… هوفوكو؟ أجد في الخصوم العنيدين عديمي الانكسار جاذبيةً لا تُقاوم، لكن…”
ولكن، بالنسبة للثنائي الأب والابن، روان سيغمونت وسيسيليوس سيغمونت، فقد كان لها معنى بالغ.
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
روان: “…آه، يا للمتاعب، يا لي من أبٍ شقيّ، ما أوقح هذا الابن.”
“…أفترض أنه يمكنني اعتبار الأمور منتهية؟”
لحظة عبور سيوفهما، مرّا بجانب بعضهما، وقد ولّى كل منهما ظهره للآخر.
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
والده، الذي لن يتمكن من رؤية وجهه ثانيةً، وهو الآن ميتٌ حيّ، بصق تلك الكلمات بكراهية مع زفيرٍ طويل، ثم تحدث.
الوهج الأخير لروحه المحترقة لم يكن كافيًا لإضاءة الطريق الخفي المؤدي إلى قمة فن السيف. يا له من أمرٍ مؤلم، ويا له من إغراءٍ يقتل.
روان: “لو كان هذا هو المصير، كان عليّ أن أقطعك منذ أول مرة وضعتك فيها في مغطس ماء.”
أخذها سيسيليوس إلى ذراعيه بلا تردد، ثم تحدث آل بصوتٍ خافتٍ منخفض.
سيسيليوس: “هاهاهاهاها! نعم، نعم، هذا صحيح! تلك كانت اللحظة الوحيدة التي كنت ستتمكن من هزيمتي فيها، أبي!”
الهيئة الصغيرة التي ظهرت خلف ألسنة اللهب المتراقصة، متّخذةً نفس وضعية القتال التي اتّخذها――
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
آل: “―― إيكيدنــــــــــــا!!”
وعند سماعه لضحكة سيسيليوس الصافية، نظر روان إلى السماء. كان سيفه قد تحوّل إلى غبار، ومع تفتت وجوده ابتداءً من أطراف أصابعه المشتعلة، ضيّق عينيه الذهبيتين. ثم――
ولهذا، كان روان سيغمونت.
روان: “في المرة القادمة، في المرة القادمة―― أنا لست من النوع الذي يستسلم لمجرد أنه مات.”
لم تكن تلك الخطوة خطوةً جسدية، بل كان من الصعب وصفها على مستوى يتجاوز الإحساس الخالص. كما أن هناك مسافةً هائلة بين الهواة والمحترفين، فإن هناك أيضًا فجوة بين المحترفين من الدرجة الثانية والأولى.
حتى النهاية، حتى آخر رمق، دون أن يترك خلفه كلمةً واحدة تليق بالأبوة، احترق جسده، واحترقت روحه، وتحولت إلى رماد.
ـــ “الحجر، موسبِل”.
ساعيًا دومًا نحو “السيف السماوي”، ولم يتخلّ عن تلك الرغبة حتى في الموت، كانت تلك لحظة النهاية للسيّاف الشرير المعروف باسم روان سيغمونت.
؟؟؟: ――――””
***
منكّسًا كتفيه بطريقة تدل على ضجره، نظر “آل” إلى أراكيّا.
‘آه، كم كان ذلك مزعجًا، كم كان مزعجًا بحق.‘ فكّر روان بينما كان يتلاشى.
إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
طوال حياته، لم يتوقف عن السير، ومع ذلك، لم يتمكّن في النهاية من بلوغ “السيف السماوي”.
لكن، في نهاية المطاف، لم يكن عزم سيسيليوس أو أفعاله ليتغيرا، حتى لو كان يعلم.
الوهج الأخير لروحه المحترقة لم يكن كافيًا لإضاءة الطريق الخفي المؤدي إلى قمة فن السيف. يا له من أمرٍ مؤلم، ويا له من إغراءٍ يقتل.
لكنه لم يتفوّق عليه. وفي النهاية، لم يكن من المجدي التفكير في افتراضات لم تتحقق. روان لم يكن ليفكر في أشياء لا معنى لها. خاصةً وهو على وشك أن يتلاشى.
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
آل: “――لن أموت عبثًا. هذا هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح بحدوثه أبدًا.”
أن يكون هو من يبلغه، لا روان نفسه ―― يا لها من سخريةٍ خبيثة من “إله السيف”. مرارة ويأس، حزن وندم؛ لو بدأ بالكلام، فلن يتمكن من تطهير رأسه من سيل تلك المشاعر السوداوية.
لحظة عبور سيوفهما، مرّا بجانب بعضهما، وقد ولّى كل منهما ظهره للآخر.
ومع ذلك――
لكنه لم يتفوّق عليه. وفي النهاية، لم يكن من المجدي التفكير في افتراضات لم تتحقق. روان لم يكن ليفكر في أشياء لا معنى لها. خاصةً وهو على وشك أن يتلاشى.
روان: “حسنًا… أفضل من أن يصل إليه شخصٌ آخر.”
وكان ذلك بمثابة كشفٍ عن الجوهر الحقيقي، للحياة والروح.
في تلك المبارزة الأخيرة، لو أن روان قد تفوّق على سيسيليوس، هل كان ليبلغ “السيف السماوي”؟
آل: “――لن أموت عبثًا. هذا هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح بحدوثه أبدًا.”
لكنه لم يتفوّق عليه. وفي النهاية، لم يكن من المجدي التفكير في افتراضات لم تتحقق. روان لم يكن ليفكر في أشياء لا معنى لها. خاصةً وهو على وشك أن يتلاشى.
في أعقاب معركته مع أراكيّا، كانت المباني والشوارع قد ذابت، والمدينة الإمبراطورية أصبحت في حالة جحيمية مصبوغة بالأحمر―― وسط هذا المشهد، نهض جنون شرير تجسّد في هيئة مناسبة تمامًا.
ما لا ينبغي فعله، لا ينبغي التفكير فيه. وبينما حاول صرف ذهنه إلى أمرٍ آخر، أدرك حقيقةً مفاجئة.
لكن آل لم يردّ على ندائه. كان جاثيًا على إحدى ركبتيه، يُسند جسد آراكيّا بذراعه الوحيدة، بينما يهزّ رأسه يمينًا ويسارًا بضعف، ثم قال:
منذ اللحظة التي أصبح فيها واعيًا بالعالم من حوله، لم يكن له هدفٌ سوى السيف السماوي. في كل لحظة يقظة، في كل لحظة نوم، لم يحلم بشيء سوى الوصول إلى السيف السماوي. هذا ما شكّل الكيان المسمى “روان” طوال حياته.
وفي أسوأ الأحوال، يمكنه أن يطرحه أرضًا ويُعيده بالقوة إلى غروفي، ثم بعد أن يطحن المشكلة كلّها بضربة واحدة من سيف الأحلام، يذهب الجميع للقاء “الأميرة” التي يبحث عنها آل.
وما إن اقتنع روان بأنه لن يبلغ “السيف السماوي”، حتى لم يبقَ شيء ليفكر فيه.
الهيئة الصغيرة التي ظهرت خلف ألسنة اللهب المتراقصة، متّخذةً نفس وضعية القتال التي اتّخذها――
روان: “همم.”
الوهج الأخير لروحه المحترقة لم يكن كافيًا لإضاءة الطريق الخفي المؤدي إلى قمة فن السيف. يا له من أمرٍ مؤلم، ويا له من إغراءٍ يقتل.
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
ذلك الإحساس لم يجلب لروان شعورًا بالتحرّر، بل تركه بشعورٍ بالخسارة، ونوعٍ من الضيق وعدم الارتياح. وسط ذلك الانزعاج الذي مسّ روحه، فكّر روان بهذا الأمر للمرة الأولى في حياته:
كانت النظرة المنبعثة من خلف خوذته الحديدية مشبعة بالوجل، باعثة على جوّ من التوتر والخوف، ولكن――
―― هل استطاعت شعلة روحي التي قضيت حياتي بأسرها في إشعالها، أن تصبح ولو شمعةً صغيرة تضيء طريق ابني؟
سيسيليوس: “لكن، لماذا أنتِ هنا؟ ألم تتعلمي الدرس حين قتلتكِ أول مرة وجئتِ الآن تطلبين… هوفوكو؟ أجد في الخصوم العنيدين عديمي الانكسار جاذبيةً لا تُقاوم، لكن…”
هكذا فكّر.
لكن في أعماق روحه، كان سيسيليوس سيغمونت يعلم علم اليقين أن هذا يعني موت والده، دون أدنى شك.
***
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
وكأنه يتحدث عن شخص آخر بينما هي في الواقع قضيّته، رأى سيسيليوس ملامح أراكيّا في طفولتها تتراكب على وجهها النائم في أحضانه.
لكن في أعماق روحه، كان سيسيليوس سيغمونت يعلم علم اليقين أن هذا يعني موت والده، دون أدنى شك.
غير مرئية للعين، عصيّةٌ على الشرح بالكلمات، عبّر سيسيليوس عنها عمدًا هنا بعبارة “خطوة واحدة”، واعتبر أن روان قد تجاوز ذلك الحدّ.
فرغم أن روان كان قد مات بالفعل كإنسان، إلا أنه ظلّ يسعى نحو السيف السماوي حتى بعد أن أُعيد كميّتٍ حيّ، وفي اللحظة التي كانت حياته فيها على شفا الاحتراق والانطفاء، كان سيسيليوس هو من قطع تلك الروح إلى نصفين.
حتى النهاية، حتى آخر رمق، دون أن يترك خلفه كلمةً واحدة تليق بالأبوة، احترق جسده، واحترقت روحه، وتحولت إلى رماد.
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
كان والده، الذي كان بارعًا أيّما براعة في أن يكون مثالًا سيئًا، ليس وحشًا عصيّ الفهم. وهذا وحده كان دليلًا كافيًا على أن العلاقة بين سيغمونت وابنه كانت علاقةً صحية، وإن لم تكن تقليدية.
أعاد سيف ماسايومي إلى غمده بعد أن أتم مهمته، ثم التفت سيسيليوس ونادى على آل.
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
لكن آل لم يردّ على ندائه. كان جاثيًا على إحدى ركبتيه، يُسند جسد آراكيّا بذراعه الوحيدة، بينما يهزّ رأسه يمينًا ويسارًا بضعف، ثم قال:
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
آل: “كيف… كيف يمكنك أن تكون بهذه البرودة؟”
أراكيّا: “――――”
سيسيليوس: “وماذا تقصد بذلك؟”
سيسيليوس: “هاهاهاها، عند ذكرك، حتى أنا أتعجب كيف فهمت هذا الشيء!”
آل: “تعرف تمامًا ما أعنيه! قبل قليل، كان ذاك والدك، أليس كذلك؟! لقد كان على قيد الحياة آخر مرة رأيته فيها، لكنه الآن مات وأصبح أداة في يد العدو، هذا…!”
ثم――
سيسيليوس: “انتظر، انتظر، مهلاا، آل-سان. يبدو أنك قد أسأت الفهم قليلًا، فدعني أوضح الأمر لك. والدي، صحيح أنه أصبح ميتًا، لكنه لم يتحوّل إلى أداة بيد أحد. السبب الذي دفعه لمهاجمتي لم يكن فقدانه لصوابه.”
لذا، ردّ سيسيليوس بالمثل، وبهيبة.
آل: “ماذا…؟”
كان روان يبتسم وهو محاط بالنيران. وسيسيليوس، بدوره، ابتسم وهو غارق في الدماء.
سيسيليوس: “آه، وبالمناسبة، عندما قلت «صوابه» فأنا أعني المعنى المتعارف عليه للكلمة، لذا من الممكن أن يكون والدي قد انفصل منذ وقت طويل عن نوع الصواب التقليدي. من هذه الناحية، لا شك في ذلك، لكن…”
كان سيسيليوس معروفًا، في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، بأنه لا يستطيع الاعتناء بأحد. وبما أنه جعل من الصعب جدًا تتبعه حتى هذه المرحلة، لم يكن هنالك من كان أكثر عبئًا من هذه الفتاة.
لوّح بيده بينما أضاف تلك الملاحظة عن حالة روان الذهنية.
***
ففي كل الأحوال، كان سيسيليوس يريد إزالة سوء الفهم من ذهن آل، وهو أن ما جرى كان مجرد ردّ على هجومٍ ارتكبه روان بعد أن دُمّر عقله بفعل تحوّله إلى ميّتٍ حيّ.
كانت إجابة صريحة، بسيطة، واضحة بشكل لا يُضاهى من حيث سهولة الفهم.
سيسيليوس: “أشياء مثل أن يقتل الابن والده كانت تطوّرات جُويو في مسرحية «مقصلة ماغريزا» ―― ومع ذلك، ما حدث بيني وبين والدي كان شيئًا قد حدده القدر منذ وقتٍ بعيد.”
سيسيليوس: “هاهاهاها، عند ذكرك، حتى أنا أتعجب كيف فهمت هذا الشيء!”
آل: “حدده القدر…؟”
والحقيقة أن خطاه العجلى توقفت هنا، لم تكن محض مصادفة، بل لأن ذلك الهدف كان هنا―― لا، بل كان ذلك الهدف يسكن في شخص واحد فقط: سيسيليوس سيغمونت.
سيسيليوس: “نعم، ببساطة، لقد حان وقت تنفيذ ما كان مكتوبًا منذ البداية.”
آل: “――لن أموت عبثًا. هذا هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح بحدوثه أبدًا.”
كانت هذه نهاية كان كل من سيسيليوس وروان يعلمان مسبقًا أنها آتية لا محالة.
ـــ كان الشخص المعروف باسم روان سيغمونت، رجلًا غير مؤهل تمامًا ليكون أبًا.
لذا، عندما عاد روان كميّتٍ حيّ، رغم أنهما قد افترقا حين كان لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس متفاجئًا كثيرًا. بالنسبة لروان، لم تكن هنالك أي أهمية لأي شيء خارج الوصول إلى السيف السماوي، لذا لم يكن غريبًا عليه أن يُضحي بحياته إن لزم الأمر وكأنها أمرٌ طبيعي تمامًا.
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
لا أحد كان قادرًا على فهم روان―― لا أحد، سوى سيسيليوس.
تساءل “آل” بدهشة عندما تمتم سيسيليوس فجأة، لكن هذا الأخير لم يرد بكلمات، بل أجاب بالفعل فقط، بتوجيه نظره إلى جهة أخرى.
كان والده، الذي كان بارعًا أيّما براعة في أن يكون مثالًا سيئًا، ليس وحشًا عصيّ الفهم. وهذا وحده كان دليلًا كافيًا على أن العلاقة بين سيغمونت وابنه كانت علاقةً صحية، وإن لم تكن تقليدية.
روان: “همم.”
سيسيليوس: “أغلب الناس على الأرجح لن يرضوا عن العلاقة بيني وبين والدي، لكن――”
سيسيليوس: “أشياء مثل أن يقتل الابن والده كانت تطوّرات جُويو في مسرحية «مقصلة ماغريزا» ―― ومع ذلك، ما حدث بيني وبين والدي كان شيئًا قد حدده القدر منذ وقتٍ بعيد.”
بعكس روان، لم يكن سيسيليوس يرى كل شيء في هذا العالم تافهًا وعديم القيمة. ما دام المرء قادرًا على التمييز بين الهتاف والتشويش، فالعالم من حوله كان يعجّ بالبركات أينما نظر.
فعلى الرغم من أن سيسيليوس سيغمونت كان يظن أن ما يُسمى بالحسّ العام لا ضرورة له بالنسبة للبطل الرئيسي، فقد كان من الواضح أن روان كان أبًا بعيدًا كل البعد عن صورة العائلة التقليدية.
ضوء الشمس، نسيم الهواء، قطرات المطر، عبق العشب، وروان سيغمونت―― جميعها كانت بركاتٍ قد مُنحت لسيسيليوس.
في أعقاب معركته مع أراكيّا، كانت المباني والشوارع قد ذابت، والمدينة الإمبراطورية أصبحت في حالة جحيمية مصبوغة بالأحمر―― وسط هذا المشهد، نهض جنون شرير تجسّد في هيئة مناسبة تمامًا.
سيسيليوس: “والدي قال إني ابنٌ عاق، لكنّي لا أعتقد أن هناك ابنًا أكثر برًّا مني. فمجرد كونه والدي، فهذا وحده إنجازٌ عظيم، لأنه هو من جلبني إلى هذا العالم.”
آل: “الآنسة أراكيّا الصغيرة هي…”
بالطبع، لم يكن هذا النوع من الكلام ليواسي روان الذي فشل في تحقيق الأمنية التي طاردها طوال حياته.
―― متحديًا السيف السماوي، اشتعل بريق اللحظة العابرة لروان سيغمونت بسطوعٍ فائق.
ولأن السبب في نعته بـ “الابن العاق” كان كذلك، لم يكن لدى سيسيليوس أي حجّة أو عذر. وإن كان منذ البداية لا يملك أي نية لعيش حياة يحتاج فيها للاعتذار أو التبرير.
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
آل: “――――”
ولأن السبب في نعته بـ “الابن العاق” كان كذلك، لم يكن لدى سيسيليوس أي حجّة أو عذر. وإن كان منذ البداية لا يملك أي نية لعيش حياة يحتاج فيها للاعتذار أو التبرير.
اقترب سيسيليوس من آل، الذي ظلّ صامتًا، وضمّ ذراعيه وأمال رأسه قليلًا بتفكّر.
لذا، عندما عاد روان كميّتٍ حيّ، رغم أنهما قد افترقا حين كان لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس متفاجئًا كثيرًا. بالنسبة لروان، لم تكن هنالك أي أهمية لأي شيء خارج الوصول إلى السيف السماوي، لذا لم يكن غريبًا عليه أن يُضحي بحياته إن لزم الأمر وكأنها أمرٌ طبيعي تمامًا.
فبعد هذا كله، بقيت مشكلة ما الذي يجب فعله تجاه أراكيّا. حتى لو حاول نقلها إلى مكانٍ آمن، فهل يوجد أصلاً مكانٌ آمن في العاصمة الإمبراطورية الآن؟
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
هل كانت هناك أي منطقة آمنة سوى بقرب سيسيليوس ذاته؟
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
سيسيليوس: “ومع ذلك، من الغريب بعض الشيء أن أظل أحمل آنيا في أثناء الركض… وإذا لم نعد قريبًا، فغروفي – سان سيبدأ بالصراخ علينا بالتأكيد. لقد ذهب ليوقف مُلقي تلك اللعنة، وبالمناسبة، هل تظن أن غروفي – سان سيكون راضيًا بعودتنا ومعنا سيف الأحلام بدلًا من سيف اللعنة؟”
أراكيّا: “――――”
منذ البداية، لم تكن المواجهة مع أراكيّا شيئًا متوقّعًا.
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
فقد جاء سيسيليوس وآل إلى هنا بحثًا عن سيف اللعنة موراسامي، القادر على قطع اللعنات، ولكن للأسف، لم يُحقق هذا الهدف. وبحلول هذه اللحظة، كان من المفترض أن يكون غروفي منشغلًا في قتال مُطلق لعنة الأشواك الخطيرة.
سيسيليوس: “مؤقتًا، ما رأيك يا آل – سان؟ بينما تحاول بأقصى جهدك أن تحمل آنيا، سأقوم أنا بفتح الطريق أمامنا. لو تعاونا هكذا فـ…”
سيسيليوس: “مؤقتًا، ما رأيك يا آل – سان؟ بينما تحاول بأقصى جهدك أن تحمل آنيا، سأقوم أنا بفتح الطريق أمامنا. لو تعاونا هكذا فـ…”
كل من سمع الصوت التفت ناحيته، وضاق نظر سيسيليوس قليلًا―― صاحبة الصوت كانت تحلّق في الهواء، لا تقفز، بل تطفو ببساطة.
آل: “――لا، لا يمكنني الموافقة على ذلك.”
ذلك الجنون الخالص المكرَّس للسيف، والخالي من كل شائبة، سكبه روان بلا تردد في سيسيليوس.
سيسيليوس: “آل-سان؟”
كل من سمع الصوت التفت ناحيته، وضاق نظر سيسيليوس قليلًا―― صاحبة الصوت كانت تحلّق في الهواء، لا تقفز، بل تطفو ببساطة.
رفض آل عرض سيسيليوس، وهو يهزّ رأسه نافيًا، ثم نهض من وضعيته الراكعة، وسلّم أراكيّا من جديد إلى سيسيليوس.
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
أخذها سيسيليوس إلى ذراعيه بلا تردد، ثم تحدث آل بصوتٍ خافتٍ منخفض.
سيسيليوس: “أنا مندهش.”
آل: “قلتُها من قبل. لدي شيءٌ يجب أن أفعله. ما حدث مع الآنسة الصغيرة أراكيّا كان مجرّد منعطفٍ غير متوقّع… أشعر بالسوء تجاه غروفي، بصراحة.”
لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
وجّه آل نظراته من خلال خوذته الفولاذية نحو سيف الأحلام المُعلّق على خصر سيسيليوس.
أعاد سيف ماسايومي إلى غمده بعد أن أتم مهمته، ثم التفت سيسيليوس ونادى على آل.
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
سيسيليوس: “إذاً، فآل – سان سيذهب في طريقه وحده. قد لا يحق لي قول هذا، لكن هل ستكون بخير وأنت تتجول وحيدًا بلا سلاح؟ الموت عبثًا سيكون أقصى ما يمكنك تحقيقه، أليس كذلك؟”
رفض آل عرض سيسيليوس، وهو يهزّ رأسه نافيًا، ثم نهض من وضعيته الراكعة، وسلّم أراكيّا من جديد إلى سيسيليوس.
آل: “――لن أموت عبثًا. هذا هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح بحدوثه أبدًا.”
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
سيسيليوس: “حقًا… يبدو الأمر كذلك. أعتقد أنني بدأت أفهم، بطريقة أو بأخرى.”
فبعد هذا كله، بقيت مشكلة ما الذي يجب فعله تجاه أراكيّا. حتى لو حاول نقلها إلى مكانٍ آمن، فهل يوجد أصلاً مكانٌ آمن في العاصمة الإمبراطورية الآن؟
أومأ سيسيليوس موافقًا، وهو يسمع كلمات آل التي نطق بها بكل يقين.
ومع ذلك――
بعد أن سار معه جنبًا إلى جنب حتى هذه اللحظة، كان سيسيليوس يرى أن لآل صفةً خاصة مشابهة لما يمتلكه شوارتز من “الرؤية الحقيقية”. ومع تلك “الرؤية الحقيقية” القادرة على استشراف ما هو بعيدٌ جدًّا، لم يكن آل من النوع الذي يموت عبثًا، بكل تأكيد.
لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
سيسيليوس: “لكن، هذا ليس السبب الوحيد اللي جعلك تحاول أن تبتعد عني، صحيح يا آل-سان؟”
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
آل: “――――”
وفي أسوأ الأحوال، يمكنه أن يطرحه أرضًا ويُعيده بالقوة إلى غروفي، ثم بعد أن يطحن المشكلة كلّها بضربة واحدة من سيف الأحلام، يذهب الجميع للقاء “الأميرة” التي يبحث عنها آل.
سيسيليوس: “يبدو أنك لم تكن راضياً أبدًا عن الطريقة التي أنهينا فيها الأمور أنا ووالدي. أيمكن أن آل-سان عنده مشاعر معيّنة بخصوص علاقة الأب بابنه؟”
ثوانٍ قليلة أخرى، مهما بدت واقعية، كانت على وشك أن تفيض بالمعنى النهائي لوجود روان سيغمونت.
آل: “…ليس هناك علاقة لي بالموضوع.”
انحرافٌ كامل عن كل مفاهيم الحب الأبوي، تلك كانت كل الأسباب التي جعلت روان يقتل جميع إخوة سيسيليوس الأكبر سنًّا وهم لا يزالون رُضَّعًا.
حتى وإن كان لا علاقة له بالموضوع، إلا أن نبرة آل دلّت بوضوح على أن شيئًا ما قد مسّ وترًا حسّاسًا داخله. أزاح سيسيليوس كتفيه بخفة، وضبط وضعية حمله لـ أراكيّا.
ولكن، بالنسبة للثنائي الأب والابن، روان سيغمونت وسيسيليوس سيغمونت، فقد كان لها معنى بالغ.
شخصيًّا، لم يكن سيسيليوس راغبًا في الافتراق عن آل وتركه وحيدًا.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
جزء من هذا الشعور نابع من أنه يرى أنه من غير المثالي أن يكون منشغل اليدين بحمل أراكيّا، لكن الأهم من ذلك أنه كان مدينًا لـ آل. ــــ لقد كانت حقيقةً أن سيسيليوس اقترض قوة آل لكي يُنهي الأمور دون أن تموت أراكيّا.
لذا، عندما عاد روان كميّتٍ حيّ، رغم أنهما قد افترقا حين كان لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس متفاجئًا كثيرًا. بالنسبة لروان، لم تكن هنالك أي أهمية لأي شيء خارج الوصول إلى السيف السماوي، لذا لم يكن غريبًا عليه أن يُضحي بحياته إن لزم الأمر وكأنها أمرٌ طبيعي تمامًا.
وبكلماتٍ أخرى، كان عليه أن يردّ دَينه لـ آل.
فالأب المثالي ليس من يقتل طفله لمجرد أنه “لا يبدو” أنه سينمو بالشكل الذي يرغبه.
فإن كان لدى آل شخص يريد إنقاذه، فمن المنطقي أن يساعده سيسيليوس في تلك المهمة.
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
وفي أسوأ الأحوال، يمكنه أن يطرحه أرضًا ويُعيده بالقوة إلى غروفي، ثم بعد أن يطحن المشكلة كلّها بضربة واحدة من سيف الأحلام، يذهب الجميع للقاء “الأميرة” التي يبحث عنها آل.
آل: “الآنسة أراكيّا الصغيرة هي…”
حدث ذلك في اللحظة ذاتها التي خطرت له فيها تلك الفكرة――
كل من سمع الصوت التفت ناحيته، وضاق نظر سيسيليوس قليلًا―― صاحبة الصوت كانت تحلّق في الهواء، لا تقفز، بل تطفو ببساطة.
؟؟؟: “――لم يكن متوقّعًا أنك لم تسلبها حياتها. إعادة التقييم: مطلوبة.”
ولكن، بالنسبة للثنائي الأب والابن، روان سيغمونت وسيسيليوس سيغمونت، فقد كان لها معنى بالغ.
فجأة، قاطع صوت طرفٍ ثالثٍ حديث سيسيليوس وآل.
آل: “هاه؟”
كل من سمع الصوت التفت ناحيته، وضاق نظر سيسيليوس قليلًا―― صاحبة الصوت كانت تحلّق في الهواء، لا تقفز، بل تطفو ببساطة.
سيسيليوس: “أغلب الناس على الأرجح لن يرضوا عن العلاقة بيني وبين والدي، لكن――”
وللحظة، عند سماعه لتلك الطريقة المألوفة في الحديث، استعاد سيسيليوس في ذهنه صورة الساحرة التي قتلها ذات مرة، لكن من كانت هناك لم تكن تلك الساحرة نفسها――
لذا، ردّ سيسيليوس بالمثل، وبهيبة.
سيسيليوس: “――لا، أنتِ نفس الشخص. قد يكون شكلك من الخارج مختلف، لكنكِ من الداخل الشخص ذاته… همم؟ ربما أنتِ مختلفة قليلًا من الداخل أيضًا؟ هل يُمكن أن يكون شيء كهذا ممكنًا؟”
بل حتى حين أصبح أعظم عائق أمامه للوصول إلى السيف السماوي هو من صُنع يديه، واصل الدراسة المتفانية، عبر الدراسة المتفانية، لأجل الدراسة المتفانية، بدافع الدراسة المتفانية، عاش في الدراسة المتفانية――
الساحرة: “إن تغيّرت هيئة الروح وطبيعتها، تبِعها المظهر الخارجي. والعكس صحيح كذلك، لكن… بأي مبدأ تمكنتَ من استيعاب ذلك من نظرة واحدة فقط؟ إجابة: مطلوبة.”
ـــ “الحجر، موسبِل”.
سيسيليوس: “هاهاهاها، عند ذكرك، حتى أنا أتعجب كيف فهمت هذا الشيء!”
ثم――
لم يكن في نيّة سيسيليوس السخرية أو استفزازها، بل كان فعلاً لا يعرف الجواب، ومع ذلك ابتسم.
فبعد هذا كله، بقيت مشكلة ما الذي يجب فعله تجاه أراكيّا. حتى لو حاول نقلها إلى مكانٍ آمن، فهل يوجد أصلاً مكانٌ آمن في العاصمة الإمبراطورية الآن؟
لكن، ولسببٍ ما، كان يملك ثقة داخلية بأن ما يشعر به صحيح. بأن تلك المرأة التي تطفو فوقه في الهواء، بشعرها الأبيض المتطاير، هي نفس الكيان الذي كانت عليه تلك الساحرة.
لقد تجاوز دافعه حدود أقدم ذكرياته، وكان منشأه قد أُلقي في مجرى نهر النسيان.
سيسيليوس: “لكن، لماذا أنتِ هنا؟ ألم تتعلمي الدرس حين قتلتكِ أول مرة وجئتِ الآن تطلبين… هوفوكو؟ أجد في الخصوم العنيدين عديمي الانكسار جاذبيةً لا تُقاوم، لكن…”
؟؟؟: ――――””
الساحرة: “لأكون صريحة، جئتُ هنا من أجل تنفيذ هدفي. لقد أنجزت أحد هدفيّ الرئيسيين. وبمجرد أن أحقق الآخر، أُخمّن أنني سأتمكن من التفرّغ تمامًا لغاية وجودي الأصلية: الخلق.”
مع ذلك، وعلى النقيض من هيئته المزرية تلك، لم يغب بصيص النور عن عيني سيسيليوس وهو يمسك بأراكيّا.
سيسيليوس: “هوهو، فهمت! في الواقع، لم أفهم شيئاً!”
لم تستطع أراكيّا تحمّل القوة التي استوعبتها داخلها، والتي كانت على وشك الانفجار. أمام سيسيليوس، الذي طرد تلك القوة الجبارة التي هددت حياتها باستخدام سيف الأحلام، حلّقت حول أراكيّا شرائط لا تُعدّ من الضوء―― تلك الأطواق الماسية تحوّلت إلى جسيمات ساطعة، وذابت في العاصمة الإمبراطورية المصبوغة بالقرمزي.
الساحرة: “كنت أظن أنني شرحتُ الأمر باختصار. شرح: مطلوب.”
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
سيسيليوس: “حسنًا، ماذا لو أعطيتك أنا أيضًا إجابة بسيطة، قصيرة بشكل غير معتاد، وواضحة تمامًا بما يخصني! ――إذا أتيتِ لمكاني هذا لتحقيق هدفك، فالغالب أنكِ لن تستطيعي تحققيه.”
فأن يضع وجود البطلة فوق أراضي الإمبراطورية الشاسعة، كان قرارًا طبيعيًا بالنسبة للبطل الرئيسي.
كانت إجابة صريحة، بسيطة، واضحة بشكل لا يُضاهى من حيث سهولة الفهم.
***
وبعد أن سمعت ذلك الرد، ضاقت عينا الساحرة البيضاء ذات الرموش الطويلة، ثم أومأت برأسها.
بدا جسده مغطى بالجراح. وقد أُصيب بتمزقات في كامل جسده، وثوبه المشبع بالدماء صار ممزقًا ومهترئًا، ومظهره بات بعيدًا كل البعد عن أن يُوصف بلباس لمبارزة.
ثم――
ساعيًا دومًا نحو “السيف السماوي”، ولم يتخلّ عن تلك الرغبة حتى في الموت، كانت تلك لحظة النهاية للسيّاف الشرير المعروف باسم روان سيغمونت.
الساحرة: “آه، أحقًا؟ في هذه الحالة، إجابتي بسيطة. لا يمكنك قتلي.”
―― هل استطاعت شعلة روحي التي قضيت حياتي بأسرها في إشعالها، أن تصبح ولو شمعةً صغيرة تضيء طريق ابني؟
سيسيليوس: “――――”
الساحرة: “إن تغيّرت هيئة الروح وطبيعتها، تبِعها المظهر الخارجي. والعكس صحيح كذلك، لكن… بأي مبدأ تمكنتَ من استيعاب ذلك من نظرة واحدة فقط؟ إجابة: مطلوبة.”
الساحرة: “لقد أدركت ما يمكنه قتلي داخل هذه الإمبراطورية. ولن أقترب من أيٍّ منهم على الإطلاق. ومن الآن فصاعدًا، لا أحد يمكنه قتلي.”
بعكس روان، لم يكن سيسيليوس يرى كل شيء في هذا العالم تافهًا وعديم القيمة. ما دام المرء قادرًا على التمييز بين الهتاف والتشويش، فالعالم من حوله كان يعجّ بالبركات أينما نظر.
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
ضوء الشمس، نسيم الهواء، قطرات المطر، عبق العشب، وروان سيغمونت―― جميعها كانت بركاتٍ قد مُنحت لسيسيليوس.
في تلك اللحظة، شعر سيسيليوس بإحساس غريب وكأن الهواء والفراغ المحيطين بالساحرة قد انحرفا عن طبيعتهما.
منكّسًا كتفيه بطريقة تدل على ضجره، نظر “آل” إلى أراكيّا.
إلى جانبه، خطا آل خطوة إلى الأمام.
“…أفترض أنه يمكنني اعتبار الأمور منتهية؟”
منذ ظهور الساحرة، لم ينطق آل بكلمة واحدة.
روان: “لو كان هذا هو المصير، كان عليّ أن أقطعك منذ أول مرة وضعتك فيها في مغطس ماء.”
كان يحدّق في الساحرة التي ما زالت تشع بهالة كئيبة غريبة، ثم فجأة مدّ ذراعه الوحيدة إلى جانبه بشكل مستقيم―― وفي اللحظة التالية، ارتفعت الأرض المنصهرة من تحتهم، مشكلة داو حجري غير منتظم الشكل، فأمسكه آل بيده الممتدة.
روان: “آاااه… لقد أتى وقت مجدي العظيم، أخيرًا.”
رفع آل الـ داو الحجري فوق رأسه، ثم اهتزّ صوته نحو الساحرة――
***
الساحرة: “أنا ساحرة الجشع――”
آل: “تعرف تمامًا ما أعنيه! قبل قليل، كان ذاك والدك، أليس كذلك؟! لقد كان على قيد الحياة آخر مرة رأيته فيها، لكنه الآن مات وأصبح أداة في يد العدو، هذا…!”
آل: “―― إيكيدنــــــــــــا!!”
“…أفترض أنه يمكنني اعتبار الأمور منتهية؟”
بصوتٍ مشحون بالغضب الصافي، أشبه بمن يتقيأ دمه، فقد آل نفسه وهو يندفع بسيفه ليهاجمها.
ومع كل مرة تنهار فيها جثته كميت حيّ، كان يجهّز الكاتانا خاصته المحبوبة، التي ظلت تُبعث من جديد مع كل مرة يُبعث فيها، ويتقدم إلى الأمام.

وبينما سقطت أراكيّا ببطء وسط تلك الجسيمات المتراقصة من الضوء، أعاد سيسيليوس سيف الأحلام إلى غمده، الذي ظهر فجأة عند خصره كأنه حلم، ومدّ يديه نحوها.
وجّه آل نظراته من خلال خوذته الفولاذية نحو سيف الأحلام المُعلّق على خصر سيسيليوس.
