Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 35

41.35
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

41.35

حين عادت ريم إلى قصر روزوال، لم تشعر مطلقًا بأي إحساسٍ بأنها «عادت إلى منزلها».

سيلفي: [كلا، لم يمضِ سوى بضعة أشهرٍ منذ التقينا. وحتى خلال تلك المدة، لم أتمكّن من قضاء وقتٍ طويلٍ معها شخصيًّا.]

???: [ريم، أترين ذلك؟ ذاك هو القصر العائد إلى روزوال-ساما، المكان الذي تعمل فيه رام والآخرون.]

ميلي: [مشاعر مختلطة… من الصعب التعبير عن امتناني~.]

ريم: [مكانُ عملِنا…]

ميلي: [ما إن رأيتُ أخت رام-أونييسان حتى تذكّرتُ كيف سحقت قطيع الألغارم تشانز كلّه. أليست تلك هي السبب الذي جعل عملي يفشل~؟]

بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تُضفي على المشهد من خلال نافذة عربة التنانين، أشارت رام إلى القصر الماثل في الأفق، فرفرفت جفون ريم، وتقلّبت نظرات عينيها الزرقاوين الفاتحتين على وقع كلمات أختها الكبرى.

قريةٌ بين الجبال، رايةٌ تحمل ذئبًا مطعونًا بالسيوف، صريرُ كرسيٍّ متحرّك، سربُ تنّيناتٍ يملأ السماء، حوتٌ أبيضٌ بشعٌ ينزلق في ليلٍ مظلم، قرنٌ مكسورٌ يطير نحو شفقٍ ملتهبٍ بالنيران، وصبيٌّ يتوسّل بعينين صادقتين، وصبيٌّ يغضب، وصبيٌّ يبكي، وصبيٌّ يضحك――

كانتا قد شاركتا العربة في طريقهما إلى المدينة الصناعية كوستول، والآن بعد أن استقلّتا عربةً أخرى أُعدّت لرحلة العودة، بدا لهما ما تلوح لهما أعينهما هو «المنزل» الغائب عن الذاكرة.

رام: [هذا هو زيّ الخدم الذي ترتديه رام وريم أثناء عملهما في القصر.]

بوابة شامخة، ومن ورائها قصر فخم. قصر روزوال، الفاره في زخرفته، حتى أكثر من قصر بيرستتز الذي أقامتا فيه مع كاتيا في عاصمة إمبراطورية فولاكيا، بناءٌ متفرّد الأناقة، يستحيل نسيانه بعد نظرة واحدة.

وبينما كانت تفكّر في ذلك، انحنت ريم ولمست الكرة الحديدية بأطراف أصابعها. ―ـ وفي تلك اللحظة تحديدًا،

ومع ذلك――

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

رام: [ها؟]

ريم: [ـــــــ]

ريم: […أعتذر، يا أختي الكبرى.]

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

هزّت ريم رأسها في خفوتٍ وقد غاب عنها الحماس، معتذرةً لعدم قدرتها على مجاراة توقعات أختها.

سيلفي: [كلا، لم يمضِ سوى بضعة أشهرٍ منذ التقينا. وحتى خلال تلك المدة، لم أتمكّن من قضاء وقتٍ طويلٍ معها شخصيًّا.]

كانت رحلتها هذه قد خلت من سوبارو وإميليا والآخرين الذين سلكوا طرقًا مختلفة لأهداف مختلفة، فعادت مع رام وحدها إلى القصر. كانت تأمل أن تثير الرحلة ذكرياتٍ مفقودة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

ويبدو أن القصر نفسه لم يكن استثناءً من هذا، رغم أنه المكان الأثمن في حياتي ريم ورام.

سلفي: [تحملين فيك مزيجًا من الجدية والسحر… ولأكون صادقة، لم تتح لي من قبل فرصة تذوّق شاي بهذا المستوى.]

رام: [أرى. لا بأس، فذلك لا يُلام عليه أحد. لقد مضى وقتٌ طويل منذ عملنا في هذا القصر، والقصر الذي تحملين له ذكرى عزيزة ليس هذا الذي أمامنا.]

اتسعت عينا ريم دهشةً من هذا الخبر المفاجئ، بل ومن الصورة الجديدة لأوتو كما روَتها رام.

ريم: [هاه…؟]

ريم: [――――]

رام: [على كل حال، القصر السابق أُحرق بالكامل على يد أوتو الغاضب، فلم يعُد له وجود. كنت لأفكر في زيارته لو لم يصبح رمادًا.]

لكنّ تفكيرها قُطع بكلمات رام، التي بدأت بقولها: [حقًّا…]

ريم: [أوتو-سان هو من فعل ذلك…؟ لم يكن يبدو كشخصٍ قد يقوم بمثل هذا.]

نالت اليقين. أنّها إنسانةٌ سعيدة، محاطةٌ بما تحبّه.

اتسعت عينا ريم دهشةً من هذا الخبر المفاجئ، بل ومن الصورة الجديدة لأوتو كما روَتها رام.

وفي خضمّ ذلك الصمت المرهوب، كان أوّل من نطق هو――

فأوتو، وزير الشؤون الداخلية في الفريق، كان لطيف المعشر، صديقًا ملازمًا لسوبارو، ورجلًا لا يعرف النوم، بحسب ما قالته بيترا وفريدريكا. لذا بدا خبر إشعاله القصر غضبًا منافيًا لصورته تلك.

――فذلك هو الخيط الأكيد الذي يربط بين ريم الماضي وريم الحاضر.

وربما، كما يُقال، إنّ المظاهر خداعة، وعليها أن تقبل ذلك الآن.

كلمات سيلفي كانت صائبة. ――وبينما تقترب ريم من هذا اليقين، تراءت في ذهنها بوضوح صورة سوبارو، فشدّت شفتيها في صمت.

ريم: [إذن، أصدقاء إميليا-سان جميعهم من هذا النوع؟ مثل غارفيل، وروزوال-سان أيضًا…]

لكن، على الرغم من هذا الدفء والعناية اللذين غمرتها بهما رام، لم تستطع ريم أن تجد في نفسها ذلك الشعور المطمئن الذي كانت تبحث عنه.

رام: [قولي «روزوال-ساما».]

رام: [هذا هو زيّ الخدم الذي ترتديه رام وريم أثناء عملهما في القصر.]

ريم: […روزوال-ساما أيضًا.]

ثم وضعت رام يدها برفقٍ على كتف ريم وقالت:

رام: [أحسنتِ. لكن تشبيه روزوال-ساما بهؤلاء الثلاثة خطأ فادح، ريم. روزوال-ساما رجلٌ حكيمٌ ماهر، يُقال إنه أعظم ساحرٍ في هذا العالم. وبالمقارنة به، أولئك الثلاثة مجتمعين لا يعادلون شخصًا كاملًا… بل نصف شخص.]

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

ريم: [نصف شخص بثلاثة معًا…]

سيلفي: [سيّدتي هي نفسي وحدي. وأمّا سيّدة قلبي، فلا أحد سوى إميليا-ساما.]

تخيّلت ريم أوتو وغارفيل ثم سوبارو، الواحد فوق كتفي الآخر، بينما يقف روزوال، القادر على الطيران بسحره، إلى جانبهم. وحتى دون أن تدرك تمامًا ما الذي يفصل بينهم، شعرت أن رام لم تكن مخطئة.

رام: [كلمة “ترويض” فظة. كل ما في الأمر هو الإخلاص والمحبّة.]

ورغم غياب ذكرياتها، إلا أن الثقة والمودّة التي شعرت بها تجاه رام، أختها التوأم، كانت شعورًا حقيقيًّا لا شكّ فيه.

ريم: [ــــ آه، آه.]

――فذلك هو الخيط الأكيد الذي يربط بين ريم الماضي وريم الحاضر.

وكانت الأحاسيس شديدةً تكاد تحرقها من شدّتها، حتى شعرت بدمها يتدفّق بحرارةٍ إلى كلّ أطرافها. رمشت ريم مرّة، مرّتين، ثلاثًا.

ريم: […هذا النوع من التفكير، سيُغضب بريسيلا-سان.]

وحين اقتربت منها، لاحظت أنّ هناك قاعدةً حديديةً صغيرةً صُنعت خصّيصًا لحمل الكرة حتى لا تخدش الأرض بمساميرها، ما دلّ على عنايةٍ دقيقةٍ بالتفاصيل. وكان القماش وزيت التلميع في الموضع ذاته، مما أكّد كلام رام عن أنّ سوبارو كان يلمّعها يوميًا.

راودتها مشاعر مُرّة، وتذكّرت نظرات تلك المرأة ذات العينين الحمراوين كالجمر.

وقعت على مؤخرتها، والدوار يدوّخ رأسها، والعالم يدور من حولها.

تلك التي تركت أثرًا عميقًا في طريقة تفكيرها وسيرها، ما كانت لترضى أن تراها مقيّدة بالماضي أو مستسلمة لمديح الآخرين.

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

لم ترغب ريم أن تثير سخط بريسيلا، ولا أن تسلك طريقًا مخزيًا في حياتها.

ريم: [نصف شخص بثلاثة معًا…]

ولذلك، وبّخت نفسها على تشاؤمها، وصفعت خديها، ورفعت رأسها عاليًا.

وقفت ريم مأخوذةً بجمال رام التي صفّفت شعرها الوردي وقالت ذلك بثقةٍ وابتهاج. أما ريوزو، فتنفّست قائلةً بخفة:

ريم: [لكن يا أختي، إن كان الأمر كذلك، فمعنى ذلك أننا حتى بعد عودتنا إلى القصر، لن نجد سبيلًا كثيرًا لاستعادة ذاكرتي، أليس كذلك؟]

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

رام: [ههه، فهمٌ سريع. أختٌ صغيرة ذكية تُبهج رام فعلًا.]

ومع ذلك――

ريم: [كلا، لا أظن أن هذا يستحقّ المدح منكِ، يا أختي الكبرى…]

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

رام: [ولكن، أتعلمين من هي الأخت الكبرى التي تقف أمامك؟ أتظنين أن رام، أخت ريم، يمكن أن تُغفل مثل هذا الأمر؟]

ريم: [نجم الصباح؟]

وضعت رام يدها على صدرها وقالت بثقةٍ متناهية، مما جعل ريم تخجل من قلقها المفرط. لقد توقّعت رام كل ذلك من دون أن تحتاج ريم إلى البوح به.

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

وما أثار فضول ريم بعد ذلك، هو ما كانت رام تخطّط له――

اندهشت ريم من جوابها غير المتوقع، ثم أطرقت رأسها متأمّلة كلمات سيلفي الأخيرة.

ريم: [إن كنّا نعود إلى القصر، وليس ذلك هو الهدف الحقيقي، فهل الهدف إذن شخصٌ ما؟]

رام: [لا، لقد أخطأت. ريم استثناء. فهي غالية جدًّا على قلب رام، بعد كلّ شيء.]

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

رام: [نعم. هذا ما بدأ باروسو بمناداته به، ومع الوقت التصق الاسم به… ويبدو أنّه أيضًا شيءٌ كانت ريم تعتزّ به.]

ابتسمت رام لِحَدْسِ أختها، وفي تلك اللحظة تقريبًا توقفت عربة التنانين.

فمهما يكن، كان سوبارو في تلك اللحظة منشغلًا بشيءٍ آخر تمامًا، يسعى فيه إلى مواساة قلبٍ جُرح بفقدان بريسيلا――

تأرجحت ريم قليلًا وهي تستشعر اهتزاز العربة بعد أن كفّت حماية «تجنّب الرياح» عن عملها، بينما نهضت رام في أناقة ومدّت يدها نحوها.

كان ذلك في لقائهما في الإمبراطورية، وفي طريق عودتهما إلى قصر روزوال وحدهما، وحتى عندما كانت رام تعاني من ارتداد الألم بعد كسر قرنها حين بدأتا العمل في القصر، وفي المعركة المشتعلة مع أتباع عبادة الساحرة وهي تحمي ريم الحمقاء.

رام: [حسنًا، لقد وصلنا. هيا بنا.]

لكن، على الرغم من هذا الدفء والعناية اللذين غمرتها بهما رام، لم تستطع ريم أن تجد في نفسها ذلك الشعور المطمئن الذي كانت تبحث عنه.

ريم: [نعم، يا أختي الكبرى.]

وفي كلّ مكانٍ كانت تقف فيه، كانت رام تروي لها الذكريات المرتبطة به، فتقول: [تلك أحواض الزهور التي غُمر رأس باروسو فيها بالسماد]، أو [تلك الأعمدة عليها آثار أنياب غارف، سأوبّخه لاحقًا]، أو [آه، الرسم الذي خطّته إميليا-ساما وبياتريس-ساما لروحٍ عظمى على الأرض ما يزال هنا]، حتى لم تترك لها وقتًا لتغرق في حنينها الحزين.

أمسكت ريم بيد رام، تكتم اضطراب قلبها، وترجلت من العربة.

كانت ذراعا رام المرتجفتان وصوتها المتهدّج بعيدان كلّ البعد عن صورة رام التي عرفتها ريم طوال حياتها.

وفيما كانت رام تتحدث إلى السائق الذي رافقهما حتى الآن، خطت ريم خطوةً إلى الأمام ونظرت عبر قضبان البوابة الحديدية إلى القصر وحديقته الأمامية الهادئة.

رام: [في تلك الحالة، يجدر بكِ أن تكوني شاكرةً لريم. بفضل فشل عملكِ بسببها، لم يكن هناك ضحايا سوى باروسو، ولهذا أنتِ هنا الآن.]

ريم: [هذا المكان هو…]

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

ضيّقت ريم عينيها الزرقاوين وهي تتأمل القصر الذي لم يحمل إلى ذهنها أي ذكرى.

عودة الذكريات، أو بالأحرى “عودة الاسم”، التي حلّت بمن أحاطوا بريم، لم تكن سوى الأثر المباشر لسلطة الشراهة التي كانت قد سلبت الاسم والذاكرة معًا.

ومع ذلك، أدركت من النظافة البالغة والعناية في تنسيق البناء وأحواض الزهور والشجيرات، أنّ كل ركنٍ من أركان القصر يدار بعنايةٍ دقيقة، مما جعلها تنتصب وقارًا دون وعيٍ منها.

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

فبغضّ النظر عن ذاكرتها، إذا كانت ستقيم في هذا القصر من الآن فصاعدًا، فمكانها سيكون بلا شكّ خادمةً مثل رام وفريدريكا.

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

ميلي: [مشاعر مختلطة… من الصعب التعبير عن امتناني~.]

للحظةٍ، خُيِّل إليها أن الصوت صوت سوبارو، لكنها أبعدت هذا الخاطر المُدلّل بقوة.

ابتسمت رام لِحَدْسِ أختها، وفي تلك اللحظة تقريبًا توقفت عربة التنانين.

فمهما يكن، كان سوبارو في تلك اللحظة منشغلًا بشيءٍ آخر تمامًا، يسعى فيه إلى مواساة قلبٍ جُرح بفقدان بريسيلا――

ثم وضعت رام يدها برفقٍ على كتف ريم وقالت:

???: [――أوه؟ أوه، أوااه، أواااه!]

وببراعةٍ لافتة، صبّت رام الشاي في الأكواب الثلاثة، وأشارت بعينيها إلى ريم لتتذوقه. فاستجابت ريم لإشارتها، ورفعت الكوب إلى فمها، لتتسع عيناها على الفور.

سمعت فجأةً صرخةً عالية، فتراجعت إلى الخلف مذعورة وهي تقول «آه!».

وما أثار فضول ريم بعد ذلك، هو ما كانت رام تخطّط له――

أتت الصرخة من وراء القضبان، أي من داخل أسوار القصر نفسه. وهناك―― كانت تقف فتاة صغيرة، قبضتاها تمسكان بالقضبان، وعيناها متسعتان على اتساعهما.

؟؟؟: [تلك الصرخة أدهشتني، لكني أفهم السبب. لا شك أنّ أيّ شخص سيُصاب بالدهشة عند رؤية ريوزو-ساما وشقيقاتها، بيكو-ساما والبقية.]

مظهرها لطيف، شعرها طويل ورديّ اللون، ويبدو عمرها بين الحادية عشرة والثانية عشرة، ترتدي ثوبًا أسود يغطي جسدها كله ما عدا رأسها، تحدّق بثباتٍ نحو ريم.

لم تكن تدري ما الذي حدث بالضبط.

ريم تتذكر هذه الفتاة―― من دوّامة الكارثة في الإمبراطورية.

رام: [ــــك.]

ريم: [أنتِ… أنتِ الساحرة التي جلبت الكارثة العظمى!]

جلسَت الأختان على الأرض، متعانقتين في دفءٍ ومودّة، تتبادلان الحنان. ―ـ لا، بل كانت رام هي من فعلت ذلك دومًا. ريم كانت المقصّرة.

رام: [آه، ريوزو-ساما، شكرًا على الاستقبال.]

ريم تتذكر هذه الفتاة―― من دوّامة الكارثة في الإمبراطورية.

ارتجفت ريم رعبًا، بينما أشارت تلك الفتاة ــ صاحبة الكارثة ــ نحوها بإصبعها.

سلفي: […إنّه لشرف لي سماع هذا الإطراء، وسأعتبره مُسجّلًا.]

لكن رام، غير مبالية، تقدّمت بخطواتٍ واثقة وخاطبت الفتاة، فالتفتت ريم نحوها بدهشة، فيما عبست الفتاة وردّت بانزعاج:

لا تزال على الأرض، وضعت يدها المرتجفة على خدّها تتحسّس وجودها.

ريوزو: [رام! عدتِ إلى البيت. عدتِ لكنك… سريعةٌ جدًا!]

ريوزو: [مرّ وقت منذ رأينا رام في مثل هذا الزيّ، أليس كذلك؟]

رام: […أتطلبين مني أن أحملكِ مثلما يفعل غارف أو فريدريكا، ريوزو-ساما؟]

رضخت سلفي وريوزو بدورهما أمام تفوّق رام، واحتسيتا الشاي بهدوء.

ريوزو: [ليس هذا ما أعنيه! على أي حال، تلك الفتاة هناك…]

لم تسألها رام عن شيء، ولكنها جعلتها تشعر برغبةٍ في السؤال.

ريم: [يا أختي، من تكون هذه؟]

ريم: [ني-ساما، هذا الزيّ…]

كانت الساحرة التي تسببت في دمار الإمبراطورية تُدعى سفينكس.

زفرت رام ضحكة قصيرة نحو ريوزو ذات الشفتين المزمومتين، ثم سكبت الشاي لهما أيضًا.

لكن رام نادت الفتاة أمامهما باسمٍ آخر―― «ريوزو». وبينما كانت ريوزو تُعيد نظرها نحوها، تبادلت ريم مع رام نظرة حيرة.

رام: [――أخت رام الصغرى. فشعرها له اللون نفسه مثل رام.]

ثم وضعت رام يدها برفقٍ على كتف ريم وقالت:

???: [ــــ ريم.]

رام: [قدّمي نفسكِ لها من فضلك.]

ريم: [ألا يكشف القليل من الجلد أكثر من زيّ سيلفي-سان؟ ما الفرق…؟ أيمكن أنّ ذلك الشخص هو من صمّمه؟]

ريم: [――――]

ريم: [لكنّ السبب هو أنّ ذلك الشخص يفعل دومًا أشياء توحي بغير مقصده.]

وعلى الرغم من غياب أي تفسير، فإن نبرة رام الهادئة بعثت السكينة في قلب ريم المضطرب. انحلّ اضطرابها تدريجيًّا، ثم التفتت إلى ريوزو بثبات.

ريم: [أنتِ… أنتِ الساحرة التي جلبت الكارثة العظمى!]

التقطت أنفاسها، ونظرت مباشرةً في عيني محاورتها وقالت:

فجأة، اتّسعت عينا ريم التي كانت في بؤرة الأنظار حين رأت بيترا الصامتة. استدارت إميليا والآخرون بدورهم نحو بيترا عند ملاحظة ردّة فعلها، فدهشوا جميعًا من حالها.

ريم: [――أنا ريم. هل لي أن أفترض أنكِ… ريوزو-سان؟]

سلفي: [ولِمَ تشفقين عليّ؟ على العكس، أنا أفرح بالحرية التي لم أملكها من قبل.]

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

ريوزو: [ما أعنيه أنّي أعتبركما بمثابة حفيدتَيّ!]

قدّمت ريم اسمها وسألت عن اسم الفتاة، فأجابتها الأخيرة بعد أن لمعت عيناها لحظةً بوميضٍ بعيد ثم أومأت بلطف.

???: [كما تفهمون، في اللحظة التي يقع فيها نظر من عرف ريم سابقًا عليها، تستعاد داخله ذكرياته عنها. استعادةٌ كاملة. لم تستطع ريوزو-ساما ولا أنا كبح أنفسنا، ونتيجةً لذلك تأخّرنا عن اللّحاق بالجميع. اعتراف.]

ومن خلال ردّها وسلوك رام، وكونها داخل حدود قصر روزوال، أدركت ريم أخيرًا أن الفتاة أمامها ليست هي الساحرة نفسها التي عاثت خرابًا في الإمبراطورية.

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

ريم: [لكن الشَّبه بينكما كبيرٌ جدًّا…]

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

رام: [صحيح. يُقال إن في هذا العالم ثلاثة أشخاص على الأقل يشبهونك في الوجه، لكن في حالة ريوزو-ساما، فعدد الشبيهات عشرة أضعاف ذلك. وكذلك فظاظتها عشرة أضعاف.] [1]

وعندما سألت ريم عن ذلك، تمتمت رام “آه” وكأنّها تذكّرته لتوّها،

ريوزو: [يا لكِ من لئيمة! أتقولين ذلك في لحظةٍ يفترض أن تكون مؤثرةً ومليئةً بالعاطفة؟]

ريم: […أنا أيضًا في وضعٍ يشبه وضعهن، أليس كذلك؟ تمامًا مثل سلفي-سان والبقيّة.]

اعتذرت ريم وهي تلمّح إلى سبب الالتباس، بينما زفرت ريوزو منزعجة من رد رام.

التقطت أنفاسها، ونظرت مباشرةً في عيني محاورتها وقالت:

ومن حديثهما بدا أن العلاقة بينهما ودّيةٌ للغاية. ومن تصرّف ريوزو، بدا أنها كانت على معرفةٍ وثيقةٍ بالريم التي كانت في الماضي.

رام: [أرى. لا بأس، فذلك لا يُلام عليه أحد. لقد مضى وقتٌ طويل منذ عملنا في هذا القصر، والقصر الذي تحملين له ذكرى عزيزة ليس هذا الذي أمامنا.]

ريم: [أرجوكِ سامحيني. لكنني… لا أتذكر شيئًا.]

حين خبت ثقة رام على نحو غير مألوف في نهاية عبارتها، أمالت ريوزو رأسها، فردّت رام وهي تهمهم: [يا له من شعور مزعج… أن أشكّ في رأيي بنفسي. السبب الذي جعل رام تقترح تعديل الزيّ لم يكن على الأرجح بهذه العشوائية التي تلفّظتُ بها.]

ريوزو: [لا بأس، لا بأس. لا داعي للاعتذار. أنا――]

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

رام: [――أخت رام الصغرى. فشعرها له اللون نفسه مثل رام.]

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

ريم: [ه… هذا صحيح…! لكن، إن كانت أختكِ الصغرى، فذلك يعني…]

ريم: [ريوزو-سان، تقولين هذا لأنك لم تشهدي بنفسك كيف يتفوّه ذلك الشخص بترّهاتٍ شتّى ويتنكر بزيّ امرأة.]

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

ثم، أمام ريم التي باتت الآن خادمة مثالية في مظهرها، وضعت رام أمامها فنجان شاي بلطف.

لكن بما أن رام وريم توأمتان، فلا بدّ أن تكون العلاقة بين ريم وريوزو أيضًا――

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

ريم: [أنها أيضًا… أختي الصغرى؟]

ريم: [إذن، أصدقاء إميليا-سان جميعهم من هذا النوع؟ مثل غارفيل، وروزوال-سان أيضًا…]

ريوزو: [كُفّي عن الثرثرة يا رام! هذا ما أقوله بالضبط! هذه هي الآثار السيئة لالصغير روس والصغير سو!]

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

رام: [أتضعينهم جميعًا في كفّةٍ واحدة؟ حتى أنتِ يا ريوزو-ساما، هناك أشياء يَجوز لكِ فعلها وأخرى لا.]

كما لو أنّ بطاقةً مقلوبة كُشف وجهها فجأة، استبدلت بيترا سوء فهمها إدراكًا صافيًا، وبدأت تفهم الحقيقة.

ريوزو: [ليس من اللائق أن تقولي هذا بنبرةٍ كهذه!]

△▼△▼△▼△

ارتفع حاجباها فوق وجهها اللطيف وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ، فيما عقدت رام حاجبيها بدورها. وبينما كانت ريم تتابع الجدال بين الاثنتين، أدركت أخيرًا أنّ رام كانت تمزح.

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

ريم: [الآن وقد فكّرتُ في الأمر، سيكون من الغريب حقًّا أن تخاطب ني-ساما ريوزو-سان بلقب (ساما) إن كانت أختنا الصغرى أنا وهي.]

—

ريوزو: [في هذه الحالة، يمكن الخلط بينها وبين الأب أو الأم، حسب الظرف، وبذلك تبقى احتمالية أن تكون أختًا بالدم لشخصٍ مهم. لا أظن أنّ هذا ردٌّ دقيق تمامًا.]

بيترا: [ـــــ آه.]

ريم: [هذا صحيح أيضًا… إذن، هل أنتِ حقًّا أختي وأخت ني-ساما؟]

ريم: [مكانُ عملِنا…]

ريوزو: [كلا. لا تخلطي الأمر بمزحةٍ سخيفة من رام. يا لها من وجع رأس.]

رام: [ــــ هه.]

تنفّست ريوزو تنهيدةً ثقيلة، بينما أخرجت رام لسانها قليلًا كمن انتصر في مزحة.

ريوزو: [ما أعنيه أنّي أعتبركما بمثابة حفيدتَيّ!]

ويبدو أنّها قد تمكّنت من خداعها بمهارة، ولكن حين تذكّرت ريم رحلتهما إلى هذا المكان، وجدت أنّ رام كانت دائمًا ما تُحيّرها بمزاحها، وفي ذلك نوعٌ من الطرافة والراحة.

رام: [ردّة فعل كْليند كانت فاترة ومملّة، لكنّ نوبة ريوزو-ساما كانت هائلةً بالفعل، مشهدٌ لا يُرى إلّا لمن كان حاضرًا.]

فبالنسبة لريم، التي كانت تغرق في الحزن لأتفه الأسباب، كانت طريقة رام المفعمة بالثقة والفكاهة أشبه بحرارة الشمس التي تمنح الدفء.

فقد كانت رام دومًا شامخةً، نبيلةً، لا تُظهر سوى جانبها القويّ الجليل أمام ريم.

ريم: [أظنّ أن ني-ساما إنسانة رائعة… حتى في مزاحها.]

سألت ريم الخادمةَ―― سيلفي، التي انحنت بلطفٍ وانخفضت في تحيةٍ مهذّبة.

ريوزو: [بحسب ما جاء في بريد الطيور، لم يمضِ على لقائكما سوى أيامٍ معدودة، ومع ذلك استطعتِ ترويضها إلى هذا الحد…]

رام: [أحسنتِ. لكن تشبيه روزوال-ساما بهؤلاء الثلاثة خطأ فادح، ريم. روزوال-ساما رجلٌ حكيمٌ ماهر، يُقال إنه أعظم ساحرٍ في هذا العالم. وبالمقارنة به، أولئك الثلاثة مجتمعين لا يعادلون شخصًا كاملًا… بل نصف شخص.]

رام: [كلمة “ترويض” فظة. كل ما في الأمر هو الإخلاص والمحبّة.]

رفعت سلفي حاجبيها قليلًا وهي تنظر إلى ريوزو بعينين يملؤهما الأسى، ثم أوضحت دهشتها. واستجابت رام لرجاء ريوزو وبدأت في إعداد كوبٍ ثانٍ من الشاي.

ريوزو: [لكنّك تلهين أكثر من المعتاد يا رام. مع ذلك، أفهم فرحتك لتمكّنك من العيش مجددًا مع أختك الصغرى بعد أن استيقظت من نومها الطويل.]

وحين اقتربت منها، لاحظت أنّ هناك قاعدةً حديديةً صغيرةً صُنعت خصّيصًا لحمل الكرة حتى لا تخدش الأرض بمساميرها، ما دلّ على عنايةٍ دقيقةٍ بالتفاصيل. وكان القماش وزيت التلميع في الموضع ذاته، مما أكّد كلام رام عن أنّ سوبارو كان يلمّعها يوميًا.

رام: [ـــــ كم أنتِ وقحة، أيتها الريوزو الحقيرة.]

ولو تمعّنت النظر، لوجدتَ احمرارًا خفيفًا حول عيني رام، ما يوحي بأنّ ملاحظته قد أصابت الوتر الحسّاس.

ريوزو: [حين تخفين خجلك تتحوّلين إلى طور الهجوم، لذا لا بأس بي، لكن ليتك تراعي مشاعر الصغيرجم الصبح غار بعض الشيء. والآن…]

رام: [من يدري. إن كان ظنك صائبًا أم لا… ستعرفين ذلك قريبًا.]

تجهّمت رام قليلًا، وأبدت ريم إعجابها برؤية شقيقتها الكبرى وهي تُحاصَر نادرًا بهذا الشكل، حين ابتعدت ريوزو عن القضبان الحديدية التي كانت تستند إليها، وقالت:

رام: [ههه، فهمٌ سريع. أختٌ صغيرة ذكية تُبهج رام فعلًا.]

ريوزو: [من الغريب أن نستمر في الحديث عند البوابة. أودّ أن أعانق حفيدتَيّ على سلامتهما وعودتهما.]

???: [ريم، عليكِ أن تعيشي حياةً سليمة ومليئة بالطمأنينة كل يوم.]

ريم: [حفيدتَيكِ…؟]

ريم: [القصر؟ إذن، هل كنتِ زميلة لي ولني-ساما في العمل يا سيلفي-سان؟]

رام: [إنها أفضل نكتةٍ استطاعت ابتكارها، فضحكي لها تكرّمًا.]

؟؟؟: [تتحدثين عن الأمر بخفة، لكن ألن يكون من الأفضل أن تنظري في المرآة يا ريوزو-ساما؟ إن واصلتِ التسبّب بالمشكلات إلى درجة لا يمكن التغاضي عنها رغم مظهرك اللطيف، فسيحين الوقت لأتولّى الأمر بنفسي.]

ريوزو: [ما أعنيه أنّي أعتبركما بمثابة حفيدتَيّ!]

وفي الواقع، في عالمٍ اختفت فيه أغلب الذكريات المتعلّقة بريم، ربما لن يُعرَف أبدًا السبب الحقيقي لانزعاج رام، ولا الإجابة الصحيحة عليه.

وحين قالت ذلك وهي تُبرِم شفتيها، انفرجت شفتا ريم بابتسامةٍ عفوية رغم حيرتها. لم تفعل ذلك لأنّ رام طلبت منها، بل لأنّ مشاعر ريوزو الصادقة استدرّت ابتسامتها.

لأيّ سببٍ سعيدٍ أُتيح لي أن أعيش؟ ―ـ هكذا تحدّثت ريم في أعماقها.

ثم إنّ رؤية ريوزو تعاملها هي ورام كحفيدتَين، رغم أنّها تبدو أصغر سنًّا منهما، كانت أمرًا طريفًا حقًّا حتى لو أخذنا لطفها في الحسبان.

بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تُضفي على المشهد من خلال نافذة عربة التنانين، أشارت رام إلى القصر الماثل في الأفق، فرفرفت جفون ريم، وتقلّبت نظرات عينيها الزرقاوين الفاتحتين على وقع كلمات أختها الكبرى.

ريم: [بياتريس-تشان تفعل الشيء نفسه، فهل هذه عادة الأطفال الصغار أن يتصرّفوا كأنهم أكبر سنًّا؟]

غير أنّ ذلك لم يحرّك ذكرياتها، ولم يُحدث النتيجة المنشودة.

رام: [يبدو ذلك. فبياتريس-ساما تُظهر حقيقتها حين تكون جالسةً على ركبتي باروسو.]

ميلي: [مشاعر مختلطة… من الصعب التعبير عن امتناني~.]

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

رام: [أرى. لا بأس، فذلك لا يُلام عليه أحد. لقد مضى وقتٌ طويل منذ عملنا في هذا القصر، والقصر الذي تحملين له ذكرى عزيزة ليس هذا الذي أمامنا.]

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

جلست رام بدورها بصمتٍ إلى جوار ريم فوق السرير. نظرت إليها بعينيها القرمزيتين المليئتين بالعطف، فأغمضت ريم عينيها وهزّت رأسها بخفة.

وبينما كانت ريم غارقة في هذه الخواطر، توقّف وعيها للحظة عند ما حدث بعدها مباشرةً.

ريم: [أظنّ أن ني-ساما إنسانة رائعة… حتى في مزاحها.]

ريوزو: [حسنًا يا جماعة، لنفتح البوابة.]

شعرت أنّه لو رغبت بأكثر من ذلك، فكلّ شيءٍ سيتلاشى――

وما إن وعَت ريم ما نطقت به ريوزو، حتى بدأ الباب الحديدي المؤدي إلى القصر يُفتح ببطء.

ريوزو: [يبدو أنّها شُردت قليلًا. سيلفي، ألم أُخبركِ بظروف ريم؟]

كان ذلك في حدّ ذاته أمرًا جيّدًا. لا مشكلة فيه. لكن المشكلة كانت فيما وراء البوابة المفتوحة.

تجمّدت أجسادهم جميعًا في أماكنهم، مبهوتةً بأعينٍ متّسعة. لم تكن بيترا وحدها، بل ميلي وإميليا أيضًا أصابهم الذهول ذاته عند رؤيتها.

؟؟؟: [ـــــــ]

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

؟؟؟: [ـــــــ]

رام: [رام تتفهّم شكّك تمامًا. لكن بعد أن رأت باروسو يُحضّر لها قطعة قماشٍ وزيتًا خاصّين، ويُلمّعها كلّ يوم، باتت تعتقد أنّها بقيت لوقتٍ طويلٍ بما يكفي لتكون أكثر من مزحةٍ سخيفة.]

انفكت مزاليج الباب، وانفتح الممر المؤدي إلى الداخل، وكان من يُحرّكه عددٌ من الأشخاص استجابوا لنداء ريوزو، لكلٍّ منهم شعرٌ وحُليٌّ تختلف بحسب ذوقه، لكنّهم جميعًا يحملون الوجه نفسه الذي تحمله ريوزو.

وبمجرد سماعها إجابة ريم، أومأت رام بذراعيها المتقاطعتين برضا واضح.

بمعنى آخر، كانت تلك الفتيات يملكن ملامح متطابقة مع وجه ساحرة اللغز «سفينكس»――

كان “سوبارو” المتخيَّل، الكائن اللامادي، واقفًا في مكانه دون حراك، يحدّق في الشخص ذاته الذي كانت بيترا تنظر إليه.

ريم: [ـــــ آه!]

إميليا: [ــــ نعم، شكرًا لك. هناك الكثير ممّا أودّ قوله، ولكن…]

وبحسب التوقّع، صرخت ريم بأعلى صوتها، بلا تردّدٍ ولا كبحٍ، وقد غمرها الذعر تمامًا.

ريم: [إذن، أصدقاء إميليا-سان جميعهم من هذا النوع؟ مثل غارفيل، وروزوال-سان أيضًا…]

△▼△▼△▼△

ومن حديثهما بدا أن العلاقة بينهما ودّيةٌ للغاية. ومن تصرّف ريوزو، بدا أنها كانت على معرفةٍ وثيقةٍ بالريم التي كانت في الماضي.

؟؟؟: [تلك الصرخة أدهشتني، لكني أفهم السبب. لا شك أنّ أيّ شخص سيُصاب بالدهشة عند رؤية ريوزو-ساما وشقيقاتها، بيكو-ساما والبقية.]

ريوزو: [من الغريب أن نستمر في الحديث عند البوابة. أودّ أن أعانق حفيدتَيّ على سلامتهما وعودتهما.]

ريم: [كونكِ تقولين ذلك يبعث فيّ بعض الارتياح…]

رام: [أتضعينهم جميعًا في كفّةٍ واحدة؟ حتى أنتِ يا ريوزو-ساما، هناك أشياء يَجوز لكِ فعلها وأخرى لا.]

أطرقت ريم رأسها خجلًا أمام الخادمة الشقراء التي أبدت تعاطفها.

وبينما كانت ريم تراقب ظهر أختها، عقدت العزم من جديد في قلبها بحرارةٍ وإصرارٍ صامت:

فبعد التحية عند البوابة وما تلاها من أحداثٍ مفزعة―― دخول أكثر من عشر فتياتٍ لهن الوجه ذاته كريوزو―― شعرت بخجلٍ شديد من ردة فعلها الهستيرية.

ريم: [آه…]

ريم: [مع أنّ ني-ساما نبّهتني إلى أنّ عدد اللواتي يحملن وجه ريوزو-سان يبلغ ثلاثة أضعاف العشرة، ظننتها كانت تمزح فحسب…]

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

ريوزو: [هكذا تتحدث رام، لكن لا يمكن لومكِ على ذلك يا ريم. لو لم تعتقدي أنها تمزح لكان ذلك إيمانًا أعمى، وأنا لا أوافق على ذلك.]

ريم: [إذن، أصدقاء إميليا-سان جميعهم من هذا النوع؟ مثل غارفيل، وروزوال-سان أيضًا…]

؟؟؟: [تتحدثين عن الأمر بخفة، لكن ألن يكون من الأفضل أن تنظري في المرآة يا ريوزو-ساما؟ إن واصلتِ التسبّب بالمشكلات إلى درجة لا يمكن التغاضي عنها رغم مظهرك اللطيف، فسيحين الوقت لأتولّى الأمر بنفسي.]

—

ريوزو: [تُرعبينني…!]

حين عادت ريم إلى قصر روزوال، لم تشعر مطلقًا بأي إحساسٍ بأنها «عادت إلى منزلها».

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

???: [――أوه؟ أوه، أوااه، أواااه!]

لم تكن تتوقّع أن يحدث مثل هذا الاضطراب قبل حتى أن تدخل باحة القصر، ولكن ما دامت قد أُذن لها بالدخول، لم يكن عليها أن تبقى على هذا الارتباك طويلًا.

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

ومع ذلك――

شهقت دون أن تجرؤ على الالتفات، فقد كانت ذراعا أحدهم تعانقانها من الخلف بإحكام. وبينما غمرها ذلك الإحساس، امتلأ قلبها وعقلها بهاجسٍ واحدٍ: أن تلتفت نحو من يحتضنها.

ريم: [لقد سبّبتُ لكم الإزعاج بإحداثي ضجّة. أُه…]

إميليا: […ذلك المظهر يليق بكِ حقًّا. يجعلكِ تبدين كما لو أنّكِ ريم حقًّا.]

سيلفي: [ــــ أنا سيلفي إلمارت. كنتُ سابقًا كورنياس، لكني انفصلت. وقد وُكّلت بإدارة شؤون القصر أثناء غياب الجميع.]

سيلفي: [ريم-ساما؟]

ريم: [القصر؟ إذن، هل كنتِ زميلة لي ولني-ساما في العمل يا سيلفي-سان؟]

أطرقت ريم رأسها خجلًا أمام الخادمة الشقراء التي أبدت تعاطفها.

سألت ريم الخادمةَ―― سيلفي، التي انحنت بلطفٍ وانخفضت في تحيةٍ مهذّبة.

ريوزو: [حين تخفين خجلك تتحوّلين إلى طور الهجوم، لذا لا بأس بي، لكن ليتك تراعي مشاعر الصغيرجم الصبح غار بعض الشيء. والآن…]

وكان من الطبيعي أن تكون جميع النساء العاملات في قصر روزوال من معارف ريم، ومن المؤكد أنها سبّبت لهنّ القلق بسبب غفوتها الطويلة.

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

لكن سيلفي هزّت رأسها نافيةً بلطف وقالت:

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

سيلفي: [ما زلتُ جديدة هنا، ولم أعمل مع ريم-ساما أو الأخريات من قبل. فضلًا عن ذلك، تم توظيفي لا من قِبل المارغريف، بل من قِبل ميلواد-ساما. بل وأكثر من ذلك.]

وكان من الطبيعي أن تكون جميع النساء العاملات في قصر روزوال من معارف ريم، ومن المؤكد أنها سبّبت لهنّ القلق بسبب غفوتها الطويلة.

ريم: [أكثر من ذلك؟]

على أيّ حال، كانت صلة بيترا بتلك الفتاة ضعيفةً وهشّة.

سيلفي: [سيّدتي هي نفسي وحدي. وأمّا سيّدة قلبي، فلا أحد سوى إميليا-ساما.]

ريم: [مكانُ عملِنا…]

أُربكت ريم بنظرة سيلفي التي ملأتها إرادةٌ قوية، فتراجعت رأسها إلى الخلف دون قصد.

كانت تلك الفتاة خادمةً تأتي كثيرًا من قصر روزوال إلى القرية للتسوّق. لم تكن بينهما معرفة وثيقة، ولم تتبادلا حديثًا قطّ، لكن ريم أصبحت أكثر تعبيرًا وانفتاحًا منذ أن بدأ سوبارو يزور القرية. والأهمّ من ذلك، أنّها كانت من أنقذت حياة بيترا وأصدقائها. ――أمّا من كان وراء تهديد حياتهم آنذاك، فكانت ميلي، تلك التي تتحكّم بالوحوش، وهي حكاية أخرى من حكايات القدر. في الحقيقة، ميلي وشقيقتها كانتا تستهدفان أولئك المرتبطين بهما في اللحظات الحاسمة على الدوام.

لقد كانت ولاء سيلفي لإميليا استثنائيًّا بحق. وكان ذلك جليًّا أيضًا في العناية الفائقة بمدخل القصر والممرات والغرفة التي يجلسن فيها الآن، وكلّها دلّت على براعةٍ وإتقانٍ كبيرين. بلا شك، كان ذلك الإتقان ثمرة المشاعر التي جعلت من إميليا سيّدة قلبها بحق.

رضخت سلفي وريوزو بدورهما أمام تفوّق رام، واحتسيتا الشاي بهدوء.

ريم: [سيلفي-سان، هل تعرفين إميليا-سان منذ زمنٍ طويل؟]

غير أنّها كانت واثقةً تمامًا ممّا نطق به “سوبارو”. ――فالتي وقفت أمامهم لم تكن سوى الفتاة العزيزة الغالية عليه، ريم، دون أدنى شكّ.

سيلفي: [كلا، لم يمضِ سوى بضعة أشهرٍ منذ التقينا. وحتى خلال تلك المدة، لم أتمكّن من قضاء وقتٍ طويلٍ معها شخصيًّا.]

رام: [ههه، فهمٌ سريع. أختٌ صغيرة ذكية تُبهج رام فعلًا.]

ريم: [ومع ذلك، أنتِ مفعمة بهذه المشاعر نحوها؟]

وكانت الأحاسيس شديدةً تكاد تحرقها من شدّتها، حتى شعرت بدمها يتدفّق بحرارةٍ إلى كلّ أطرافها. رمشت ريم مرّة، مرّتين، ثلاثًا.

سيلفي: [ما يحدّد مقدار ما يحتلّه أحدهم في قلبك ليس طول المدة التي قضاها معك، بل ما فعله من أجلك، أليس كذلك؟]

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

ريم: [هذا…]

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

اندهشت ريم من جوابها غير المتوقع، ثم أطرقت رأسها متأمّلة كلمات سيلفي الأخيرة.

ريم: [أمم، هل أنا فقط لا أتذكّر، أم أنّ علاقتي ببيترا-سان كانت قريبةً لهذه الدرجة لتبكي هكذا من أجلي…؟]

وما خطر في بالها في تلك اللحظة كان وجوه الذين تُحبّهم: سبيكا وكاتيا. ومع أنّ علاقتها بهما نشأت بعد فقدانها ذاكرتها، فإنّ الوقت الذي أمضته معهما لم يكن طويلًا على الإطلاق.

كليند: [أرى، مشهدٌ يُرى، تقولين. حقًّا، كان ما شهدناه استثنائيًّا. موافقة.]

ومع ذلك، كانت تشعر في أعماقها أنهما غاليتان لا تُعوّضان.

في اللحظة التي أظهرت فيها ريم طيبة قلبها ولم تتجنّبها، ارتمت بيترا في أحضانها بقوّةٍ تعانق جسدها النحيل. رمشت ريم بعينيها، ثمّ بادلت العناق لبيترا التي كانت تتشبّث بها رافضةً أن تفلتها.

كلمات سيلفي كانت صائبة. ――وبينما تقترب ريم من هذا اليقين، تراءت في ذهنها بوضوح صورة سوبارو، فشدّت شفتيها في صمت.

ومع ذلك――

سيلفي: [ريم-ساما؟]

اتسعت عينا ريم دهشةً من هذا الخبر المفاجئ، بل ومن الصورة الجديدة لأوتو كما روَتها رام.

ريوزو: [يبدو أنّها شُردت قليلًا. سيلفي، ألم أُخبركِ بظروف ريم؟]

وقفت ريم مأخوذةً بجمال رام التي صفّفت شعرها الوردي وقالت ذلك بثقةٍ وابتهاج. أما ريوزو، فتنفّست قائلةً بخفة:

سيلفي: [بلى… عذرًا. كنتُ قليلة التبصّر.]

لكن سيلفي هزّت رأسها نافيةً بلطف وقالت:

ريم: [لا، لا داعي للاعتذار. ـــ هذا ببساطة… وضعي أنا.]

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

تبادلت ريوزو وسيلفي نظراتٍ مليئة بالقلق، لكن ريم لم ترغب في الخوض في حيرتها أمامهما.

ريم: [ـــــــ]

فكما قالت، كان ذلك همَّها الخاص، وألمها وحدها حتى النهاية.

وفي أن ريوزو وأخواتها وكذلك أولئك الخادمات الصغيرات قد عبثت أيدي القدر بحياتهنّ، فكّرت ريم في أنّهنّ جميعًا يشبهنها هي أيضًا.

رام: [ـــــ تبدين كئيبة يا ريم. هل أزعجتك سيلفي أو شيءٌ من هذا القبيل؟]

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

ريم: [ـــــــ]

ريوزو: [يبدو أنّها شُردت قليلًا. سيلفي، ألم أُخبركِ بظروف ريم؟]

رفعت ريم وجهها فجأة نحو مدخل الصالون، حيث وقفت رام، التي كانت قد افترقت عنها قليلًا لتقضي بعض الشؤون.

رضخت سلفي وريوزو بدورهما أمام تفوّق رام، واحتسيتا الشاي بهدوء.

وبمجرد أن دعتها رام، شهقت ريم وهي تحدّق فيها بذهول. ――فقد كانت رام ترتدي زيًّا للخدمة لم ترَه من قبل.

رام: [إنّه إطراء من رام، فتقبّليه دون خجل. وليس هذا فحسب، فمن نظرة واحدة أستطيع القول إنّك قد أوليتِ القصر عناية متقنة كذلك.]

ريم: [ني-ساما، هذا الزيّ…]

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

رام: [ألم يُقَل لكِ مرارًا؟ رام هي خادمة القصر، خادمة روزوال-ساما.]

ريم: [أنها أيضًا… أختي الصغرى؟]

وقفت ريم مأخوذةً بجمال رام التي صفّفت شعرها الوردي وقالت ذلك بثقةٍ وابتهاج. أما ريوزو، فتنفّست قائلةً بخفة:

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

ريوزو: [مرّ وقت منذ رأينا رام في مثل هذا الزيّ، أليس كذلك؟]

وكانت سبيكا على الشاكلة ذاتها، غير أنّ ما يليق بالأطفال حقًّا هو أن يعيشوا طفولتهم، وأن يضحكوا بملء قلوبهم. ليس بياتريس فحسب، بل لو أنّ ريوزو أيضًا كفّت عن التصرّف كأنها ناضجة وابتسمت بما يليق بعمرها الحقيقي، لكانت شديدة الجمال.

رام: [حقًّا، لقد كنتُ أرتدي ثياب السفر طويلًا، فيشعرني هذا بالانتعاش.]

ريوزو: [لا بأس، لا بأس. لا داعي للاعتذار. أنا――]

سيلفي: [إلى درجة أنّ بعض أجزاء الزيّ تبدو غير مرتّبةٍ قليلًا بطريقة ارتدائكِ له. هل تسمحين لي بإصلاحها؟]

كان ضوء الشمس يتسلّل من بين الأشجار ليملأ الغرفة بنورٍ لطيفٍ دافئ، يسودها جوٌّ حنونٌ مشبعٌ بالسكينة، وفي زاويةٍ منها كان موضوعًا غرضٌ غريب―― كرةٌ حديديةٌ مغطاةٌ بالمسامير، مربوطةٌ بسلسلةٍ معدنية، جذبت أنظارها.

رام: [أهكذا هو؟ إذن تفضّلي.]

ريم: […هذا النوع من التفكير، سيُغضب بريسيلا-سان.]

وبينما كانت ريم المندهشة تتابع، أخذت سيلفي ترتّب ملابس رام بعنايةٍ لافتة. وفي أثناء ذلك، أغمزت رام بعينها نحو ريم وقالت:

ثمّ――

رام: [هذا هو زيّ الخدم الذي ترتديه رام وريم أثناء عملهما في القصر.]

ريم: [سيلفي-سان، هل تعرفين إميليا-سان منذ زمنٍ طويل؟]

ريم: […إنه جميل حقًّا. لكن…]

رام: [ــهك.]

رام: [لكن؟]

ريم: [ـــــــ]

ريم: [ألا يكشف القليل من الجلد أكثر من زيّ سيلفي-سان؟ ما الفرق…؟ أيمكن أنّ ذلك الشخص هو من صمّمه؟]

ريم: […أنا أيضًا في وضعٍ يشبه وضعهن، أليس كذلك؟ تمامًا مثل سلفي-سان والبقيّة.]

كانت ريم تُقارن بين زيّ رام وزيّ سيلفي، وقد احتلّها هذا التساؤل وهي تضمّ ذراعيها حول كتفيها.

ومن حديثهما بدا أن العلاقة بينهما ودّيةٌ للغاية. ومن تصرّف ريوزو، بدا أنها كانت على معرفةٍ وثيقةٍ بالريم التي كانت في الماضي.

الزيّ جميل لا شك، لكنّ الفرق بينهما واضح للغاية ونيّته غامضة. وحين تذكّرت الأمر، وجدت أنّ سوبارو في الإمبراطورية كان دومًا يثير في نفسها مشاعر متناقضة حين يتحدّث عن مظهرها، فيقول لها ما يجعلها أجمل أو أظرف أو أكثر سحرًا. وقد أعاد زيّ رام أمامها الآن تلك الذكريات إلى الحياة.

ريم: [أختي الكبرى، لستِ قاسيةً ولا أيّ شيءٍ من ذلك. ريم أيضًا تريد الاعتذار. لطالما جعلتكِ تقلقين بلا توقف، وخذلتُ إخلاص أختٍ كبرى.]

ريم: [كنتُ أظنّ أنّ لديه هوسًا غير طبيعي حتى بملابس الآخرين، لكن أن يظهر ذلك حتى هنا…]

سلفي: [رام-ساما، يبدو أنك جعلتها تعتذر بنظرتك الحادّة. كان زوجي السابق حادّ الطبع إلى درجةٍ مفرطة، لكنه كان يرضى لو تلقّى اعتذارًا فحسب.]

سلفي: […يبدو أنّ سوء فهمٍ قد وقع، أليس كذلك يا رام-ساما؟]

وفوق الجميع، كان أول من خطر ببالها ذلك الفتى ذو الشعر الأسود والعينين الحادتين――

رام: [بالفعل. رام شخصيًّا لا تبالي مطلقًا بانحدار سمعة باروسو في نظر ريم إلى الحضيض، لكن ما يزعجها هو أن تُسرق منها الفَضيلة.]

△▼△▼△▼△

ريم: [فضيلة؟ تقصدين ماذا؟]

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

رام: [نعم. تعديل زيّ الخادمة هذا كان من اقتراح رام شخصيًّا، وهي التي أجرت التعديلات بنفسها. وكلّ ذلك لأنّ… رام كانت ترغب في ارتداء زيّ أكثر حرية في الحركة؟ هكذا… كان من المفترض أن يكون السبب؟]

هزّت ريم رأسها في خفوتٍ وقد غاب عنها الحماس، معتذرةً لعدم قدرتها على مجاراة توقعات أختها.

ريوزو: [إلى أين اختفى ذلك الثقة من حديثك فجأة؟]

وفي الواقع، في عالمٍ اختفت فيه أغلب الذكريات المتعلّقة بريم، ربما لن يُعرَف أبدًا السبب الحقيقي لانزعاج رام، ولا الإجابة الصحيحة عليه.

حين خبت ثقة رام على نحو غير مألوف في نهاية عبارتها، أمالت ريوزو رأسها، فردّت رام وهي تهمهم: [يا له من شعور مزعج… أن أشكّ في رأيي بنفسي. السبب الذي جعل رام تقترح تعديل الزيّ لم يكن على الأرجح بهذه العشوائية التي تلفّظتُ بها.]

ومع ذلك، أدركت من النظافة البالغة والعناية في تنسيق البناء وأحواض الزهور والشجيرات، أنّ كل ركنٍ من أركان القصر يدار بعنايةٍ دقيقة، مما جعلها تنتصب وقارًا دون وعيٍ منها.

سلفي: [أ-أهكذا تتحدثين عن رأيك أنتِ؟!]

خرج من شعرها عقربٌ قرمزيٌّ صغير، يُصدر طقطقة بمخالبه كأنّه قلقٌ من ردّة فعل سيّدته، فأغلقت ميلي إحدى عينيها، واضعةً يدها على جبينها، وقالت:

رام: [يبدو لي أنّها مكيدة من صانع الأزياء ذاته… مزعج أن يكون هذا الفكر مشابهًا لأسلوب باروسو، لكن إن كان الغرض جعل ريم ترتدي زيًّا لطيفًا، فذلك يبعث على الاقتناع أكثر.]

ومن خلال ردّها وسلوك رام، وكونها داخل حدود قصر روزوال، أدركت ريم أخيرًا أن الفتاة أمامها ليست هي الساحرة نفسها التي عاثت خرابًا في الإمبراطورية.

سلفي: [أجل، لا شكّ في ذلك. لقد اقتنعتُ تمامًا.]

فقد كانت رام دومًا شامخةً، نبيلةً، لا تُظهر سوى جانبها القويّ الجليل أمام ريم.

وضعت سلفي إصبعها على شفتيها وأومأت مؤيدةً استنتاج رام لسببٍ ما. وبالنظر إلى مجرى الحديث، بدا أنّ سلفي نفسها كانت تملك الرغبة في إلباس أحدهم ثيابًا لطيفة أيضًا.

بعد أن أنهت تعديل زيّ رام في لحظة، تحدّثت سلفي عن مكان عملها السابق―― أو لعلّه كان أقرب إلى “بيئة” لا “مكانًا”. ومن كلماتها وتصرفاتها يمكن تبيّن مدى قسوة تلك الحياة، ما جعل ريم تشعر تجاهها بتعاطفٍ عميق.

وفي الواقع، في عالمٍ اختفت فيه أغلب الذكريات المتعلّقة بريم، ربما لن يُعرَف أبدًا السبب الحقيقي لانزعاج رام، ولا الإجابة الصحيحة عليه.

لأيّ سببٍ سعيدٍ أُتيح لي أن أعيش؟ ―ـ هكذا تحدّثت ريم في أعماقها.

رام: [إن كان الأمر كذلك، فلتؤمن رام بما تشاء. دون أن تخشى ما قد يظنّه الآخرون.]

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

ريم: […أنا واثقة أنّ أختي الكبرى كانت لتجد بريسيلا-ساما امرأةً مثيرة للإعجاب أيضًا.]

ريم: […أنا أيضًا في وضعٍ يشبه وضعهن، أليس كذلك؟ تمامًا مثل سلفي-سان والبقيّة.]

وعلى قلّة من يخالطون ريم، إلا أنّ بريسيلا ورام، كامرأتين نبيلتين وقويتين، كان بينهما من التشابه ما يشعّ سطوعًا. ولو أنّ بريسيلا كانت ما تزال على قيد الحياة، لربما كانت ستنشأ بينهما علاقة طيّبة بفضل ريم… أو لربما تصادمتا كعدوتين طبيعيّتين.

ريم: [ـــــــ]

ومهما يكن، فقد كانت شكوك ريم بشأن باروسو في مسألة الأزياء في غير محلّها.

ريوزو: [يا لكِ من لئيمة! أتقولين ذلك في لحظةٍ يفترض أن تكون مؤثرةً ومليئةً بالعاطفة؟]

ريم: [لكنّ السبب هو أنّ ذلك الشخص يفعل دومًا أشياء توحي بغير مقصده.]

رام: [آسفة… آسفة جدًا يا ريم. إنني بائسة.]

ريوزو: [إن كنتِ تتحدثين عن الصغير سو، فمن الظلم أن توجّهي له اللوم.]

عودة الذكريات، أو بالأحرى “عودة الاسم”، التي حلّت بمن أحاطوا بريم، لم تكن سوى الأثر المباشر لسلطة الشراهة التي كانت قد سلبت الاسم والذاكرة معًا.

ريم: [ريوزو-سان، تقولين هذا لأنك لم تشهدي بنفسك كيف يتفوّه ذلك الشخص بترّهاتٍ شتّى ويتنكر بزيّ امرأة.]

سيلفي: [ــــ أنا سيلفي إلمارت. كنتُ سابقًا كورنياس، لكني انفصلت. وقد وُكّلت بإدارة شؤون القصر أثناء غياب الجميع.]

ريوزو: [حقًّا! الصغير سو كان يتنكر بزيّ النساء حتى في الإمبراطورية! عليه أن يتعلّم الأدب قليلًا.]

ريم: [إنّه لذيذ حقًّا… لذيذ جدًّا. لكن――.]

سلفي: [يتنكر بزيّ امرأة؟ على الرغم من وجود إميليا-ساما؟ ولأيّ غرض؟ بحسب الإجابة على ذلك…]

رام: [ما هذا، لقد كان مجرّد إعداد شاي، ولا داعي أبدًا لأن تعتذري يا ريم اللطيفة.]

وقد دلّت ردة فعل ريوزو على أنّ سوبارو كان في الواقع معتادًا على هذا السلوك. أما سلفي فأبدت انزعاجًا صارمًا حين سمعت ذلك، في حين عزمت ريم في سرّها على مساءلته مجددًا.

رام: [نعم. هذا ما بدأ باروسو بمناداته به، ومع الوقت التصق الاسم به… ويبدو أنّه أيضًا شيءٌ كانت ريم تعتزّ به.]

وأثناء هذا الحوار، أنهت سلفي تعديل زيّ رام. فاستدارت الأخيرة بخفّة، متطايرًا طرف تنّورتها، ورفعت شعرها بفخر قائلة:

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

رام: [لا شيء يضايقني. أحسنتِ العمل يا سلفي.]

لكنّ تفكيرها قُطع بكلمات رام، التي بدأت بقولها: [حقًّا…]

سلفي: […إنّه لشرف لي سماع هذا الإطراء، وسأعتبره مُسجّلًا.]

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

رام: [إنّه إطراء من رام، فتقبّليه دون خجل. وليس هذا فحسب، فمن نظرة واحدة أستطيع القول إنّك قد أوليتِ القصر عناية متقنة كذلك.]

إميليا: [ــــ نعم، شكرًا لك. هناك الكثير ممّا أودّ قوله، ولكن…]

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

كانت الساحرة التي تسببت في دمار الإمبراطورية تُدعى سفينكس.

بعد أن أنهت تعديل زيّ رام في لحظة، تحدّثت سلفي عن مكان عملها السابق―― أو لعلّه كان أقرب إلى “بيئة” لا “مكانًا”. ومن كلماتها وتصرفاتها يمكن تبيّن مدى قسوة تلك الحياة، ما جعل ريم تشعر تجاهها بتعاطفٍ عميق.

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

ثم، أمام ريم التي باتت الآن خادمة مثالية في مظهرها، وضعت رام أمامها فنجان شاي بلطف.

سلفي: [تحملين فيك مزيجًا من الجدية والسحر… ولأكون صادقة، لم تتح لي من قبل فرصة تذوّق شاي بهذا المستوى.]

رام: [هاكِ، فلا بدّ أنك عطشى بعد كل ما خضعتِ له من أسئلة ريوزو-ساما وسلفي.]

――لم يكن الزمن الذي أمضته بيترا مع ريم، بصفتها “بيترا”، طويلًا في الواقع.

ريوزو: [تصوّرينا كالأشرار حتى وأنتِ تقدّمين كوب شاي، أليس كذلك؟]

رام: [صحيح. يُقال إن في هذا العالم ثلاثة أشخاص على الأقل يشبهونك في الوجه، لكن في حالة ريوزو-ساما، فعدد الشبيهات عشرة أضعاف ذلك. وكذلك فظاظتها عشرة أضعاف.] [1]

رام: [هاه.]

رام: [ــهك.]

زفرت رام ضحكة قصيرة نحو ريوزو ذات الشفتين المزمومتين، ثم سكبت الشاي لهما أيضًا.

وفيما كانت رام تتحدث إلى السائق الذي رافقهما حتى الآن، خطت ريم خطوةً إلى الأمام ونظرت عبر قضبان البوابة الحديدية إلى القصر وحديقته الأمامية الهادئة.

وببراعةٍ لافتة، صبّت رام الشاي في الأكواب الثلاثة، وأشارت بعينيها إلى ريم لتتذوقه. فاستجابت ريم لإشارتها، ورفعت الكوب إلى فمها، لتتسع عيناها على الفور.

لم تعد تستطيع التمييز بين الأرض والسقف، انقلب الأبيض والأسود، وتداخلت الحواس الخمس حتى صار الهواء يُرى، والصوت يُشمّ، والرائحة تُلمس، واللون يُتذوّق، والملمس يُسمع.

ريم: [لذيذ…!]

ريم: [لكنّ السبب هو أنّ ذلك الشخص يفعل دومًا أشياء توحي بغير مقصده.]

رام: [أليس كذلك؟ إعداد الشاي هو التخصص الوحيد الذي تتقنه رام كخادمة.]

حين خبت ثقة رام على نحو غير مألوف في نهاية عبارتها، أمالت ريوزو رأسها، فردّت رام وهي تهمهم: [يا له من شعور مزعج… أن أشكّ في رأيي بنفسي. السبب الذي جعل رام تقترح تعديل الزيّ لم يكن على الأرجح بهذه العشوائية التي تلفّظتُ بها.]

سلفي: [تحملين فيك مزيجًا من الجدية والسحر… ولأكون صادقة، لم تتح لي من قبل فرصة تذوّق شاي بهذا المستوى.]

بعد مغادرتها صالون الشاي، تبعت ريم فضولها وبدأت تتجوّل في أرجاء القصر.

ريوزو: [حتى فريدريكا دائمًا تقول إنّ شايها لا نظير له.]

ومع ذلك――

رضخت سلفي وريوزو بدورهما أمام تفوّق رام، واحتسيتا الشاي بهدوء.

كليند: [أرى، مشهدٌ يُرى، تقولين. حقًّا، كان ما شهدناه استثنائيًّا. موافقة.]

وبينما كانت ريم تستنشق عبيره وتستمتع بطعمه وهي تومئ برأسها استحسانًا، لفت نظرها بريق نظرة رام الموجّهة إليها، نظرة تجمع بين المودّة والرجاء الصامت.

غير أنّها كانت واثقةً تمامًا ممّا نطق به “سوبارو”. ――فالتي وقفت أمامهم لم تكن سوى الفتاة العزيزة الغالية عليه، ريم، دون أدنى شكّ.

ريم: [――آه.]

ريم: [نجم الصباح؟]

لن تعترف رام بصوتٍ عالٍ، لكن لا شكّ أنّها قد أودعت حتى في نكهة هذا الشاي شيئًا من أملها.

وحين لمح كليند ذلك المعنى، ألقى نظرةً ذات مغزى نحو رام، التي أدارت وجهها في امتعاضٍ واضحٍ وأطلقت شهيقًا ساخطًا.

ولم يكن صعبًا أن يتخيل المرء أنّ ريم، قبل أن تفقد ذاكرتها، قد ألفت هذا الطعم، ذاك الشاي الذي لا تجيده إلا رام. ففنّها في تقديمه، الذي يكفي لأن يبلّل جفون السامع من شدّة التأثّر، كان يغمر جسد ريم كلّه بشعورٍ من العطف.

ضيّقت ريم عينيها الزرقاوين وهي تتأمل القصر الذي لم يحمل إلى ذهنها أي ذكرى.

غير أنّ ذلك لم يحرّك ذكرياتها، ولم يُحدث النتيجة المنشودة.

سلفي: [رام-ساما، يبدو أنك جعلتها تعتذر بنظرتك الحادّة. كان زوجي السابق حادّ الطبع إلى درجةٍ مفرطة، لكنه كان يرضى لو تلقّى اعتذارًا فحسب.]

ريم: [إنّه لذيذ حقًّا… لذيذ جدًّا. لكن――.]

رام: [يبدو ذلك. فبياتريس-ساما تُظهر حقيقتها حين تكون جالسةً على ركبتي باروسو.]

وضعت الكوب الذي فرغت منه على الطاولة وأغمضت عينيها، متحدثة بصوتٍ مراوغ. غير أنّ رام ابتسمت بسخرية خفيفة قائلة:

ريم: [هذا المكان هو…]

رام: [ما هذا، لقد كان مجرّد إعداد شاي، ولا داعي أبدًا لأن تعتذري يا ريم اللطيفة.]

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

سلفي: [رام-ساما، يبدو أنك جعلتها تعتذر بنظرتك الحادّة. كان زوجي السابق حادّ الطبع إلى درجةٍ مفرطة، لكنه كان يرضى لو تلقّى اعتذارًا فحسب.]

إنّ حضور تلك الفتاة، التي تملك قوّة جذبٍ هائلة لمجرّد وجودها أمامها، جعل الذكريات التي كانت منسيةً في ركنٍ بعيدٍ من ذهنها، مطموسةً في غشاوة النسيان، تعود لتتدفّق في أروقة وعيها.

ريوزو: […يا رام العزيزة، هل تسكبين كوبًا آخر من الشاي لسلفي؟ أشعر بشفقةٍ كبيرة على هذه الفتاة، كبيرة حقًّا.]

وما هي إلا لحظة، حتى انفجر كلّ ذلك التأثير، كما تنفجر فقاعةٌ انبثقت لتوّها.

سلفي: [ولِمَ تشفقين عليّ؟ على العكس، أنا أفرح بالحرية التي لم أملكها من قبل.]

ريم: [بياتريس-تشان تفعل الشيء نفسه، فهل هذه عادة الأطفال الصغار أن يتصرّفوا كأنهم أكبر سنًّا؟]

رفعت سلفي حاجبيها قليلًا وهي تنظر إلى ريوزو بعينين يملؤهما الأسى، ثم أوضحت دهشتها. واستجابت رام لرجاء ريوزو وبدأت في إعداد كوبٍ ثانٍ من الشاي.

ريم: [أنا متأكدة أنّ هذا أيضًا من أفعال ذلك الشخص الغريبة――]

وبينما كانت ريم تراقب ظهر أختها، عقدت العزم من جديد في قلبها بحرارةٍ وإصرارٍ صامت:

ريم: [أنا؟ أعتزّ بتلك الكرة؟!]

…أريد أن أردّ الجميل، لهؤلاء الذين يغمرونني بهذا القدر من اللطف.

وما خطر في بالها في تلك اللحظة كان وجوه الذين تُحبّهم: سبيكا وكاتيا. ومع أنّ علاقتها بهما نشأت بعد فقدانها ذاكرتها، فإنّ الوقت الذي أمضته معهما لم يكن طويلًا على الإطلاق.

—

سيلفي: [ريم-ساما؟]

بعد مغادرتها صالون الشاي، تبعت ريم فضولها وبدأت تتجوّل في أرجاء القصر.

لكن بما أن رام وريم توأمتان، فلا بدّ أن تكون العلاقة بين ريم وريوزو أيضًا――

وفي كلّ مكانٍ كانت تقف فيه، كانت رام تروي لها الذكريات المرتبطة به، فتقول: [تلك أحواض الزهور التي غُمر رأس باروسو فيها بالسماد]، أو [تلك الأعمدة عليها آثار أنياب غارف، سأوبّخه لاحقًا]، أو [آه، الرسم الذي خطّته إميليا-ساما وبياتريس-ساما لروحٍ عظمى على الأرض ما يزال هنا]، حتى لم تترك لها وقتًا لتغرق في حنينها الحزين.

وبينما كانت ريم غارقة في هذه الخواطر، توقّف وعيها للحظة عند ما حدث بعدها مباشرةً.

لكن، على الرغم من هذا الدفء والعناية اللذين غمرتها بهما رام، لم تستطع ريم أن تجد في نفسها ذلك الشعور المطمئن الذي كانت تبحث عنه.

رام: [لكن؟]

ريم: [آه، مزيد من الفتيات الشبيهات بريوزو-ساما…]

ورغم غياب ذكرياتها، إلا أن الثقة والمودّة التي شعرت بها تجاه رام، أختها التوأم، كانت شعورًا حقيقيًّا لا شكّ فيه.

رام: [إنهنّ بيكو والباقيات. بعد إخراجهنّ من الضريح، بدأن يتعلّمن كلّ شيء من البداية.]

كانتا قد شاركتا العربة في طريقهما إلى المدينة الصناعية كوستول، والآن بعد أن استقلّتا عربةً أخرى أُعدّت لرحلة العودة، بدا لهما ما تلوح لهما أعينهما هو «المنزل» الغائب عن الذاكرة.

ريم: […أنا أيضًا في وضعٍ يشبه وضعهن، أليس كذلك؟ تمامًا مثل سلفي-سان والبقيّة.]

كانت رحلتها هذه قد خلت من سوبارو وإميليا والآخرين الذين سلكوا طرقًا مختلفة لأهداف مختلفة، فعادت مع رام وحدها إلى القصر. كانت تأمل أن تثير الرحلة ذكرياتٍ مفقودة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

بخلاف ريوزو الناضجة المفرطة النضج، بدت الفتيات الصغيرات بريئاتٍ كما توحي ملامحهنّ، وكانت هؤلاء الفتيات، وعلى رأسهنّ الطفلة المدعوة “بيكو”، يُرَين في كل زاوية من القصر الواسع التابع لروزوال، يهرعن هنا وهناك يساعدن الخادمات المرتديات الزيّ ذاته الذي ترتديه سلفي.

ريم: [مكانُ عملِنا…]

تلك الفتيات المجتهدات، اللواتي وُلدن في ظروفٍ مختلفة عن الناس، كنّ الآن، وقد تحرّرن من مصيرهنّ، يسلكن طريقًا جديدًا في الحياة.

ريم: [لكن الشَّبه بينكما كبيرٌ جدًّا…]

وعلى الجانب الآخر، كانت هؤلاء النساء الجميلات الأنيقات، اللاتي يأسرن الأبصار، خادماتٍ هربن من أوضاعٍ بائسةٍ كالتي مرّت بها سلفي، وجميعهنّ نلن الخلاص بمعونة إميليا.

رام: [ردّة فعل كْليند كانت فاترة ومملّة، لكنّ نوبة ريوزو-ساما كانت هائلةً بالفعل، مشهدٌ لا يُرى إلّا لمن كان حاضرًا.]

وفي أن ريوزو وأخواتها وكذلك أولئك الخادمات الصغيرات قد عبثت أيدي القدر بحياتهنّ، فكّرت ريم في أنّهنّ جميعًا يشبهنها هي أيضًا.

عند هذا التصحيح، أطرقت ريم وجهها بخجلٍ من شدّة المحبّة التي أُفيضت عليها.

لكنّ تفكيرها قُطع بكلمات رام، التي بدأت بقولها: [حقًّا…]

ريوزو: […أرى. نعم، أجل. أنا ريوزو، يا ريم.]

رام: [سواء امتلك الإنسان ذكرياته أم لا، متى ما قرّر أن يبدأ طريقًا جديدًا، فعليه عادة أن يبدأ الجمع من الصفر. ريم ليست استثناءً.]

ريوزو: [ليس هذا ما أعنيه! على أي حال، تلك الفتاة هناك…]

ريم: [أختي الكبرى…]

وبينما كانت ريم تراقب ظهر أختها، عقدت العزم من جديد في قلبها بحرارةٍ وإصرارٍ صامت:

رام: [لا، لقد أخطأت. ريم استثناء. فهي غالية جدًّا على قلب رام، بعد كلّ شيء.]

???: […ما الذي يجري فجأةً هكذا؟]

عند هذا التصحيح، أطرقت ريم وجهها بخجلٍ من شدّة المحبّة التي أُفيضت عليها.

وكان من الطبيعي أن تكون جميع النساء العاملات في قصر روزوال من معارف ريم، ومن المؤكد أنها سبّبت لهنّ القلق بسبب غفوتها الطويلة.

وبالطبع، كانت ريم تبادل أختها الشعور ذاته من المودّة العارمة، لكن إحساسها بأنّ ما تمنحه لها رام يفيض أضعافًا مضاعفةً عمّا تقدّمه هي، جعلها في حيرةٍ من أمرها.

وحين اقتربت منها، لاحظت أنّ هناك قاعدةً حديديةً صغيرةً صُنعت خصّيصًا لحمل الكرة حتى لا تخدش الأرض بمساميرها، ما دلّ على عنايةٍ دقيقةٍ بالتفاصيل. وكان القماش وزيت التلميع في الموضع ذاته، مما أكّد كلام رام عن أنّ سوبارو كان يلمّعها يوميًا.

وفي ظلّ هذا الاضطراب، استمرّت جولة الأختين في قصر روزوال، إلى أن قالت رام أخيرًا:

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

رام: [――ريم، هذه غرفتك.]

ومع ذلك، كانت تشعر في أعماقها أنهما غاليتان لا تُعوّضان.

ثم فتحت الباب، وأشارت بيدها نحو الداخل، فخطت ريم داخله.

ريم: [أنا؟ أعتزّ بتلك الكرة؟!]

مقارنةً بسائر أرجاء القصر التي جالت فيها، من قاعات الاستقبال والطعام، إلى الحمّام الكبير، وساحة التدريب السرّية، والصالة، والحدائق، والشرفة، لم يكن في هذه الغرفة ما يلفت الانتباه كثيرًا.

ريم: [أظنّ أن ني-ساما إنسانة رائعة… حتى في مزاحها.]

وبالنظر إلى ضخامة القصر، كانت الغرفة المخصّصة لخادمة مثل ريم لائقةً ومناسبة، لكنها بسيطة بلا تكلّف.

على أيّ حال، كانت صلة بيترا بتلك الفتاة ضعيفةً وهشّة.

ريم: [――――]

ورغم غياب ذكرياتها، إلا أن الثقة والمودّة التي شعرت بها تجاه رام، أختها التوأم، كانت شعورًا حقيقيًّا لا شكّ فيه.

سريرٌ كبير، ومكتبة تعجّ بدواوين الشعر وقصص الأطفال المصوّرة، ومكتبٌ مرتّب بعناية، تعلوه مزهرية تزينها زهورٌ نابضة بالألوان.

رام: [أليس كذلك؟ إعداد الشاي هو التخصص الوحيد الذي تتقنه رام كخادمة.]

رام: [كان هناك وقتٌ أُخفيت فيه هذه المقتنيات دون علم أحد، لكن باروسو أعادها كلّها إلى مكانها، قائلاً إنّ هذا هو ترتيب ريم المعتاد.]

كما في تنكّره السابق، لم يكن هذا إلا تجسيدًا آخر لذوق سوبارو المشبوه، المعبّر عنه بأبسط الألفاظ.

ريم: [ذلك الشخص…]

هزّت ريم رأسها في خفوتٍ وقد غاب عنها الحماس، معتذرةً لعدم قدرتها على مجاراة توقعات أختها.

وقفت ريم أمام رفوف الكتب، فحكت لها رام عن جهد سوبارو في جمعها.

ريوزو: [كلا. لا تخلطي الأمر بمزحةٍ سخيفة من رام. يا لها من وجع رأس.]

كانت انتقادات رام الحادّة لسوبارو أمرًا معتادًا، وكثير منها كانت ريم توافق عليه في سرّها، لكن كلماتها الأخيرة التي نطقتها بإخلاصٍ نادرٍ أصابت قلب ريم بالعاطفة.

عند هذا التصحيح، أطرقت ريم وجهها بخجلٍ من شدّة المحبّة التي أُفيضت عليها.

سحبت ريم ديوان شعرٍ من الرف وقلّبت صفحاته. كانت الأبيات المكتوبة فيه مما لا ذكرى لها به، لكن لا شكّ أنّ ريم القديمة كانت تحبّه. وكثيرٌ من قصائده تدور حول الحبّ والعشق، ما منحها شعورًا غريبًا ومزيجًا من الطرافة والخجل من ذاتها الماضية.

ريم: [القصر؟ إذن، هل كنتِ زميلة لي ولني-ساما في العمل يا سيلفي-سان؟]

ريم: [لقد كنت نائمة لأكثر من عامٍ، أليس كذلك.]

فكما قالت، كان ذلك همَّها الخاص، وألمها وحدها حتى النهاية.

بعد أن أعادت مجموعة القصائد إلى رفّ الكتب، جلست ريم على السرير ومسحت بيدها سطحه بلُطف، وقد أغمضت عينيها نصف إغماضة.

ريم: [――――]

في أثناء سباتها الطويل، حين لم تكن قادرةً على أداء واجباتها كخادمة، تولّت رام وفريدريكا وبيترا والبقية العناية بالقصر، ورعاية ريم النائمة. وحتى الآن، لا تزال وسائد السرير وملاءاته نظيفةً تمامًا، يظهر عليها أثر العمل الدقيق المتفاني.

لكن رام نادت الفتاة أمامهما باسمٍ آخر―― «ريوزو». وبينما كانت ريوزو تُعيد نظرها نحوها، تبادلت ريم مع رام نظرة حيرة.

وبجانب السرير، كانت هناك بقعٌ باهتة على الأرض، من أثر الشمس، تدلّ على أنّ كرسيًّا كان موضوعًا هناك لفترةٍ طويلة. تراءت في ذهنها صورةُ من كانوا يزورونها ويتحدثون إليها من ذلك الموضع.

ريم: [لا داعي للقلق يا إميليا-ساما. أرجوكِ، اهدئي وخذي وقتكِ، فريم تفهم أيضًا أنّ كلّ هذا مفاجئ.]

ولابدّ أنّ أولئك كانوا رام وإميليا والبقية، وأخيرًا――

ريم: [مكانُ عملِنا…]

ريم: [ـــــــ]

؟؟؟: [ـــــــ]

جلست رام بدورها بصمتٍ إلى جوار ريم فوق السرير. نظرت إليها بعينيها القرمزيتين المليئتين بالعطف، فأغمضت ريم عينيها وهزّت رأسها بخفة.

فانكمشت ريوزو وهي تتلقى نظرةً حادّة من تلك العيون الهادئة، مما جعل ريم تبتسم أخيرًا وتعتدل في جلستها.

لم تسألها رام عن شيء، ولكنها جعلتها تشعر برغبةٍ في السؤال.

حين خبت ثقة رام على نحو غير مألوف في نهاية عبارتها، أمالت ريوزو رأسها، فردّت رام وهي تهمهم: [يا له من شعور مزعج… أن أشكّ في رأيي بنفسي. السبب الذي جعل رام تقترح تعديل الزيّ لم يكن على الأرجح بهذه العشوائية التي تلفّظتُ بها.]

ففي هذا القصر، وفي هذه الغرفة تحديدًا، لم يكن ثمة شيء يُوقظ في ريم ذكرياتها. كلّ ما كان موجودًا هو فيضٌ من المودّة والحب، أشياء جعلتها تشعر بذلك، أشياء أوضحت لتلك الريم التي لا تتذكّر أنّها كانت سعيدةً ذات يوم.

رام: [سواء امتلك الإنسان ذكرياته أم لا، متى ما قرّر أن يبدأ طريقًا جديدًا، فعليه عادة أن يبدأ الجمع من الصفر. ريم ليست استثناءً.]

لقد شعرت بذلك بشدّةٍ وحرارةٍ جعلت الدموع تترقرق في عينيها.

راودتها مشاعر مُرّة، وتذكّرت نظرات تلك المرأة ذات العينين الحمراوين كالجمر.

ولهذا بالذات――

رام: [أتضعينهم جميعًا في كفّةٍ واحدة؟ حتى أنتِ يا ريوزو-ساما، هناك أشياء يَجوز لكِ فعلها وأخرى لا.]

ريم: [أختي الكبرى، يثير فضولي حقًّا… ما ذلك الشيء؟]

سيلفي: [ريم-ساما؟]

كان ضوء الشمس يتسلّل من بين الأشجار ليملأ الغرفة بنورٍ لطيفٍ دافئ، يسودها جوٌّ حنونٌ مشبعٌ بالسكينة، وفي زاويةٍ منها كان موضوعًا غرضٌ غريب―― كرةٌ حديديةٌ مغطاةٌ بالمسامير، مربوطةٌ بسلسلةٍ معدنية، جذبت أنظارها.

فبعد التحية عند البوابة وما تلاها من أحداثٍ مفزعة―― دخول أكثر من عشر فتياتٍ لهن الوجه ذاته كريوزو―― شعرت بخجلٍ شديد من ردة فعلها الهستيرية.

وعندما سألت ريم عن ذلك، تمتمت رام “آه” وكأنّها تذكّرته لتوّها،

وفي الواقع، في عالمٍ اختفت فيه أغلب الذكريات المتعلّقة بريم، ربما لن يُعرَف أبدًا السبب الحقيقي لانزعاج رام، ولا الإجابة الصحيحة عليه.

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

ريم: [لكن يا أختي، إن كان الأمر كذلك، فمعنى ذلك أننا حتى بعد عودتنا إلى القصر، لن نجد سبيلًا كثيرًا لاستعادة ذاكرتي، أليس كذلك؟]

ريم: [نجم الصباح؟]

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

رام: [نعم. هذا ما بدأ باروسو بمناداته به، ومع الوقت التصق الاسم به… ويبدو أنّه أيضًا شيءٌ كانت ريم تعتزّ به.]

سلفي: [أجل، لا شكّ في ذلك. لقد اقتنعتُ تمامًا.]

ريم: [أنا؟ أعتزّ بتلك الكرة؟!]

رام: [على كل حال، القصر السابق أُحرق بالكامل على يد أوتو الغاضب، فلم يعُد له وجود. كنت لأفكر في زيارته لو لم يصبح رمادًا.]

وبعد أن سمعت شيئًا يختلف كليًّا عمّا تتذكّره، نظرت ريم في ذهولٍ بين رام وتلك الكرة الحديدية ذات المسامير―― “نجم الصباح”.

بيترا: [ريـــــم!]

ثمّ كادت تقتنع بأنّ هذا مجرّد مزحةٍ أخرى من شقيقتها رام.

ريم: [ــــ آه، آه.]

رام: [رام تتفهّم شكّك تمامًا. لكن بعد أن رأت باروسو يُحضّر لها قطعة قماشٍ وزيتًا خاصّين، ويُلمّعها كلّ يوم، باتت تعتقد أنّها بقيت لوقتٍ طويلٍ بما يكفي لتكون أكثر من مزحةٍ سخيفة.]

رام: [لكن؟]

ريم: [ولـكـن، ألا يبدو أنّ هذا بالضبط ما قد يفعله ذلك الشخص الأحمق؟]

وفي ظلّ هذا الاضطراب، استمرّت جولة الأختين في قصر روزوال، إلى أن قالت رام أخيرًا:

رام: [حقًا. لا يمكن إنكار ذلك.]

ثم إنّ رؤية ريوزو تعاملها هي ورام كحفيدتَين، رغم أنّها تبدو أصغر سنًّا منهما، كانت أمرًا طريفًا حقًّا حتى لو أخذنا لطفها في الحسبان.

وكأنّهما في نقاشٍ قد حُسم منذ زمن، أجابت رام بتفهّمٍ على اعتراض ريم. جعلها ذلك السلوك الهادئ تنهض عن السرير وتتوجّه نحو تلك “نجم الصباح”.

ريوزو: [هكذا تتحدث رام، لكن لا يمكن لومكِ على ذلك يا ريم. لو لم تعتقدي أنها تمزح لكان ذلك إيمانًا أعمى، وأنا لا أوافق على ذلك.]

ريم: [لا أفهم…]

قريةٌ بين الجبال، رايةٌ تحمل ذئبًا مطعونًا بالسيوف، صريرُ كرسيٍّ متحرّك، سربُ تنّيناتٍ يملأ السماء، حوتٌ أبيضٌ بشعٌ ينزلق في ليلٍ مظلم، قرنٌ مكسورٌ يطير نحو شفقٍ ملتهبٍ بالنيران، وصبيٌّ يتوسّل بعينين صادقتين، وصبيٌّ يغضب، وصبيٌّ يبكي، وصبيٌّ يضحك――

وحين اقتربت منها، لاحظت أنّ هناك قاعدةً حديديةً صغيرةً صُنعت خصّيصًا لحمل الكرة حتى لا تخدش الأرض بمساميرها، ما دلّ على عنايةٍ دقيقةٍ بالتفاصيل. وكان القماش وزيت التلميع في الموضع ذاته، مما أكّد كلام رام عن أنّ سوبارو كان يلمّعها يوميًا.

وعلى الرغم من غياب أي تفسير، فإن نبرة رام الهادئة بعثت السكينة في قلب ريم المضطرب. انحلّ اضطرابها تدريجيًّا، ثم التفتت إلى ريوزو بثبات.

لكن، وماذا في ذلك؟ هذا كلّ ما في الأمر.

لكنّ بيترا لم تُشِر إلى ذلك، لا بدافع الشفقة أو اللباقة، بل لأنّها لم تكن قادرةً على الكلام أصلًا.

ريم: [أنا متأكدة أنّ هذا أيضًا من أفعال ذلك الشخص الغريبة――]

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

كما في تنكّره السابق، لم يكن هذا إلا تجسيدًا آخر لذوق سوبارو المشبوه، المعبّر عنه بأبسط الألفاظ.

كانتا قد شاركتا العربة في طريقهما إلى المدينة الصناعية كوستول، والآن بعد أن استقلّتا عربةً أخرى أُعدّت لرحلة العودة، بدا لهما ما تلوح لهما أعينهما هو «المنزل» الغائب عن الذاكرة.

وبينما كانت تفكّر في ذلك، انحنت ريم ولمست الكرة الحديدية بأطراف أصابعها. ―ـ وفي تلك اللحظة تحديدًا،

رام: [نعم. تعديل زيّ الخادمة هذا كان من اقتراح رام شخصيًّا، وهي التي أجرت التعديلات بنفسها. وكلّ ذلك لأنّ… رام كانت ترغب في ارتداء زيّ أكثر حرية في الحركة؟ هكذا… كان من المفترض أن يكون السبب؟]

ريم: [ــــ آه.]

لم تكن تتوقّع أن يحدث مثل هذا الاضطراب قبل حتى أن تدخل باحة القصر، ولكن ما دامت قد أُذن لها بالدخول، لم يكن عليها أن تبقى على هذا الارتباك طويلًا.

من دون سابق إنذار، تشوّهت رؤيتها واهتزّت، وسقطت إلى الأرض على ظهرها. كان تصرّفًا غير لائق، لكنها في تلك اللحظة لم تملك رباطة الجأش لتشعر بالحرج أو لتدرك ما جرى.

ثمّ――

ريم: [آه…]

كان ذلك في حدّ ذاته أمرًا جيّدًا. لا مشكلة فيه. لكن المشكلة كانت فيما وراء البوابة المفتوحة.

وقعت على مؤخرتها، والدوار يدوّخ رأسها، والعالم يدور من حولها.

تداعى تماسك بيترا أمام ردّ ريم الحاني، ولم تستطع كبح دموعها المتدفّقة؛ وجدت نفسها تخرق عهدها بعدم البكاء أمام الآخرين، عاجزةً عن التخلّي عن هذا الحضن الدافئ.

لم تعد تستطيع التمييز بين الأرض والسقف، انقلب الأبيض والأسود، وتداخلت الحواس الخمس حتى صار الهواء يُرى، والصوت يُشمّ، والرائحة تُلمس، واللون يُتذوّق، والملمس يُسمع.

كانت رحلتها هذه قد خلت من سوبارو وإميليا والآخرين الذين سلكوا طرقًا مختلفة لأهداف مختلفة، فعادت مع رام وحدها إلى القصر. كانت تأمل أن تثير الرحلة ذكرياتٍ مفقودة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

ريم: [ــــ آه، آه.]

رام: [أليس كذلك؟ إعداد الشاي هو التخصص الوحيد الذي تتقنه رام كخادمة.]

امتزجت كلّ حواسها في دوّامةٍ واحدة، وتداخل ماضي ريم وحاضرها ومستقبلها.

زفرت رام ضحكة قصيرة نحو ريوزو ذات الشفتين المزمومتين، ثم سكبت الشاي لهما أيضًا.

قريةٌ بين الجبال، رايةٌ تحمل ذئبًا مطعونًا بالسيوف، صريرُ كرسيٍّ متحرّك، سربُ تنّيناتٍ يملأ السماء، حوتٌ أبيضٌ بشعٌ ينزلق في ليلٍ مظلم، قرنٌ مكسورٌ يطير نحو شفقٍ ملتهبٍ بالنيران، وصبيٌّ يتوسّل بعينين صادقتين، وصبيٌّ يغضب، وصبيٌّ يبكي، وصبيٌّ يضحك――

ريم: [يا أختي، من تكون هذه؟]

ريم: [ـــــــ]

ريم: [أرجوكِ سامحيني. لكنني… لا أتذكر شيئًا.]

وما هي إلا لحظة، حتى انفجر كلّ ذلك التأثير، كما تنفجر فقاعةٌ انبثقت لتوّها.

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

ريم: [ـــــــ]

سلفي: […إنّه لشرف لي سماع هذا الإطراء، وسأعتبره مُسجّلًا.]

عادت إليها بصرها وسمعها وشمّها وذوقها ولمسها، كلّها في مواضعها الصحيحة، تخبرها بطريقة العيش مجددًا.

فأوتو، وزير الشؤون الداخلية في الفريق، كان لطيف المعشر، صديقًا ملازمًا لسوبارو، ورجلًا لا يعرف النوم، بحسب ما قالته بيترا وفريدريكا. لذا بدا خبر إشعاله القصر غضبًا منافيًا لصورته تلك.

وكانت الأحاسيس شديدةً تكاد تحرقها من شدّتها، حتى شعرت بدمها يتدفّق بحرارةٍ إلى كلّ أطرافها. رمشت ريم مرّة، مرّتين، ثلاثًا.

لم تكن تتوقّع أن يحدث مثل هذا الاضطراب قبل حتى أن تدخل باحة القصر، ولكن ما دامت قد أُذن لها بالدخول، لم يكن عليها أن تبقى على هذا الارتباك طويلًا.

لم تكن تدري ما الذي حدث بالضبط.

ريم: [ـــــــ]

فقط――

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

ريم: [أنـا… ريم…؟]

سلفي: [تحملين فيك مزيجًا من الجدية والسحر… ولأكون صادقة، لم تتح لي من قبل فرصة تذوّق شاي بهذا المستوى.]

لا تزال على الأرض، وضعت يدها المرتجفة على خدّها تتحسّس وجودها.

وبينما كانت ريم غارقة في هذه الخواطر، توقّف وعيها للحظة عند ما حدث بعدها مباشرةً.

إحساس أصابعها لم يتلاشَ. إحساسٌ هشٌّ زائل، تخشى أن يتحطّم كما تتحطّم قلعةٌ من الرمل الرطب، فلم تُشدّد ضغط أصابعها أكثر.

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

شعرت أنّه لو رغبت بأكثر من ذلك، فكلّ شيءٍ سيتلاشى――

ريم: [لكن الشَّبه بينكما كبيرٌ جدًّا…]

ريم: [ـــــــ]

ولذلك، وبّخت نفسها على تشاؤمها، وصفعت خديها، ورفعت رأسها عاليًا.

وفيما كانت ريم غارقةً في هذا الخوف العميق الذي لا فكاك منه، أحاطها دفءٌ لطيفٌ من الخلف.

رام: [ردّة فعل كْليند كانت فاترة ومملّة، لكنّ نوبة ريوزو-ساما كانت هائلةً بالفعل، مشهدٌ لا يُرى إلّا لمن كان حاضرًا.]

شهقت دون أن تجرؤ على الالتفات، فقد كانت ذراعا أحدهم تعانقانها من الخلف بإحكام. وبينما غمرها ذلك الإحساس، امتلأ قلبها وعقلها بهاجسٍ واحدٍ: أن تلتفت نحو من يحتضنها.

وعندما سألت ريم عن ذلك، تمتمت رام “آه” وكأنّها تذكّرته لتوّها،

ريم: [أخـتـي…]

رام: [ــــ انتظري.]

قاطعت رام حديث ريوزو، لتفجّر حقيقةً مذهلة. شهقت ريم مدهوشة، تنظر إلى رام ثم إلى ريوزو، ملاحظةً تقارب لون شعريهما.

ريم: [ـــــــ]

فبعد التحية عند البوابة وما تلاها من أحداثٍ مفزعة―― دخول أكثر من عشر فتياتٍ لهن الوجه ذاته كريوزو―― شعرت بخجلٍ شديد من ردة فعلها الهستيرية.

رام: [لا تلتفتي بعد. الآن، ولأول مرة في حياتها، تشعر رام بخيبة أملٍ من نفسها.]

سلفي: […يبدو أنّ سوء فهمٍ قد وقع، أليس كذلك يا رام-ساما؟]

تجمّدت ريم، وقد كُبِحت كلّ رغبتها في الكلام أو الالتفات بكلمات شقيقتها تلك.

لقد شعرت بذلك بشدّةٍ وحرارةٍ جعلت الدموع تترقرق في عينيها.

كانت ذراعا رام المرتجفتان وصوتها المتهدّج بعيدان كلّ البعد عن صورة رام التي عرفتها ريم طوال حياتها.

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

فقد كانت رام دومًا شامخةً، نبيلةً، لا تُظهر سوى جانبها القويّ الجليل أمام ريم.

ولم يكن صعبًا أن يتخيل المرء أنّ ريم، قبل أن تفقد ذاكرتها، قد ألفت هذا الطعم، ذاك الشاي الذي لا تجيده إلا رام. ففنّها في تقديمه، الذي يكفي لأن يبلّل جفون السامع من شدّة التأثّر، كان يغمر جسد ريم كلّه بشعورٍ من العطف.

كان ذلك في لقائهما في الإمبراطورية، وفي طريق عودتهما إلى قصر روزوال وحدهما، وحتى عندما كانت رام تعاني من ارتداد الألم بعد كسر قرنها حين بدأتا العمل في القصر، وفي المعركة المشتعلة مع أتباع عبادة الساحرة وهي تحمي ريم الحمقاء.

وهكذا، اجتاحها سيلٌ من الصور الحيّة، كشررٍ متطايرٍ من شدّة وقعها عليها.

في كلّ تلك المواقف، كانت رام في نظر ريم دائمًا مهيبةً رائعةً جديرةً بالإعجاب――

ريوزو: […يا رام العزيزة، هل تسكبين كوبًا آخر من الشاي لسلفي؟ أشعر بشفقةٍ كبيرة على هذه الفتاة، كبيرة حقًّا.]

رام: [آسفة… آسفة جدًا يا ريم. إنني بائسة.]

رام: [على كل حال، القصر السابق أُحرق بالكامل على يد أوتو الغاضب، فلم يعُد له وجود. كنت لأفكر في زيارته لو لم يصبح رمادًا.]

ريم: [أختي الكبرى… ماذا…؟]

ريوزو: [ما أعنيه أنّي أعتبركما بمثابة حفيدتَيّ!]

رام: [حتى بعد…]

كانت رحلتها هذه قد خلت من سوبارو وإميليا والآخرين الذين سلكوا طرقًا مختلفة لأهداف مختلفة، فعادت مع رام وحدها إلى القصر. كانت تأمل أن تثير الرحلة ذكرياتٍ مفقودة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

ريم: [ـــــــ]

ريم: [ــــ سوبارو-كون.]

رام: [حتى بعد أن أحببتك واعتززت بكِ كثيرًا، يا ريم، نسيتك وعشت كلّ هذا الوقت دونك… كم كنتُ قاسيةً وغير إنسانيةٍ كأختك الكبرى.]

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

اتسعت عينا ريم عند سماع صوت رام الذي تملأه محبّةٌ عظيمة، محبّةٌ كبيرةٌ لدرجة الألم. حرّرت نفسها من التردّد، واستدارت نحو رام وهي تعانقها بشدّة.

وبمجرد سماعها إجابة ريم، أومأت رام بذراعيها المتقاطعتين برضا واضح.

رام: [ــهك.]

وحين قالت ذلك وهي تُبرِم شفتيها، انفرجت شفتا ريم بابتسامةٍ عفوية رغم حيرتها. لم تفعل ذلك لأنّ رام طلبت منها، بل لأنّ مشاعر ريوزو الصادقة استدرّت ابتسامتها.

اتّسعت عينا رام القرمزيتان المبللتان بالدموع بدهشةٍ خفيفة، فشعرت ريم بحرارةٍ في صدرها وهي تنظر إلى الوجه الذي تأمّلته أطولَ فترةٍ في حياتها.

ريم: [وبالنظر إلى لطافتها، لا يسعني سوى الموافقة.]

نالت اليقين. أنّها إنسانةٌ سعيدة، محاطةٌ بما تحبّه.

…أريد أن أردّ الجميل، لهؤلاء الذين يغمرونني بهذا القدر من اللطف.

ريم: [أختي الكبرى، لستِ قاسيةً ولا أيّ شيءٍ من ذلك. ريم أيضًا تريد الاعتذار. لطالما جعلتكِ تقلقين بلا توقف، وخذلتُ إخلاص أختٍ كبرى.]

لكن بما أن رام وريم توأمتان، فلا بدّ أن تكون العلاقة بين ريم وريوزو أيضًا――

رام: [ريم…]

سلفي: [لقد عشتُ أيامًا من التبعية تحت رجلٍ لا يُصلَح أمره قطّ. لو سقطت ذرة غبار على الأرض، لعدّت الزوجات جميعًا بلا قيمة. يغضبني حتى أن أتذكر ذلك… لكن مؤخرًا، نال جزاءه.]

ريم: [ريم تفهم، كلّ شيء. كم انكسر قلب أختي الكبرى لأجلها، وكم من تضحياتٍ فادحةٍ قدّمتِها لتكوني معي حتى اليوم. و…]

تجمّدت ريم، وقد كُبِحت كلّ رغبتها في الكلام أو الالتفات بكلمات شقيقتها تلك.

رام: [ريم…]

أمسكت ريم بيد رام، تكتم اضطراب قلبها، وترجلت من العربة.

ريم: [وأفهم أيضًا ما الذي ينبغي أن تفعله ريم الضعيفة البائسة، التي لم تفعل سوى الأخذ، من الآن فصاعدًا.]

—

رام: [ــــك.]

بعد مغادرتها صالون الشاي، تبعت ريم فضولها وبدأت تتجوّل في أرجاء القصر.

ركّزت ريم بصرها على ملامح أختها، وعلى وجنتي رام انحدرت دموعٌ تمسحها ريم بأصابعها، ثمّ منحتها ابتسامةً هادئة. مدّت ذراعها وجذبت رأس أختها نحو صدرها، واحتضنتها برفق.

وأثناء هذا الحوار، أنهت سلفي تعديل زيّ رام. فاستدارت الأخيرة بخفّة، متطايرًا طرف تنّورتها، ورفعت شعرها بفخر قائلة:

جلسَت الأختان على الأرض، متعانقتين في دفءٍ ومودّة، تتبادلان الحنان. ―ـ لا، بل كانت رام هي من فعلت ذلك دومًا. ريم كانت المقصّرة.

جلسَت الأختان على الأرض، متعانقتين في دفءٍ ومودّة، تتبادلان الحنان. ―ـ لا، بل كانت رام هي من فعلت ذلك دومًا. ريم كانت المقصّرة.

ريم: [أختي الكبرى، أنا أحبّك.]

فأوتو، وزير الشؤون الداخلية في الفريق، كان لطيف المعشر، صديقًا ملازمًا لسوبارو، ورجلًا لا يعرف النوم، بحسب ما قالته بيترا وفريدريكا. لذا بدا خبر إشعاله القصر غضبًا منافيًا لصورته تلك.

قرّبت شفتيها من أذنها وهي تحتضنها، وبهمسٍ رقيقٍ نقلت إليها مشاعرها الفيّاضة. ومع كلّ قطرة دمعةٍ دافئةٍ تسقط على صدرها، ظلّت ريم صامتةً تحتضن رام، تبكي بصمتٍ مليءٍ بالحبّ.

وقعت على مؤخرتها، والدوار يدوّخ رأسها، والعالم يدور من حولها.

وهكذا، وقد تقبّلت في قلبها حقيقة لقائهما الكامل أخيرًا، عبّرت ريم عن حبّها بكلّ ما كانت عليه، وما هي عليه الآن، وكلّ ما تملك من شعورٍ وكيان.

وبينما كانت ريم المندهشة تتابع، أخذت سيلفي ترتّب ملابس رام بعنايةٍ لافتة. وفي أثناء ذلك، أغمزت رام بعينها نحو ريم وقالت:

لِتملأ عقلها ووجدانها، وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم ترد سوى أن تبقى إلى جانب رام هكذا.

بمعنى آخر، كانت تلك الفتيات يملكن ملامح متطابقة مع وجه ساحرة اللغز «سفينكس»――

وبعد أن استعادت الأختان الزمن الذي فاتهما، أيقنت ريم أنّ أمامها أمورًا كثيرةً عليها القيام بها―― أناسٌ كثر يجب أن تُعبّر لهم عن امتنانها وحبّها.

ريم: [أوتو-سان هو من فعل ذلك…؟ لم يكن يبدو كشخصٍ قد يقوم بمثل هذا.]

وفوق الجميع، كان أول من خطر ببالها ذلك الفتى ذو الشعر الأسود والعينين الحادتين――

ريم: [أختي الكبرى… ماذا…؟]

ريم: [ــــ سوبارو-كون.]

سيلفي: [بلى… عذرًا. كنتُ قليلة التبصّر.]

ولكي تُعبّر عن حبّها، كان عليها أن تنهض.

???: [كما تفهمون، في اللحظة التي يقع فيها نظر من عرف ريم سابقًا عليها، تستعاد داخله ذكرياته عنها. استعادةٌ كاملة. لم تستطع ريوزو-ساما ولا أنا كبح أنفسنا، ونتيجةً لذلك تأخّرنا عن اللّحاق بالجميع. اعتراف.]

لأيّ سببٍ سعيدٍ أُتيح لي أن أعيش؟ ―ـ هكذا تحدّثت ريم في أعماقها.

للحظةٍ، خُيِّل إليها أن الصوت صوت سوبارو، لكنها أبعدت هذا الخاطر المُدلّل بقوة.

△▼△▼△▼△

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

???: [ـــــــ]

؟؟؟: [ـــــــ]

انحنت الفتاة ذات الزيّ الخادميّ بانحناءةٍ عميقةٍ وصامتة، ثمّ رفعت رأسها، فشهقت بيترا في ذهول.

؟؟؟: [ـــــــ]

تجمّدت أجسادهم جميعًا في أماكنهم، مبهوتةً بأعينٍ متّسعة. لم تكن بيترا وحدها، بل ميلي وإميليا أيضًا أصابهم الذهول ذاته عند رؤيتها.

وحين قالت ذلك وهي تُبرِم شفتيها، انفرجت شفتا ريم بابتسامةٍ عفوية رغم حيرتها. لم تفعل ذلك لأنّ رام طلبت منها، بل لأنّ مشاعر ريوزو الصادقة استدرّت ابتسامتها.

وفي خضمّ ذلك الصمت المرهوب، كان أوّل من نطق هو――

سلفي: […يبدو أنّ سوء فهمٍ قد وقع، أليس كذلك يا رام-ساما؟]

???: [ــــ ريم.]

وبعد أن سمعت شيئًا يختلف كليًّا عمّا تتذكّره، نظرت ريم في ذهولٍ بين رام وتلك الكرة الحديدية ذات المسامير―― “نجم الصباح”.

كان “سوبارو” المتخيَّل، الكائن اللامادي، واقفًا في مكانه دون حراك، يحدّق في الشخص ذاته الذي كانت بيترا تنظر إليه.

قالت رام ذلك وهي تمسك بمرفقيها، لتردّ عليها ميلي بوجهٍ متجهّمٍ ولسانٍ ممدود.

صوته المذهول ذاك وصل إلى مسامع بيترا وحدها. للأسف، الفتاة التي جذبت أنظار الجميع نحوها لم تستطع أن ترى “سوبارو” الشفّاف ذاك، وحتى بيترا لم يكن لديها وقتٌ لتُعينه أو تلتفت إليه.

ريم: [ــــ آه، آه.]

غير أنّها كانت واثقةً تمامًا ممّا نطق به “سوبارو”. ――فالتي وقفت أمامهم لم تكن سوى الفتاة العزيزة الغالية عليه، ريم، دون أدنى شكّ.

رام: [إن كان الأمر كذلك، فلتؤمن رام بما تشاء. دون أن تخشى ما قد يظنّه الآخرون.]

بيترا: [ـــــ آه.]

ريم: [حفيدتَيكِ…؟]

في تلك اللحظة، ومضت شرارة في عقل بيترا، فتبدّد الضباب الذي كان يغلّف وعيها طبقةً تلو أخرى.

ريوزو: [لكنّك تلهين أكثر من المعتاد يا رام. مع ذلك، أفهم فرحتك لتمكّنك من العيش مجددًا مع أختك الصغرى بعد أن استيقظت من نومها الطويل.]

إنّ حضور تلك الفتاة، التي تملك قوّة جذبٍ هائلة لمجرّد وجودها أمامها، جعل الذكريات التي كانت منسيةً في ركنٍ بعيدٍ من ذهنها، مطموسةً في غشاوة النسيان، تعود لتتدفّق في أروقة وعيها.

ريم: [أنا؟ أعتزّ بتلك الكرة؟!]

وهكذا، اجتاحها سيلٌ من الصور الحيّة، كشررٍ متطايرٍ من شدّة وقعها عليها.

ريم: [إذن، أصدقاء إميليا-سان جميعهم من هذا النوع؟ مثل غارفيل، وروزوال-سان أيضًا…]

――لم يكن الزمن الذي أمضته بيترا مع ريم، بصفتها “بيترا”، طويلًا في الواقع.

تنفّست ريوزو تنهيدةً ثقيلة، بينما أخرجت رام لسانها قليلًا كمن انتصر في مزحة.

كانت تلك الفتاة خادمةً تأتي كثيرًا من قصر روزوال إلى القرية للتسوّق. لم تكن بينهما معرفة وثيقة، ولم تتبادلا حديثًا قطّ، لكن ريم أصبحت أكثر تعبيرًا وانفتاحًا منذ أن بدأ سوبارو يزور القرية. والأهمّ من ذلك، أنّها كانت من أنقذت حياة بيترا وأصدقائها. ――أمّا من كان وراء تهديد حياتهم آنذاك، فكانت ميلي، تلك التي تتحكّم بالوحوش، وهي حكاية أخرى من حكايات القدر. في الحقيقة، ميلي وشقيقتها كانتا تستهدفان أولئك المرتبطين بهما في اللحظات الحاسمة على الدوام.

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

على أيّ حال، كانت صلة بيترا بتلك الفتاة ضعيفةً وهشّة.

فقد كانت رام دومًا شامخةً، نبيلةً، لا تُظهر سوى جانبها القويّ الجليل أمام ريم.

ثمّ، حين بدأت عملية اختيار الملك، حلّت المأساة التي تسبّب بها كبير خطّاة الشراهة، وكانت ريم من ضحاياها، ليُوظَّفَت بيترا بعدها مكانها، وتنضمّ إلى معسكر إميليا كخادمة.

ريم: [ـــــــ]

بمعنى آخر، لولا تلك المأساة التي حلّت بريم، لما كانت بيترا لتشغل موقعها الحالي، وهو ما جعل مشاعرها حيال الأمر متشابكةً للغاية――

ريم: [ني-ساما، هذا الزيّ…]

???: [ريم… ريم، أهي أنتِ حقًّا؟]

ريم: [――آه.]

كما لو أنّ بطاقةً مقلوبة كُشف وجهها فجأة، استبدلت بيترا سوء فهمها إدراكًا صافيًا، وبدأت تفهم الحقيقة.

رام: [――أخت رام الصغرى. فشعرها له اللون نفسه مثل رام.]

إلى جانبها، نادت إميليا اسم ريم بصوتٍ مرتجفٍ وهي ترمش بعينيها، تتقدّم خطوةً إلى الأمام ثمّ تتردّد، تفتح فمها وتغلقه مرّاتٍ عدّة كأنّها تبحث عن الكلمات المناسبة،

ريم: [ه… هذا صحيح…! لكن، إن كانت أختكِ الصغرى، فذلك يعني…]

إميليا: [أمم، أنا آسفة، بدا ذلك غريبًا. لطالما علمتُ أنّ ريم هي ريم فعلًا… لكن، لم أقصد ذلك المعنى تحديدًا.]

وبعد أن استعادت الأختان الزمن الذي فاتهما، أيقنت ريم أنّ أمامها أمورًا كثيرةً عليها القيام بها―― أناسٌ كثر يجب أن تُعبّر لهم عن امتنانها وحبّها.

ريم: [لا داعي للقلق يا إميليا-ساما. أرجوكِ، اهدئي وخذي وقتكِ، فريم تفهم أيضًا أنّ كلّ هذا مفاجئ.]

ريم: [ألا يكشف القليل من الجلد أكثر من زيّ سيلفي-سان؟ ما الفرق…؟ أيمكن أنّ ذلك الشخص هو من صمّمه؟]

إميليا: [ــــ نعم، شكرًا لك. هناك الكثير ممّا أودّ قوله، ولكن…]

وعندما سألت ريم عن ذلك، تمتمت رام “آه” وكأنّها تذكّرته لتوّها،

ريم: [ولكن؟]

بوابة شامخة، ومن ورائها قصر فخم. قصر روزوال، الفاره في زخرفته، حتى أكثر من قصر بيرستتز الذي أقامتا فيه مع كاتيا في عاصمة إمبراطورية فولاكيا، بناءٌ متفرّد الأناقة، يستحيل نسيانه بعد نظرة واحدة.

إميليا: […ذلك المظهر يليق بكِ حقًّا. يجعلكِ تبدين كما لو أنّكِ ريم حقًّا.]

ومع ذلك، أدركت من النظافة البالغة والعناية في تنسيق البناء وأحواض الزهور والشجيرات، أنّ كل ركنٍ من أركان القصر يدار بعنايةٍ دقيقة، مما جعلها تنتصب وقارًا دون وعيٍ منها.

وضعت إميليا يدها على صدرها وابتسمت لريم، وكانت عيناها البنفسجيتان تبرقان بدموعٍ محبوسة. في مقابل كلماتها، رفعت ريم حاجبيها قليلًا ثمّ أومأت.

سيلفي: [بلى… عذرًا. كنتُ قليلة التبصّر.]

ثمّ نفخت صدرها بفخرٍ وهي ترتدي زيّها الخادمي وقالت:

نالت اليقين. أنّها إنسانةٌ سعيدة، محاطةٌ بما تحبّه.

ريم: [إنّه الزيّ الذي صمّمته ني-ساما خصيصًا ليروق لريم.]

ريم: [ريم تفهم، كلّ شيء. كم انكسر قلب أختي الكبرى لأجلها، وكم من تضحياتٍ فادحةٍ قدّمتِها لتكوني معي حتى اليوم. و…]

وبمجرد سماعها إجابة ريم، أومأت رام بذراعيها المتقاطعتين برضا واضح.

وقفت ريم أمام رفوف الكتب، فحكت لها رام عن جهد سوبارو في جمعها.

???: […ما الذي يجري فجأةً هكذا؟]

وبمجرد أن دعتها رام، شهقت ريم وهي تحدّق فيها بذهول. ――فقد كانت رام ترتدي زيًّا للخدمة لم ترَه من قبل.

قالت ميلي وهي تعقد حاجبيها في استغرابٍ وسط هذا الحوار بين إميليا وريم.

كان “سوبارو” المتخيَّل، الكائن اللامادي، واقفًا في مكانه دون حراك، يحدّق في الشخص ذاته الذي كانت بيترا تنظر إليه.

خرج من شعرها عقربٌ قرمزيٌّ صغير، يُصدر طقطقة بمخالبه كأنّه قلقٌ من ردّة فعل سيّدته، فأغلقت ميلي إحدى عينيها، واضعةً يدها على جبينها، وقالت:

فبالنسبة لريم، التي كانت تغرق في الحزن لأتفه الأسباب، كانت طريقة رام المفعمة بالثقة والفكاهة أشبه بحرارة الشمس التي تمنح الدفء.

ميلي: [ما إن رأيتُ أخت رام-أونييسان حتى تذكّرتُ كيف سحقت قطيع الألغارم تشانز كلّه. أليست تلك هي السبب الذي جعل عملي يفشل~؟]

وضعت الكوب الذي فرغت منه على الطاولة وأغمضت عينيها، متحدثة بصوتٍ مراوغ. غير أنّ رام ابتسمت بسخرية خفيفة قائلة:

رام: [في تلك الحالة، يجدر بكِ أن تكوني شاكرةً لريم. بفضل فشل عملكِ بسببها، لم يكن هناك ضحايا سوى باروسو، ولهذا أنتِ هنا الآن.]

اتّسعت عينا رام القرمزيتان المبللتان بالدموع بدهشةٍ خفيفة، فشعرت ريم بحرارةٍ في صدرها وهي تنظر إلى الوجه الذي تأمّلته أطولَ فترةٍ في حياتها.

ميلي: [مشاعر مختلطة… من الصعب التعبير عن امتناني~.]

???: [كما تفهمون، في اللحظة التي يقع فيها نظر من عرف ريم سابقًا عليها، تستعاد داخله ذكرياته عنها. استعادةٌ كاملة. لم تستطع ريوزو-ساما ولا أنا كبح أنفسنا، ونتيجةً لذلك تأخّرنا عن اللّحاق بالجميع. اعتراف.]

قالت رام ذلك وهي تمسك بمرفقيها، لتردّ عليها ميلي بوجهٍ متجهّمٍ ولسانٍ ممدود.

وكانت دهشتهم في محلّها، إذ كانت بيترا، التي لم تنطق بكلمة منذ لحظة، تبكي بكاءً حارًّا، والدموع تنهمر من عينيها المستديرتين، بينما تحاول عبثًا كتم شهقاتها المتقطّعة.

ورغم قسوة كلمات رام، إلّا أنّها لم تخلُ من حقيقة. ففي الواقع، كانت ميلي، التي كانت عدوّتهم في السابق، قد قُبِلت ضمن معسكر إميليا لأنّ الأضرار التي سبّبتها لم تكن جسيمة. ――وما قالته رام عن أنّه لم يكن هناك ضحايا سوى سوبارو، كان صحيحًا أيضًا، ولو من منظور “العودة بالموت” المريع.

ولو تمعّنت النظر، لوجدتَ احمرارًا خفيفًا حول عيني رام، ما يوحي بأنّ ملاحظته قد أصابت الوتر الحسّاس.

???: [كما تفهمون، في اللحظة التي يقع فيها نظر من عرف ريم سابقًا عليها، تستعاد داخله ذكرياته عنها. استعادةٌ كاملة. لم تستطع ريوزو-ساما ولا أنا كبح أنفسنا، ونتيجةً لذلك تأخّرنا عن اللّحاق بالجميع. اعتراف.]

ريم: [أختي الكبرى… ماذا…؟]

رام: [ردّة فعل كْليند كانت فاترة ومملّة، لكنّ نوبة ريوزو-ساما كانت هائلةً بالفعل، مشهدٌ لا يُرى إلّا لمن كان حاضرًا.]

إنّ حضور تلك الفتاة، التي تملك قوّة جذبٍ هائلة لمجرّد وجودها أمامها، جعل الذكريات التي كانت منسيةً في ركنٍ بعيدٍ من ذهنها، مطموسةً في غشاوة النسيان، تعود لتتدفّق في أروقة وعيها.

كليند: [أرى، مشهدٌ يُرى، تقولين. حقًّا، كان ما شهدناه استثنائيًّا. موافقة.]

كان ذلك في حدّ ذاته أمرًا جيّدًا. لا مشكلة فيه. لكن المشكلة كانت فيما وراء البوابة المفتوحة.

رام: [ــــ هه.]

فبعد التحية عند البوابة وما تلاها من أحداثٍ مفزعة―― دخول أكثر من عشر فتياتٍ لهن الوجه ذاته كريوزو―― شعرت بخجلٍ شديد من ردة فعلها الهستيرية.

عودة الذكريات، أو بالأحرى “عودة الاسم”، التي حلّت بمن أحاطوا بريم، لم تكن سوى الأثر المباشر لسلطة الشراهة التي كانت قد سلبت الاسم والذاكرة معًا.

للحظةٍ، خُيِّل إليها أن الصوت صوت سوبارو، لكنها أبعدت هذا الخاطر المُدلّل بقوة.

وحين لمح كليند ذلك المعنى، ألقى نظرةً ذات مغزى نحو رام، التي أدارت وجهها في امتعاضٍ واضحٍ وأطلقت شهيقًا ساخطًا.

رام: [هاه.]

ولو تمعّنت النظر، لوجدتَ احمرارًا خفيفًا حول عيني رام، ما يوحي بأنّ ملاحظته قد أصابت الوتر الحسّاس.

ريم: [أكثر من ذلك؟]

لكنّ بيترا لم تُشِر إلى ذلك، لا بدافع الشفقة أو اللباقة، بل لأنّها لم تكن قادرةً على الكلام أصلًا.

كانت ذراعا رام المرتجفتان وصوتها المتهدّج بعيدان كلّ البعد عن صورة رام التي عرفتها ريم طوال حياتها.

ريم: [ــــ بيترا-سان؟]

وقد دلّت ردة فعل ريوزو على أنّ سوبارو كان في الواقع معتادًا على هذا السلوك. أما سلفي فأبدت انزعاجًا صارمًا حين سمعت ذلك، في حين عزمت ريم في سرّها على مساءلته مجددًا.

فجأة، اتّسعت عينا ريم التي كانت في بؤرة الأنظار حين رأت بيترا الصامتة. استدارت إميليا والآخرون بدورهم نحو بيترا عند ملاحظة ردّة فعلها، فدهشوا جميعًا من حالها.

رام: [آه، ريوزو-ساما، شكرًا على الاستقبال.]

وكانت دهشتهم في محلّها، إذ كانت بيترا، التي لم تنطق بكلمة منذ لحظة، تبكي بكاءً حارًّا، والدموع تنهمر من عينيها المستديرتين، بينما تحاول عبثًا كتم شهقاتها المتقطّعة.

إميليا: [بيترا-تشان!؟ يا إلهي، تبكي دون توقّف――]

ريم: [سيلفي-سان، هل تعرفين إميليا-سان منذ زمنٍ طويل؟]

بيترا: [ــــ هـك.]

ريم: [لكن الشَّبه بينكما كبيرٌ جدًّا…]

وفي اللحظة التي لاحظ فيها الجميع وجهها الغارق في الدموع، دفعت بيترا الأرض بقدميها وانطلقت جاريةً.

رام: [هاه.]

تفادت ذراعي إميليا الممدودتين لتحتضنها، وتجنّبت ميلي التي حاولت الإمساك بكمّها، وانزلقت تحت قدمي روم-جي الذي فوجئ بالموقف، بحركةٍ رشيقةٍ سريعة―― لترتمي أخيرًا في حضن ريم، التي كانت تحدّق بها بعينين متّسعتين.

بعد مغادرتها صالون الشاي، تبعت ريم فضولها وبدأت تتجوّل في أرجاء القصر.

ثمّ――

وعلى الرغم من غياب أي تفسير، فإن نبرة رام الهادئة بعثت السكينة في قلب ريم المضطرب. انحلّ اضطرابها تدريجيًّا، ثم التفتت إلى ريوزو بثبات.

بيترا: [ريـــــم!]

ريوزو: [هكذا تتحدث رام، لكن لا يمكن لومكِ على ذلك يا ريم. لو لم تعتقدي أنها تمزح لكان ذلك إيمانًا أعمى، وأنا لا أوافق على ذلك.]

ريم: [كيااه!]

وفيما كانت رام تتحدث إلى السائق الذي رافقهما حتى الآن، خطت ريم خطوةً إلى الأمام ونظرت عبر قضبان البوابة الحديدية إلى القصر وحديقته الأمامية الهادئة.

في اللحظة التي أظهرت فيها ريم طيبة قلبها ولم تتجنّبها، ارتمت بيترا في أحضانها بقوّةٍ تعانق جسدها النحيل. رمشت ريم بعينيها، ثمّ بادلت العناق لبيترا التي كانت تتشبّث بها رافضةً أن تفلتها.

ريم: [كلا، لا أظن أن هذا يستحقّ المدح منكِ، يا أختي الكبرى…]

بيترا: [ريـم… ريمي، ريييم…!]

???: [ريم… ريم، أهي أنتِ حقًّا؟]

تداعى تماسك بيترا أمام ردّ ريم الحاني، ولم تستطع كبح دموعها المتدفّقة؛ وجدت نفسها تخرق عهدها بعدم البكاء أمام الآخرين، عاجزةً عن التخلّي عن هذا الحضن الدافئ.

انحنت الفتاة ذات الزيّ الخادميّ بانحناءةٍ عميقةٍ وصامتة، ثمّ رفعت رأسها، فشهقت بيترا في ذهول.

وبينما كانت ريم تسند جسد بيترا الباكي، نظرت حولها تستنجد بالمساعدة وقالت في حيرةٍ لطيفة:

???: [ـــــــ]

ريم: [أمم، هل أنا فقط لا أتذكّر، أم أنّ علاقتي ببيترا-سان كانت قريبةً لهذه الدرجة لتبكي هكذا من أجلي…؟]

رام: [ذلك يُسمّى “نجم الصباح”]

ثمّ، وهي لا تزال عاجزةً عن إخفاء حيرتها، تابعت بلمسةٍ حنونٍ على رأس بيترا المرتجف.

كلمات سيلفي كانت صائبة. ――وبينما تقترب ريم من هذا اليقين، تراءت في ذهنها بوضوح صورة سوبارو، فشدّت شفتيها في صمت.

ريوزو: [حقًّا! الصغير سو كان يتنكر بزيّ النساء حتى في الإمبراطورية! عليه أن يتعلّم الأدب قليلًا.]

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط