يوم عادي في مدينة سيرافين - الجزء 3
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
“…” إلتزمتُ الصمت بوجهٍ مبهم كما لو أنني لم أفهم شيئًا مما قالتهُ… هذا الفِعل ينجح دائمًا في التسليك للأسئلة التي لا أُريد الإجابة عنها…
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
نظرت إليها نظرة مبهمة… يبدو أن هذه العاصفة الخفيفة مرَّت ولن تعود… للآن على الأقل.
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
“نعم…” أجبت بحذر
“ألا تستمع!” صرخَت
‘هل غيَّرَتْ الموضوع للتَّو؟ لماذا أشعر وكأنها تلاعبت بي حالياً؟ ماذا حدث في هذه المحادثة البسيطة؟’
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
نظرت إليها نظرة مبهمة… يبدو أن هذه العاصفة الخفيفة مرَّت ولن تعود… للآن على الأقل.
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
**********
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
“ما كلُّ هذا التخطيط الذي جعلك تسهرُ الليل بطوله يارجل؟ هل أنت زوجتي أو ماشابه؟” قال بإزدراء
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
“حسناً حسناً يا أبتي لا بأس بذلك صحيح؟ أن نرى مثل هذه التصرفات الطفولية من شخص جادٍّ مثل إليان أحياناً، ألا توافقني؟” قالت بابتسامة
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
‘هل حلَّ عليَّ زمن العبودية أو ماشابه؟ هل عليّ السكوت فقط كي لاتكشف أمري الآن!؟’
“لقيط!…” قالت بإزدراء
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
‘ماهذا الوضع… هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!’
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
تحت الأقدام، يصدر الثلج صوتًا خافتًا كأن الأرض تئنّ من وطأة السير عليها، وفي بعض المواضع تُرى آثار ذئابٍ أو حيوانات جبلية عبرت في الليل، ممّا يزيد المكان حياة رغم سكونه. من حينٍ لآخر، تهبّ ريحٌ قوية تنثر ذرات الثلج في الهواء كرمادٍ مضيء، فتغدو الرؤية ضبابية إلا من لمعانٍ خافت في الأفق، حيث تلوح قمم الجبال البعيدة كأشباحٍ فضية.
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
“…” إلتزمتُ الصمت بوجهٍ مبهم كما لو أنني لم أفهم شيئًا مما قالتهُ… هذا الفِعل ينجح دائمًا في التسليك للأسئلة التي لا أُريد الإجابة عنها…
كان سوق سيرافين أشبه بقلبٍ نابض في جسد المدينة الجبلية، دافئ رغم البرد الذي يلفّ كل شيء من حوله. على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة الرمادية، تتناثر الأكشاك الخشبية المزخرفة بنقوشٍ قديمة تمثل رموز الحماية من الصقيع. رائحةُ الخبز الطازج تمتزج بدخان الفحم وعبق الأعشاب الجبلية، لتخلق مزيجًا يجعل الداخل إليه يشعر كأنه غادر الشتاء للحظات.
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
الناس يتحركون بخطًى سريعة، أكتافهم ملفوفة بالفراء، وأصواتهم تتعالى فوق بعضها، بائع ينادي على لحم الأرانب المدخن، وآخر يعرض جلود الدببة الثقيلة، وامرأة عجوز تبيع تبرّكات من الريش والحجارة اللامعة التي تزعم أنها تحفظ الدفء في الليالي الطويلة. الأطفال يركضون بين الأرجل يلهثون من البرد والضحك، والثلج يذوب ببطء تحت الأقدام، مكوّنًا خطوطًا من الماء الرمادي تعكس أضواء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
في منتصف السوق، ينتصب موقدٌ ضخم تُشعل فيه جذوع الأشجار الجبلية العطرة، حوله يجتمع المسافرون ليتدفأوا ويبادلوا القصص. من هناك، يمكن رؤية الأبراج البيضاء للعاصمة وهي تلوح فوق الأسطح، تذكيرٌ دائم بأن سيرافين رغم صخبها، ما زالت مدينة من الثلج والنار، متحضّرة بما يكفي لتُبهر، وبسيطة بما يكفي لتُحب.
إلتفتت ليارا لها مبتسمةً كما التجار المتمرِّسين.
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
‘هل حلَّ عليَّ زمن العبودية أو ماشابه؟ هل عليّ السكوت فقط كي لاتكشف أمري الآن!؟’
“لدينا أعشاب ونباتات جبلية نادرة للتطبيب والطبخ وغيرها، وكذا فِراء وجلود الدببة والغزلان والأرانب وبعض لحومها ولحوم الطيور الجيِّدة… سِلعة نادرة من الجبال لن تجدوها في مكانٍ آخر!” صرخ قائلًا بحيوية ونشاط
“ما كلُّ هذا التخطيط الذي جعلك تسهرُ الليل بطوله يارجل؟ هل أنت زوجتي أو ماشابه؟” قال بإزدراء
“إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم.” قال
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
“هل تتوقع منا أن نبيع كل هذا بمفردنا؟ لا تتوقع أنني بمثل مهاراتك الترويجية…” قلت
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
“هاها ستكونان بخير. معك ليارا وهي متمرِّسة في ذلك لن يستغرقكما الأمر وقتاً. بالإضافة إلى أنك لن تحتاج الترويج للسِّلع بعد الآن…” قال
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
لم أفهم قصده لكن بعد كلامه مباشرة تجمهَر حولنا حشدٌ كبير بالعشرات، يسألون عن توفُّر بعض المنتوجات وثمن أخرى…
‘هل غيَّرَتْ الموضوع للتَّو؟ لماذا أشعر وكأنها تلاعبت بي حالياً؟ ماذا حدث في هذه المحادثة البسيطة؟’
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور… الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد… ليارا كانت تكفي وأكثر.
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
ثم إنتبهت لصوتٍ يأتي من الأسفل لشخصٍ يناديني باستمرار وأنا كنتُ في سهوٍ عن نداءه المستمر.
“هكذا إذاً…” قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
“ألا تستمع!” صرخَت
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
لقد كانت إمرأةً عجوزًا قصيرة القامة بالكاد تُرى إن لم تُخفض رأسك. يبدو أنها كانت تناديني منذ مدة دون إدراك منِّي.
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
“أطفالُ هذه الأيام، كلكم أصبحتم مثل العجائز رغم أنكم في ريعان شبابكم” قالت
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
“في ماذا كنت تفكر حول إمرأةٍ عجوز بعمرها… صدقاً!” قالت
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
“في ماذا كنت تفكر حول إمرأةٍ عجوز بعمرها… صدقاً!” قالت
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
“هلَّا كرَّرتي طلبكِ؟” قلت
**********
“أريد….” كرَّرَت بخجل
‘هل حلَّ عليَّ زمن العبودية أو ماشابه؟ هل عليّ السكوت فقط كي لاتكشف أمري الآن!؟’
إقتربتُ بأذني منها لسماع طلبها ثم كررت سؤالي.
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
“هلّا تعيدين طلبكِ يا سيدة؟” طلبتُ بأدب
“إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم.” قال
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
بقيتُ أحدِّق فيها بعينين فارغتين كالظلام…
“هكذا إذاً…” قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
‘لا أفهم شيئاً… هل ما سمعته خطأ أو ما شابه؟ ربما لم أتقن اللغة الشمالية بعد كل شيئ؟ هل أطلب منها تكرير طلبها؟’
“حسناً حسناً يا أبتي لا بأس بذلك صحيح؟ أن نرى مثل هذه التصرفات الطفولية من شخص جادٍّ مثل إليان أحياناً، ألا توافقني؟” قالت بابتسامة
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
‘ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس…’
‘ماهذا الوضع… هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!’
“إذا؟ هل ستتركني أنتظر هنا أم ماذا اللعنة!”
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
‘إنها عجوز عصبية بحق، رغم أنها بطول ساقيّ.’
“أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم.” قالت
إلتفتت ليارا لها مبتسمةً كما التجار المتمرِّسين.
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
“سيدة كيث العجوز؟ كيف حالك!؟ طلبيتُك المعتادة جاهزة بطبيعة الحال!” قالت بابتسامة
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
‘شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟’
“أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم.” قالت
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
نظرت إليّ العجوز نظرة إزدراءٍ وهي تستلم طلبها من ليارا المبتسمة. رمقتني بنظرة تضعني بها في مكانة أسفل من القمامة نفسها مغادرةً.
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
“لقيط!…” قالت بإزدراء
الناس يتحركون بخطًى سريعة، أكتافهم ملفوفة بالفراء، وأصواتهم تتعالى فوق بعضها، بائع ينادي على لحم الأرانب المدخن، وآخر يعرض جلود الدببة الثقيلة، وامرأة عجوز تبيع تبرّكات من الريش والحجارة اللامعة التي تزعم أنها تحفظ الدفء في الليالي الطويلة. الأطفال يركضون بين الأرجل يلهثون من البرد والضحك، والثلج يذوب ببطء تحت الأقدام، مكوّنًا خطوطًا من الماء الرمادي تعكس أضواء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
إلتفتتُ إلى ليارا أنظر إليها نظرة شخصٍ يحتاج تفسيرًا عاجلًا.
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
“أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم.” قالت
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
‘هكذا إذا… هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا… مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.’
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
“هكذا إذاً…” قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
“في ماذا كنت تفكر حول إمرأةٍ عجوز بعمرها… صدقاً!” قالت
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
**********
“لقيط!…” قالت بإزدراء
بعد مدة ليست بالكثيرة كانت كل سِلعتنا قد بيعت سلفًا وقد حصلنا على قدرٍ كبيرٍ من العملة، لكن رايندار لم يكن قد عاد من تسوُّقه بعد فوقفنا في صمتٍ كبير نشاهد الناس من رجالٍ ونساء وأطفال وهم يمشُون بين أكشاك وخيام السوق بضجيج خافت يثلج الصدر.
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
فتاةٌ صغيرة في قرابة العاشرة من عمرها، قصيرة القامة وقفت أمام سلَّتنا الفارغة. شعرُها بنيُّ ناعم طويل يحيط بوجه شاحب صافٍ، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. كانت ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء… كانت فتاةً مشرقة رغم ملامحها الباهتة.
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
‘هكذا إذا… هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا… مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.’
“آسف… لكن كما ترين لقد نفِذت منا سلعتنا للتو… كما أننا لا نبيعُ الحلوى.” قلت
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
“إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده…” قالت بنبرةٍ حزينة
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
إنحنت شفاهها للأسفل مطأطأة رأسها بحزن…
“حسناً حسناً يا أبتي لا بأس بذلك صحيح؟ أن نرى مثل هذه التصرفات الطفولية من شخص جادٍّ مثل إليان أحياناً، ألا توافقني؟” قالت بابتسامة
فجأة… تغيَّر الجو في لمح البصر من صحو دافئ يبعث نور الشمس من بين الغيام البيضاء التي تغطي سماءه الزرقاء، إلى جوٍّ كئيب دون سابق إنذار… تلك السماء الزرقاء تحوَّلت إلى رماديٍّ داكنٍ أقرب إلى السَّواد، وتلك الغيام البيضاء تفاعلَت معه فتحول بياضُها إلى لون رمادٍ يغطِّي حزن السماء. ازدادت حجمًا وتكثلت حتى حجبت نور الشمس الدافئ الذي غطّى بياض الثلوج بالبهجة، فإنتقلت الأجواء من الفرحِ إلى العزاء، وكأن جنازةً نُصِبت خيامها في هذا السوق المكتظ.
يُتبع…
يُتبع…
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
