Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 35

41.35

41.35

حين عادت ريم إلى قصر روزوال، لم تشعر مطلقًا بأي إحساسٍ بأنها «عادت إلى منزلها».

شهقت دون أن تجرؤ على الالتفات، فقد كانت ذراعا أحدهم تعانقانها من الخلف بإحكام. وبينما غمرها ذلك الإحساس، امتلأ قلبها وعقلها بهاجسٍ واحدٍ: أن تلتفت نحو من يحتضنها.

???: [ريم، أترين ذلك؟ ذاك هو القصر العائد إلى روزوال-ساما، المكان الذي تعمل فيه رام والآخرون.]

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

ريم: [مكانُ عملِنا…]

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تُضفي على المشهد من خلال نافذة عربة التنانين، أشارت رام إلى القصر الماثل في الأفق، فرفرفت جفون ريم، وتقلّبت نظرات عينيها الزرقاوين الفاتحتين على وقع كلمات أختها الكبرى.

وهكذا، اجتاحها سيلٌ من الصور الحيّة، كشررٍ متطايرٍ من شدّة وقعها عليها.

كانتا قد شاركتا العربة في طريقهما إلى المدينة الصناعية كوستول، والآن بعد أن استقلّتا عربةً أخرى أُعدّت لرحلة العودة، بدا لهما ما تلوح لهما أعينهما هو «المنزل» الغائب عن الذاكرة.

لم تسألها رام عن شيء، ولكنها جعلتها تشعر برغبةٍ في السؤال.

بوابة شامخة، ومن ورائها قصر فخم. قصر روزوال، الفاره في زخرفته، حتى أكثر من قصر بيرستتز الذي أقامتا فيه مع كاتيا في عاصمة إمبراطورية فولاكيا، بناءٌ متفرّد الأناقة، يستحيل نسيانه بعد نظرة واحدة.

ريم: [كلا، لا أظن أن هذا يستحقّ المدح منكِ، يا أختي الكبرى…]

ومع ذلك――

وفي أن ريوزو وأخواتها وكذلك أولئك الخادمات الصغيرات قد عبثت أيدي القدر بحياتهنّ، فكّرت ريم في أنّهنّ جميعًا يشبهنها هي أيضًا.

رام: [ها؟]

رام: [رام تتفهّم شكّك تمامًا. لكن بعد أن رأت باروسو يُحضّر لها قطعة قماشٍ وزيتًا خاصّين، ويُلمّعها كلّ يوم، باتت تعتقد أنّها بقيت لوقتٍ طويلٍ بما يكفي لتكون أكثر من مزحةٍ سخيفة.]

ريم: […أعتذر، يا أختي الكبرى.]

فجأة، اتّسعت عينا ريم التي كانت في بؤرة الأنظار حين رأت بيترا الصامتة. استدارت إميليا والآخرون بدورهم نحو بيترا عند ملاحظة ردّة فعلها، فدهشوا جميعًا من حالها.

هزّت ريم رأسها في خفوتٍ وقد غاب عنها الحماس، معتذرةً لعدم قدرتها على مجاراة توقعات أختها.

في اللحظة التي أظهرت فيها ريم طيبة قلبها ولم تتجنّبها، ارتمت بيترا في أحضانها بقوّةٍ تعانق جسدها النحيل. رمشت ريم بعينيها، ثمّ بادلت العناق لبيترا التي كانت تتشبّث بها رافضةً أن تفلتها.

كانت رحلتها هذه قد خلت من سوبارو وإميليا والآخرين الذين سلكوا طرقًا مختلفة لأهداف مختلفة، فعادت مع رام وحدها إلى القصر. كانت تأمل أن تثير الرحلة ذكرياتٍ مفقودة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

ريم: [أنها أيضًا… أختي الصغرى؟]

ويبدو أن القصر نفسه لم يكن استثناءً من هذا، رغم أنه المكان الأثمن في حياتي ريم ورام.

رام: [هاكِ، فلا بدّ أنك عطشى بعد كل ما خضعتِ له من أسئلة ريوزو-ساما وسلفي.]

رام: [أرى. لا بأس، فذلك لا يُلام عليه أحد. لقد مضى وقتٌ طويل منذ عملنا في هذا القصر، والقصر الذي تحملين له ذكرى عزيزة ليس هذا الذي أمامنا.]

تجمّدت أجسادهم جميعًا في أماكنهم، مبهوتةً بأعينٍ متّسعة. لم تكن بيترا وحدها، بل ميلي وإميليا أيضًا أصابهم الذهول ذاته عند رؤيتها.

ريم: [هاه…؟]

كانت رحلتها هذه قد خلت من سوبارو وإميليا والآخرين الذين سلكوا طرقًا مختلفة لأهداف مختلفة، فعادت مع رام وحدها إلى القصر. كانت تأمل أن تثير الرحلة ذكرياتٍ مفقودة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

رام: [على كل حال، القصر السابق أُحرق بالكامل على يد أوتو الغاضب، فلم يعُد له وجود. كنت لأفكر في زيارته لو لم يصبح رمادًا.]

رام: [بالفعل. رام شخصيًّا لا تبالي مطلقًا بانحدار سمعة باروسو في نظر ريم إلى الحضيض، لكن ما يزعجها هو أن تُسرق منها الفَضيلة.]

ريم: [أوتو-سان هو من فعل ذلك…؟ لم يكن يبدو كشخصٍ قد يقوم بمثل هذا.]

رام: [ريم…]

اتسعت عينا ريم دهشةً من هذا الخبر المفاجئ، بل ومن الصورة الجديدة لأوتو كما روَتها رام.

ريم: [――――]

فأوتو، وزير الشؤون الداخلية في الفريق، كان لطيف المعشر، صديقًا ملازمًا لسوبارو، ورجلًا لا يعرف النوم، بحسب ما قالته بيترا وفريدريكا. لذا بدا خبر إشعاله القصر غضبًا منافيًا لصورته تلك.

كانت ذراعا رام المرتجفتان وصوتها المتهدّج بعيدان كلّ البعد عن صورة رام التي عرفتها ريم طوال حياتها.

وربما، كما يُقال، إنّ المظاهر خداعة، وعليها أن تقبل ذلك الآن.

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

ريم: [إذن، أصدقاء إميليا-سان جميعهم من هذا النوع؟ مثل غارفيل، وروزوال-سان أيضًا…]

جلست رام بدورها بصمتٍ إلى جوار ريم فوق السرير. نظرت إليها بعينيها القرمزيتين المليئتين بالعطف، فأغمضت ريم عينيها وهزّت رأسها بخفة.

رام: [قولي «روزوال-ساما».]

رام: [نعم. هذا ما بدأ باروسو بمناداته به، ومع الوقت التصق الاسم به… ويبدو أنّه أيضًا شيءٌ كانت ريم تعتزّ به.]

ريم: […روزوال-ساما أيضًا.]

غير أنّ ذلك لم يحرّك ذكرياتها، ولم يُحدث النتيجة المنشودة.

رام: [أحسنتِ. لكن تشبيه روزوال-ساما بهؤلاء الثلاثة خطأ فادح، ريم. روزوال-ساما رجلٌ حكيمٌ ماهر، يُقال إنه أعظم ساحرٍ في هذا العالم. وبالمقارنة به، أولئك الثلاثة مجتمعين لا يعادلون شخصًا كاملًا… بل نصف شخص.]

في اللحظة التي أظهرت فيها ريم طيبة قلبها ولم تتجنّبها، ارتمت بيترا في أحضانها بقوّةٍ تعانق جسدها النحيل. رمشت ريم بعينيها، ثمّ بادلت العناق لبيترا التي كانت تتشبّث بها رافضةً أن تفلتها.

ريم: [نصف شخص بثلاثة معًا…]

تفادت ذراعي إميليا الممدودتين لتحتضنها، وتجنّبت ميلي التي حاولت الإمساك بكمّها، وانزلقت تحت قدمي روم-جي الذي فوجئ بالموقف، بحركةٍ رشيقةٍ سريعة―― لترتمي أخيرًا في حضن ريم، التي كانت تحدّق بها بعينين متّسعتين.

تخيّلت ريم أوتو وغارفيل ثم سوبارو، الواحد فوق كتفي الآخر، بينما يقف روزوال، القادر على الطيران بسحره، إلى جانبهم. وحتى دون أن تدرك تمامًا ما الذي يفصل بينهم، شعرت أن رام لم تكن مخطئة.

لن تعترف رام بصوتٍ عالٍ، لكن لا شكّ أنّها قد أودعت حتى في نكهة هذا الشاي شيئًا من أملها.

ورغم غياب ذكرياتها، إلا أن الثقة والمودّة التي شعرت بها تجاه رام، أختها التوأم، كانت شعورًا حقيقيًّا لا شكّ فيه.

ومع ذلك――

――فذلك هو الخيط الأكيد الذي يربط بين ريم الماضي وريم الحاضر.

――لم يكن الزمن الذي أمضته بيترا مع ريم، بصفتها “بيترا”، طويلًا في الواقع.

ريم: […هذا النوع من التفكير، سيُغضب بريسيلا-سان.]

؟؟؟: [تلك الصرخة أدهشتني، لكني أفهم السبب. لا شك أنّ أيّ شخص سيُصاب بالدهشة عند رؤية ريوزو-ساما وشقيقاتها، بيكو-ساما والبقية.]

راودتها مشاعر مُرّة، وتذكّرت نظرات تلك المرأة ذات العينين الحمراوين كالجمر.

كلمات سيلفي كانت صائبة. ――وبينما تقترب ريم من هذا اليقين، تراءت في ذهنها بوضوح صورة سوبارو، فشدّت شفتيها في صمت.

تلك التي تركت أثرًا عميقًا في طريقة تفكيرها وسيرها، ما كانت لترضى أن تراها مقيّدة بالماضي أو مستسلمة لمديح الآخرين.

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

لم ترغب ريم أن تثير سخط بريسيلا، ولا أن تسلك طريقًا مخزيًا في حياتها.

ريم: [ـــــــ]

ولذلك، وبّخت نفسها على تشاؤمها، وصفعت خديها، ورفعت رأسها عاليًا.

سلفي: [ولِمَ تشفقين عليّ؟ على العكس، أنا أفرح بالحرية التي لم أملكها من قبل.]

ريم: [لكن يا أختي، إن كان الأمر كذلك، فمعنى ذلك أننا حتى بعد عودتنا إلى القصر، لن نجد سبيلًا كثيرًا لاستعادة ذاكرتي، أليس كذلك؟]

رام: [إنها أفضل نكتةٍ استطاعت ابتكارها، فضحكي لها تكرّمًا.]

رام: [ههه، فهمٌ سريع. أختٌ صغيرة ذكية تُبهج رام فعلًا.]

لا تزال على الأرض، وضعت يدها المرتجفة على خدّها تتحسّس وجودها.

ريم: [كلا، لا أظن أن هذا يستحقّ المدح منكِ، يا أختي الكبرى…]

رام: [أتضعينهم جميعًا في كفّةٍ واحدة؟ حتى أنتِ يا ريوزو-ساما، هناك أشياء يَجوز لكِ فعلها وأخرى لا.]

رام: [ولكن، أتعلمين من هي الأخت الكبرى التي تقف أمامك؟ أتظنين أن رام، أخت ريم، يمكن أن تُغفل مثل هذا الأمر؟]

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

وضعت رام يدها على صدرها وقالت بثقةٍ متناهية، مما جعل ريم تخجل من قلقها المفرط. لقد توقّعت رام كل ذلك من دون أن تحتاج ريم إلى البوح به.

رام: [ههه، فهمٌ سريع. أختٌ صغيرة ذكية تُبهج رام فعلًا.]

وما أثار فضول ريم بعد ذلك، هو ما كانت رام تخطّط له――

ريم: [لذيذ…!]

ريم: [إن كنّا نعود إلى القصر، وليس ذلك هو الهدف الحقيقي، فهل الهدف إذن شخصٌ ما؟]

ريم: […هذا النوع من التفكير، سيُغضب بريسيلا-سان.]

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

ابتسمت رام لِحَدْسِ أختها، وفي تلك اللحظة تقريبًا توقفت عربة التنانين.

ريم: [ني-ساما، هذا الزيّ…]

تأرجحت ريم قليلًا وهي تستشعر اهتزاز العربة بعد أن كفّت حماية «تجنّب الرياح» عن عملها، بينما نهضت رام في أناقة ومدّت يدها نحوها.

وبحسب التوقّع، صرخت ريم بأعلى صوتها، بلا تردّدٍ ولا كبحٍ، وقد غمرها الذعر تمامًا.

رام: [حسنًا، لقد وصلنا. هيا بنا.]

ريم: [أنا؟ أعتزّ بتلك الكرة؟!]

ريم: [نعم، يا أختي الكبرى.]

كان ضوء الشمس يتسلّل من بين الأشجار ليملأ الغرفة بنورٍ لطيفٍ دافئ، يسودها جوٌّ حنونٌ مشبعٌ بالسكينة، وفي زاويةٍ منها كان موضوعًا غرضٌ غريب―― كرةٌ حديديةٌ مغطاةٌ بالمسامير، مربوطةٌ بسلسلةٍ معدنية، جذبت أنظارها.

أمسكت ريم بيد رام، تكتم اضطراب قلبها، وترجلت من العربة.

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

وفيما كانت رام تتحدث إلى السائق الذي رافقهما حتى الآن، خطت ريم خطوةً إلى الأمام ونظرت عبر قضبان البوابة الحديدية إلى القصر وحديقته الأمامية الهادئة.

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

ريم: [هذا المكان هو…]

اتسعت عينا ريم عند سماع صوت رام الذي تملأه محبّةٌ عظيمة، محبّةٌ كبيرةٌ لدرجة الألم. حرّرت نفسها من التردّد، واستدارت نحو رام وهي تعانقها بشدّة.

ضيّقت ريم عينيها الزرقاوين وهي تتأمل القصر الذي لم يحمل إلى ذهنها أي ذكرى.

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

ومع ذلك، أدركت من النظافة البالغة والعناية في تنسيق البناء وأحواض الزهور والشجيرات، أنّ كل ركنٍ من أركان القصر يدار بعنايةٍ دقيقة، مما جعلها تنتصب وقارًا دون وعيٍ منها.

سلفي: [أجل، لا شكّ في ذلك. لقد اقتنعتُ تمامًا.]

فبغضّ النظر عن ذاكرتها، إذا كانت ستقيم في هذا القصر من الآن فصاعدًا، فمكانها سيكون بلا شكّ خادمةً مثل رام وفريدريكا.

إميليا: [ــــ نعم، شكرًا لك. هناك الكثير ممّا أودّ قوله، ولكن…]

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

رام: [أهكذا هو؟ إذن تفضّلي.]

للحظةٍ، خُيِّل إليها أن الصوت صوت سوبارو، لكنها أبعدت هذا الخاطر المُدلّل بقوة.

لكن، وماذا في ذلك؟ هذا كلّ ما في الأمر.

فمهما يكن، كان سوبارو في تلك اللحظة منشغلًا بشيءٍ آخر تمامًا، يسعى فيه إلى مواساة قلبٍ جُرح بفقدان بريسيلا――

ريم: [ـــــــ]

???: [――أوه؟ أوه، أوااه، أواااه!]

تأرجحت ريم قليلًا وهي تستشعر اهتزاز العربة بعد أن كفّت حماية «تجنّب الرياح» عن عملها، بينما نهضت رام في أناقة ومدّت يدها نحوها.

سمعت فجأةً صرخةً عالية، فتراجعت إلى الخلف مذعورة وهي تقول «آه!».

ريوزو: [حتى فريدريكا دائمًا تقول إنّ شايها لا نظير له.]

أتت الصرخة من وراء القضبان، أي من داخل أسوار القصر نفسه. وهناك―― كانت تقف فتاة صغيرة، قبضتاها تمسكان بالقضبان، وعيناها متسعتان على اتساعهما.

انفكت مزاليج الباب، وانفتح الممر المؤدي إلى الداخل، وكان من يُحرّكه عددٌ من الأشخاص استجابوا لنداء ريوزو، لكلٍّ منهم شعرٌ وحُليٌّ تختلف بحسب ذوقه، لكنّهم جميعًا يحملون الوجه نفسه الذي تحمله ريوزو.

مظهرها لطيف، شعرها طويل ورديّ اللون، ويبدو عمرها بين الحادية عشرة والثانية عشرة، ترتدي ثوبًا أسود يغطي جسدها كله ما عدا رأسها، تحدّق بثباتٍ نحو ريم.

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

ريم تتذكر هذه الفتاة―― من دوّامة الكارثة في الإمبراطورية.

تنفّست ريوزو تنهيدةً ثقيلة، بينما أخرجت رام لسانها قليلًا كمن انتصر في مزحة.

ريم: [أنتِ… أنتِ الساحرة التي جلبت الكارثة العظمى!]

ريم: [أنـا… ريم…؟]

رام: [آه، ريوزو-ساما، شكرًا على الاستقبال.]

لِتملأ عقلها ووجدانها، وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم ترد سوى أن تبقى إلى جانب رام هكذا.

ارتجفت ريم رعبًا، بينما أشارت تلك الفتاة ــ صاحبة الكارثة ــ نحوها بإصبعها.

أمسكت ريم بيد رام، تكتم اضطراب قلبها، وترجلت من العربة.

لكن رام، غير مبالية، تقدّمت بخطواتٍ واثقة وخاطبت الفتاة، فالتفتت ريم نحوها بدهشة، فيما عبست الفتاة وردّت بانزعاج:

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

ريوزو: [رام! عدتِ إلى البيت. عدتِ لكنك… سريعةٌ جدًا!]

ريم: [ريم تفهم، كلّ شيء. كم انكسر قلب أختي الكبرى لأجلها، وكم من تضحياتٍ فادحةٍ قدّمتِها لتكوني معي حتى اليوم. و…]

رام: […أتطلبين مني أن أحملكِ مثلما يفعل غارف أو فريدريكا، ريوزو-ساما؟]

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

ريوزو: [ليس هذا ما أعنيه! على أي حال، تلك الفتاة هناك…]

ومهما يكن، فقد كانت شكوك ريم بشأن باروسو في مسألة الأزياء في غير محلّها.

ريم: [يا أختي، من تكون هذه؟]

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

كانت الساحرة التي تسببت في دمار الإمبراطورية تُدعى سفينكس.

ولهذا بالذات――

لكن رام نادت الفتاة أمامهما باسمٍ آخر―― «ريوزو». وبينما كانت ريوزو تُعيد نظرها نحوها، تبادلت ريم مع رام نظرة حيرة.

رام: [ريم…]

ثم وضعت رام يدها برفقٍ على كتف ريم وقالت:

رام: [إن كان الأمر كذلك، فلتؤمن رام بما تشاء. دون أن تخشى ما قد يظنّه الآخرون.]

رام: [قدّمي نفسكِ لها من فضلك.]

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

ريم: [――――]

بعد أن أنهت تعديل زيّ رام في لحظة، تحدّثت سلفي عن مكان عملها السابق―― أو لعلّه كان أقرب إلى “بيئة” لا “مكانًا”. ومن كلماتها وتصرفاتها يمكن تبيّن مدى قسوة تلك الحياة، ما جعل ريم تشعر تجاهها بتعاطفٍ عميق.

وعلى الرغم من غياب أي تفسير، فإن نبرة رام الهادئة بعثت السكينة في قلب ريم المضطرب. انحلّ اضطرابها تدريجيًّا، ثم التفتت إلى ريوزو بثبات.

ريم: [لكن يا أختي، إن كان الأمر كذلك، فمعنى ذلك أننا حتى بعد عودتنا إلى القصر، لن نجد سبيلًا كثيرًا لاستعادة ذاكرتي، أليس كذلك؟]

التقطت أنفاسها، ونظرت مباشرةً في عيني محاورتها وقالت:

فمهما يكن، كان سوبارو في تلك اللحظة منشغلًا بشيءٍ آخر تمامًا، يسعى فيه إلى مواساة قلبٍ جُرح بفقدان بريسيلا――

ريم: [――أنا ريم. هل لي أن أفترض أنكِ… ريوزو-سان؟]

ريم: [يا أختي، من تكون هذه؟]

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

كان ذلك في حدّ ذاته أمرًا جيّدًا. لا مشكلة فيه. لكن المشكلة كانت فيما وراء البوابة المفتوحة.

قدّمت ريم اسمها وسألت عن اسم الفتاة، فأجابتها الأخيرة بعد أن لمعت عيناها لحظةً بوميضٍ بعيد ثم أومأت بلطف.

ريوزو: [حين تخفين خجلك تتحوّلين إلى طور الهجوم، لذا لا بأس بي، لكن ليتك تراعي مشاعر الصغيرجم الصبح غار بعض الشيء. والآن…]

ومن خلال ردّها وسلوك رام، وكونها داخل حدود قصر روزوال، أدركت ريم أخيرًا أن الفتاة أمامها ليست هي الساحرة نفسها التي عاثت خرابًا في الإمبراطورية.

رام: [إنها أفضل نكتةٍ استطاعت ابتكارها، فضحكي لها تكرّمًا.]

ريم: [لكن الشَّبه بينكما كبيرٌ جدًّا…]

ريوزو: [في هذه الحالة، يمكن الخلط بينها وبين الأب أو الأم، حسب الظرف، وبذلك تبقى احتمالية أن تكون أختًا بالدم لشخصٍ مهم. لا أظن أنّ هذا ردٌّ دقيق تمامًا.]

رام: [صحيح. يُقال إن في هذا العالم ثلاثة أشخاص على الأقل يشبهونك في الوجه، لكن في حالة ريوزو-ساما، فعدد الشبيهات عشرة أضعاف ذلك. وكذلك فظاظتها عشرة أضعاف.] [1]

هزّت ريم رأسها في خفوتٍ وقد غاب عنها الحماس، معتذرةً لعدم قدرتها على مجاراة توقعات أختها.

ريوزو: [يا لكِ من لئيمة! أتقولين ذلك في لحظةٍ يفترض أن تكون مؤثرةً ومليئةً بالعاطفة؟]

وقعت على مؤخرتها، والدوار يدوّخ رأسها، والعالم يدور من حولها.

اعتذرت ريم وهي تلمّح إلى سبب الالتباس، بينما زفرت ريوزو منزعجة من رد رام.

ريم: [――أنا ريم. هل لي أن أفترض أنكِ… ريوزو-سان؟]

ومن حديثهما بدا أن العلاقة بينهما ودّيةٌ للغاية. ومن تصرّف ريوزو، بدا أنها كانت على معرفةٍ وثيقةٍ بالريم التي كانت في الماضي.

ريم: [ــــ آه.]

ريم: [أرجوكِ سامحيني. لكنني… لا أتذكر شيئًا.]

وبالنظر إلى ضخامة القصر، كانت الغرفة المخصّصة لخادمة مثل ريم لائقةً ومناسبة، لكنها بسيطة بلا تكلّف.

ريوزو: [لا بأس، لا بأس. لا داعي للاعتذار. أنا――]

عادت إليها بصرها وسمعها وشمّها وذوقها ولمسها، كلّها في مواضعها الصحيحة، تخبرها بطريقة العيش مجددًا.

رام: [――أخت رام الصغرى. فشعرها له اللون نفسه مثل رام.]

رام: [هاه.]

ريم: [ه… هذا صحيح…! لكن، إن كانت أختكِ الصغرى، فذلك يعني…]

كانت الساحرة التي تسببت في دمار الإمبراطورية تُدعى سفينكس.

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

اتسعت عينا ريم دهشةً من هذا الخبر المفاجئ، بل ومن الصورة الجديدة لأوتو كما روَتها رام.

لكن بما أن رام وريم توأمتان، فلا بدّ أن تكون العلاقة بين ريم وريوزو أيضًا――

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

ريم: [أنها أيضًا… أختي الصغرى؟]

ريم: […روزوال-ساما أيضًا.]

ريوزو: [كُفّي عن الثرثرة يا رام! هذا ما أقوله بالضبط! هذه هي الآثار السيئة لالصغير روس والصغير سو!]

لا تزال على الأرض، وضعت يدها المرتجفة على خدّها تتحسّس وجودها.

رام: [أتضعينهم جميعًا في كفّةٍ واحدة؟ حتى أنتِ يا ريوزو-ساما، هناك أشياء يَجوز لكِ فعلها وأخرى لا.]

ريوزو: [لا بأس، لا بأس. لا داعي للاعتذار. أنا――]

ريوزو: [ليس من اللائق أن تقولي هذا بنبرةٍ كهذه!]

سيلفي: [بلى… عذرًا. كنتُ قليلة التبصّر.]

ارتفع حاجباها فوق وجهها اللطيف وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ، فيما عقدت رام حاجبيها بدورها. وبينما كانت ريم تتابع الجدال بين الاثنتين، أدركت أخيرًا أنّ رام كانت تمزح.

كما لو أنّ بطاقةً مقلوبة كُشف وجهها فجأة، استبدلت بيترا سوء فهمها إدراكًا صافيًا، وبدأت تفهم الحقيقة.

ريم: [الآن وقد فكّرتُ في الأمر، سيكون من الغريب حقًّا أن تخاطب ني-ساما ريوزو-سان بلقب (ساما) إن كانت أختنا الصغرى أنا وهي.]

ريم: [هذا…]

ريوزو: [في هذه الحالة، يمكن الخلط بينها وبين الأب أو الأم، حسب الظرف، وبذلك تبقى احتمالية أن تكون أختًا بالدم لشخصٍ مهم. لا أظن أنّ هذا ردٌّ دقيق تمامًا.]

ريم: [ه… هذا صحيح…! لكن، إن كانت أختكِ الصغرى، فذلك يعني…]

ريم: [هذا صحيح أيضًا… إذن، هل أنتِ حقًّا أختي وأخت ني-ساما؟]

رفعت ريم وجهها فجأة نحو مدخل الصالون، حيث وقفت رام، التي كانت قد افترقت عنها قليلًا لتقضي بعض الشؤون.

ريوزو: [كلا. لا تخلطي الأمر بمزحةٍ سخيفة من رام. يا لها من وجع رأس.]

ريم: [――أنا ريم. هل لي أن أفترض أنكِ… ريوزو-سان؟]

تنفّست ريوزو تنهيدةً ثقيلة، بينما أخرجت رام لسانها قليلًا كمن انتصر في مزحة.

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

ويبدو أنّها قد تمكّنت من خداعها بمهارة، ولكن حين تذكّرت ريم رحلتهما إلى هذا المكان، وجدت أنّ رام كانت دائمًا ما تُحيّرها بمزاحها، وفي ذلك نوعٌ من الطرافة والراحة.

△▼△▼△▼△

فبالنسبة لريم، التي كانت تغرق في الحزن لأتفه الأسباب، كانت طريقة رام المفعمة بالثقة والفكاهة أشبه بحرارة الشمس التي تمنح الدفء.

ريوزو: [إلى أين اختفى ذلك الثقة من حديثك فجأة؟]

ريم: [أظنّ أن ني-ساما إنسانة رائعة… حتى في مزاحها.]

△▼△▼△▼△

ريوزو: [بحسب ما جاء في بريد الطيور، لم يمضِ على لقائكما سوى أيامٍ معدودة، ومع ذلك استطعتِ ترويضها إلى هذا الحد…]

بيترا: [ريـــــم!]

رام: [كلمة “ترويض” فظة. كل ما في الأمر هو الإخلاص والمحبّة.]

ريوزو: [كُفّي عن الثرثرة يا رام! هذا ما أقوله بالضبط! هذه هي الآثار السيئة لالصغير روس والصغير سو!]

ريوزو: [لكنّك تلهين أكثر من المعتاد يا رام. مع ذلك، أفهم فرحتك لتمكّنك من العيش مجددًا مع أختك الصغرى بعد أن استيقظت من نومها الطويل.]

ريوزو: [لكنّك تلهين أكثر من المعتاد يا رام. مع ذلك، أفهم فرحتك لتمكّنك من العيش مجددًا مع أختك الصغرى بعد أن استيقظت من نومها الطويل.]

رام: [ـــــ كم أنتِ وقحة، أيتها الريوزو الحقيرة.]

تجمّدت أجسادهم جميعًا في أماكنهم، مبهوتةً بأعينٍ متّسعة. لم تكن بيترا وحدها، بل ميلي وإميليا أيضًا أصابهم الذهول ذاته عند رؤيتها.

ريوزو: [حين تخفين خجلك تتحوّلين إلى طور الهجوم، لذا لا بأس بي، لكن ليتك تراعي مشاعر الصغيرجم الصبح غار بعض الشيء. والآن…]

ريوزو: [كُفّي عن الثرثرة يا رام! هذا ما أقوله بالضبط! هذه هي الآثار السيئة لالصغير روس والصغير سو!]

تجهّمت رام قليلًا، وأبدت ريم إعجابها برؤية شقيقتها الكبرى وهي تُحاصَر نادرًا بهذا الشكل، حين ابتعدت ريوزو عن القضبان الحديدية التي كانت تستند إليها، وقالت:

وحين لمح كليند ذلك المعنى، ألقى نظرةً ذات مغزى نحو رام، التي أدارت وجهها في امتعاضٍ واضحٍ وأطلقت شهيقًا ساخطًا.

ريوزو: [من الغريب أن نستمر في الحديث عند البوابة. أودّ أن أعانق حفيدتَيّ على سلامتهما وعودتهما.]

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

ريم: [حفيدتَيكِ…؟]

ريم: [ــــ بيترا-سان؟]

رام: [إنها أفضل نكتةٍ استطاعت ابتكارها، فضحكي لها تكرّمًا.]

ميلي: [ما إن رأيتُ أخت رام-أونييسان حتى تذكّرتُ كيف سحقت قطيع الألغارم تشانز كلّه. أليست تلك هي السبب الذي جعل عملي يفشل~؟]

ريوزو: [ما أعنيه أنّي أعتبركما بمثابة حفيدتَيّ!]

سلفي: [يتنكر بزيّ امرأة؟ على الرغم من وجود إميليا-ساما؟ ولأيّ غرض؟ بحسب الإجابة على ذلك…]

وحين قالت ذلك وهي تُبرِم شفتيها، انفرجت شفتا ريم بابتسامةٍ عفوية رغم حيرتها. لم تفعل ذلك لأنّ رام طلبت منها، بل لأنّ مشاعر ريوزو الصادقة استدرّت ابتسامتها.

ريم: [أختي الكبرى، لستِ قاسيةً ولا أيّ شيءٍ من ذلك. ريم أيضًا تريد الاعتذار. لطالما جعلتكِ تقلقين بلا توقف، وخذلتُ إخلاص أختٍ كبرى.]

ثم إنّ رؤية ريوزو تعاملها هي ورام كحفيدتَين، رغم أنّها تبدو أصغر سنًّا منهما، كانت أمرًا طريفًا حقًّا حتى لو أخذنا لطفها في الحسبان.

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

ريم: [بياتريس-تشان تفعل الشيء نفسه، فهل هذه عادة الأطفال الصغار أن يتصرّفوا كأنهم أكبر سنًّا؟]

رام: [آه، ريوزو-ساما، شكرًا على الاستقبال.]

رام: [يبدو ذلك. فبياتريس-ساما تُظهر حقيقتها حين تكون جالسةً على ركبتي باروسو.]

وبمجرد أن دعتها رام، شهقت ريم وهي تحدّق فيها بذهول. ――فقد كانت رام ترتدي زيًّا للخدمة لم ترَه من قبل.

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

تفادت ذراعي إميليا الممدودتين لتحتضنها، وتجنّبت ميلي التي حاولت الإمساك بكمّها، وانزلقت تحت قدمي روم-جي الذي فوجئ بالموقف، بحركةٍ رشيقةٍ سريعة―― لترتمي أخيرًا في حضن ريم، التي كانت تحدّق بها بعينين متّسعتين.

وبينما كانت ريم غارقة في هذه الخواطر، توقّف وعيها للحظة عند ما حدث بعدها مباشرةً.

ريوزو: […يا رام العزيزة، هل تسكبين كوبًا آخر من الشاي لسلفي؟ أشعر بشفقةٍ كبيرة على هذه الفتاة، كبيرة حقًّا.]

ريوزو: [حسنًا يا جماعة، لنفتح البوابة.]

رام: [هذا هو زيّ الخدم الذي ترتديه رام وريم أثناء عملهما في القصر.]

وما إن وعَت ريم ما نطقت به ريوزو، حتى بدأ الباب الحديدي المؤدي إلى القصر يُفتح ببطء.

ريم: [لقد كنت نائمة لأكثر من عامٍ، أليس كذلك.]

كان ذلك في حدّ ذاته أمرًا جيّدًا. لا مشكلة فيه. لكن المشكلة كانت فيما وراء البوابة المفتوحة.

وفيما كانت رام تتحدث إلى السائق الذي رافقهما حتى الآن، خطت ريم خطوةً إلى الأمام ونظرت عبر قضبان البوابة الحديدية إلى القصر وحديقته الأمامية الهادئة.

؟؟؟: [ـــــــ]

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

؟؟؟: [ـــــــ]

إنّ حضور تلك الفتاة، التي تملك قوّة جذبٍ هائلة لمجرّد وجودها أمامها، جعل الذكريات التي كانت منسيةً في ركنٍ بعيدٍ من ذهنها، مطموسةً في غشاوة النسيان، تعود لتتدفّق في أروقة وعيها.

انفكت مزاليج الباب، وانفتح الممر المؤدي إلى الداخل، وكان من يُحرّكه عددٌ من الأشخاص استجابوا لنداء ريوزو، لكلٍّ منهم شعرٌ وحُليٌّ تختلف بحسب ذوقه، لكنّهم جميعًا يحملون الوجه نفسه الذي تحمله ريوزو.

إحساس أصابعها لم يتلاشَ. إحساسٌ هشٌّ زائل، تخشى أن يتحطّم كما تتحطّم قلعةٌ من الرمل الرطب، فلم تُشدّد ضغط أصابعها أكثر.

بمعنى آخر، كانت تلك الفتيات يملكن ملامح متطابقة مع وجه ساحرة اللغز «سفينكس»――

ثم، أمام ريم التي باتت الآن خادمة مثالية في مظهرها، وضعت رام أمامها فنجان شاي بلطف.

ريم: [ـــــ آه!]

وفي الواقع، في عالمٍ اختفت فيه أغلب الذكريات المتعلّقة بريم، ربما لن يُعرَف أبدًا السبب الحقيقي لانزعاج رام، ولا الإجابة الصحيحة عليه.

وبحسب التوقّع، صرخت ريم بأعلى صوتها، بلا تردّدٍ ولا كبحٍ، وقد غمرها الذعر تمامًا.

ريم: [ولـكـن، ألا يبدو أنّ هذا بالضبط ما قد يفعله ذلك الشخص الأحمق؟]

△▼△▼△▼△

وعلى قلّة من يخالطون ريم، إلا أنّ بريسيلا ورام، كامرأتين نبيلتين وقويتين، كان بينهما من التشابه ما يشعّ سطوعًا. ولو أنّ بريسيلا كانت ما تزال على قيد الحياة، لربما كانت ستنشأ بينهما علاقة طيّبة بفضل ريم… أو لربما تصادمتا كعدوتين طبيعيّتين.

؟؟؟: [تلك الصرخة أدهشتني، لكني أفهم السبب. لا شك أنّ أيّ شخص سيُصاب بالدهشة عند رؤية ريوزو-ساما وشقيقاتها، بيكو-ساما والبقية.]

رام: [ـــــ كم أنتِ وقحة، أيتها الريوزو الحقيرة.]

ريم: [كونكِ تقولين ذلك يبعث فيّ بعض الارتياح…]

ريم: [بياتريس-تشان تفعل الشيء نفسه، فهل هذه عادة الأطفال الصغار أن يتصرّفوا كأنهم أكبر سنًّا؟]

أطرقت ريم رأسها خجلًا أمام الخادمة الشقراء التي أبدت تعاطفها.

ريم: [وأفهم أيضًا ما الذي ينبغي أن تفعله ريم الضعيفة البائسة، التي لم تفعل سوى الأخذ، من الآن فصاعدًا.]

فبعد التحية عند البوابة وما تلاها من أحداثٍ مفزعة―― دخول أكثر من عشر فتياتٍ لهن الوجه ذاته كريوزو―― شعرت بخجلٍ شديد من ردة فعلها الهستيرية.

ثمّ، حين بدأت عملية اختيار الملك، حلّت المأساة التي تسبّب بها كبير خطّاة الشراهة، وكانت ريم من ضحاياها، ليُوظَّفَت بيترا بعدها مكانها، وتنضمّ إلى معسكر إميليا كخادمة.

ريم: [مع أنّ ني-ساما نبّهتني إلى أنّ عدد اللواتي يحملن وجه ريوزو-سان يبلغ ثلاثة أضعاف العشرة، ظننتها كانت تمزح فحسب…]

رام: [――ريم، هذه غرفتك.]

ريوزو: [هكذا تتحدث رام، لكن لا يمكن لومكِ على ذلك يا ريم. لو لم تعتقدي أنها تمزح لكان ذلك إيمانًا أعمى، وأنا لا أوافق على ذلك.]

تجمّدت ريم، وقد كُبِحت كلّ رغبتها في الكلام أو الالتفات بكلمات شقيقتها تلك.

؟؟؟: [تتحدثين عن الأمر بخفة، لكن ألن يكون من الأفضل أن تنظري في المرآة يا ريوزو-ساما؟ إن واصلتِ التسبّب بالمشكلات إلى درجة لا يمكن التغاضي عنها رغم مظهرك اللطيف، فسيحين الوقت لأتولّى الأمر بنفسي.]

ريم: [أختي الكبرى…]

ريوزو: [تُرعبينني…!]

بعد أن أنهت تعديل زيّ رام في لحظة، تحدّثت سلفي عن مكان عملها السابق―― أو لعلّه كان أقرب إلى “بيئة” لا “مكانًا”. ومن كلماتها وتصرفاتها يمكن تبيّن مدى قسوة تلك الحياة، ما جعل ريم تشعر تجاهها بتعاطفٍ عميق.

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

ولابدّ أنّ أولئك كانوا رام وإميليا والبقية، وأخيرًا――

لم تكن تتوقّع أن يحدث مثل هذا الاضطراب قبل حتى أن تدخل باحة القصر، ولكن ما دامت قد أُذن لها بالدخول، لم يكن عليها أن تبقى على هذا الارتباك طويلًا.

سلفي: [أجل، لا شكّ في ذلك. لقد اقتنعتُ تمامًا.]

ومع ذلك――

فأوتو، وزير الشؤون الداخلية في الفريق، كان لطيف المعشر، صديقًا ملازمًا لسوبارو، ورجلًا لا يعرف النوم، بحسب ما قالته بيترا وفريدريكا. لذا بدا خبر إشعاله القصر غضبًا منافيًا لصورته تلك.

ريم: [لقد سبّبتُ لكم الإزعاج بإحداثي ضجّة. أُه…]

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

سيلفي: [ــــ أنا سيلفي إلمارت. كنتُ سابقًا كورنياس، لكني انفصلت. وقد وُكّلت بإدارة شؤون القصر أثناء غياب الجميع.]

ريم: [ني-ساما، هذا الزيّ…]

ريم: [القصر؟ إذن، هل كنتِ زميلة لي ولني-ساما في العمل يا سيلفي-سان؟]

ريم: [لقد سبّبتُ لكم الإزعاج بإحداثي ضجّة. أُه…]

سألت ريم الخادمةَ―― سيلفي، التي انحنت بلطفٍ وانخفضت في تحيةٍ مهذّبة.

ريم: […أنا أيضًا في وضعٍ يشبه وضعهن، أليس كذلك؟ تمامًا مثل سلفي-سان والبقيّة.]

وكان من الطبيعي أن تكون جميع النساء العاملات في قصر روزوال من معارف ريم، ومن المؤكد أنها سبّبت لهنّ القلق بسبب غفوتها الطويلة.

رام: [قدّمي نفسكِ لها من فضلك.]

لكن سيلفي هزّت رأسها نافيةً بلطف وقالت:

ثم فتحت الباب، وأشارت بيدها نحو الداخل، فخطت ريم داخله.

سيلفي: [ما زلتُ جديدة هنا، ولم أعمل مع ريم-ساما أو الأخريات من قبل. فضلًا عن ذلك، تم توظيفي لا من قِبل المارغريف، بل من قِبل ميلواد-ساما. بل وأكثر من ذلك.]

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

ريم: [أكثر من ذلك؟]

ريم: [ـــــ آه!]

سيلفي: [سيّدتي هي نفسي وحدي. وأمّا سيّدة قلبي، فلا أحد سوى إميليا-ساما.]

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

أُربكت ريم بنظرة سيلفي التي ملأتها إرادةٌ قوية، فتراجعت رأسها إلى الخلف دون قصد.

وما إن وعَت ريم ما نطقت به ريوزو، حتى بدأ الباب الحديدي المؤدي إلى القصر يُفتح ببطء.

لقد كانت ولاء سيلفي لإميليا استثنائيًّا بحق. وكان ذلك جليًّا أيضًا في العناية الفائقة بمدخل القصر والممرات والغرفة التي يجلسن فيها الآن، وكلّها دلّت على براعةٍ وإتقانٍ كبيرين. بلا شك، كان ذلك الإتقان ثمرة المشاعر التي جعلت من إميليا سيّدة قلبها بحق.

رام: [نعم. تعديل زيّ الخادمة هذا كان من اقتراح رام شخصيًّا، وهي التي أجرت التعديلات بنفسها. وكلّ ذلك لأنّ… رام كانت ترغب في ارتداء زيّ أكثر حرية في الحركة؟ هكذا… كان من المفترض أن يكون السبب؟]

ريم: [سيلفي-سان، هل تعرفين إميليا-سان منذ زمنٍ طويل؟]

ريم: [ـــــــ]

سيلفي: [كلا، لم يمضِ سوى بضعة أشهرٍ منذ التقينا. وحتى خلال تلك المدة، لم أتمكّن من قضاء وقتٍ طويلٍ معها شخصيًّا.]

ورغم غياب ذكرياتها، إلا أن الثقة والمودّة التي شعرت بها تجاه رام، أختها التوأم، كانت شعورًا حقيقيًّا لا شكّ فيه.

ريم: [ومع ذلك، أنتِ مفعمة بهذه المشاعر نحوها؟]

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

سيلفي: [ما يحدّد مقدار ما يحتلّه أحدهم في قلبك ليس طول المدة التي قضاها معك، بل ما فعله من أجلك، أليس كذلك؟]

وعلى الرغم من غياب أي تفسير، فإن نبرة رام الهادئة بعثت السكينة في قلب ريم المضطرب. انحلّ اضطرابها تدريجيًّا، ثم التفتت إلى ريوزو بثبات.

ريم: [هذا…]

فقد كانت رام دومًا شامخةً، نبيلةً، لا تُظهر سوى جانبها القويّ الجليل أمام ريم.

اندهشت ريم من جوابها غير المتوقع، ثم أطرقت رأسها متأمّلة كلمات سيلفي الأخيرة.

وبمجرد أن دعتها رام، شهقت ريم وهي تحدّق فيها بذهول. ――فقد كانت رام ترتدي زيًّا للخدمة لم ترَه من قبل.

وما خطر في بالها في تلك اللحظة كان وجوه الذين تُحبّهم: سبيكا وكاتيا. ومع أنّ علاقتها بهما نشأت بعد فقدانها ذاكرتها، فإنّ الوقت الذي أمضته معهما لم يكن طويلًا على الإطلاق.

كانتا قد شاركتا العربة في طريقهما إلى المدينة الصناعية كوستول، والآن بعد أن استقلّتا عربةً أخرى أُعدّت لرحلة العودة، بدا لهما ما تلوح لهما أعينهما هو «المنزل» الغائب عن الذاكرة.

ومع ذلك، كانت تشعر في أعماقها أنهما غاليتان لا تُعوّضان.

تفادت ذراعي إميليا الممدودتين لتحتضنها، وتجنّبت ميلي التي حاولت الإمساك بكمّها، وانزلقت تحت قدمي روم-جي الذي فوجئ بالموقف، بحركةٍ رشيقةٍ سريعة―― لترتمي أخيرًا في حضن ريم، التي كانت تحدّق بها بعينين متّسعتين.

كلمات سيلفي كانت صائبة. ――وبينما تقترب ريم من هذا اليقين، تراءت في ذهنها بوضوح صورة سوبارو، فشدّت شفتيها في صمت.

كانت ريم تُقارن بين زيّ رام وزيّ سيلفي، وقد احتلّها هذا التساؤل وهي تضمّ ذراعيها حول كتفيها.

سيلفي: [ريم-ساما؟]

――فذلك هو الخيط الأكيد الذي يربط بين ريم الماضي وريم الحاضر.

ريوزو: [يبدو أنّها شُردت قليلًا. سيلفي، ألم أُخبركِ بظروف ريم؟]

ريم: [ه… هذا صحيح…! لكن، إن كانت أختكِ الصغرى، فذلك يعني…]

سيلفي: [بلى… عذرًا. كنتُ قليلة التبصّر.]

――فذلك هو الخيط الأكيد الذي يربط بين ريم الماضي وريم الحاضر.

ريم: [لا، لا داعي للاعتذار. ـــ هذا ببساطة… وضعي أنا.]

ريم: [ـــــــ]

تبادلت ريوزو وسيلفي نظراتٍ مليئة بالقلق، لكن ريم لم ترغب في الخوض في حيرتها أمامهما.

سمعت فجأةً صرخةً عالية، فتراجعت إلى الخلف مذعورة وهي تقول «آه!».

فكما قالت، كان ذلك همَّها الخاص، وألمها وحدها حتى النهاية.

وبالطبع، كانت ريم تبادل أختها الشعور ذاته من المودّة العارمة، لكن إحساسها بأنّ ما تمنحه لها رام يفيض أضعافًا مضاعفةً عمّا تقدّمه هي، جعلها في حيرةٍ من أمرها.

رام: [ـــــ تبدين كئيبة يا ريم. هل أزعجتك سيلفي أو شيءٌ من هذا القبيل؟]

ريم: [أختي الكبرى، يثير فضولي حقًّا… ما ذلك الشيء؟]

ريم: [ـــــــ]

رام: [كان هناك وقتٌ أُخفيت فيه هذه المقتنيات دون علم أحد، لكن باروسو أعادها كلّها إلى مكانها، قائلاً إنّ هذا هو ترتيب ريم المعتاد.]

رفعت ريم وجهها فجأة نحو مدخل الصالون، حيث وقفت رام، التي كانت قد افترقت عنها قليلًا لتقضي بعض الشؤون.

ريوزو: […يا رام العزيزة، هل تسكبين كوبًا آخر من الشاي لسلفي؟ أشعر بشفقةٍ كبيرة على هذه الفتاة، كبيرة حقًّا.]

وبمجرد أن دعتها رام، شهقت ريم وهي تحدّق فيها بذهول. ――فقد كانت رام ترتدي زيًّا للخدمة لم ترَه من قبل.

كان ذلك في لقائهما في الإمبراطورية، وفي طريق عودتهما إلى قصر روزوال وحدهما، وحتى عندما كانت رام تعاني من ارتداد الألم بعد كسر قرنها حين بدأتا العمل في القصر، وفي المعركة المشتعلة مع أتباع عبادة الساحرة وهي تحمي ريم الحمقاء.

ريم: [ني-ساما، هذا الزيّ…]

ريم: [أمم، هل أنا فقط لا أتذكّر، أم أنّ علاقتي ببيترا-سان كانت قريبةً لهذه الدرجة لتبكي هكذا من أجلي…؟]

رام: [ألم يُقَل لكِ مرارًا؟ رام هي خادمة القصر، خادمة روزوال-ساما.]

رام: [حتى بعد أن أحببتك واعتززت بكِ كثيرًا، يا ريم، نسيتك وعشت كلّ هذا الوقت دونك… كم كنتُ قاسيةً وغير إنسانيةٍ كأختك الكبرى.]

وقفت ريم مأخوذةً بجمال رام التي صفّفت شعرها الوردي وقالت ذلك بثقةٍ وابتهاج. أما ريوزو، فتنفّست قائلةً بخفة:

تأرجحت ريم قليلًا وهي تستشعر اهتزاز العربة بعد أن كفّت حماية «تجنّب الرياح» عن عملها، بينما نهضت رام في أناقة ومدّت يدها نحوها.

ريوزو: [مرّ وقت منذ رأينا رام في مثل هذا الزيّ، أليس كذلك؟]

لكن رام، غير مبالية، تقدّمت بخطواتٍ واثقة وخاطبت الفتاة، فالتفتت ريم نحوها بدهشة، فيما عبست الفتاة وردّت بانزعاج:

رام: [حقًّا، لقد كنتُ أرتدي ثياب السفر طويلًا، فيشعرني هذا بالانتعاش.]

ريوزو: [مرّ وقت منذ رأينا رام في مثل هذا الزيّ، أليس كذلك؟]

سيلفي: [إلى درجة أنّ بعض أجزاء الزيّ تبدو غير مرتّبةٍ قليلًا بطريقة ارتدائكِ له. هل تسمحين لي بإصلاحها؟]

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

رام: [أهكذا هو؟ إذن تفضّلي.]

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

وبينما كانت ريم المندهشة تتابع، أخذت سيلفي ترتّب ملابس رام بعنايةٍ لافتة. وفي أثناء ذلك، أغمزت رام بعينها نحو ريم وقالت:

ريوزو: [هكذا تتحدث رام، لكن لا يمكن لومكِ على ذلك يا ريم. لو لم تعتقدي أنها تمزح لكان ذلك إيمانًا أعمى، وأنا لا أوافق على ذلك.]

رام: [هذا هو زيّ الخدم الذي ترتديه رام وريم أثناء عملهما في القصر.]

رام: [إنّه إطراء من رام، فتقبّليه دون خجل. وليس هذا فحسب، فمن نظرة واحدة أستطيع القول إنّك قد أوليتِ القصر عناية متقنة كذلك.]

ريم: […إنه جميل حقًّا. لكن…]

بخلاف ريوزو الناضجة المفرطة النضج، بدت الفتيات الصغيرات بريئاتٍ كما توحي ملامحهنّ، وكانت هؤلاء الفتيات، وعلى رأسهنّ الطفلة المدعوة “بيكو”، يُرَين في كل زاوية من القصر الواسع التابع لروزوال، يهرعن هنا وهناك يساعدن الخادمات المرتديات الزيّ ذاته الذي ترتديه سلفي.

رام: [لكن؟]

ريم: [أكثر من ذلك؟]

ريم: [ألا يكشف القليل من الجلد أكثر من زيّ سيلفي-سان؟ ما الفرق…؟ أيمكن أنّ ذلك الشخص هو من صمّمه؟]

تلك الفتيات المجتهدات، اللواتي وُلدن في ظروفٍ مختلفة عن الناس، كنّ الآن، وقد تحرّرن من مصيرهنّ، يسلكن طريقًا جديدًا في الحياة.

كانت ريم تُقارن بين زيّ رام وزيّ سيلفي، وقد احتلّها هذا التساؤل وهي تضمّ ذراعيها حول كتفيها.

――لم يكن الزمن الذي أمضته بيترا مع ريم، بصفتها “بيترا”، طويلًا في الواقع.

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

ريم: [كنتُ أظنّ أنّ لديه هوسًا غير طبيعي حتى بملابس الآخرين، لكن أن يظهر ذلك حتى هنا…]

تجهّمت رام قليلًا، وأبدت ريم إعجابها برؤية شقيقتها الكبرى وهي تُحاصَر نادرًا بهذا الشكل، حين ابتعدت ريوزو عن القضبان الحديدية التي كانت تستند إليها، وقالت:

سلفي: […يبدو أنّ سوء فهمٍ قد وقع، أليس كذلك يا رام-ساما؟]

△▼△▼△▼△

رام: [بالفعل. رام شخصيًّا لا تبالي مطلقًا بانحدار سمعة باروسو في نظر ريم إلى الحضيض، لكن ما يزعجها هو أن تُسرق منها الفَضيلة.]

لأيّ سببٍ سعيدٍ أُتيح لي أن أعيش؟ ―ـ هكذا تحدّثت ريم في أعماقها.

ريم: [فضيلة؟ تقصدين ماذا؟]

عند هذا التصحيح، أطرقت ريم وجهها بخجلٍ من شدّة المحبّة التي أُفيضت عليها.

رام: [نعم. تعديل زيّ الخادمة هذا كان من اقتراح رام شخصيًّا، وهي التي أجرت التعديلات بنفسها. وكلّ ذلك لأنّ… رام كانت ترغب في ارتداء زيّ أكثر حرية في الحركة؟ هكذا… كان من المفترض أن يكون السبب؟]

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

ريوزو: [إلى أين اختفى ذلك الثقة من حديثك فجأة؟]

ريم: [كيااه!]

حين خبت ثقة رام على نحو غير مألوف في نهاية عبارتها، أمالت ريوزو رأسها، فردّت رام وهي تهمهم: [يا له من شعور مزعج… أن أشكّ في رأيي بنفسي. السبب الذي جعل رام تقترح تعديل الزيّ لم يكن على الأرجح بهذه العشوائية التي تلفّظتُ بها.]

وببراعةٍ لافتة، صبّت رام الشاي في الأكواب الثلاثة، وأشارت بعينيها إلى ريم لتتذوقه. فاستجابت ريم لإشارتها، ورفعت الكوب إلى فمها، لتتسع عيناها على الفور.

سلفي: [أ-أهكذا تتحدثين عن رأيك أنتِ؟!]

رام: [بالفعل. رام شخصيًّا لا تبالي مطلقًا بانحدار سمعة باروسو في نظر ريم إلى الحضيض، لكن ما يزعجها هو أن تُسرق منها الفَضيلة.]

رام: [يبدو لي أنّها مكيدة من صانع الأزياء ذاته… مزعج أن يكون هذا الفكر مشابهًا لأسلوب باروسو، لكن إن كان الغرض جعل ريم ترتدي زيًّا لطيفًا، فذلك يبعث على الاقتناع أكثر.]

تأرجحت ريم قليلًا وهي تستشعر اهتزاز العربة بعد أن كفّت حماية «تجنّب الرياح» عن عملها، بينما نهضت رام في أناقة ومدّت يدها نحوها.

سلفي: [أجل، لا شكّ في ذلك. لقد اقتنعتُ تمامًا.]

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

وضعت سلفي إصبعها على شفتيها وأومأت مؤيدةً استنتاج رام لسببٍ ما. وبالنظر إلى مجرى الحديث، بدا أنّ سلفي نفسها كانت تملك الرغبة في إلباس أحدهم ثيابًا لطيفة أيضًا.

أتت الصرخة من وراء القضبان، أي من داخل أسوار القصر نفسه. وهناك―― كانت تقف فتاة صغيرة، قبضتاها تمسكان بالقضبان، وعيناها متسعتان على اتساعهما.

وفي الواقع، في عالمٍ اختفت فيه أغلب الذكريات المتعلّقة بريم، ربما لن يُعرَف أبدًا السبب الحقيقي لانزعاج رام، ولا الإجابة الصحيحة عليه.

وضعت سلفي إصبعها على شفتيها وأومأت مؤيدةً استنتاج رام لسببٍ ما. وبالنظر إلى مجرى الحديث، بدا أنّ سلفي نفسها كانت تملك الرغبة في إلباس أحدهم ثيابًا لطيفة أيضًا.

رام: [إن كان الأمر كذلك، فلتؤمن رام بما تشاء. دون أن تخشى ما قد يظنّه الآخرون.]

ريم: [ألا يكشف القليل من الجلد أكثر من زيّ سيلفي-سان؟ ما الفرق…؟ أيمكن أنّ ذلك الشخص هو من صمّمه؟]

ريم: […أنا واثقة أنّ أختي الكبرى كانت لتجد بريسيلا-ساما امرأةً مثيرة للإعجاب أيضًا.]

ريم: [ريوزو-سان، تقولين هذا لأنك لم تشهدي بنفسك كيف يتفوّه ذلك الشخص بترّهاتٍ شتّى ويتنكر بزيّ امرأة.]

وعلى قلّة من يخالطون ريم، إلا أنّ بريسيلا ورام، كامرأتين نبيلتين وقويتين، كان بينهما من التشابه ما يشعّ سطوعًا. ولو أنّ بريسيلا كانت ما تزال على قيد الحياة، لربما كانت ستنشأ بينهما علاقة طيّبة بفضل ريم… أو لربما تصادمتا كعدوتين طبيعيّتين.

لِتملأ عقلها ووجدانها، وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم ترد سوى أن تبقى إلى جانب رام هكذا.

ومهما يكن، فقد كانت شكوك ريم بشأن باروسو في مسألة الأزياء في غير محلّها.

――لم يكن الزمن الذي أمضته بيترا مع ريم، بصفتها “بيترا”، طويلًا في الواقع.

ريم: [لكنّ السبب هو أنّ ذلك الشخص يفعل دومًا أشياء توحي بغير مقصده.]

ريم: [مع أنّ ني-ساما نبّهتني إلى أنّ عدد اللواتي يحملن وجه ريوزو-سان يبلغ ثلاثة أضعاف العشرة، ظننتها كانت تمزح فحسب…]

ريوزو: [إن كنتِ تتحدثين عن الصغير سو، فمن الظلم أن توجّهي له اللوم.]

بخلاف ريوزو الناضجة المفرطة النضج، بدت الفتيات الصغيرات بريئاتٍ كما توحي ملامحهنّ، وكانت هؤلاء الفتيات، وعلى رأسهنّ الطفلة المدعوة “بيكو”، يُرَين في كل زاوية من القصر الواسع التابع لروزوال، يهرعن هنا وهناك يساعدن الخادمات المرتديات الزيّ ذاته الذي ترتديه سلفي.

ريم: [ريوزو-سان، تقولين هذا لأنك لم تشهدي بنفسك كيف يتفوّه ذلك الشخص بترّهاتٍ شتّى ويتنكر بزيّ امرأة.]

ومع ذلك――

ريوزو: [حقًّا! الصغير سو كان يتنكر بزيّ النساء حتى في الإمبراطورية! عليه أن يتعلّم الأدب قليلًا.]

شعرت أنّه لو رغبت بأكثر من ذلك، فكلّ شيءٍ سيتلاشى――

سلفي: [يتنكر بزيّ امرأة؟ على الرغم من وجود إميليا-ساما؟ ولأيّ غرض؟ بحسب الإجابة على ذلك…]

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

وقد دلّت ردة فعل ريوزو على أنّ سوبارو كان في الواقع معتادًا على هذا السلوك. أما سلفي فأبدت انزعاجًا صارمًا حين سمعت ذلك، في حين عزمت ريم في سرّها على مساءلته مجددًا.

ريم: [الآن وقد فكّرتُ في الأمر، سيكون من الغريب حقًّا أن تخاطب ني-ساما ريوزو-سان بلقب (ساما) إن كانت أختنا الصغرى أنا وهي.]

وأثناء هذا الحوار، أنهت سلفي تعديل زيّ رام. فاستدارت الأخيرة بخفّة، متطايرًا طرف تنّورتها، ورفعت شعرها بفخر قائلة:

ريم: [ريم تفهم، كلّ شيء. كم انكسر قلب أختي الكبرى لأجلها، وكم من تضحياتٍ فادحةٍ قدّمتِها لتكوني معي حتى اليوم. و…]

رام: [لا شيء يضايقني. أحسنتِ العمل يا سلفي.]

وبينما كانت ريم تستنشق عبيره وتستمتع بطعمه وهي تومئ برأسها استحسانًا، لفت نظرها بريق نظرة رام الموجّهة إليها، نظرة تجمع بين المودّة والرجاء الصامت.

سلفي: […إنّه لشرف لي سماع هذا الإطراء، وسأعتبره مُسجّلًا.]

…أريد أن أردّ الجميل، لهؤلاء الذين يغمرونني بهذا القدر من اللطف.

رام: [إنّه إطراء من رام، فتقبّليه دون خجل. وليس هذا فحسب، فمن نظرة واحدة أستطيع القول إنّك قد أوليتِ القصر عناية متقنة كذلك.]

ريم: [لكن يا أختي، إن كان الأمر كذلك، فمعنى ذلك أننا حتى بعد عودتنا إلى القصر، لن نجد سبيلًا كثيرًا لاستعادة ذاكرتي، أليس كذلك؟]

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

بعد أن أنهت تعديل زيّ رام في لحظة، تحدّثت سلفي عن مكان عملها السابق―― أو لعلّه كان أقرب إلى “بيئة” لا “مكانًا”. ومن كلماتها وتصرفاتها يمكن تبيّن مدى قسوة تلك الحياة، ما جعل ريم تشعر تجاهها بتعاطفٍ عميق.

ريم: [――――]

ثم، أمام ريم التي باتت الآن خادمة مثالية في مظهرها، وضعت رام أمامها فنجان شاي بلطف.

إميليا: [أمم، أنا آسفة، بدا ذلك غريبًا. لطالما علمتُ أنّ ريم هي ريم فعلًا… لكن، لم أقصد ذلك المعنى تحديدًا.]

رام: [هاكِ، فلا بدّ أنك عطشى بعد كل ما خضعتِ له من أسئلة ريوزو-ساما وسلفي.]

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

ريوزو: [تصوّرينا كالأشرار حتى وأنتِ تقدّمين كوب شاي، أليس كذلك؟]

التقطت أنفاسها، ونظرت مباشرةً في عيني محاورتها وقالت:

رام: [هاه.]

ومع ذلك، أدركت من النظافة البالغة والعناية في تنسيق البناء وأحواض الزهور والشجيرات، أنّ كل ركنٍ من أركان القصر يدار بعنايةٍ دقيقة، مما جعلها تنتصب وقارًا دون وعيٍ منها.

زفرت رام ضحكة قصيرة نحو ريوزو ذات الشفتين المزمومتين، ثم سكبت الشاي لهما أيضًا.

ريم: [أختي الكبرى، لستِ قاسيةً ولا أيّ شيءٍ من ذلك. ريم أيضًا تريد الاعتذار. لطالما جعلتكِ تقلقين بلا توقف، وخذلتُ إخلاص أختٍ كبرى.]

وببراعةٍ لافتة، صبّت رام الشاي في الأكواب الثلاثة، وأشارت بعينيها إلى ريم لتتذوقه. فاستجابت ريم لإشارتها، ورفعت الكوب إلى فمها، لتتسع عيناها على الفور.

ثمّ――

ريم: [لذيذ…!]

تخيّلت ريم أوتو وغارفيل ثم سوبارو، الواحد فوق كتفي الآخر، بينما يقف روزوال، القادر على الطيران بسحره، إلى جانبهم. وحتى دون أن تدرك تمامًا ما الذي يفصل بينهم، شعرت أن رام لم تكن مخطئة.

رام: [أليس كذلك؟ إعداد الشاي هو التخصص الوحيد الذي تتقنه رام كخادمة.]

ريم: [لا داعي للقلق يا إميليا-ساما. أرجوكِ، اهدئي وخذي وقتكِ، فريم تفهم أيضًا أنّ كلّ هذا مفاجئ.]

سلفي: [تحملين فيك مزيجًا من الجدية والسحر… ولأكون صادقة، لم تتح لي من قبل فرصة تذوّق شاي بهذا المستوى.]

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

ريوزو: [حتى فريدريكا دائمًا تقول إنّ شايها لا نظير له.]

ريم: [لقد سبّبتُ لكم الإزعاج بإحداثي ضجّة. أُه…]

رضخت سلفي وريوزو بدورهما أمام تفوّق رام، واحتسيتا الشاي بهدوء.

امتزجت كلّ حواسها في دوّامةٍ واحدة، وتداخل ماضي ريم وحاضرها ومستقبلها.

وبينما كانت ريم تستنشق عبيره وتستمتع بطعمه وهي تومئ برأسها استحسانًا، لفت نظرها بريق نظرة رام الموجّهة إليها، نظرة تجمع بين المودّة والرجاء الصامت.

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

ريم: [――آه.]

ريم: […هذا النوع من التفكير، سيُغضب بريسيلا-سان.]

لن تعترف رام بصوتٍ عالٍ، لكن لا شكّ أنّها قد أودعت حتى في نكهة هذا الشاي شيئًا من أملها.

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

ولم يكن صعبًا أن يتخيل المرء أنّ ريم، قبل أن تفقد ذاكرتها، قد ألفت هذا الطعم، ذاك الشاي الذي لا تجيده إلا رام. ففنّها في تقديمه، الذي يكفي لأن يبلّل جفون السامع من شدّة التأثّر، كان يغمر جسد ريم كلّه بشعورٍ من العطف.

ريوزو: [هكذا تتحدث رام، لكن لا يمكن لومكِ على ذلك يا ريم. لو لم تعتقدي أنها تمزح لكان ذلك إيمانًا أعمى، وأنا لا أوافق على ذلك.]

غير أنّ ذلك لم يحرّك ذكرياتها، ولم يُحدث النتيجة المنشودة.

ريوزو: [ليس من اللائق أن تقولي هذا بنبرةٍ كهذه!]

ريم: [إنّه لذيذ حقًّا… لذيذ جدًّا. لكن――.]

وبينما كانت ريم المندهشة تتابع، أخذت سيلفي ترتّب ملابس رام بعنايةٍ لافتة. وفي أثناء ذلك، أغمزت رام بعينها نحو ريم وقالت:

وضعت الكوب الذي فرغت منه على الطاولة وأغمضت عينيها، متحدثة بصوتٍ مراوغ. غير أنّ رام ابتسمت بسخرية خفيفة قائلة:

ريم: [أمم، هل أنا فقط لا أتذكّر، أم أنّ علاقتي ببيترا-سان كانت قريبةً لهذه الدرجة لتبكي هكذا من أجلي…؟]

رام: [ما هذا، لقد كان مجرّد إعداد شاي، ولا داعي أبدًا لأن تعتذري يا ريم اللطيفة.]

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

سلفي: [رام-ساما، يبدو أنك جعلتها تعتذر بنظرتك الحادّة. كان زوجي السابق حادّ الطبع إلى درجةٍ مفرطة، لكنه كان يرضى لو تلقّى اعتذارًا فحسب.]

تنفّست ريوزو تنهيدةً ثقيلة، بينما أخرجت رام لسانها قليلًا كمن انتصر في مزحة.

ريوزو: […يا رام العزيزة، هل تسكبين كوبًا آخر من الشاي لسلفي؟ أشعر بشفقةٍ كبيرة على هذه الفتاة، كبيرة حقًّا.]

ريم: […أنا واثقة أنّ أختي الكبرى كانت لتجد بريسيلا-ساما امرأةً مثيرة للإعجاب أيضًا.]

سلفي: [ولِمَ تشفقين عليّ؟ على العكس، أنا أفرح بالحرية التي لم أملكها من قبل.]

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

رفعت سلفي حاجبيها قليلًا وهي تنظر إلى ريوزو بعينين يملؤهما الأسى، ثم أوضحت دهشتها. واستجابت رام لرجاء ريوزو وبدأت في إعداد كوبٍ ثانٍ من الشاي.

نالت اليقين. أنّها إنسانةٌ سعيدة، محاطةٌ بما تحبّه.

وبينما كانت ريم تراقب ظهر أختها، عقدت العزم من جديد في قلبها بحرارةٍ وإصرارٍ صامت:

رام: [قولي «روزوال-ساما».]

…أريد أن أردّ الجميل، لهؤلاء الذين يغمرونني بهذا القدر من اللطف.

كما في تنكّره السابق، لم يكن هذا إلا تجسيدًا آخر لذوق سوبارو المشبوه، المعبّر عنه بأبسط الألفاظ.

ريم: [أختي الكبرى… ماذا…؟]

بعد مغادرتها صالون الشاي، تبعت ريم فضولها وبدأت تتجوّل في أرجاء القصر.

سيلفي: [سيّدتي هي نفسي وحدي. وأمّا سيّدة قلبي، فلا أحد سوى إميليا-ساما.]

وفي كلّ مكانٍ كانت تقف فيه، كانت رام تروي لها الذكريات المرتبطة به، فتقول: [تلك أحواض الزهور التي غُمر رأس باروسو فيها بالسماد]، أو [تلك الأعمدة عليها آثار أنياب غارف، سأوبّخه لاحقًا]، أو [آه، الرسم الذي خطّته إميليا-ساما وبياتريس-ساما لروحٍ عظمى على الأرض ما يزال هنا]، حتى لم تترك لها وقتًا لتغرق في حنينها الحزين.

كليند: [أرى، مشهدٌ يُرى، تقولين. حقًّا، كان ما شهدناه استثنائيًّا. موافقة.]

لكن، على الرغم من هذا الدفء والعناية اللذين غمرتها بهما رام، لم تستطع ريم أن تجد في نفسها ذلك الشعور المطمئن الذي كانت تبحث عنه.

؟؟؟: [ـــــــ]

ريم: [آه، مزيد من الفتيات الشبيهات بريوزو-ساما…]

مقارنةً بسائر أرجاء القصر التي جالت فيها، من قاعات الاستقبال والطعام، إلى الحمّام الكبير، وساحة التدريب السرّية، والصالة، والحدائق، والشرفة، لم يكن في هذه الغرفة ما يلفت الانتباه كثيرًا.

رام: [إنهنّ بيكو والباقيات. بعد إخراجهنّ من الضريح، بدأن يتعلّمن كلّ شيء من البداية.]

ريم: [مكانُ عملِنا…]

ريم: […أنا أيضًا في وضعٍ يشبه وضعهن، أليس كذلك؟ تمامًا مثل سلفي-سان والبقيّة.]

وكأنّهما في نقاشٍ قد حُسم منذ زمن، أجابت رام بتفهّمٍ على اعتراض ريم. جعلها ذلك السلوك الهادئ تنهض عن السرير وتتوجّه نحو تلك “نجم الصباح”.

بخلاف ريوزو الناضجة المفرطة النضج، بدت الفتيات الصغيرات بريئاتٍ كما توحي ملامحهنّ، وكانت هؤلاء الفتيات، وعلى رأسهنّ الطفلة المدعوة “بيكو”، يُرَين في كل زاوية من القصر الواسع التابع لروزوال، يهرعن هنا وهناك يساعدن الخادمات المرتديات الزيّ ذاته الذي ترتديه سلفي.

سمعت فجأةً صرخةً عالية، فتراجعت إلى الخلف مذعورة وهي تقول «آه!».

تلك الفتيات المجتهدات، اللواتي وُلدن في ظروفٍ مختلفة عن الناس، كنّ الآن، وقد تحرّرن من مصيرهنّ، يسلكن طريقًا جديدًا في الحياة.

قريةٌ بين الجبال، رايةٌ تحمل ذئبًا مطعونًا بالسيوف، صريرُ كرسيٍّ متحرّك، سربُ تنّيناتٍ يملأ السماء، حوتٌ أبيضٌ بشعٌ ينزلق في ليلٍ مظلم، قرنٌ مكسورٌ يطير نحو شفقٍ ملتهبٍ بالنيران، وصبيٌّ يتوسّل بعينين صادقتين، وصبيٌّ يغضب، وصبيٌّ يبكي، وصبيٌّ يضحك――

وعلى الجانب الآخر، كانت هؤلاء النساء الجميلات الأنيقات، اللاتي يأسرن الأبصار، خادماتٍ هربن من أوضاعٍ بائسةٍ كالتي مرّت بها سلفي، وجميعهنّ نلن الخلاص بمعونة إميليا.

ريم: [آه…]

وفي أن ريوزو وأخواتها وكذلك أولئك الخادمات الصغيرات قد عبثت أيدي القدر بحياتهنّ، فكّرت ريم في أنّهنّ جميعًا يشبهنها هي أيضًا.

فمهما يكن، كان سوبارو في تلك اللحظة منشغلًا بشيءٍ آخر تمامًا، يسعى فيه إلى مواساة قلبٍ جُرح بفقدان بريسيلا――

لكنّ تفكيرها قُطع بكلمات رام، التي بدأت بقولها: [حقًّا…]

لكن سيلفي هزّت رأسها نافيةً بلطف وقالت:

رام: [سواء امتلك الإنسان ذكرياته أم لا، متى ما قرّر أن يبدأ طريقًا جديدًا، فعليه عادة أن يبدأ الجمع من الصفر. ريم ليست استثناءً.]

سيلفي: [إلى درجة أنّ بعض أجزاء الزيّ تبدو غير مرتّبةٍ قليلًا بطريقة ارتدائكِ له. هل تسمحين لي بإصلاحها؟]

ريم: [أختي الكبرى…]

لم تسألها رام عن شيء، ولكنها جعلتها تشعر برغبةٍ في السؤال.

رام: [لا، لقد أخطأت. ريم استثناء. فهي غالية جدًّا على قلب رام، بعد كلّ شيء.]

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

عند هذا التصحيح، أطرقت ريم وجهها بخجلٍ من شدّة المحبّة التي أُفيضت عليها.

رام: [هاكِ، فلا بدّ أنك عطشى بعد كل ما خضعتِ له من أسئلة ريوزو-ساما وسلفي.]

وبالطبع، كانت ريم تبادل أختها الشعور ذاته من المودّة العارمة، لكن إحساسها بأنّ ما تمنحه لها رام يفيض أضعافًا مضاعفةً عمّا تقدّمه هي، جعلها في حيرةٍ من أمرها.

ريم: [هذا…]

وفي ظلّ هذا الاضطراب، استمرّت جولة الأختين في قصر روزوال، إلى أن قالت رام أخيرًا:

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

رام: [――ريم، هذه غرفتك.]

رام: [لا، لقد أخطأت. ريم استثناء. فهي غالية جدًّا على قلب رام، بعد كلّ شيء.]

ثم فتحت الباب، وأشارت بيدها نحو الداخل، فخطت ريم داخله.

كان “سوبارو” المتخيَّل، الكائن اللامادي، واقفًا في مكانه دون حراك، يحدّق في الشخص ذاته الذي كانت بيترا تنظر إليه.

مقارنةً بسائر أرجاء القصر التي جالت فيها، من قاعات الاستقبال والطعام، إلى الحمّام الكبير، وساحة التدريب السرّية، والصالة، والحدائق، والشرفة، لم يكن في هذه الغرفة ما يلفت الانتباه كثيرًا.

وبحسب التوقّع، صرخت ريم بأعلى صوتها، بلا تردّدٍ ولا كبحٍ، وقد غمرها الذعر تمامًا.

وبالنظر إلى ضخامة القصر، كانت الغرفة المخصّصة لخادمة مثل ريم لائقةً ومناسبة، لكنها بسيطة بلا تكلّف.

ريم: [لكن الشَّبه بينكما كبيرٌ جدًّا…]

ريم: [――――]

ريم: [أختي الكبرى، يثير فضولي حقًّا… ما ذلك الشيء؟]

سريرٌ كبير، ومكتبة تعجّ بدواوين الشعر وقصص الأطفال المصوّرة، ومكتبٌ مرتّب بعناية، تعلوه مزهرية تزينها زهورٌ نابضة بالألوان.

سيلفي: [ما يحدّد مقدار ما يحتلّه أحدهم في قلبك ليس طول المدة التي قضاها معك، بل ما فعله من أجلك، أليس كذلك؟]

رام: [كان هناك وقتٌ أُخفيت فيه هذه المقتنيات دون علم أحد، لكن باروسو أعادها كلّها إلى مكانها، قائلاً إنّ هذا هو ترتيب ريم المعتاد.]

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

ريم: [ذلك الشخص…]

ريم: [أكثر من ذلك؟]

وقفت ريم أمام رفوف الكتب، فحكت لها رام عن جهد سوبارو في جمعها.

ركّزت ريم بصرها على ملامح أختها، وعلى وجنتي رام انحدرت دموعٌ تمسحها ريم بأصابعها، ثمّ منحتها ابتسامةً هادئة. مدّت ذراعها وجذبت رأس أختها نحو صدرها، واحتضنتها برفق.

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

سحبت ريم ديوان شعرٍ من الرف وقلّبت صفحاته. كانت الأبيات المكتوبة فيه مما لا ذكرى لها به، لكن لا شكّ أنّ ريم القديمة كانت تحبّه. وكثيرٌ من قصائده تدور حول الحبّ والعشق، ما منحها شعورًا غريبًا ومزيجًا من الطرافة والخجل من ذاتها الماضية.

وما هي إلا لحظة، حتى انفجر كلّ ذلك التأثير، كما تنفجر فقاعةٌ انبثقت لتوّها.

ريم: [لقد كنت نائمة لأكثر من عامٍ، أليس كذلك.]

من دون سابق إنذار، تشوّهت رؤيتها واهتزّت، وسقطت إلى الأرض على ظهرها. كان تصرّفًا غير لائق، لكنها في تلك اللحظة لم تملك رباطة الجأش لتشعر بالحرج أو لتدرك ما جرى.

بعد أن أعادت مجموعة القصائد إلى رفّ الكتب، جلست ريم على السرير ومسحت بيدها سطحه بلُطف، وقد أغمضت عينيها نصف إغماضة.

ريم: [――――]

في أثناء سباتها الطويل، حين لم تكن قادرةً على أداء واجباتها كخادمة، تولّت رام وفريدريكا وبيترا والبقية العناية بالقصر، ورعاية ريم النائمة. وحتى الآن، لا تزال وسائد السرير وملاءاته نظيفةً تمامًا، يظهر عليها أثر العمل الدقيق المتفاني.

وبجانب السرير، كانت هناك بقعٌ باهتة على الأرض، من أثر الشمس، تدلّ على أنّ كرسيًّا كان موضوعًا هناك لفترةٍ طويلة. تراءت في ذهنها صورةُ من كانوا يزورونها ويتحدثون إليها من ذلك الموضع.

وبجانب السرير، كانت هناك بقعٌ باهتة على الأرض، من أثر الشمس، تدلّ على أنّ كرسيًّا كان موضوعًا هناك لفترةٍ طويلة. تراءت في ذهنها صورةُ من كانوا يزورونها ويتحدثون إليها من ذلك الموضع.

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

ولابدّ أنّ أولئك كانوا رام وإميليا والبقية، وأخيرًا――

عادت إليها بصرها وسمعها وشمّها وذوقها ولمسها، كلّها في مواضعها الصحيحة، تخبرها بطريقة العيش مجددًا.

ريم: [ـــــــ]

ريم: [نجم الصباح؟]

جلست رام بدورها بصمتٍ إلى جوار ريم فوق السرير. نظرت إليها بعينيها القرمزيتين المليئتين بالعطف، فأغمضت ريم عينيها وهزّت رأسها بخفة.

سلفي: [أ-أهكذا تتحدثين عن رأيك أنتِ؟!]

لم تسألها رام عن شيء، ولكنها جعلتها تشعر برغبةٍ في السؤال.

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

ففي هذا القصر، وفي هذه الغرفة تحديدًا، لم يكن ثمة شيء يُوقظ في ريم ذكرياتها. كلّ ما كان موجودًا هو فيضٌ من المودّة والحب، أشياء جعلتها تشعر بذلك، أشياء أوضحت لتلك الريم التي لا تتذكّر أنّها كانت سعيدةً ذات يوم.

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

لقد شعرت بذلك بشدّةٍ وحرارةٍ جعلت الدموع تترقرق في عينيها.

وهكذا، اجتاحها سيلٌ من الصور الحيّة، كشررٍ متطايرٍ من شدّة وقعها عليها.

ولهذا بالذات――

صوته المذهول ذاك وصل إلى مسامع بيترا وحدها. للأسف، الفتاة التي جذبت أنظار الجميع نحوها لم تستطع أن ترى “سوبارو” الشفّاف ذاك، وحتى بيترا لم يكن لديها وقتٌ لتُعينه أو تلتفت إليه.

ريم: [أختي الكبرى، يثير فضولي حقًّا… ما ذلك الشيء؟]

رام: [إن كان الأمر كذلك، فلتؤمن رام بما تشاء. دون أن تخشى ما قد يظنّه الآخرون.]

كان ضوء الشمس يتسلّل من بين الأشجار ليملأ الغرفة بنورٍ لطيفٍ دافئ، يسودها جوٌّ حنونٌ مشبعٌ بالسكينة، وفي زاويةٍ منها كان موضوعًا غرضٌ غريب―― كرةٌ حديديةٌ مغطاةٌ بالمسامير، مربوطةٌ بسلسلةٍ معدنية، جذبت أنظارها.

رام: [حسنًا، لقد وصلنا. هيا بنا.]

وعندما سألت ريم عن ذلك، تمتمت رام “آه” وكأنّها تذكّرته لتوّها،

سريرٌ كبير، ومكتبة تعجّ بدواوين الشعر وقصص الأطفال المصوّرة، ومكتبٌ مرتّب بعناية، تعلوه مزهرية تزينها زهورٌ نابضة بالألوان.

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

ريم: [ريوزو-سان، تقولين هذا لأنك لم تشهدي بنفسك كيف يتفوّه ذلك الشخص بترّهاتٍ شتّى ويتنكر بزيّ امرأة.]

ريم: [نجم الصباح؟]

وضعت رام يدها على صدرها وقالت بثقةٍ متناهية، مما جعل ريم تخجل من قلقها المفرط. لقد توقّعت رام كل ذلك من دون أن تحتاج ريم إلى البوح به.

رام: [نعم. هذا ما بدأ باروسو بمناداته به، ومع الوقت التصق الاسم به… ويبدو أنّه أيضًا شيءٌ كانت ريم تعتزّ به.]

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

ريم: [أنا؟ أعتزّ بتلك الكرة؟!]

ريم: [لكنّ السبب هو أنّ ذلك الشخص يفعل دومًا أشياء توحي بغير مقصده.]

وبعد أن سمعت شيئًا يختلف كليًّا عمّا تتذكّره، نظرت ريم في ذهولٍ بين رام وتلك الكرة الحديدية ذات المسامير―― “نجم الصباح”.

وبمجرد أن دعتها رام، شهقت ريم وهي تحدّق فيها بذهول. ――فقد كانت رام ترتدي زيًّا للخدمة لم ترَه من قبل.

ثمّ كادت تقتنع بأنّ هذا مجرّد مزحةٍ أخرى من شقيقتها رام.

رام: [ــــك.]

رام: [رام تتفهّم شكّك تمامًا. لكن بعد أن رأت باروسو يُحضّر لها قطعة قماشٍ وزيتًا خاصّين، ويُلمّعها كلّ يوم، باتت تعتقد أنّها بقيت لوقتٍ طويلٍ بما يكفي لتكون أكثر من مزحةٍ سخيفة.]

سلفي: [يتنكر بزيّ امرأة؟ على الرغم من وجود إميليا-ساما؟ ولأيّ غرض؟ بحسب الإجابة على ذلك…]

ريم: [ولـكـن، ألا يبدو أنّ هذا بالضبط ما قد يفعله ذلك الشخص الأحمق؟]

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

رام: [حقًا. لا يمكن إنكار ذلك.]

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

وكأنّهما في نقاشٍ قد حُسم منذ زمن، أجابت رام بتفهّمٍ على اعتراض ريم. جعلها ذلك السلوك الهادئ تنهض عن السرير وتتوجّه نحو تلك “نجم الصباح”.

ريم: […أعتذر، يا أختي الكبرى.]

ريم: [لا أفهم…]

رام: [ها؟]

وحين اقتربت منها، لاحظت أنّ هناك قاعدةً حديديةً صغيرةً صُنعت خصّيصًا لحمل الكرة حتى لا تخدش الأرض بمساميرها، ما دلّ على عنايةٍ دقيقةٍ بالتفاصيل. وكان القماش وزيت التلميع في الموضع ذاته، مما أكّد كلام رام عن أنّ سوبارو كان يلمّعها يوميًا.

ريم: [هاه…؟]

لكن، وماذا في ذلك؟ هذا كلّ ما في الأمر.

ريم: [ـــــــ]

ريم: [أنا متأكدة أنّ هذا أيضًا من أفعال ذلك الشخص الغريبة――]

رام: [في تلك الحالة، يجدر بكِ أن تكوني شاكرةً لريم. بفضل فشل عملكِ بسببها، لم يكن هناك ضحايا سوى باروسو، ولهذا أنتِ هنا الآن.]

كما في تنكّره السابق، لم يكن هذا إلا تجسيدًا آخر لذوق سوبارو المشبوه، المعبّر عنه بأبسط الألفاظ.

وكأنّهما في نقاشٍ قد حُسم منذ زمن، أجابت رام بتفهّمٍ على اعتراض ريم. جعلها ذلك السلوك الهادئ تنهض عن السرير وتتوجّه نحو تلك “نجم الصباح”.

وبينما كانت تفكّر في ذلك، انحنت ريم ولمست الكرة الحديدية بأطراف أصابعها. ―ـ وفي تلك اللحظة تحديدًا،

ريوزو: [يا لكِ من لئيمة! أتقولين ذلك في لحظةٍ يفترض أن تكون مؤثرةً ومليئةً بالعاطفة؟]

ريم: [ــــ آه.]

رام: [نعم. تعديل زيّ الخادمة هذا كان من اقتراح رام شخصيًّا، وهي التي أجرت التعديلات بنفسها. وكلّ ذلك لأنّ… رام كانت ترغب في ارتداء زيّ أكثر حرية في الحركة؟ هكذا… كان من المفترض أن يكون السبب؟]

من دون سابق إنذار، تشوّهت رؤيتها واهتزّت، وسقطت إلى الأرض على ظهرها. كان تصرّفًا غير لائق، لكنها في تلك اللحظة لم تملك رباطة الجأش لتشعر بالحرج أو لتدرك ما جرى.

ريم: [كيااه!]

ريم: [آه…]

وضعت سلفي إصبعها على شفتيها وأومأت مؤيدةً استنتاج رام لسببٍ ما. وبالنظر إلى مجرى الحديث، بدا أنّ سلفي نفسها كانت تملك الرغبة في إلباس أحدهم ثيابًا لطيفة أيضًا.

وقعت على مؤخرتها، والدوار يدوّخ رأسها، والعالم يدور من حولها.

ريم: [آه، مزيد من الفتيات الشبيهات بريوزو-ساما…]

لم تعد تستطيع التمييز بين الأرض والسقف، انقلب الأبيض والأسود، وتداخلت الحواس الخمس حتى صار الهواء يُرى، والصوت يُشمّ، والرائحة تُلمس، واللون يُتذوّق، والملمس يُسمع.

حين عادت ريم إلى قصر روزوال، لم تشعر مطلقًا بأي إحساسٍ بأنها «عادت إلى منزلها».

ريم: [ــــ آه، آه.]

سيلفي: [بلى… عذرًا. كنتُ قليلة التبصّر.]

امتزجت كلّ حواسها في دوّامةٍ واحدة، وتداخل ماضي ريم وحاضرها ومستقبلها.

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

قريةٌ بين الجبال، رايةٌ تحمل ذئبًا مطعونًا بالسيوف، صريرُ كرسيٍّ متحرّك، سربُ تنّيناتٍ يملأ السماء، حوتٌ أبيضٌ بشعٌ ينزلق في ليلٍ مظلم، قرنٌ مكسورٌ يطير نحو شفقٍ ملتهبٍ بالنيران، وصبيٌّ يتوسّل بعينين صادقتين، وصبيٌّ يغضب، وصبيٌّ يبكي، وصبيٌّ يضحك――

بمعنى آخر، كانت تلك الفتيات يملكن ملامح متطابقة مع وجه ساحرة اللغز «سفينكس»――

ريم: [ـــــــ]

؟؟؟: [تلك الصرخة أدهشتني، لكني أفهم السبب. لا شك أنّ أيّ شخص سيُصاب بالدهشة عند رؤية ريوزو-ساما وشقيقاتها، بيكو-ساما والبقية.]

وما هي إلا لحظة، حتى انفجر كلّ ذلك التأثير، كما تنفجر فقاعةٌ انبثقت لتوّها.

رام: [يبدو ذلك. فبياتريس-ساما تُظهر حقيقتها حين تكون جالسةً على ركبتي باروسو.]

ريم: [ـــــــ]

رام: [بالفعل. رام شخصيًّا لا تبالي مطلقًا بانحدار سمعة باروسو في نظر ريم إلى الحضيض، لكن ما يزعجها هو أن تُسرق منها الفَضيلة.]

عادت إليها بصرها وسمعها وشمّها وذوقها ولمسها، كلّها في مواضعها الصحيحة، تخبرها بطريقة العيش مجددًا.

عودة الذكريات، أو بالأحرى “عودة الاسم”، التي حلّت بمن أحاطوا بريم، لم تكن سوى الأثر المباشر لسلطة الشراهة التي كانت قد سلبت الاسم والذاكرة معًا.

وكانت الأحاسيس شديدةً تكاد تحرقها من شدّتها، حتى شعرت بدمها يتدفّق بحرارةٍ إلى كلّ أطرافها. رمشت ريم مرّة، مرّتين، ثلاثًا.

سحبت ريم ديوان شعرٍ من الرف وقلّبت صفحاته. كانت الأبيات المكتوبة فيه مما لا ذكرى لها به، لكن لا شكّ أنّ ريم القديمة كانت تحبّه. وكثيرٌ من قصائده تدور حول الحبّ والعشق، ما منحها شعورًا غريبًا ومزيجًا من الطرافة والخجل من ذاتها الماضية.

لم تكن تدري ما الذي حدث بالضبط.

لكن، على الرغم من هذا الدفء والعناية اللذين غمرتها بهما رام، لم تستطع ريم أن تجد في نفسها ذلك الشعور المطمئن الذي كانت تبحث عنه.

فقط――

فمهما يكن، كان سوبارو في تلك اللحظة منشغلًا بشيءٍ آخر تمامًا، يسعى فيه إلى مواساة قلبٍ جُرح بفقدان بريسيلا――

ريم: [أنـا… ريم…؟]

وبينما كانت ريم غارقة في هذه الخواطر، توقّف وعيها للحظة عند ما حدث بعدها مباشرةً.

لا تزال على الأرض، وضعت يدها المرتجفة على خدّها تتحسّس وجودها.

كانت ذراعا رام المرتجفتان وصوتها المتهدّج بعيدان كلّ البعد عن صورة رام التي عرفتها ريم طوال حياتها.

إحساس أصابعها لم يتلاشَ. إحساسٌ هشٌّ زائل، تخشى أن يتحطّم كما تتحطّم قلعةٌ من الرمل الرطب، فلم تُشدّد ضغط أصابعها أكثر.

ريم: [ــــ آه.]

شعرت أنّه لو رغبت بأكثر من ذلك، فكلّ شيءٍ سيتلاشى――

ولابدّ أنّ أولئك كانوا رام وإميليا والبقية، وأخيرًا――

ريم: [ـــــــ]

ريم: [هذا المكان هو…]

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

تبادلت ريوزو وسيلفي نظراتٍ مليئة بالقلق، لكن ريم لم ترغب في الخوض في حيرتها أمامهما.

شهقت دون أن تجرؤ على الالتفات، فقد كانت ذراعا أحدهم تعانقانها من الخلف بإحكام. وبينما غمرها ذلك الإحساس، امتلأ قلبها وعقلها بهاجسٍ واحدٍ: أن تلتفت نحو من يحتضنها.

لكن رام نادت الفتاة أمامهما باسمٍ آخر―― «ريوزو». وبينما كانت ريوزو تُعيد نظرها نحوها، تبادلت ريم مع رام نظرة حيرة.

ريم: [أخـتـي…]

شهقت دون أن تجرؤ على الالتفات، فقد كانت ذراعا أحدهم تعانقانها من الخلف بإحكام. وبينما غمرها ذلك الإحساس، امتلأ قلبها وعقلها بهاجسٍ واحدٍ: أن تلتفت نحو من يحتضنها.

رام: [ــــ انتظري.]

وكانت الأحاسيس شديدةً تكاد تحرقها من شدّتها، حتى شعرت بدمها يتدفّق بحرارةٍ إلى كلّ أطرافها. رمشت ريم مرّة، مرّتين، ثلاثًا.

ريم: [ـــــــ]

رام: [آسفة… آسفة جدًا يا ريم. إنني بائسة.]

رام: [لا تلتفتي بعد. الآن، ولأول مرة في حياتها، تشعر رام بخيبة أملٍ من نفسها.]

راودتها مشاعر مُرّة، وتذكّرت نظرات تلك المرأة ذات العينين الحمراوين كالجمر.

تجمّدت ريم، وقد كُبِحت كلّ رغبتها في الكلام أو الالتفات بكلمات شقيقتها تلك.

كانت تلك الفتاة خادمةً تأتي كثيرًا من قصر روزوال إلى القرية للتسوّق. لم تكن بينهما معرفة وثيقة، ولم تتبادلا حديثًا قطّ، لكن ريم أصبحت أكثر تعبيرًا وانفتاحًا منذ أن بدأ سوبارو يزور القرية. والأهمّ من ذلك، أنّها كانت من أنقذت حياة بيترا وأصدقائها. ――أمّا من كان وراء تهديد حياتهم آنذاك، فكانت ميلي، تلك التي تتحكّم بالوحوش، وهي حكاية أخرى من حكايات القدر. في الحقيقة، ميلي وشقيقتها كانتا تستهدفان أولئك المرتبطين بهما في اللحظات الحاسمة على الدوام.

كانت ذراعا رام المرتجفتان وصوتها المتهدّج بعيدان كلّ البعد عن صورة رام التي عرفتها ريم طوال حياتها.

ريم: [هاه…؟]

فقد كانت رام دومًا شامخةً، نبيلةً، لا تُظهر سوى جانبها القويّ الجليل أمام ريم.

رام: [في تلك الحالة، يجدر بكِ أن تكوني شاكرةً لريم. بفضل فشل عملكِ بسببها، لم يكن هناك ضحايا سوى باروسو، ولهذا أنتِ هنا الآن.]

كان ذلك في لقائهما في الإمبراطورية، وفي طريق عودتهما إلى قصر روزوال وحدهما، وحتى عندما كانت رام تعاني من ارتداد الألم بعد كسر قرنها حين بدأتا العمل في القصر، وفي المعركة المشتعلة مع أتباع عبادة الساحرة وهي تحمي ريم الحمقاء.

ريم: […إنه جميل حقًّا. لكن…]

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

لن تعترف رام بصوتٍ عالٍ، لكن لا شكّ أنّها قد أودعت حتى في نكهة هذا الشاي شيئًا من أملها.

رام: [آسفة… آسفة جدًا يا ريم. إنني بائسة.]

امتزجت كلّ حواسها في دوّامةٍ واحدة، وتداخل ماضي ريم وحاضرها ومستقبلها.

ريم: [أختي الكبرى… ماذا…؟]

رام: [لا شيء يضايقني. أحسنتِ العمل يا سلفي.]

رام: [حتى بعد…]

ريم: [كونكِ تقولين ذلك يبعث فيّ بعض الارتياح…]

ريم: [ـــــــ]

قالت رام ذلك وهي تمسك بمرفقيها، لتردّ عليها ميلي بوجهٍ متجهّمٍ ولسانٍ ممدود.

رام: [حتى بعد أن أحببتك واعتززت بكِ كثيرًا، يا ريم، نسيتك وعشت كلّ هذا الوقت دونك… كم كنتُ قاسيةً وغير إنسانيةٍ كأختك الكبرى.]

وبالطبع، كانت ريم تبادل أختها الشعور ذاته من المودّة العارمة، لكن إحساسها بأنّ ما تمنحه لها رام يفيض أضعافًا مضاعفةً عمّا تقدّمه هي، جعلها في حيرةٍ من أمرها.

اتسعت عينا ريم عند سماع صوت رام الذي تملأه محبّةٌ عظيمة، محبّةٌ كبيرةٌ لدرجة الألم. حرّرت نفسها من التردّد، واستدارت نحو رام وهي تعانقها بشدّة.

رام: [ألم يُقَل لكِ مرارًا؟ رام هي خادمة القصر، خادمة روزوال-ساما.]

رام: [ــهك.]

ريوزو: [حسنًا يا جماعة، لنفتح البوابة.]

اتّسعت عينا رام القرمزيتان المبللتان بالدموع بدهشةٍ خفيفة، فشعرت ريم بحرارةٍ في صدرها وهي تنظر إلى الوجه الذي تأمّلته أطولَ فترةٍ في حياتها.

سيلفي: [كلا، لم يمضِ سوى بضعة أشهرٍ منذ التقينا. وحتى خلال تلك المدة، لم أتمكّن من قضاء وقتٍ طويلٍ معها شخصيًّا.]

نالت اليقين. أنّها إنسانةٌ سعيدة، محاطةٌ بما تحبّه.

???: [ــــ ريم.]

ريم: [أختي الكبرى، لستِ قاسيةً ولا أيّ شيءٍ من ذلك. ريم أيضًا تريد الاعتذار. لطالما جعلتكِ تقلقين بلا توقف، وخذلتُ إخلاص أختٍ كبرى.]

ريم: [أظنّ أن ني-ساما إنسانة رائعة… حتى في مزاحها.]

رام: [ريم…]

ريم: [ـــــــ]

ريم: [ريم تفهم، كلّ شيء. كم انكسر قلب أختي الكبرى لأجلها، وكم من تضحياتٍ فادحةٍ قدّمتِها لتكوني معي حتى اليوم. و…]

تلك الفتيات المجتهدات، اللواتي وُلدن في ظروفٍ مختلفة عن الناس، كنّ الآن، وقد تحرّرن من مصيرهنّ، يسلكن طريقًا جديدًا في الحياة.

رام: [ريم…]

اندهشت ريم من جوابها غير المتوقع، ثم أطرقت رأسها متأمّلة كلمات سيلفي الأخيرة.

ريم: [وأفهم أيضًا ما الذي ينبغي أن تفعله ريم الضعيفة البائسة، التي لم تفعل سوى الأخذ، من الآن فصاعدًا.]

وعلى الرغم من غياب أي تفسير، فإن نبرة رام الهادئة بعثت السكينة في قلب ريم المضطرب. انحلّ اضطرابها تدريجيًّا، ثم التفتت إلى ريوزو بثبات.

رام: [ــــك.]

ثم فتحت الباب، وأشارت بيدها نحو الداخل، فخطت ريم داخله.

ركّزت ريم بصرها على ملامح أختها، وعلى وجنتي رام انحدرت دموعٌ تمسحها ريم بأصابعها، ثمّ منحتها ابتسامةً هادئة. مدّت ذراعها وجذبت رأس أختها نحو صدرها، واحتضنتها برفق.

ثمّ، حين بدأت عملية اختيار الملك، حلّت المأساة التي تسبّب بها كبير خطّاة الشراهة، وكانت ريم من ضحاياها، ليُوظَّفَت بيترا بعدها مكانها، وتنضمّ إلى معسكر إميليا كخادمة.

جلسَت الأختان على الأرض، متعانقتين في دفءٍ ومودّة، تتبادلان الحنان. ―ـ لا، بل كانت رام هي من فعلت ذلك دومًا. ريم كانت المقصّرة.

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

ريم: [هذا…]

قرّبت شفتيها من أذنها وهي تحتضنها، وبهمسٍ رقيقٍ نقلت إليها مشاعرها الفيّاضة. ومع كلّ قطرة دمعةٍ دافئةٍ تسقط على صدرها، ظلّت ريم صامتةً تحتضن رام، تبكي بصمتٍ مليءٍ بالحبّ.

ريم: [ـــــــ]

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

ريوزو: [ما أعنيه أنّي أعتبركما بمثابة حفيدتَيّ!]

لِتملأ عقلها ووجدانها، وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم ترد سوى أن تبقى إلى جانب رام هكذا.

اتسعت عينا ريم عند سماع صوت رام الذي تملأه محبّةٌ عظيمة، محبّةٌ كبيرةٌ لدرجة الألم. حرّرت نفسها من التردّد، واستدارت نحو رام وهي تعانقها بشدّة.

وبعد أن استعادت الأختان الزمن الذي فاتهما، أيقنت ريم أنّ أمامها أمورًا كثيرةً عليها القيام بها―― أناسٌ كثر يجب أن تُعبّر لهم عن امتنانها وحبّها.

حين خبت ثقة رام على نحو غير مألوف في نهاية عبارتها، أمالت ريوزو رأسها، فردّت رام وهي تهمهم: [يا له من شعور مزعج… أن أشكّ في رأيي بنفسي. السبب الذي جعل رام تقترح تعديل الزيّ لم يكن على الأرجح بهذه العشوائية التي تلفّظتُ بها.]

وفوق الجميع، كان أول من خطر ببالها ذلك الفتى ذو الشعر الأسود والعينين الحادتين――

ريم: [مكانُ عملِنا…]

ريم: [ــــ سوبارو-كون.]

ميلي: [ما إن رأيتُ أخت رام-أونييسان حتى تذكّرتُ كيف سحقت قطيع الألغارم تشانز كلّه. أليست تلك هي السبب الذي جعل عملي يفشل~؟]

ولكي تُعبّر عن حبّها، كان عليها أن تنهض.

إلى جانبها، نادت إميليا اسم ريم بصوتٍ مرتجفٍ وهي ترمش بعينيها، تتقدّم خطوةً إلى الأمام ثمّ تتردّد، تفتح فمها وتغلقه مرّاتٍ عدّة كأنّها تبحث عن الكلمات المناسبة،

لأيّ سببٍ سعيدٍ أُتيح لي أن أعيش؟ ―ـ هكذا تحدّثت ريم في أعماقها.

تفادت ذراعي إميليا الممدودتين لتحتضنها، وتجنّبت ميلي التي حاولت الإمساك بكمّها، وانزلقت تحت قدمي روم-جي الذي فوجئ بالموقف، بحركةٍ رشيقةٍ سريعة―― لترتمي أخيرًا في حضن ريم، التي كانت تحدّق بها بعينين متّسعتين.

△▼△▼△▼△

لكنّ بيترا لم تُشِر إلى ذلك، لا بدافع الشفقة أو اللباقة، بل لأنّها لم تكن قادرةً على الكلام أصلًا.

???: [ـــــــ]

ريم: [――آه.]

انحنت الفتاة ذات الزيّ الخادميّ بانحناءةٍ عميقةٍ وصامتة، ثمّ رفعت رأسها، فشهقت بيترا في ذهول.

ريم: [――――]

تجمّدت أجسادهم جميعًا في أماكنهم، مبهوتةً بأعينٍ متّسعة. لم تكن بيترا وحدها، بل ميلي وإميليا أيضًا أصابهم الذهول ذاته عند رؤيتها.

قالت رام ذلك وهي تمسك بمرفقيها، لتردّ عليها ميلي بوجهٍ متجهّمٍ ولسانٍ ممدود.

وفي خضمّ ذلك الصمت المرهوب، كان أوّل من نطق هو――

رام: [ما هذا، لقد كان مجرّد إعداد شاي، ولا داعي أبدًا لأن تعتذري يا ريم اللطيفة.]

???: [ــــ ريم.]

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

كان “سوبارو” المتخيَّل، الكائن اللامادي، واقفًا في مكانه دون حراك، يحدّق في الشخص ذاته الذي كانت بيترا تنظر إليه.

كما في تنكّره السابق، لم يكن هذا إلا تجسيدًا آخر لذوق سوبارو المشبوه، المعبّر عنه بأبسط الألفاظ.

صوته المذهول ذاك وصل إلى مسامع بيترا وحدها. للأسف، الفتاة التي جذبت أنظار الجميع نحوها لم تستطع أن ترى “سوبارو” الشفّاف ذاك، وحتى بيترا لم يكن لديها وقتٌ لتُعينه أو تلتفت إليه.

نالت اليقين. أنّها إنسانةٌ سعيدة، محاطةٌ بما تحبّه.

غير أنّها كانت واثقةً تمامًا ممّا نطق به “سوبارو”. ――فالتي وقفت أمامهم لم تكن سوى الفتاة العزيزة الغالية عليه، ريم، دون أدنى شكّ.

سلفي: [رام-ساما، يبدو أنك جعلتها تعتذر بنظرتك الحادّة. كان زوجي السابق حادّ الطبع إلى درجةٍ مفرطة، لكنه كان يرضى لو تلقّى اعتذارًا فحسب.]

بيترا: [ـــــ آه.]

ريم: [لكن يا أختي، إن كان الأمر كذلك، فمعنى ذلك أننا حتى بعد عودتنا إلى القصر، لن نجد سبيلًا كثيرًا لاستعادة ذاكرتي، أليس كذلك؟]

في تلك اللحظة، ومضت شرارة في عقل بيترا، فتبدّد الضباب الذي كان يغلّف وعيها طبقةً تلو أخرى.

رام: [بالفعل. رام شخصيًّا لا تبالي مطلقًا بانحدار سمعة باروسو في نظر ريم إلى الحضيض، لكن ما يزعجها هو أن تُسرق منها الفَضيلة.]

إنّ حضور تلك الفتاة، التي تملك قوّة جذبٍ هائلة لمجرّد وجودها أمامها، جعل الذكريات التي كانت منسيةً في ركنٍ بعيدٍ من ذهنها، مطموسةً في غشاوة النسيان، تعود لتتدفّق في أروقة وعيها.

رام: [كلمة “ترويض” فظة. كل ما في الأمر هو الإخلاص والمحبّة.]

وهكذا، اجتاحها سيلٌ من الصور الحيّة، كشررٍ متطايرٍ من شدّة وقعها عليها.

وقعت على مؤخرتها، والدوار يدوّخ رأسها، والعالم يدور من حولها.

――لم يكن الزمن الذي أمضته بيترا مع ريم، بصفتها “بيترا”، طويلًا في الواقع.

سيلفي: [ما زلتُ جديدة هنا، ولم أعمل مع ريم-ساما أو الأخريات من قبل. فضلًا عن ذلك، تم توظيفي لا من قِبل المارغريف، بل من قِبل ميلواد-ساما. بل وأكثر من ذلك.]

كانت تلك الفتاة خادمةً تأتي كثيرًا من قصر روزوال إلى القرية للتسوّق. لم تكن بينهما معرفة وثيقة، ولم تتبادلا حديثًا قطّ، لكن ريم أصبحت أكثر تعبيرًا وانفتاحًا منذ أن بدأ سوبارو يزور القرية. والأهمّ من ذلك، أنّها كانت من أنقذت حياة بيترا وأصدقائها. ――أمّا من كان وراء تهديد حياتهم آنذاك، فكانت ميلي، تلك التي تتحكّم بالوحوش، وهي حكاية أخرى من حكايات القدر. في الحقيقة، ميلي وشقيقتها كانتا تستهدفان أولئك المرتبطين بهما في اللحظات الحاسمة على الدوام.

ومع ذلك، أدركت من النظافة البالغة والعناية في تنسيق البناء وأحواض الزهور والشجيرات، أنّ كل ركنٍ من أركان القصر يدار بعنايةٍ دقيقة، مما جعلها تنتصب وقارًا دون وعيٍ منها.

على أيّ حال، كانت صلة بيترا بتلك الفتاة ضعيفةً وهشّة.

ريم: [――آه.]

ثمّ، حين بدأت عملية اختيار الملك، حلّت المأساة التي تسبّب بها كبير خطّاة الشراهة، وكانت ريم من ضحاياها، ليُوظَّفَت بيترا بعدها مكانها، وتنضمّ إلى معسكر إميليا كخادمة.

ريم: [أخـتـي…]

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

ريم: [كيااه!]

???: [ريم… ريم، أهي أنتِ حقًّا؟]

ريوزو: [حسنًا يا جماعة، لنفتح البوابة.]

كما لو أنّ بطاقةً مقلوبة كُشف وجهها فجأة، استبدلت بيترا سوء فهمها إدراكًا صافيًا، وبدأت تفهم الحقيقة.

لكن سيلفي هزّت رأسها نافيةً بلطف وقالت:

إلى جانبها، نادت إميليا اسم ريم بصوتٍ مرتجفٍ وهي ترمش بعينيها، تتقدّم خطوةً إلى الأمام ثمّ تتردّد، تفتح فمها وتغلقه مرّاتٍ عدّة كأنّها تبحث عن الكلمات المناسبة،

وضعت الكوب الذي فرغت منه على الطاولة وأغمضت عينيها، متحدثة بصوتٍ مراوغ. غير أنّ رام ابتسمت بسخرية خفيفة قائلة:

إميليا: [أمم، أنا آسفة، بدا ذلك غريبًا. لطالما علمتُ أنّ ريم هي ريم فعلًا… لكن، لم أقصد ذلك المعنى تحديدًا.]

كانت الساحرة التي تسببت في دمار الإمبراطورية تُدعى سفينكس.

ريم: [لا داعي للقلق يا إميليا-ساما. أرجوكِ، اهدئي وخذي وقتكِ، فريم تفهم أيضًا أنّ كلّ هذا مفاجئ.]

رام: [ـــــ كم أنتِ وقحة، أيتها الريوزو الحقيرة.]

إميليا: [ــــ نعم، شكرًا لك. هناك الكثير ممّا أودّ قوله، ولكن…]

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

ريم: [ولكن؟]

سحبت ريم ديوان شعرٍ من الرف وقلّبت صفحاته. كانت الأبيات المكتوبة فيه مما لا ذكرى لها به، لكن لا شكّ أنّ ريم القديمة كانت تحبّه. وكثيرٌ من قصائده تدور حول الحبّ والعشق، ما منحها شعورًا غريبًا ومزيجًا من الطرافة والخجل من ذاتها الماضية.

إميليا: […ذلك المظهر يليق بكِ حقًّا. يجعلكِ تبدين كما لو أنّكِ ريم حقًّا.]

وبعد أن استعادت الأختان الزمن الذي فاتهما، أيقنت ريم أنّ أمامها أمورًا كثيرةً عليها القيام بها―― أناسٌ كثر يجب أن تُعبّر لهم عن امتنانها وحبّها.

وضعت إميليا يدها على صدرها وابتسمت لريم، وكانت عيناها البنفسجيتان تبرقان بدموعٍ محبوسة. في مقابل كلماتها، رفعت ريم حاجبيها قليلًا ثمّ أومأت.

رام: [سواء امتلك الإنسان ذكرياته أم لا، متى ما قرّر أن يبدأ طريقًا جديدًا، فعليه عادة أن يبدأ الجمع من الصفر. ريم ليست استثناءً.]

ثمّ نفخت صدرها بفخرٍ وهي ترتدي زيّها الخادمي وقالت:

لم تكن تتوقّع أن يحدث مثل هذا الاضطراب قبل حتى أن تدخل باحة القصر، ولكن ما دامت قد أُذن لها بالدخول، لم يكن عليها أن تبقى على هذا الارتباك طويلًا.

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

ريم: [أنها أيضًا… أختي الصغرى؟]

وبمجرد سماعها إجابة ريم، أومأت رام بذراعيها المتقاطعتين برضا واضح.

بمعنى آخر، كانت تلك الفتيات يملكن ملامح متطابقة مع وجه ساحرة اللغز «سفينكس»――

???: […ما الذي يجري فجأةً هكذا؟]

لم تكن تتوقّع أن يحدث مثل هذا الاضطراب قبل حتى أن تدخل باحة القصر، ولكن ما دامت قد أُذن لها بالدخول، لم يكن عليها أن تبقى على هذا الارتباك طويلًا.

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

خرج من شعرها عقربٌ قرمزيٌّ صغير، يُصدر طقطقة بمخالبه كأنّه قلقٌ من ردّة فعل سيّدته، فأغلقت ميلي إحدى عينيها، واضعةً يدها على جبينها، وقالت:

وضعت رام يدها على صدرها وقالت بثقةٍ متناهية، مما جعل ريم تخجل من قلقها المفرط. لقد توقّعت رام كل ذلك من دون أن تحتاج ريم إلى البوح به.

ميلي: [ما إن رأيتُ أخت رام-أونييسان حتى تذكّرتُ كيف سحقت قطيع الألغارم تشانز كلّه. أليست تلك هي السبب الذي جعل عملي يفشل~؟]

في اللحظة التي أظهرت فيها ريم طيبة قلبها ولم تتجنّبها، ارتمت بيترا في أحضانها بقوّةٍ تعانق جسدها النحيل. رمشت ريم بعينيها، ثمّ بادلت العناق لبيترا التي كانت تتشبّث بها رافضةً أن تفلتها.

رام: [في تلك الحالة، يجدر بكِ أن تكوني شاكرةً لريم. بفضل فشل عملكِ بسببها، لم يكن هناك ضحايا سوى باروسو، ولهذا أنتِ هنا الآن.]

؟؟؟: [ـــــــ]

ميلي: [مشاعر مختلطة… من الصعب التعبير عن امتناني~.]

ريم: [نصف شخص بثلاثة معًا…]

قالت رام ذلك وهي تمسك بمرفقيها، لتردّ عليها ميلي بوجهٍ متجهّمٍ ولسانٍ ممدود.

رام: [ـــــ تبدين كئيبة يا ريم. هل أزعجتك سيلفي أو شيءٌ من هذا القبيل؟]

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

رام: [أليس كذلك؟ إعداد الشاي هو التخصص الوحيد الذي تتقنه رام كخادمة.]

???: [كما تفهمون، في اللحظة التي يقع فيها نظر من عرف ريم سابقًا عليها، تستعاد داخله ذكرياته عنها. استعادةٌ كاملة. لم تستطع ريوزو-ساما ولا أنا كبح أنفسنا، ونتيجةً لذلك تأخّرنا عن اللّحاق بالجميع. اعتراف.]

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

رام: [ردّة فعل كْليند كانت فاترة ومملّة، لكنّ نوبة ريوزو-ساما كانت هائلةً بالفعل، مشهدٌ لا يُرى إلّا لمن كان حاضرًا.]

انفكت مزاليج الباب، وانفتح الممر المؤدي إلى الداخل، وكان من يُحرّكه عددٌ من الأشخاص استجابوا لنداء ريوزو، لكلٍّ منهم شعرٌ وحُليٌّ تختلف بحسب ذوقه، لكنّهم جميعًا يحملون الوجه نفسه الذي تحمله ريوزو.

كليند: [أرى، مشهدٌ يُرى، تقولين. حقًّا، كان ما شهدناه استثنائيًّا. موافقة.]

لم ترغب ريم أن تثير سخط بريسيلا، ولا أن تسلك طريقًا مخزيًا في حياتها.

رام: [ــــ هه.]

ومهما يكن، فقد كانت شكوك ريم بشأن باروسو في مسألة الأزياء في غير محلّها.

عودة الذكريات، أو بالأحرى “عودة الاسم”، التي حلّت بمن أحاطوا بريم، لم تكن سوى الأثر المباشر لسلطة الشراهة التي كانت قد سلبت الاسم والذاكرة معًا.

ريم: [أنـا… ريم…؟]

وحين لمح كليند ذلك المعنى، ألقى نظرةً ذات مغزى نحو رام، التي أدارت وجهها في امتعاضٍ واضحٍ وأطلقت شهيقًا ساخطًا.

ريوزو: [كُفّي عن الثرثرة يا رام! هذا ما أقوله بالضبط! هذه هي الآثار السيئة لالصغير روس والصغير سو!]

ولو تمعّنت النظر، لوجدتَ احمرارًا خفيفًا حول عيني رام، ما يوحي بأنّ ملاحظته قد أصابت الوتر الحسّاس.

ثم فتحت الباب، وأشارت بيدها نحو الداخل، فخطت ريم داخله.

لكنّ بيترا لم تُشِر إلى ذلك، لا بدافع الشفقة أو اللباقة، بل لأنّها لم تكن قادرةً على الكلام أصلًا.

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

ريم: [ــــ بيترا-سان؟]

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

فجأة، اتّسعت عينا ريم التي كانت في بؤرة الأنظار حين رأت بيترا الصامتة. استدارت إميليا والآخرون بدورهم نحو بيترا عند ملاحظة ردّة فعلها، فدهشوا جميعًا من حالها.

ريم: [نصف شخص بثلاثة معًا…]

وكانت دهشتهم في محلّها، إذ كانت بيترا، التي لم تنطق بكلمة منذ لحظة، تبكي بكاءً حارًّا، والدموع تنهمر من عينيها المستديرتين، بينما تحاول عبثًا كتم شهقاتها المتقطّعة.

ريم: [الآن وقد فكّرتُ في الأمر، سيكون من الغريب حقًّا أن تخاطب ني-ساما ريوزو-سان بلقب (ساما) إن كانت أختنا الصغرى أنا وهي.]

إميليا: [بيترا-تشان!؟ يا إلهي، تبكي دون توقّف――]

ريوزو: [كلا. لا تخلطي الأمر بمزحةٍ سخيفة من رام. يا لها من وجع رأس.]

بيترا: [ــــ هـك.]

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

جلست رام بدورها بصمتٍ إلى جوار ريم فوق السرير. نظرت إليها بعينيها القرمزيتين المليئتين بالعطف، فأغمضت ريم عينيها وهزّت رأسها بخفة.

تفادت ذراعي إميليا الممدودتين لتحتضنها، وتجنّبت ميلي التي حاولت الإمساك بكمّها، وانزلقت تحت قدمي روم-جي الذي فوجئ بالموقف، بحركةٍ رشيقةٍ سريعة―― لترتمي أخيرًا في حضن ريم، التي كانت تحدّق بها بعينين متّسعتين.

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

ثمّ――

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

بيترا: [ريـــــم!]

وضعت إميليا يدها على صدرها وابتسمت لريم، وكانت عيناها البنفسجيتان تبرقان بدموعٍ محبوسة. في مقابل كلماتها، رفعت ريم حاجبيها قليلًا ثمّ أومأت.

ريم: [كيااه!]

وما خطر في بالها في تلك اللحظة كان وجوه الذين تُحبّهم: سبيكا وكاتيا. ومع أنّ علاقتها بهما نشأت بعد فقدانها ذاكرتها، فإنّ الوقت الذي أمضته معهما لم يكن طويلًا على الإطلاق.

في اللحظة التي أظهرت فيها ريم طيبة قلبها ولم تتجنّبها، ارتمت بيترا في أحضانها بقوّةٍ تعانق جسدها النحيل. رمشت ريم بعينيها، ثمّ بادلت العناق لبيترا التي كانت تتشبّث بها رافضةً أن تفلتها.

سلفي: [أ-أهكذا تتحدثين عن رأيك أنتِ؟!]

بيترا: [ريـم… ريمي، ريييم…!]

قرّبت شفتيها من أذنها وهي تحتضنها، وبهمسٍ رقيقٍ نقلت إليها مشاعرها الفيّاضة. ومع كلّ قطرة دمعةٍ دافئةٍ تسقط على صدرها، ظلّت ريم صامتةً تحتضن رام، تبكي بصمتٍ مليءٍ بالحبّ.

تداعى تماسك بيترا أمام ردّ ريم الحاني، ولم تستطع كبح دموعها المتدفّقة؛ وجدت نفسها تخرق عهدها بعدم البكاء أمام الآخرين، عاجزةً عن التخلّي عن هذا الحضن الدافئ.

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

رام: [――ريم، هذه غرفتك.]

ريم: [أمم، هل أنا فقط لا أتذكّر، أم أنّ علاقتي ببيترا-سان كانت قريبةً لهذه الدرجة لتبكي هكذا من أجلي…؟]

???: [ــــ ريم.]

ثمّ، وهي لا تزال عاجزةً عن إخفاء حيرتها، تابعت بلمسةٍ حنونٍ على رأس بيترا المرتجف.

ثمّ، وهي لا تزال عاجزةً عن إخفاء حيرتها، تابعت بلمسةٍ حنونٍ على رأس بيترا المرتجف.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 27 يوم متبقي
39,400 شعلة الهدف: 66,666
59.1%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 10,000
🥈3lawe🔥 100
🥉a10🔥 100
4Abdulsalam ALsayyed🔥 100
5Aisha Fathi🔥 100
6Ali AlTahou🔥 100
7ASDFG 970🔥 100
8Asmae🔥 100
9Ba Oumar🔥 100
10Mohammed Alhowishal🔥 100

قرّبت شفتيها من أذنها وهي تحتضنها، وبهمسٍ رقيقٍ نقلت إليها مشاعرها الفيّاضة. ومع كلّ قطرة دمعةٍ دافئةٍ تسقط على صدرها، ظلّت ريم صامتةً تحتضن رام، تبكي بصمتٍ مليءٍ بالحبّ.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط