38.63
والد وابن الإمبراطورية.
وربما، ما كان من المبالغة في شيء أن يُقال إنها كانت أعظم عبء في الإمبراطورية كلها.
ـــ كان الشخص المعروف باسم روان سيغمونت، رجلًا غير مؤهل تمامًا ليكون أبًا.
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
فعلى الرغم من أن سيسيليوس سيغمونت كان يظن أن ما يُسمى بالحسّ العام لا ضرورة له بالنسبة للبطل الرئيسي، فقد كان من الواضح أن روان كان أبًا بعيدًا كل البعد عن صورة العائلة التقليدية.
ـــ كما هو متوقّع، أنا، المولود في هذا العالم ابنًا لروان، أمتلك ذلك بالفعل.
فالأب المثالي ليس من يقتل طفله لمجرد أنه “لا يبدو” أنه سينمو بالشكل الذي يرغبه.
لم تكن تلك الخطوة خطوةً جسدية، بل كان من الصعب وصفها على مستوى يتجاوز الإحساس الخالص. كما أن هناك مسافةً هائلة بين الهواة والمحترفين، فإن هناك أيضًا فجوة بين المحترفين من الدرجة الثانية والأولى.
انحرافٌ كامل عن كل مفاهيم الحب الأبوي، تلك كانت كل الأسباب التي جعلت روان يقتل جميع إخوة سيسيليوس الأكبر سنًّا وهم لا يزالون رُضَّعًا.
مع ذلك، وعلى النقيض من هيئته المزرية تلك، لم يغب بصيص النور عن عيني سيسيليوس وهو يمسك بأراكيّا.
مبارز يقطنه جنون حقيقي، لا يتردد في سحق أي شيء طالما كان ذلك لأجل بلوغ “سيف السماوي” ― ذلك هو روان سيغمونت، لا أكثر ولا أقل.
ولذلك――
على الأرجح، كان روان سيغمونت يُعد أسوأ أب في العالم حتى وإن بحثت في مشارق الأرض ومغاربها. وقد وُلِد سيسيليوس في هذا العالم ابنًا لأب يفتقر تمامًا إلى الاحترام أو الحب العائلي، ومع ذلك فقد كان سيسيليوس يعتقد حقًّا من أعماق قلبه أنه محظوظ.
ـــ فالرغبة التي كان يحملها روان تجاه “سيف السماوي”، كانت رغبة يحملها سيسيليوس أيضًا.
وكأنه يتحدث عن شخص آخر بينما هي في الواقع قضيّته، رأى سيسيليوس ملامح أراكيّا في طفولتها تتراكب على وجهها النائم في أحضانه.
إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
لكنه لم يشعر بالذعر، لأنه أدرك من إحساسها بين يديه أنها ليست ميتة حقًا. فقط، هزّ كتفيه بهدوء وكأنه يقول “يا للعجب”.
لو أنه تربّى في عائلة محترمة ذات تاريخ عريق، أو في منزل فقير شريف يتردد في سرقة لقمة العيش، لَما كان لدى سيسيليوس أي دليل حاسم على أن رغبته في بلوغ “سيف السماوي” كانت خالية من الشوائب.
مرةً أخرى، اختفى اللون، والصوت، والرائحة من عالم سيسيليوس، وصار محكومًا فقط بخفقات الفولاذ.
ولهذا، كان روان سيغمونت.
فبعد هذا كله، بقيت مشكلة ما الذي يجب فعله تجاه أراكيّا. حتى لو حاول نقلها إلى مكانٍ آمن، فهل يوجد أصلاً مكانٌ آمن في العاصمة الإمبراطورية الآن؟
إذ قطع جميع الروابط الدموية التي تعوقه، وأزال كل العقبات دون تردد في سبيل إتقان فنّ السيف بعزم لا يلين، وفرض على ابنه المحن تلو المحن دون أن يُعير حياته اهتمامًا يُذكر.
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
ذلك الجنون الخالص المكرَّس للسيف، والخالي من كل شائبة، سكبه روان بلا تردد في سيسيليوس.
فالأب المثالي ليس من يقتل طفله لمجرد أنه “لا يبدو” أنه سينمو بالشكل الذي يرغبه.
ولذلك، فقد فكّر سيسيليوس:
سيسيليوس: “――――”
ـــ كما هو متوقّع، أنا، المولود في هذا العالم ابنًا لروان، أمتلك ذلك بالفعل.
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
***
الساحرة: “لأكون صريحة، جئتُ هنا من أجل تنفيذ هدفي. لقد أنجزت أحد هدفيّ الرئيسيين. وبمجرد أن أحقق الآخر، أُخمّن أنني سأتمكن من التفرّغ تمامًا لغاية وجودي الأصلية: الخلق.”
مُستلًّا من غمد الأحلام، لمع “سيف الأحلام” وهو يشقّ سماء الواقع ـــ
الهيئة الصغيرة التي ظهرت خلف ألسنة اللهب المتراقصة، متّخذةً نفس وضعية القتال التي اتّخذها――
قاطعًا الانفجار الضوئي الذي بدا وكأنه يدعو إلى دمار العالم، مضى طرفه إلى الفتاة الجميلة التي تَسكُن لهبًا أزرق في إحدى عينيها بينما تذرف دموعًا من الدم.
سيسيليوس: “ليست ميتة. فبعد كل شيء، ولأجل الوصول إلى خاتمة لا تموت فيها، أرهقت نفسي بتمزيق حدودي مرة، ثم مرة ثانية، ثم ثالثة. لَكان من الفظاعة أن أوقفها بقتلها! إنها طريقة سيسيليوس سيغمونت أن يلبّي التوقّعات، ويخون التنبؤات الباهتة.”
لكن، رغم تعرّضها لضربة سحرية فوق طبيعية، لم تُشطر حياة الفتاة ــ أراكيّا ــ إلى نصفين؛ فلم يحدث ذلك.
ذلك الإحساس لم يجلب لروان شعورًا بالتحرّر، بل تركه بشعورٍ بالخسارة، ونوعٍ من الضيق وعدم الارتياح. وسط ذلك الانزعاج الذي مسّ روحه، فكّر روان بهذا الأمر للمرة الأولى في حياته:
والسبب هو أن حتى نتائج ضربة “السيف المسحور”، المصنوع بعقلٍ لا ينتمي إلى هذا العالم، لم تكن تتقيد بالمنطق أو الحسّ العام.
ضوء الشمس، نسيم الهواء، قطرات المطر، عبق العشب، وروان سيغمونت―― جميعها كانت بركاتٍ قد مُنحت لسيسيليوس.
ـــ “الحجر، موسبِل”.
سيسيليوس: “نعم، ببساطة، لقد حان وقت تنفيذ ما كان مكتوبًا منذ البداية.”
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
حتى وإن كان قد فهم بفطرته أن ما قام بتبديده بواسطة “سيف الأحلام ماسايومي” كان أراكيّا ــ وكان في الوقت ذاته ليس أراكيّا ــ حضورًا متطرفًا كان يطغى على وجودها ذاته، فإن سيسيليوس لم يكن لديه وسيلة للكشف عن هويته الحقيقية.
إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
لكن، في نهاية المطاف، لم يكن عزم سيسيليوس أو أفعاله ليتغيرا، حتى لو كان يعلم.
مقارنةً بالمعركة الحاسمة التي جرت عند المعقل بين سيسيليوس وآراكيّا قبل لحظات، كانت هذه المواجهة هادئة إلى حدٍّ كبير.
حتى وإن كان قد أدرك أن أراضي الإمبراطورية الشاسعة ستنهار مع الروح العظيم إن دُمّر موسبِل، صار من الحتمي أن يستل سيسيليوس سيف الأحلام.
بالطبع، لم يكن هذا النوع من الكلام ليواسي روان الذي فشل في تحقيق الأمنية التي طاردها طوال حياته.
فأن يضع وجود البطلة فوق أراضي الإمبراطورية الشاسعة، كان قرارًا طبيعيًا بالنسبة للبطل الرئيسي.
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
منذ البداية، حين يتعلق الأمر بالنص، من المستحيل أن يؤدي أي شيء يفعله سيسيليوس بقناعة إلى نهاية سيئة.
آل: “… كنت أعلم منذ البداية أن إقناعك أو الجدال معك سيكون ثلاثي الضربات: غير معقول، مستحيل، وعديم التفكير. لذا عليك أن تتحمّل مسؤولية الآنسة الصغيرة.”
ولذلك――
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
أراكيّا: “――――”
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
لم تستطع أراكيّا تحمّل القوة التي استوعبتها داخلها، والتي كانت على وشك الانفجار. أمام سيسيليوس، الذي طرد تلك القوة الجبارة التي هددت حياتها باستخدام سيف الأحلام، حلّقت حول أراكيّا شرائط لا تُعدّ من الضوء―― تلك الأطواق الماسية تحوّلت إلى جسيمات ساطعة، وذابت في العاصمة الإمبراطورية المصبوغة بالقرمزي.
فجأة، قاطع صوت طرفٍ ثالثٍ حديث سيسيليوس وآل.
وبينما سقطت أراكيّا ببطء وسط تلك الجسيمات المتراقصة من الضوء، أعاد سيسيليوس سيف الأحلام إلى غمده، الذي ظهر فجأة عند خصره كأنه حلم، ومدّ يديه نحوها.
***
بدا جسده مغطى بالجراح. وقد أُصيب بتمزقات في كامل جسده، وثوبه المشبع بالدماء صار ممزقًا ومهترئًا، ومظهره بات بعيدًا كل البعد عن أن يُوصف بلباس لمبارزة.
آل: “… كنت أعلم منذ البداية أن إقناعك أو الجدال معك سيكون ثلاثي الضربات: غير معقول، مستحيل، وعديم التفكير. لذا عليك أن تتحمّل مسؤولية الآنسة الصغيرة.”
مع ذلك، وعلى النقيض من هيئته المزرية تلك، لم يغب بصيص النور عن عيني سيسيليوس وهو يمسك بأراكيّا.
كانت هذه نهاية كان كل من سيسيليوس وروان يعلمان مسبقًا أنها آتية لا محالة.
سيسيليوس: “――――”
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
كانت الفتاة الفاقدة للوعي قد أغمضت عينيها، وبدت ملامحها النائمة وكأنها ميتة.
هل كانت هناك أي منطقة آمنة سوى بقرب سيسيليوس ذاته؟
لكنه لم يشعر بالذعر، لأنه أدرك من إحساسها بين يديه أنها ليست ميتة حقًا. فقط، هزّ كتفيه بهدوء وكأنه يقول “يا للعجب”.
كانت هذه نهاية كان كل من سيسيليوس وروان يعلمان مسبقًا أنها آتية لا محالة.
سيسيليوس: “أنتِ حقًا تعرفين كيف تثيرين الضجة، أنيا.”
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
من بين الذكريات الباهتة التي استُعيدت في ذهنه خلال المعركة، كانت الغالبية تدور حول حديث المساء الذي دار بينه وبين صديقه الذي صغّر “سيسيليوس ما قبل” إلى “سيسيليوس ما بعد”. ولكن، باستثناء تلك الأغلبية، فإن من تركت الأثر الأكبر في ذاكرته كانت هذه الفتاة.
؟؟؟: “――لم يكن متوقّعًا أنك لم تسلبها حياتها. إعادة التقييم: مطلوبة.”
كان سيسيليوس معروفًا، في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، بأنه لا يستطيع الاعتناء بأحد. وبما أنه جعل من الصعب جدًا تتبعه حتى هذه المرحلة، لم يكن هنالك من كان أكثر عبئًا من هذه الفتاة.
سيسيليوس: “أغلب الناس على الأرجح لن يرضوا عن العلاقة بيني وبين والدي، لكن――”
وربما، ما كان من المبالغة في شيء أن يُقال إنها كانت أعظم عبء في الإمبراطورية كلها.
وبكلماتٍ أخرى، كان عليه أن يردّ دَينه لـ آل.
؟؟؟:
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
“…أفترض أنه يمكنني اعتبار الأمور منتهية؟”
ولذلك――
من خلف سيسيليوس، الذي كان يحمل أراكيّا، ناداه صوت يحمل نبرة توتر خفيفة.
مقابل الدافع الذي يحمله المرء لتحقيق أمنيةٍ ما، فإن السيف المسحور يمتلك القدرة على تحقيق تلك الأمنية.
متقدمًا بخطوات حذرة تُظهر حذره، وبحالة لا تقلّ سوءًا عن سيسيليوس من آثار المعركة، ظهر “آل”.
لم ينجُ فقط من أن يتحوّل إلى رماد على حافة المعركة الحاسمة في الحصن، بل إن دوره كمساند حين رمى سلاحه في النهاية ليمنح سيسيليوس لحظة التألق، كان أيضًا بمثابة لحظة تألق له هو نفسه.
آل: “حدده القدر…؟”
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
سيسيليوس: “لا أكره ذلك، بل في الواقع، أحبه كثيرًا.”
آل: “عشرة من ماذا، من حيث إعجابك بي؟ في هذه الحالة، لا يهمني الأمر إطلاقًا.”
منذ ظهور الساحرة، لم ينطق آل بكلمة واحدة.
منكّسًا كتفيه بطريقة تدل على ضجره، نظر “آل” إلى أراكيّا.
مقارنةً بالمعركة الحاسمة التي جرت عند المعقل بين سيسيليوس وآراكيّا قبل لحظات، كانت هذه المواجهة هادئة إلى حدٍّ كبير.
“الأهم من هذا…”
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
كانت النظرة المنبعثة من خلف خوذته الحديدية مشبعة بالوجل، باعثة على جوّ من التوتر والخوف، ولكن――
لم يكن لها أي أثر يُذكر على العاصمة الإمبراطورية، أو على الإمبراطورية، أو حتى على العالم بأسره؛ معركة فردية ضد ميّتٍ أحيته الأرواح، كان سيختفي على أية حال، لا يمكن اعتبارها سوى مسألة تافهة.
آل: “الآنسة أراكيّا الصغيرة هي…”
ومع كل مرة تنهار فيها جثته كميت حيّ، كان يجهّز الكاتانا خاصته المحبوبة، التي ظلت تُبعث من جديد مع كل مرة يُبعث فيها، ويتقدم إلى الأمام.
سيسيليوس: “ليست ميتة. فبعد كل شيء، ولأجل الوصول إلى خاتمة لا تموت فيها، أرهقت نفسي بتمزيق حدودي مرة، ثم مرة ثانية، ثم ثالثة. لَكان من الفظاعة أن أوقفها بقتلها! إنها طريقة سيسيليوس سيغمونت أن يلبّي التوقّعات، ويخون التنبؤات الباهتة.”
في تلك المبارزة الأخيرة، لو أن روان قد تفوّق على سيسيليوس، هل كان ليبلغ “السيف السماوي”؟
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
حتى وإن كان قد أدرك أن أراضي الإمبراطورية الشاسعة ستنهار مع الروح العظيم إن دُمّر موسبِل، صار من الحتمي أن يستل سيسيليوس سيف الأحلام.
نفخ سيسيليوس صدره بفخر وهو يرد بهذا الشكل، ليزفر “آل” تنهيدة بينما يعبث بقطع التثبيت المعدنية في خوذته.
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
بالطبع، كان سيسيليوس مدركًا لمخاوف “آل”. المسألة كانت ما إن كان الخطر الناتج عن إبقاء أراكيّا على قيد الحياة يستحق التضحية بالشعور بالأمان الذي سيأتي بقتلها. لكن――
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
سيسيليوس: “إن كان الأمر سينتهي بذلك النوع من النقاشات المعقدة والمملة، فلا تتردد في طرحه على أحد الحكماء عابسي الوجه في مكان لا أكون فيه. إجابتي كما تراها، يا آل-سان.”
لكن، في نهاية المطاف، لم يكن عزم سيسيليوس أو أفعاله ليتغيرا، حتى لو كان يعلم.
آل: “… كنت أعلم منذ البداية أن إقناعك أو الجدال معك سيكون ثلاثي الضربات: غير معقول، مستحيل، وعديم التفكير. لذا عليك أن تتحمّل مسؤولية الآنسة الصغيرة.”
وكان ذلك بمثابة كشفٍ عن الجوهر الحقيقي، للحياة والروح.
سيسيليوس: “يبدو أن هذه كانت نيتي منذ البداية. كما لو أنني، منذ أول مرة هزمت فيها أنيا، قررت أن أتحمّل تلك المسؤولية.”
فعلى الرغم من أن سيسيليوس سيغمونت كان يظن أن ما يُسمى بالحسّ العام لا ضرورة له بالنسبة للبطل الرئيسي، فقد كان من الواضح أن روان كان أبًا بعيدًا كل البعد عن صورة العائلة التقليدية.
وكأنه يتحدث عن شخص آخر بينما هي في الواقع قضيّته، رأى سيسيليوس ملامح أراكيّا في طفولتها تتراكب على وجهها النائم في أحضانه.
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
تمامًا كما رأى صديقه الذي افترق عنه عند المغيب، كانت تلك صورة زائفة لا تُرى إلا لأنه قضى معها وقتًا طويلًا. وربما، ينبغي له أن يشدّ من عزيمته قليلًا، ويواجه تلك الذكريات التي ظلّ مترددًا في استرجاعها.
ما لا ينبغي فعله، لا ينبغي التفكير فيه. وبينما حاول صرف ذهنه إلى أمرٍ آخر، أدرك حقيقةً مفاجئة.
سيسيليوس: “لكن يبدو أن هنالك واجبًا آخر عليّ إنجازه، قبل أن أغوص في تلك الحكاية.”
ولكلا الطرفين، سيسيليوس وسيف الأحلام، كانت هذه مصادفةً معجزة. وذلك لأن――
آل: “هاه؟”
وقد تنقّل ذلك النصل من يدٍ إلى أخرى عبر السنوات، إذ إن من تحققت أمنيته كان ينسى حتى السبب الذي جعله يرغب بها في البداية. وهكذا، تبدّل مالك السيف مراتٍ لا تُحصى، حتى استقر أخيرًا في يد سيسيليوس.
تساءل “آل” بدهشة عندما تمتم سيسيليوس فجأة، لكن هذا الأخير لم يرد بكلمات، بل أجاب بالفعل فقط، بتوجيه نظره إلى جهة أخرى.
سيسيليوس: “آل-سان؟”
في أعقاب معركته مع أراكيّا، كانت المباني والشوارع قد ذابت، والمدينة الإمبراطورية أصبحت في حالة جحيمية مصبوغة بالأحمر―― وسط هذا المشهد، نهض جنون شرير تجسّد في هيئة مناسبة تمامًا.
أعاد سيف ماسايومي إلى غمده بعد أن أتم مهمته، ثم التفت سيسيليوس ونادى على آل.
؟؟؟: ――――””
مقارنةً بالمعركة الحاسمة التي جرت عند المعقل بين سيسيليوس وآراكيّا قبل لحظات، كانت هذه المواجهة هادئة إلى حدٍّ كبير.
وقف رجل ذو شعر أزرق، تشتعل النيران التي لا تنطفئ في كل جسده.
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
كانت بشرته قد اسودّت من الاحتراق، مما أخفى بعضًا من ملامحه، لكن الوميض الذهبي في عينيه بدا كافيًا ليُدرك الجميع أن هذا الرجل كان من الأموات الأحياء بلا شك.
في تلك اللحظة، شعر سيسيليوس بإحساس غريب وكأن الهواء والفراغ المحيطين بالساحرة قد انحرفا عن طبيعتهما.
أما بالنسبة إلى سيسيليوس، فقد تجلّت له حقيقة أكبر مما يمكن أن يراها غيره.
***
سيسيليوس: “――أويا أويا أويا، ظننتُ أن شخصًا ما كان يركض بجنون إلى هنا، لكن لتظن أن يكون دخولاً مشتعلاً؟ يا إلهي، أليست هذه مسرحية فخمة، إن جاز لي القول؟”
حتى النهاية، حتى آخر رمق، دون أن يترك خلفه كلمةً واحدة تليق بالأبوة، احترق جسده، واحترقت روحه، وتحولت إلى رماد.
لم يكن يركض جزافًا، بل كان يركض بهدف واضح في ذهنه.
رغبةٌ استثنائية نحو الأحلام التي يحملها المرء، هي ما يُمكّن سيف الأحلام ماسايومي من إظهار قدراته القصوى.
والحقيقة أن خطاه العجلى توقفت هنا، لم تكن محض مصادفة، بل لأن ذلك الهدف كان هنا―― لا، بل كان ذلك الهدف يسكن في شخص واحد فقط: سيسيليوس سيغمونت.
لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في معركة سيسيليوس، المعروف باسم البرق الأزرق، أحد أطرافها. ولكن هذه اللحظة لم تكن من صنع سيسيليوس وحده، بل كانت دليلًا على أن روان قد تجاوز حدود القدرة البشرية.
―― ذاك المبارز الذي نبذ كل شيء في سبيل بلوغ السيف السماوي، روان سيغمونت.
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
الآن وقد تخلّى حتى عن حياته، وصل الأب إلى هذا المكان في هيئة مختلفة تمامًا، ليُقابل سيسيليوس ذلك بغمزات عديدة وابتسامة.
الساحرة: “أنا ساحرة الجشع――”
كان روان يبتسم وهو محاط بالنيران. وسيسيليوس، بدوره، ابتسم وهو غارق في الدماء.
من خلف سيسيليوس، الذي كان يحمل أراكيّا، ناداه صوت يحمل نبرة توتر خفيفة.
الوالد والابن، اللذان لم يُقدّر لهما سوى أن يُحيا ويموتا بالسيف، يبتسمان لبعضهما――
سيسيليوس: “هاهاهاهاها! نعم، نعم، هذا صحيح! تلك كانت اللحظة الوحيدة التي كنت ستتمكن من هزيمتي فيها، أبي!”
سيسيليوس: “لأول مرة، جعلتني أفكر بهذا يا أبي―― لا أقول إنني أكره ذلك، بل على العكس، أظنني أحببته.”
سيسيليوس: “لكن يبدو أن هنالك واجبًا آخر عليّ إنجازه، قبل أن أغوص في تلك الحكاية.”
قال ذلك، ناسِيًا بسخرية “سيسيليوس ما بعد”، ليحتفل بأن الفرصة لتحقيق الوعد الذي قطعه “سيسيليوس ما قبل” قد أتت أخيرًا.
لقد سئم من تكرار تلك الأسئلة المملة. تلك الحزمة من التساؤلات كانت هراءً لا يمت له بصلة.
***
أما بالنسبة إلى سيسيليوس، فقد تجلّت له حقيقة أكبر مما يمكن أن يراها غيره.
―― كان روان سيغمونت يتوق إلى السيف السماوي.
***
لماذا؟ لأي سبب؟ لأي غاية؟
أخذها سيسيليوس إلى ذراعيه بلا تردد، ثم تحدث آل بصوتٍ خافتٍ منخفض.
لقد سئم من تكرار تلك الأسئلة المملة. تلك الحزمة من التساؤلات كانت هراءً لا يمت له بصلة.
؟؟؟: “――لم يكن متوقّعًا أنك لم تسلبها حياتها. إعادة التقييم: مطلوبة.”
لقد تجاوز دافعه حدود أقدم ذكرياته، وكان منشأه قد أُلقي في مجرى نهر النسيان.
ثم――
منذ اللحظة الأولى التي لامست فيها أصابعه الفولاذ على هيئة سيف، لم يبقَ لروان سيغمونت طريقٌ آخر سوى أن يكرّس نفسه لإتقان فن التلويح به.
سيسيليوس: “إن كان الأمر سينتهي بذلك النوع من النقاشات المعقدة والمملة، فلا تتردد في طرحه على أحد الحكماء عابسي الوجه في مكان لا أكون فيه. إجابتي كما تراها، يا آل-سان.”
حتى بعد أن مُنِح وصيةً كنجمٌ محدق، وحتى بعدما رُزق بابنٍ يكون إناءً لوصوله إلى السيف السماوي، واصل روان طريقه، لا يفعل شيئًا سوى أن يغرق في الدراسة المتفانية ليصل هو بنفسه إلى ذاك السيف السماوي.
لم تستطع أراكيّا تحمّل القوة التي استوعبتها داخلها، والتي كانت على وشك الانفجار. أمام سيسيليوس، الذي طرد تلك القوة الجبارة التي هددت حياتها باستخدام سيف الأحلام، حلّقت حول أراكيّا شرائط لا تُعدّ من الضوء―― تلك الأطواق الماسية تحوّلت إلى جسيمات ساطعة، وذابت في العاصمة الإمبراطورية المصبوغة بالقرمزي.
بل حتى حين أصبح أعظم عائق أمامه للوصول إلى السيف السماوي هو من صُنع يديه، واصل الدراسة المتفانية، عبر الدراسة المتفانية، لأجل الدراسة المتفانية، بدافع الدراسة المتفانية، عاش في الدراسة المتفانية――
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
روان: “آاااه… لقد أتى وقت مجدي العظيم، أخيرًا.”
تلك الضربة، المصقولة حتى الحافة الأخيرة، ظلت تنبض بهالة من فن السيف جعلت سيسيليوس يرى الموت بأمّ عينه――
روحه مشتعلة، حياته تتلاشى إلى رماد، ومصيره على وشك أن يبلغ منتهاه.
مرةً أخرى، اختفى اللون، والصوت، والرائحة من عالم سيسيليوس، وصار محكومًا فقط بخفقات الفولاذ.
كل شيء قد ابتلعته النيران، ومع تلاشي كينونته نحو عالم ما بعد الموت، دخل روان حيزًا لا تطأه قدم حيّ أو ميت ―― الفاصل بين الحياة والموت، النقطة التي يُمكن تسميتها بالـ “ما وراء”.
سيسيليوس: “لأول مرة، جعلتني أفكر بهذا يا أبي―― لا أقول إنني أكره ذلك، بل على العكس، أظنني أحببته.”
وكان ذلك بمثابة كشفٍ عن الجوهر الحقيقي، للحياة والروح.
سيسيليوس: “أنا مندهش.”
ثوانٍ قليلة أخرى، مهما بدت واقعية، كانت على وشك أن تفيض بالمعنى النهائي لوجود روان سيغمونت.
آل: “كيف… كيف يمكنك أن تكون بهذه البرودة؟”
روان: ――――””
بدا جسده مغطى بالجراح. وقد أُصيب بتمزقات في كامل جسده، وثوبه المشبع بالدماء صار ممزقًا ومهترئًا، ومظهره بات بعيدًا كل البعد عن أن يُوصف بلباس لمبارزة.
ومع كل مرة تنهار فيها جثته كميت حيّ، كان يجهّز الكاتانا خاصته المحبوبة، التي ظلت تُبعث من جديد مع كل مرة يُبعث فيها، ويتقدم إلى الأمام.
بالطبع، لم يكن هذا النوع من الكلام ليواسي روان الذي فشل في تحقيق الأمنية التي طاردها طوال حياته.
الهيئة الصغيرة التي ظهرت خلف ألسنة اللهب المتراقصة، متّخذةً نفس وضعية القتال التي اتّخذها――
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
سيسيليوس: “مبارزة شريفة――!!”
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
―― متحديًا السيف السماوي، اشتعل بريق اللحظة العابرة لروان سيغمونت بسطوعٍ فائق.
لم ينجُ فقط من أن يتحوّل إلى رماد على حافة المعركة الحاسمة في الحصن، بل إن دوره كمساند حين رمى سلاحه في النهاية ليمنح سيسيليوس لحظة التألق، كان أيضًا بمثابة لحظة تألق له هو نفسه.
***
كانت النظرة المنبعثة من خلف خوذته الحديدية مشبعة بالوجل، باعثة على جوّ من التوتر والخوف، ولكن――
سيسيليوس: “سأترك أنيا في عهدتك.”
سيسيليوس: “――――”
على ما تبقّى من شارعٍ بالكاد يمكن تسميته طريقًا، وبناءً على طلب روان الذي ظهر هناك متّقدًا بنيران لا تنطفئ، ألقى سيسيليوس بأراكيّا قسرًا على عاتق آل.
سيسيليوس: “――أويا أويا أويا، ظننتُ أن شخصًا ما كان يركض بجنون إلى هنا، لكن لتظن أن يكون دخولاً مشتعلاً؟ يا إلهي، أليست هذه مسرحية فخمة، إن جاز لي القول؟”
وصل إلى مسامعه صوت آل المرتبك وهو يقول: “أوي أوي!؟” من شدة المفاجأة، لكنه رمى بذلك في أعماق هاوية وعيه، وركّز كل حواسه على رجلٍ واحد.
سيسيليوس: “حسنًا، ماذا لو أعطيتك أنا أيضًا إجابة بسيطة، قصيرة بشكل غير معتاد، وواضحة تمامًا بما يخصني! ――إذا أتيتِ لمكاني هذا لتحقيق هدفك، فالغالب أنكِ لن تستطيعي تحققيه.”
مرةً أخرى، اختفى اللون، والصوت، والرائحة من عالم سيسيليوس، وصار محكومًا فقط بخفقات الفولاذ.
روان: “حسنًا… أفضل من أن يصل إليه شخصٌ آخر.”
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
إنها مسيرة تهدف إلى المضيّ قدمًا نحو البعيد، إلى منطقة فوق الغيوم لا تراها الأعين؛ ولا يمكن بأي حال أن يحققها من يُشيح ببصره أو يسلك طرقًا جانبية.
واضعًا يده على الكاتانا عند خصره، بدت شفتا روان تتحركان لتنطق بذلك التحدي، وهو يتأهب.
سيسيليوس: “إذاً، فآل – سان سيذهب في طريقه وحده. قد لا يحق لي قول هذا، لكن هل ستكون بخير وأنت تتجول وحيدًا بلا سلاح؟ الموت عبثًا سيكون أقصى ما يمكنك تحقيقه، أليس كذلك؟”
ورغم أنه لم يسمع الكلمات بصوتٍ مسموع، إلا أن المشاعر المتبادلة بين الأب والابن، اللذين يحبان المظاهر المبالغ بها، سمحت له بسماعها داخل روحه.
سيسيليوس: “هوهو، فهمت! في الواقع، لم أفهم شيئاً!”
لذا، ردّ سيسيليوس بالمثل، وبهيبة.
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
سيسيليوس: “مبارزة شريفة――!!”
فالأب المثالي ليس من يقتل طفله لمجرد أنه “لا يبدو” أنه سينمو بالشكل الذي يرغبه.
وفي لحظة، اختفى الفراغ الذي فصل بين الاثنين.
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في معركة سيسيليوس، المعروف باسم البرق الأزرق، أحد أطرافها. ولكن هذه اللحظة لم تكن من صنع سيسيليوس وحده، بل كانت دليلًا على أن روان قد تجاوز حدود القدرة البشرية.
سيسيليوس: “هاهاهاهاها! نعم، نعم، هذا صحيح! تلك كانت اللحظة الوحيدة التي كنت ستتمكن من هزيمتي فيها، أبي!”
سيسيليوس: “أنا مندهش.”
سيسيليوس: “――――”
كان ذلك إعجابًا صادقًا.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
قبل بضع ساعات، حين ودّع روان وهو لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس يرى فيه أي مؤشر على وصوله إلى هذا المستوى. أما الآن، وقد التقيا مجددًا، وروان قد أصبح ميتًا حيًّا، فإن مهارته بالسيف قد تطورت بسرعة مذهلة، وبدأت موهبته تتفتح بعد وفاته.
آل: “…ليس هناك علاقة لي بالموضوع.”
لم يكن الأمر متعلقًا بسرعة حركته، ولا بمهارته التقنية، بل كان تحولًا سببه تغيّر في وعيه.
أما بالنسبة إلى سيسيليوس، فقد تجلّت له حقيقة أكبر مما يمكن أن يراها غيره.
تأثير الحالة الذهنية على الأداء ليس أمرًا يُستهان به، ولكن حتى مع ذلك، فإن الخروج من القوقعة النفسية لا يؤدي بالضرورة إلى تطور جسدي خارق. لذا، فإن التغير في روان لم يكن تحولًا جسديًّا محضًا.
حدث ذلك في اللحظة ذاتها التي خطرت له فيها تلك الفكرة――
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
لم تكن تلك الخطوة خطوةً جسدية، بل كان من الصعب وصفها على مستوى يتجاوز الإحساس الخالص. كما أن هناك مسافةً هائلة بين الهواة والمحترفين، فإن هناك أيضًا فجوة بين المحترفين من الدرجة الثانية والأولى.
بعكس روان، لم يكن سيسيليوس يرى كل شيء في هذا العالم تافهًا وعديم القيمة. ما دام المرء قادرًا على التمييز بين الهتاف والتشويش، فالعالم من حوله كان يعجّ بالبركات أينما نظر.
وكذلك، بين المحترفين من الدرجة الأولى وأصحاب الطراز الرفيع، وبين هؤلاء والكائنات المتجاوزة لكل الحدود، وُجدت فجواتٌ أخرى.
ما لا ينبغي فعله، لا ينبغي التفكير فيه. وبينما حاول صرف ذهنه إلى أمرٍ آخر، أدرك حقيقةً مفاجئة.
غير مرئية للعين، عصيّةٌ على الشرح بالكلمات، عبّر سيسيليوس عنها عمدًا هنا بعبارة “خطوة واحدة”، واعتبر أن روان قد تجاوز ذلك الحدّ.
والد وابن الإمبراطورية.
أن يتجاوز، عبر تجربة الموت، تلك الخطوة الواحدة التي لم يستطع اجتيازها طوال حياته―― يا لها من سخرية، ويا له من أمر قد يُقال عنه إنه غباء منقطع النظير.
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
ولكن، لا أحد سوى سيسيليوس وحده كان ليقول――
وبعد أن سمعت ذلك الرد، ضاقت عينا الساحرة البيضاء ذات الرموش الطويلة، ثم أومأت برأسها.
سيسيليوس: “لا أكره ذلك، بل في الواقع، أحبه كثيرًا.”
ذلك الجنون الخالص المكرَّس للسيف، والخالي من كل شائبة، سكبه روان بلا تردد في سيسيليوس.
واللهب لا يزال يلتهم جسده، وحياته تحترق، وبينما كان روان مغموسًا في عالم الموت، أطلق ضربة سيفٍ واحدة؛ ومع تألق النصل وسط عالمٍ خالٍ من اللون والضوء، ظل سيسيليوس يراقب ذلك بإعجاب.
الوالد والابن، اللذان لم يُقدّر لهما سوى أن يُحيا ويموتا بالسيف، يبتسمان لبعضهما――
في بريق ذلك السيف، سكنت سنواتٌ من التدريب الجاد، والدراسة المتفانية الخالية من التراخي؛ ومع رؤيته لهذا، ارتعشت عيناه.
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
كرجل، كان من الممكن أن يُقيّم روان كأبٍ من أسوأ الآباء، وربما لم يكن سيسيليوس لينكر ذلك. ومع ذلك، فإنه كان يحب كثيرًا عقلية روان، تلك التي ظلت تصبّ كل روحه في الدور الذي يؤدّيه.
وقد تنقّل ذلك النصل من يدٍ إلى أخرى عبر السنوات، إذ إن من تحققت أمنيته كان ينسى حتى السبب الذي جعله يرغب بها في البداية. وهكذا، تبدّل مالك السيف مراتٍ لا تُحصى، حتى استقر أخيرًا في يد سيسيليوس.
روان: “――――”
سيسيليوس: “――――”
موقدًا ما تبقّى من حياته كوقود، أطلق روان أعظم ضربة سيفٍ في حياته، حيًّا وميتًا.
سيسيليوس: “حقًا… يبدو الأمر كذلك. أعتقد أنني بدأت أفهم، بطريقة أو بأخرى.”
تلك الضربة، المصقولة حتى الحافة الأخيرة، ظلت تنبض بهالة من فن السيف جعلت سيسيليوس يرى الموت بأمّ عينه――
رغبةٌ استثنائية نحو الأحلام التي يحملها المرء، هي ما يُمكّن سيف الأحلام ماسايومي من إظهار قدراته القصوى.
ذلك الختام الكابوسي، الذي وُلد من تركيزٍ كامل ومطلق، لم يكن ليسمح له سيف الأحلام “ماسايومي” بأن يتحقق.
سيسيليوس: “والدي قال إني ابنٌ عاق، لكنّي لا أعتقد أن هناك ابنًا أكثر برًّا مني. فمجرد كونه والدي، فهذا وحده إنجازٌ عظيم، لأنه هو من جلبني إلى هذا العالم.”
سيف الشيطان “موراسامي” كان سيفًا مسحورًا يقطع مفهوم “جوهر” الأشياء. أما ماسايومي، الذي يستخدم الأحلام كغمْدٍ له، فتكمن قيمته الحقيقية في――
لا أحد كان قادرًا على فهم روان―― لا أحد، سوى سيسيليوس.
سيسيليوس: “أن يفترس الأحلام… ويمنح الأحلام.”
سيسيليوس: “ومع ذلك، من الغريب بعض الشيء أن أظل أحمل آنيا في أثناء الركض… وإذا لم نعد قريبًا، فغروفي – سان سيبدأ بالصراخ علينا بالتأكيد. لقد ذهب ليوقف مُلقي تلك اللعنة، وبالمناسبة، هل تظن أن غروفي – سان سيكون راضيًا بعودتنا ومعنا سيف الأحلام بدلًا من سيف اللعنة؟”
مقابل الدافع الذي يحمله المرء لتحقيق أمنيةٍ ما، فإن السيف المسحور يمتلك القدرة على تحقيق تلك الأمنية.
ومع كل مرة تنهار فيها جثته كميت حيّ، كان يجهّز الكاتانا خاصته المحبوبة، التي ظلت تُبعث من جديد مع كل مرة يُبعث فيها، ويتقدم إلى الأمام.
لهذا، مُنِح سيف الأحلام اسم “تحقيق الحلم”، لأنه يجعل الأحلام واقعًا. وحتى لو أصبح سيفًا باهتًا وعديم النفع إذا امتلكه من لا يستحقه، إلا أنه ظلّ يُمتدح كسيفٍ مسحور قادر على شقّ العالم إلى نصفين.
وكان ذلك بمثابة كشفٍ عن الجوهر الحقيقي، للحياة والروح.
وقد تنقّل ذلك النصل من يدٍ إلى أخرى عبر السنوات، إذ إن من تحققت أمنيته كان ينسى حتى السبب الذي جعله يرغب بها في البداية. وهكذا، تبدّل مالك السيف مراتٍ لا تُحصى، حتى استقر أخيرًا في يد سيسيليوس.
بالطبع، كان سيسيليوس مدركًا لمخاوف “آل”. المسألة كانت ما إن كان الخطر الناتج عن إبقاء أراكيّا على قيد الحياة يستحق التضحية بالشعور بالأمان الذي سيأتي بقتلها. لكن――
ولكلا الطرفين، سيسيليوس وسيف الأحلام، كانت هذه مصادفةً معجزة. وذلك لأن――
سيسيليوس: “لقد كانت أداءً متقنًا بحق، آل – سان. أظن أن فهمك لنيتي حينها ورميك لسلاحك يستحق حقًا عشرًا كاملة من عشرة.”
سيسيليوس: “لا يمكن لأحلامي أو دوافعي أن تنفد أبدًا!َ”
جزء من هذا الشعور نابع من أنه يرى أنه من غير المثالي أن يكون منشغل اليدين بحمل أراكيّا، لكن الأهم من ذلك أنه كان مدينًا لـ آل. ــــ لقد كانت حقيقةً أن سيسيليوس اقترض قوة آل لكي يُنهي الأمور دون أن تموت أراكيّا.
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
منكّسًا كتفيه بطريقة تدل على ضجره، نظر “آل” إلى أراكيّا.
رغبةٌ استثنائية نحو الأحلام التي يحملها المرء، هي ما يُمكّن سيف الأحلام ماسايومي من إظهار قدراته القصوى.
الساحرة: “آه، أحقًا؟ في هذه الحالة، إجابتي بسيطة. لا يمكنك قتلي.”
―― وفي تلك اللحظة، قامت الضربة المطلقة بتشويش الحدود بين الحلم والواقع وهي تشقّ طريقها.
منذ اللحظة التي أصبح فيها واعيًا بالعالم من حوله، لم يكن له هدفٌ سوى السيف السماوي. في كل لحظة يقظة، في كل لحظة نوم، لم يحلم بشيء سوى الوصول إلى السيف السماوي. هذا ما شكّل الكيان المسمى “روان” طوال حياته.
سيسيليوس: “――――”
فأن يضع وجود البطلة فوق أراضي الإمبراطورية الشاسعة، كان قرارًا طبيعيًا بالنسبة للبطل الرئيسي.

لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
مقارنةً بالمعركة الحاسمة التي جرت عند المعقل بين سيسيليوس وآراكيّا قبل لحظات، كانت هذه المواجهة هادئة إلى حدٍّ كبير.
لوّح بيده بينما أضاف تلك الملاحظة عن حالة روان الذهنية.
لم يكن لها أي أثر يُذكر على العاصمة الإمبراطورية، أو على الإمبراطورية، أو حتى على العالم بأسره؛ معركة فردية ضد ميّتٍ أحيته الأرواح، كان سيختفي على أية حال، لا يمكن اعتبارها سوى مسألة تافهة.
―― بل إن روان أصبح قادرًا على أن يدفع بنفسه “خطوة واحدة” إلى الأمام.
ولكن، بالنسبة للثنائي الأب والابن، روان سيغمونت وسيسيليوس سيغمونت، فقد كان لها معنى بالغ.
“الأهم من هذا…”
روان: “…آه، يا للمتاعب، يا لي من أبٍ شقيّ، ما أوقح هذا الابن.”
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
لحظة عبور سيوفهما، مرّا بجانب بعضهما، وقد ولّى كل منهما ظهره للآخر.
منذ ظهور الساحرة، لم ينطق آل بكلمة واحدة.
والده، الذي لن يتمكن من رؤية وجهه ثانيةً، وهو الآن ميتٌ حيّ، بصق تلك الكلمات بكراهية مع زفيرٍ طويل، ثم تحدث.
موقدًا ما تبقّى من حياته كوقود، أطلق روان أعظم ضربة سيفٍ في حياته، حيًّا وميتًا.
روان: “لو كان هذا هو المصير، كان عليّ أن أقطعك منذ أول مرة وضعتك فيها في مغطس ماء.”
أومأ سيسيليوس موافقًا، وهو يسمع كلمات آل التي نطق بها بكل يقين.
سيسيليوس: “هاهاهاهاها! نعم، نعم، هذا صحيح! تلك كانت اللحظة الوحيدة التي كنت ستتمكن من هزيمتي فيها، أبي!”
وفي لحظة، اختفى الفراغ الذي فصل بين الاثنين.
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
وعند سماعه لضحكة سيسيليوس الصافية، نظر روان إلى السماء. كان سيفه قد تحوّل إلى غبار، ومع تفتت وجوده ابتداءً من أطراف أصابعه المشتعلة، ضيّق عينيه الذهبيتين. ثم――
لكنه لم يشعر بالذعر، لأنه أدرك من إحساسها بين يديه أنها ليست ميتة حقًا. فقط، هزّ كتفيه بهدوء وكأنه يقول “يا للعجب”.
روان: “في المرة القادمة، في المرة القادمة―― أنا لست من النوع الذي يستسلم لمجرد أنه مات.”
رفع آل الـ داو الحجري فوق رأسه، ثم اهتزّ صوته نحو الساحرة――
حتى النهاية، حتى آخر رمق، دون أن يترك خلفه كلمةً واحدة تليق بالأبوة، احترق جسده، واحترقت روحه، وتحولت إلى رماد.
سيسيليوس: “مبارزة شريفة――!!”
ساعيًا دومًا نحو “السيف السماوي”، ولم يتخلّ عن تلك الرغبة حتى في الموت، كانت تلك لحظة النهاية للسيّاف الشرير المعروف باسم روان سيغمونت.
في بريق ذلك السيف، سكنت سنواتٌ من التدريب الجاد، والدراسة المتفانية الخالية من التراخي؛ ومع رؤيته لهذا، ارتعشت عيناه.
***
أما بالنسبة إلى سيسيليوس، فقد تجلّت له حقيقة أكبر مما يمكن أن يراها غيره.
‘آه، كم كان ذلك مزعجًا، كم كان مزعجًا بحق.‘ فكّر روان بينما كان يتلاشى.
من بين الذكريات الباهتة التي استُعيدت في ذهنه خلال المعركة، كانت الغالبية تدور حول حديث المساء الذي دار بينه وبين صديقه الذي صغّر “سيسيليوس ما قبل” إلى “سيسيليوس ما بعد”. ولكن، باستثناء تلك الأغلبية، فإن من تركت الأثر الأكبر في ذاكرته كانت هذه الفتاة.
طوال حياته، لم يتوقف عن السير، ومع ذلك، لم يتمكّن في النهاية من بلوغ “السيف السماوي”.
الساحرة: “إن تغيّرت هيئة الروح وطبيعتها، تبِعها المظهر الخارجي. والعكس صحيح كذلك، لكن… بأي مبدأ تمكنتَ من استيعاب ذلك من نظرة واحدة فقط؟ إجابة: مطلوبة.”
الوهج الأخير لروحه المحترقة لم يكن كافيًا لإضاءة الطريق الخفي المؤدي إلى قمة فن السيف. يا له من أمرٍ مؤلم، ويا له من إغراءٍ يقتل.
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
بهذا المعدل، سينتهي الأمر بسيسيليوس ليبلغ “السيف السماوي”.
روان: “آاااه… لقد أتى وقت مجدي العظيم، أخيرًا.”
أن يكون هو من يبلغه، لا روان نفسه ―― يا لها من سخريةٍ خبيثة من “إله السيف”. مرارة ويأس، حزن وندم؛ لو بدأ بالكلام، فلن يتمكن من تطهير رأسه من سيل تلك المشاعر السوداوية.
حدث ذلك في اللحظة ذاتها التي خطرت له فيها تلك الفكرة――
ومع ذلك――
ـــ كما هو متوقّع، أنا، المولود في هذا العالم ابنًا لروان، أمتلك ذلك بالفعل.
روان: “حسنًا… أفضل من أن يصل إليه شخصٌ آخر.”
ففي كل الأحوال، كان سيسيليوس يريد إزالة سوء الفهم من ذهن آل، وهو أن ما جرى كان مجرد ردّ على هجومٍ ارتكبه روان بعد أن دُمّر عقله بفعل تحوّله إلى ميّتٍ حيّ.
في تلك المبارزة الأخيرة، لو أن روان قد تفوّق على سيسيليوس، هل كان ليبلغ “السيف السماوي”؟
ضوء الشمس، نسيم الهواء، قطرات المطر، عبق العشب، وروان سيغمونت―― جميعها كانت بركاتٍ قد مُنحت لسيسيليوس.
لكنه لم يتفوّق عليه. وفي النهاية، لم يكن من المجدي التفكير في افتراضات لم تتحقق. روان لم يكن ليفكر في أشياء لا معنى لها. خاصةً وهو على وشك أن يتلاشى.
والحقيقة أن خطاه العجلى توقفت هنا، لم تكن محض مصادفة، بل لأن ذلك الهدف كان هنا―― لا، بل كان ذلك الهدف يسكن في شخص واحد فقط: سيسيليوس سيغمونت.
ما لا ينبغي فعله، لا ينبغي التفكير فيه. وبينما حاول صرف ذهنه إلى أمرٍ آخر، أدرك حقيقةً مفاجئة.
موقدًا ما تبقّى من حياته كوقود، أطلق روان أعظم ضربة سيفٍ في حياته، حيًّا وميتًا.
منذ اللحظة التي أصبح فيها واعيًا بالعالم من حوله، لم يكن له هدفٌ سوى السيف السماوي. في كل لحظة يقظة، في كل لحظة نوم، لم يحلم بشيء سوى الوصول إلى السيف السماوي. هذا ما شكّل الكيان المسمى “روان” طوال حياته.
كانت هذه نهاية كان كل من سيسيليوس وروان يعلمان مسبقًا أنها آتية لا محالة.
وما إن اقتنع روان بأنه لن يبلغ “السيف السماوي”، حتى لم يبقَ شيء ليفكر فيه.
سيسيليوس: “مبارزة شريفة――!!”
روان: “همم.”
“…أفترض أنه يمكنني اعتبار الأمور منتهية؟”
لأوّل مرّة منذ أن بدأ يشتاق إلى السيف السماوي، تخلى عنه.
كان سيسيليوس معروفًا، في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، بأنه لا يستطيع الاعتناء بأحد. وبما أنه جعل من الصعب جدًا تتبعه حتى هذه المرحلة، لم يكن هنالك من كان أكثر عبئًا من هذه الفتاة.
ذلك الإحساس لم يجلب لروان شعورًا بالتحرّر، بل تركه بشعورٍ بالخسارة، ونوعٍ من الضيق وعدم الارتياح. وسط ذلك الانزعاج الذي مسّ روحه، فكّر روان بهذا الأمر للمرة الأولى في حياته:
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
―― هل استطاعت شعلة روحي التي قضيت حياتي بأسرها في إشعالها، أن تصبح ولو شمعةً صغيرة تضيء طريق ابني؟
على الأرجح، كان روان سيغمونت يُعد أسوأ أب في العالم حتى وإن بحثت في مشارق الأرض ومغاربها. وقد وُلِد سيسيليوس في هذا العالم ابنًا لأب يفتقر تمامًا إلى الاحترام أو الحب العائلي، ومع ذلك فقد كان سيسيليوس يعتقد حقًّا من أعماق قلبه أنه محظوظ.
هكذا فكّر.
شخصيًّا، لم يكن سيسيليوس راغبًا في الافتراق عن آل وتركه وحيدًا.
***
وبكلماتٍ أخرى، كان عليه أن يردّ دَينه لـ آل.
لم يتبقَّ من روان سيغمونت سوى رمادٍ وغبارٍ يتلاشى.
منذ البداية، حين يتعلق الأمر بالنص، من المستحيل أن يؤدي أي شيء يفعله سيسيليوس بقناعة إلى نهاية سيئة.
لكن في أعماق روحه، كان سيسيليوس سيغمونت يعلم علم اليقين أن هذا يعني موت والده، دون أدنى شك.
ولذلك――
فرغم أن روان كان قد مات بالفعل كإنسان، إلا أنه ظلّ يسعى نحو السيف السماوي حتى بعد أن أُعيد كميّتٍ حيّ، وفي اللحظة التي كانت حياته فيها على شفا الاحتراق والانطفاء، كان سيسيليوس هو من قطع تلك الروح إلى نصفين.
سيسيليوس: “إن كان الأمر سينتهي بذلك النوع من النقاشات المعقدة والمملة، فلا تتردد في طرحه على أحد الحكماء عابسي الوجه في مكان لا أكون فيه. إجابتي كما تراها، يا آل-سان.”
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
إلى جانبه، خطا آل خطوة إلى الأمام.
أعاد سيف ماسايومي إلى غمده بعد أن أتم مهمته، ثم التفت سيسيليوس ونادى على آل.
والحقيقة أن خطاه العجلى توقفت هنا، لم تكن محض مصادفة، بل لأن ذلك الهدف كان هنا―― لا، بل كان ذلك الهدف يسكن في شخص واحد فقط: سيسيليوس سيغمونت.
لكن آل لم يردّ على ندائه. كان جاثيًا على إحدى ركبتيه، يُسند جسد آراكيّا بذراعه الوحيدة، بينما يهزّ رأسه يمينًا ويسارًا بضعف، ثم قال:
لوّح بيده بينما أضاف تلك الملاحظة عن حالة روان الذهنية.
آل: “كيف… كيف يمكنك أن تكون بهذه البرودة؟”
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
سيسيليوس: “وماذا تقصد بذلك؟”
طوال حياته، لم يتوقف عن السير، ومع ذلك، لم يتمكّن في النهاية من بلوغ “السيف السماوي”.
آل: “تعرف تمامًا ما أعنيه! قبل قليل، كان ذاك والدك، أليس كذلك؟! لقد كان على قيد الحياة آخر مرة رأيته فيها، لكنه الآن مات وأصبح أداة في يد العدو، هذا…!”
منذ ظهور الساحرة، لم ينطق آل بكلمة واحدة.
سيسيليوس: “انتظر، انتظر، مهلاا، آل-سان. يبدو أنك قد أسأت الفهم قليلًا، فدعني أوضح الأمر لك. والدي، صحيح أنه أصبح ميتًا، لكنه لم يتحوّل إلى أداة بيد أحد. السبب الذي دفعه لمهاجمتي لم يكن فقدانه لصوابه.”
لهذا، مُنِح سيف الأحلام اسم “تحقيق الحلم”، لأنه يجعل الأحلام واقعًا. وحتى لو أصبح سيفًا باهتًا وعديم النفع إذا امتلكه من لا يستحقه، إلا أنه ظلّ يُمتدح كسيفٍ مسحور قادر على شقّ العالم إلى نصفين.
آل: “ماذا…؟”
أراكيّا: “――――”
سيسيليوس: “آه، وبالمناسبة، عندما قلت «صوابه» فأنا أعني المعنى المتعارف عليه للكلمة، لذا من الممكن أن يكون والدي قد انفصل منذ وقت طويل عن نوع الصواب التقليدي. من هذه الناحية، لا شك في ذلك، لكن…”
ففي كل الأحوال، كان سيسيليوس يريد إزالة سوء الفهم من ذهن آل، وهو أن ما جرى كان مجرد ردّ على هجومٍ ارتكبه روان بعد أن دُمّر عقله بفعل تحوّله إلى ميّتٍ حيّ.
لوّح بيده بينما أضاف تلك الملاحظة عن حالة روان الذهنية.
قبل بضع ساعات، حين ودّع روان وهو لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس يرى فيه أي مؤشر على وصوله إلى هذا المستوى. أما الآن، وقد التقيا مجددًا، وروان قد أصبح ميتًا حيًّا، فإن مهارته بالسيف قد تطورت بسرعة مذهلة، وبدأت موهبته تتفتح بعد وفاته.
ففي كل الأحوال، كان سيسيليوس يريد إزالة سوء الفهم من ذهن آل، وهو أن ما جرى كان مجرد ردّ على هجومٍ ارتكبه روان بعد أن دُمّر عقله بفعل تحوّله إلى ميّتٍ حيّ.
سيسيليوس: “هاهاهاهاها! نعم، نعم، هذا صحيح! تلك كانت اللحظة الوحيدة التي كنت ستتمكن من هزيمتي فيها، أبي!”
سيسيليوس: “أشياء مثل أن يقتل الابن والده كانت تطوّرات جُويو في مسرحية «مقصلة ماغريزا» ―― ومع ذلك، ما حدث بيني وبين والدي كان شيئًا قد حدده القدر منذ وقتٍ بعيد.”
ومع ذلك――
آل: “حدده القدر…؟”
؟؟؟: “――لم يكن متوقّعًا أنك لم تسلبها حياتها. إعادة التقييم: مطلوبة.”
سيسيليوس: “نعم، ببساطة، لقد حان وقت تنفيذ ما كان مكتوبًا منذ البداية.”
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
كانت هذه نهاية كان كل من سيسيليوس وروان يعلمان مسبقًا أنها آتية لا محالة.
***
لذا، عندما عاد روان كميّتٍ حيّ، رغم أنهما قد افترقا حين كان لا يزال حيًّا، لم يكن سيسيليوس متفاجئًا كثيرًا. بالنسبة لروان، لم تكن هنالك أي أهمية لأي شيء خارج الوصول إلى السيف السماوي، لذا لم يكن غريبًا عليه أن يُضحي بحياته إن لزم الأمر وكأنها أمرٌ طبيعي تمامًا.
أن يكون هو من يبلغه، لا روان نفسه ―― يا لها من سخريةٍ خبيثة من “إله السيف”. مرارة ويأس، حزن وندم؛ لو بدأ بالكلام، فلن يتمكن من تطهير رأسه من سيل تلك المشاعر السوداوية.
لا أحد كان قادرًا على فهم روان―― لا أحد، سوى سيسيليوس.
سيسيليوس: “لا يمكن لأحلامي أو دوافعي أن تنفد أبدًا!َ”
كان والده، الذي كان بارعًا أيّما براعة في أن يكون مثالًا سيئًا، ليس وحشًا عصيّ الفهم. وهذا وحده كان دليلًا كافيًا على أن العلاقة بين سيغمونت وابنه كانت علاقةً صحية، وإن لم تكن تقليدية.
***
سيسيليوس: “أغلب الناس على الأرجح لن يرضوا عن العلاقة بيني وبين والدي، لكن――”
سيسيليوس: “لكن، هذا ليس السبب الوحيد اللي جعلك تحاول أن تبتعد عني، صحيح يا آل-سان؟”
بعكس روان، لم يكن سيسيليوس يرى كل شيء في هذا العالم تافهًا وعديم القيمة. ما دام المرء قادرًا على التمييز بين الهتاف والتشويش، فالعالم من حوله كان يعجّ بالبركات أينما نظر.
―― وفي تلك اللحظة، قامت الضربة المطلقة بتشويش الحدود بين الحلم والواقع وهي تشقّ طريقها.
ضوء الشمس، نسيم الهواء، قطرات المطر، عبق العشب، وروان سيغمونت―― جميعها كانت بركاتٍ قد مُنحت لسيسيليوس.
‘آه، كم كان ذلك مزعجًا، كم كان مزعجًا بحق.‘ فكّر روان بينما كان يتلاشى.
سيسيليوس: “والدي قال إني ابنٌ عاق، لكنّي لا أعتقد أن هناك ابنًا أكثر برًّا مني. فمجرد كونه والدي، فهذا وحده إنجازٌ عظيم، لأنه هو من جلبني إلى هذا العالم.”
على ما تبقّى من شارعٍ بالكاد يمكن تسميته طريقًا، وبناءً على طلب روان الذي ظهر هناك متّقدًا بنيران لا تنطفئ، ألقى سيسيليوس بأراكيّا قسرًا على عاتق آل.
بالطبع، لم يكن هذا النوع من الكلام ليواسي روان الذي فشل في تحقيق الأمنية التي طاردها طوال حياته.
ولأن السبب في نعته بـ “الابن العاق” كان كذلك، لم يكن لدى سيسيليوس أي حجّة أو عذر. وإن كان منذ البداية لا يملك أي نية لعيش حياة يحتاج فيها للاعتذار أو التبرير.
سيسيليوس: “هاهاهاهاها! نعم، نعم، هذا صحيح! تلك كانت اللحظة الوحيدة التي كنت ستتمكن من هزيمتي فيها، أبي!”
آل: “――――”
―― ذاك المبارز الذي نبذ كل شيء في سبيل بلوغ السيف السماوي، روان سيغمونت.
اقترب سيسيليوس من آل، الذي ظلّ صامتًا، وضمّ ذراعيه وأمال رأسه قليلًا بتفكّر.
وهذا هو السبب الذي جعل سيسيليوس سيغمونت هو سيّد سيف الأحلام.
فبعد هذا كله، بقيت مشكلة ما الذي يجب فعله تجاه أراكيّا. حتى لو حاول نقلها إلى مكانٍ آمن، فهل يوجد أصلاً مكانٌ آمن في العاصمة الإمبراطورية الآن؟
أمام الخاسر الذي تصرف بمنتهى اللاشرف، انفجر سيسيليوس ضاحكًا من أعماقه.
هل كانت هناك أي منطقة آمنة سوى بقرب سيسيليوس ذاته؟
آل: “――――”
سيسيليوس: “ومع ذلك، من الغريب بعض الشيء أن أظل أحمل آنيا في أثناء الركض… وإذا لم نعد قريبًا، فغروفي – سان سيبدأ بالصراخ علينا بالتأكيد. لقد ذهب ليوقف مُلقي تلك اللعنة، وبالمناسبة، هل تظن أن غروفي – سان سيكون راضيًا بعودتنا ومعنا سيف الأحلام بدلًا من سيف اللعنة؟”
الهيئة الصغيرة التي ظهرت خلف ألسنة اللهب المتراقصة، متّخذةً نفس وضعية القتال التي اتّخذها――
منذ البداية، لم تكن المواجهة مع أراكيّا شيئًا متوقّعًا.
بالطبع، لم يكن هذا النوع من الكلام ليواسي روان الذي فشل في تحقيق الأمنية التي طاردها طوال حياته.
فقد جاء سيسيليوس وآل إلى هنا بحثًا عن سيف اللعنة موراسامي، القادر على قطع اللعنات، ولكن للأسف، لم يُحقق هذا الهدف. وبحلول هذه اللحظة، كان من المفترض أن يكون غروفي منشغلًا في قتال مُطلق لعنة الأشواك الخطيرة.
فجأة، قاطع صوت طرفٍ ثالثٍ حديث سيسيليوس وآل.
سيسيليوس: “مؤقتًا، ما رأيك يا آل – سان؟ بينما تحاول بأقصى جهدك أن تحمل آنيا، سأقوم أنا بفتح الطريق أمامنا. لو تعاونا هكذا فـ…”
سيسيليوس: “أنتِ حقًا تعرفين كيف تثيرين الضجة، أنيا.”
آل: “――لا، لا يمكنني الموافقة على ذلك.”
لم ينجُ فقط من أن يتحوّل إلى رماد على حافة المعركة الحاسمة في الحصن، بل إن دوره كمساند حين رمى سلاحه في النهاية ليمنح سيسيليوس لحظة التألق، كان أيضًا بمثابة لحظة تألق له هو نفسه.
سيسيليوس: “آل-سان؟”
الساحرة: “لأكون صريحة، جئتُ هنا من أجل تنفيذ هدفي. لقد أنجزت أحد هدفيّ الرئيسيين. وبمجرد أن أحقق الآخر، أُخمّن أنني سأتمكن من التفرّغ تمامًا لغاية وجودي الأصلية: الخلق.”
رفض آل عرض سيسيليوس، وهو يهزّ رأسه نافيًا، ثم نهض من وضعيته الراكعة، وسلّم أراكيّا من جديد إلى سيسيليوس.
ولكن، لا أحد سوى سيسيليوس وحده كان ليقول――
أخذها سيسيليوس إلى ذراعيه بلا تردد، ثم تحدث آل بصوتٍ خافتٍ منخفض.
فإن كان لدى آل شخص يريد إنقاذه، فمن المنطقي أن يساعده سيسيليوس في تلك المهمة.
آل: “قلتُها من قبل. لدي شيءٌ يجب أن أفعله. ما حدث مع الآنسة الصغيرة أراكيّا كان مجرّد منعطفٍ غير متوقّع… أشعر بالسوء تجاه غروفي، بصراحة.”
تمامًا كما رأى صديقه الذي افترق عنه عند المغيب، كانت تلك صورة زائفة لا تُرى إلا لأنه قضى معها وقتًا طويلًا. وربما، ينبغي له أن يشدّ من عزيمته قليلًا، ويواجه تلك الذكريات التي ظلّ مترددًا في استرجاعها.
وجّه آل نظراته من خلال خوذته الفولاذية نحو سيف الأحلام المُعلّق على خصر سيسيليوس.
فرغم أن روان كان قد مات بالفعل كإنسان، إلا أنه ظلّ يسعى نحو السيف السماوي حتى بعد أن أُعيد كميّتٍ حيّ، وفي اللحظة التي كانت حياته فيها على شفا الاحتراق والانطفاء، كان سيسيليوس هو من قطع تلك الروح إلى نصفين.
آل: “حتى أنا أستطيع أن أشعر بقوة ذلك الكاتانا على خصرك. ربما يختلف عن السيف الذي أراده غروفي، لكن ابذل ما بوسعك به.”
هل كانت هناك أي منطقة آمنة سوى بقرب سيسيليوس ذاته؟
سيسيليوس: “إذاً، فآل – سان سيذهب في طريقه وحده. قد لا يحق لي قول هذا، لكن هل ستكون بخير وأنت تتجول وحيدًا بلا سلاح؟ الموت عبثًا سيكون أقصى ما يمكنك تحقيقه، أليس كذلك؟”
سيسيليوس: “أنتِ حقًا تعرفين كيف تثيرين الضجة، أنيا.”
آل: “――لن أموت عبثًا. هذا هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح بحدوثه أبدًا.”
ـــ فالرغبة التي كان يحملها روان تجاه “سيف السماوي”، كانت رغبة يحملها سيسيليوس أيضًا.
سيسيليوس: “حقًا… يبدو الأمر كذلك. أعتقد أنني بدأت أفهم، بطريقة أو بأخرى.”
ولأن السبب في نعته بـ “الابن العاق” كان كذلك، لم يكن لدى سيسيليوس أي حجّة أو عذر. وإن كان منذ البداية لا يملك أي نية لعيش حياة يحتاج فيها للاعتذار أو التبرير.
أومأ سيسيليوس موافقًا، وهو يسمع كلمات آل التي نطق بها بكل يقين.
سيسيليوس: “――――”
بعد أن سار معه جنبًا إلى جنب حتى هذه اللحظة، كان سيسيليوس يرى أن لآل صفةً خاصة مشابهة لما يمتلكه شوارتز من “الرؤية الحقيقية”. ومع تلك “الرؤية الحقيقية” القادرة على استشراف ما هو بعيدٌ جدًّا، لم يكن آل من النوع الذي يموت عبثًا، بكل تأكيد.
أراكيّا: “――――”
سيسيليوس: “لكن، هذا ليس السبب الوحيد اللي جعلك تحاول أن تبتعد عني، صحيح يا آل-سان؟”
وربما، ما كان من المبالغة في شيء أن يُقال إنها كانت أعظم عبء في الإمبراطورية كلها.
آل: “――――”
كانت النظرة المنبعثة من خلف خوذته الحديدية مشبعة بالوجل، باعثة على جوّ من التوتر والخوف، ولكن――
سيسيليوس: “يبدو أنك لم تكن راضياً أبدًا عن الطريقة التي أنهينا فيها الأمور أنا ووالدي. أيمكن أن آل-سان عنده مشاعر معيّنة بخصوص علاقة الأب بابنه؟”
آل: “هاه؟”
آل: “…ليس هناك علاقة لي بالموضوع.”
آل: “… طالما أنك راضٍ بعدم قتلها، فلن ألحّ عليك بشأن تلك الخاتمة.”
حتى وإن كان لا علاقة له بالموضوع، إلا أن نبرة آل دلّت بوضوح على أن شيئًا ما قد مسّ وترًا حسّاسًا داخله. أزاح سيسيليوس كتفيه بخفة، وضبط وضعية حمله لـ أراكيّا.
سيسيليوس: “آل – سان، آسف لأني فجأة أوكلت إليك أنيا. لا بد أن الأمر صعب بحكم أنك تستخدم ذراعًا واحدة فقط، لذا سأستعيدها الآن.”
شخصيًّا، لم يكن سيسيليوس راغبًا في الافتراق عن آل وتركه وحيدًا.
لكنه لم يتفوّق عليه. وفي النهاية، لم يكن من المجدي التفكير في افتراضات لم تتحقق. روان لم يكن ليفكر في أشياء لا معنى لها. خاصةً وهو على وشك أن يتلاشى.
جزء من هذا الشعور نابع من أنه يرى أنه من غير المثالي أن يكون منشغل اليدين بحمل أراكيّا، لكن الأهم من ذلك أنه كان مدينًا لـ آل. ــــ لقد كانت حقيقةً أن سيسيليوس اقترض قوة آل لكي يُنهي الأمور دون أن تموت أراكيّا.
فإن كان لدى آل شخص يريد إنقاذه، فمن المنطقي أن يساعده سيسيليوس في تلك المهمة.
وبكلماتٍ أخرى، كان عليه أن يردّ دَينه لـ آل.
في تلك المبارزة الأخيرة، لو أن روان قد تفوّق على سيسيليوس، هل كان ليبلغ “السيف السماوي”؟
فإن كان لدى آل شخص يريد إنقاذه، فمن المنطقي أن يساعده سيسيليوس في تلك المهمة.
بعد أن سار معه جنبًا إلى جنب حتى هذه اللحظة، كان سيسيليوس يرى أن لآل صفةً خاصة مشابهة لما يمتلكه شوارتز من “الرؤية الحقيقية”. ومع تلك “الرؤية الحقيقية” القادرة على استشراف ما هو بعيدٌ جدًّا، لم يكن آل من النوع الذي يموت عبثًا، بكل تأكيد.
وفي أسوأ الأحوال، يمكنه أن يطرحه أرضًا ويُعيده بالقوة إلى غروفي، ثم بعد أن يطحن المشكلة كلّها بضربة واحدة من سيف الأحلام، يذهب الجميع للقاء “الأميرة” التي يبحث عنها آل.
ورغم أنه لم يسمع الكلمات بصوتٍ مسموع، إلا أن المشاعر المتبادلة بين الأب والابن، اللذين يحبان المظاهر المبالغ بها، سمحت له بسماعها داخل روحه.
حدث ذلك في اللحظة ذاتها التي خطرت له فيها تلك الفكرة――
طوال حياته، لم يتوقف عن السير، ومع ذلك، لم يتمكّن في النهاية من بلوغ “السيف السماوي”.
؟؟؟: “――لم يكن متوقّعًا أنك لم تسلبها حياتها. إعادة التقييم: مطلوبة.”
سيسيليوس: “――――”
فجأة، قاطع صوت طرفٍ ثالثٍ حديث سيسيليوس وآل.
لم يكن في نيّة سيسيليوس السخرية أو استفزازها، بل كان فعلاً لا يعرف الجواب، ومع ذلك ابتسم.
كل من سمع الصوت التفت ناحيته، وضاق نظر سيسيليوس قليلًا―― صاحبة الصوت كانت تحلّق في الهواء، لا تقفز، بل تطفو ببساطة.
لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في معركة سيسيليوس، المعروف باسم البرق الأزرق، أحد أطرافها. ولكن هذه اللحظة لم تكن من صنع سيسيليوس وحده، بل كانت دليلًا على أن روان قد تجاوز حدود القدرة البشرية.
وللحظة، عند سماعه لتلك الطريقة المألوفة في الحديث، استعاد سيسيليوس في ذهنه صورة الساحرة التي قتلها ذات مرة، لكن من كانت هناك لم تكن تلك الساحرة نفسها――
وكأنه يتحدث عن شخص آخر بينما هي في الواقع قضيّته، رأى سيسيليوس ملامح أراكيّا في طفولتها تتراكب على وجهها النائم في أحضانه.
سيسيليوس: “――لا، أنتِ نفس الشخص. قد يكون شكلك من الخارج مختلف، لكنكِ من الداخل الشخص ذاته… همم؟ ربما أنتِ مختلفة قليلًا من الداخل أيضًا؟ هل يُمكن أن يكون شيء كهذا ممكنًا؟”
لماذا؟ لأي سبب؟ لأي غاية؟
الساحرة: “إن تغيّرت هيئة الروح وطبيعتها، تبِعها المظهر الخارجي. والعكس صحيح كذلك، لكن… بأي مبدأ تمكنتَ من استيعاب ذلك من نظرة واحدة فقط؟ إجابة: مطلوبة.”
سيسيليوس: “إن كان الأمر سينتهي بذلك النوع من النقاشات المعقدة والمملة، فلا تتردد في طرحه على أحد الحكماء عابسي الوجه في مكان لا أكون فيه. إجابتي كما تراها، يا آل-سان.”
سيسيليوس: “هاهاهاها، عند ذكرك، حتى أنا أتعجب كيف فهمت هذا الشيء!”
ورغم أنه لم يسمع الكلمات بصوتٍ مسموع، إلا أن المشاعر المتبادلة بين الأب والابن، اللذين يحبان المظاهر المبالغ بها، سمحت له بسماعها داخل روحه.
لم يكن في نيّة سيسيليوس السخرية أو استفزازها، بل كان فعلاً لا يعرف الجواب، ومع ذلك ابتسم.
بعد أن سار معه جنبًا إلى جنب حتى هذه اللحظة، كان سيسيليوس يرى أن لآل صفةً خاصة مشابهة لما يمتلكه شوارتز من “الرؤية الحقيقية”. ومع تلك “الرؤية الحقيقية” القادرة على استشراف ما هو بعيدٌ جدًّا، لم يكن آل من النوع الذي يموت عبثًا، بكل تأكيد.
لكن، ولسببٍ ما، كان يملك ثقة داخلية بأن ما يشعر به صحيح. بأن تلك المرأة التي تطفو فوقه في الهواء، بشعرها الأبيض المتطاير، هي نفس الكيان الذي كانت عليه تلك الساحرة.
ففي كل الأحوال، كان سيسيليوس يريد إزالة سوء الفهم من ذهن آل، وهو أن ما جرى كان مجرد ردّ على هجومٍ ارتكبه روان بعد أن دُمّر عقله بفعل تحوّله إلى ميّتٍ حيّ.
سيسيليوس: “لكن، لماذا أنتِ هنا؟ ألم تتعلمي الدرس حين قتلتكِ أول مرة وجئتِ الآن تطلبين… هوفوكو؟ أجد في الخصوم العنيدين عديمي الانكسار جاذبيةً لا تُقاوم، لكن…”
روان: “في المرة القادمة، في المرة القادمة―― أنا لست من النوع الذي يستسلم لمجرد أنه مات.”
الساحرة: “لأكون صريحة، جئتُ هنا من أجل تنفيذ هدفي. لقد أنجزت أحد هدفيّ الرئيسيين. وبمجرد أن أحقق الآخر، أُخمّن أنني سأتمكن من التفرّغ تمامًا لغاية وجودي الأصلية: الخلق.”
سيسيليوس: “آل-سان؟”
سيسيليوس: “هوهو، فهمت! في الواقع، لم أفهم شيئاً!”
؟؟؟:
الساحرة: “كنت أظن أنني شرحتُ الأمر باختصار. شرح: مطلوب.”
من خلف سيسيليوس، الذي كان يحمل أراكيّا، ناداه صوت يحمل نبرة توتر خفيفة.
سيسيليوس: “حسنًا، ماذا لو أعطيتك أنا أيضًا إجابة بسيطة، قصيرة بشكل غير معتاد، وواضحة تمامًا بما يخصني! ――إذا أتيتِ لمكاني هذا لتحقيق هدفك، فالغالب أنكِ لن تستطيعي تحققيه.”
آل: “تعرف تمامًا ما أعنيه! قبل قليل، كان ذاك والدك، أليس كذلك؟! لقد كان على قيد الحياة آخر مرة رأيته فيها، لكنه الآن مات وأصبح أداة في يد العدو، هذا…!”
كانت إجابة صريحة، بسيطة، واضحة بشكل لا يُضاهى من حيث سهولة الفهم.
؟؟؟: “――لم يكن متوقّعًا أنك لم تسلبها حياتها. إعادة التقييم: مطلوبة.”
وبعد أن سمعت ذلك الرد، ضاقت عينا الساحرة البيضاء ذات الرموش الطويلة، ثم أومأت برأسها.
أحد الأرواح الأربعة العظمى، وهو الروح العظيم الذي يُغذّي أراضي إمبراطورية فولاكيا الواسعة.
ثم――
ولذلك――
الساحرة: “آه، أحقًا؟ في هذه الحالة، إجابتي بسيطة. لا يمكنك قتلي.”
سيسيليوس: “――――”
سيسيليوس: “――――”
روان: “―― فلنخض معركتنا…”
الساحرة: “لقد أدركت ما يمكنه قتلي داخل هذه الإمبراطورية. ولن أقترب من أيٍّ منهم على الإطلاق. ومن الآن فصاعدًا، لا أحد يمكنه قتلي.”
ولذلك――
تكلمت الساحرة بنبرة خالية من المشاعر، ورفعت كلتا يديها نحو السماء.
اقترب سيسيليوس من آل، الذي ظلّ صامتًا، وضمّ ذراعيه وأمال رأسه قليلًا بتفكّر.
في تلك اللحظة، شعر سيسيليوس بإحساس غريب وكأن الهواء والفراغ المحيطين بالساحرة قد انحرفا عن طبيعتهما.
بالطبع، كان سيسيليوس مدركًا لمخاوف “آل”. المسألة كانت ما إن كان الخطر الناتج عن إبقاء أراكيّا على قيد الحياة يستحق التضحية بالشعور بالأمان الذي سيأتي بقتلها. لكن――
إلى جانبه، خطا آل خطوة إلى الأمام.
ثم――
منذ ظهور الساحرة، لم ينطق آل بكلمة واحدة.
سيسيليوس: “مؤقتًا، ما رأيك يا آل – سان؟ بينما تحاول بأقصى جهدك أن تحمل آنيا، سأقوم أنا بفتح الطريق أمامنا. لو تعاونا هكذا فـ…”
كان يحدّق في الساحرة التي ما زالت تشع بهالة كئيبة غريبة، ثم فجأة مدّ ذراعه الوحيدة إلى جانبه بشكل مستقيم―― وفي اللحظة التالية، ارتفعت الأرض المنصهرة من تحتهم، مشكلة داو حجري غير منتظم الشكل، فأمسكه آل بيده الممتدة.
―― متحديًا السيف السماوي، اشتعل بريق اللحظة العابرة لروان سيغمونت بسطوعٍ فائق.
رفع آل الـ داو الحجري فوق رأسه، ثم اهتزّ صوته نحو الساحرة――
―― متحديًا السيف السماوي، اشتعل بريق اللحظة العابرة لروان سيغمونت بسطوعٍ فائق.
الساحرة: “أنا ساحرة الجشع――”
حتى النهاية، حتى آخر رمق، دون أن يترك خلفه كلمةً واحدة تليق بالأبوة، احترق جسده، واحترقت روحه، وتحولت إلى رماد.
آل: “―― إيكيدنــــــــــــا!!”
مقارنةً بالمعركة الحاسمة التي جرت عند المعقل بين سيسيليوس وآراكيّا قبل لحظات، كانت هذه المواجهة هادئة إلى حدٍّ كبير.
بصوتٍ مشحون بالغضب الصافي، أشبه بمن يتقيأ دمه، فقد آل نفسه وهو يندفع بسيفه ليهاجمها.
ذلك الإحساس لم يجلب لروان شعورًا بالتحرّر، بل تركه بشعورٍ بالخسارة، ونوعٍ من الضيق وعدم الارتياح. وسط ذلك الانزعاج الذي مسّ روحه، فكّر روان بهذا الأمر للمرة الأولى في حياته:

سيسيليوس: “مؤقتًا، ما رأيك يا آل – سان؟ بينما تحاول بأقصى جهدك أن تحمل آنيا، سأقوم أنا بفتح الطريق أمامنا. لو تعاونا هكذا فـ…”
روان: “――――”
