الصيد الأول - الجزء 1
كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.
“بارن” قال
“إعذر تطفُّلنا!” قال رايندار
المقبض مغطّى بخيوط جلدية داكنة ملفوفة بإحكام، تشدّ اليد وتمنح إحساسًا بالأمان؛ عند نقطة التقاء النصل بالمقبض ترتكز حامية فولاذية صغيرة، قُرص رفيع محدّد الحواف، صُمم ليحميني من الانزلاق وليربط النصل بهدوءٍ مع المقبض. ثُبّت المشبك الأخير كقطعة معدنية مستديرة بزخرفة بسيطة نقشها الحرفي، وكأنها ختمٌ صغير لإلزام السيف بصانعه. عندما رفعت السلاح شعرته يوزع وزنه بدقة بين راحة يدي، لم يكن ثقيلاً لدرجة الإحباط ولا خفيفًا كأداة بلا روح؛ كان متزنًا، جاهزًا للعمل، وكأنه يدٌ أخرى قد دربتها لتكون رفيقي الأول في خطواتي القادمة.
دخَلنا ثلاثتنا من فتحة ضيِّقة صوب جوٍّ دافئٍ؛ رائحة الحديد الحار والزيت وقطرات الماء المتبخّرة على الحجارة استقبلتنا، وضوء المصابيح والشموع قَطَع الظلام كأجنحةٍ صغيرة من دفء.
لم يواجه أعيننا عند حديثه من شدة التركيز على عمله الدؤوب الذي يشتغل عليه، تسمع في صوته خشونة من سنين الضرب والاجتهاد، لكن كلماته تُدلى بعناية كما لو كان يُقيِّم كل حرفٍ مثل قطعة معدن.
كان يُقيم داخل الكهف قزمٌ لا يختلف كثيرًا في ملامحه الأساسية عن البشر، لكنه أقصر قامة، جسمه قصيرٌ وعريض، أذرعه قوية مليئة بالعروق وتفاصيل الجسد المُدرَّب. أصلعٌ وجهه محاطٌ بلحية كثيفة مضفّرة بعناية حتى بدت كأنها حبلان من النحاس يلتفان، وعيناه البنيتان حادّتان كشرارةٍ تلمع بين التجاعيد؛ يديْه موشومتان بعلامات العمل وخلايا جلدٍ متصلّبة من كثرة القبض على المطارق. يرتدي سترَة جلدية مقوّاة فوق قميصٍ متين، وسروالًا عمليًا مدعومًا بأربطة، وحذاءً ثقيلًا مظللًا بطبقة من المعدن فوق الأصابع لحمايتها. حزامه يعجّ بالأدوات؛ مطرقة صغيرة، مبردات، وخيوط معدنية ملفوفة بعناية، كلها أدوات حرفيٍّ لا يغيب من مقرِّ عمله.
كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.
‘إذًا الأقزام موجودة حقًّا!’
“نُصرة الضعيف ربما…” قلت بتردد
داخل الكهف كان هناك نظام ترتيب واضح؛ رفوف حجرية ممتلئة بالسيوف والفؤوس والرماح مرتبة بحسب الوزن والطراز، خناجر صغيرة معلّقة في صفوف متقنة، ومُخططات ورسومات مُدبّبة مثبتة على الحائط. المصابيح المعلقة تصدر وهجًا أصفر مائلاً للعنبر، والشموع تُسيل قطرات شمعٍ على أرضٍ من الحجر، فتبدو كخريطةٍ صغيرة من نقاط الضوء. بعض الأسلحة بُرِزت بعلامته؛ نقش صغير على السيف أو مقابض الفؤوس، علامة تشير إلى أن هذا العمل صُنع أو خُتِم بيده.
‘كنتُ لأقول ذلك لو أنني سأعيش لوقتٍ طويل، لكن حياتي لن تدوم طويلًا… في هذه الحالة السيف، بل حتى تدريبات السيف نفسها… ما الغاية منهما؟’
“هل أستطيع خدمتكم بطريقةٍ ما؟” قال القزم
دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.
لم يواجه أعيننا عند حديثه من شدة التركيز على عمله الدؤوب الذي يشتغل عليه، تسمع في صوته خشونة من سنين الضرب والاجتهاد، لكن كلماته تُدلى بعناية كما لو كان يُقيِّم كل حرفٍ مثل قطعة معدن.
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
“لا شيئ بالضبط… أردنا الإحتماء من البرد قليلًا ليس إلَّا فقد بدا هذا الكهف دافئاً.” قال رايندار
“إليان…” قال أخيرًا “إن أردتَ يومًا أن تكون نقيًا، لا تصنع شيئًا يبقى أثرُهُ خلفَك. وإن أردتَ أن تعيش في هذا العالم بهناء فتعلَّم كيف تتحمّل ثمن ما تصنعه يداك”
“هكذا إذاً… يمكنكم الإقتراب من النيران لتدفئة أجسادكم وأنتم تلقون نظرة على أعمالي” ردَّ القزم
“يجب عليك إضافة قطعة نحاسية ثمنَ الخناجر التي أخذتها” قال
‘يبدو أنه شخصٌ طيِّب فَلم يمانع دخولنا لورشته بهذه الطريقة للتدفئة فقط.’
“حسنا مادمتَ مصرّاً، أظن أنني سآخذه..” قلت متردداً
“هل تقصد أنك أنت من صنعت كل هذه الأسلحة أيها العجوز” قال رايندار بحماس
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
“ومن في رأيك قد فعل ذلك غيري؟” سأل القزم
المقبض مغطّى بخيوط جلدية داكنة ملفوفة بإحكام، تشدّ اليد وتمنح إحساسًا بالأمان؛ عند نقطة التقاء النصل بالمقبض ترتكز حامية فولاذية صغيرة، قُرص رفيع محدّد الحواف، صُمم ليحميني من الانزلاق وليربط النصل بهدوءٍ مع المقبض. ثُبّت المشبك الأخير كقطعة معدنية مستديرة بزخرفة بسيطة نقشها الحرفي، وكأنها ختمٌ صغير لإلزام السيف بصانعه. عندما رفعت السلاح شعرته يوزع وزنه بدقة بين راحة يدي، لم يكن ثقيلاً لدرجة الإحباط ولا خفيفًا كأداة بلا روح؛ كان متزنًا، جاهزًا للعمل، وكأنه يدٌ أخرى قد دربتها لتكون رفيقي الأول في خطواتي القادمة.
“أوه مدهش… هل يمكنني إلقاء نظرة عن قُرب!؟” سأل رايندار
لم يواجه أعيننا عند حديثه من شدة التركيز على عمله الدؤوب الذي يشتغل عليه، تسمع في صوته خشونة من سنين الضرب والاجتهاد، لكن كلماته تُدلى بعناية كما لو كان يُقيِّم كل حرفٍ مثل قطعة معدن.
“مادُمت ستشتري شيئاً..” أجاب القزم
قمت بأرجحة السيف قليلًا لتجربته. إنها تجربة مختلفة عن أي سيفٍ خشبي حملته سابقاً في تداريبي. بدا السيف جيد القبضة والنصل، وقد راقني نوعاً ما لذلك قررت إقتناءه.
اقتربنا أنا وليارا من منضدةٍ خرسانية صغيرة حيث استلقى النصل الواعد الذي يعمل القزم على صنعه على وسادةٍ من الرماد. المراحل النهائية كانت طقسًا دقيقًا؛ أمسك بالمطرقة، طرق النصل بضرباتٍ قصيرة ومركّزة على السندان، كل ضربة تصحح انحناءةً ضئيلة أو تزيل شوائبَ ما تزال في المعدن. بعد أن انتهى من التسوية، حمل السيف وأغمسه في وعاءٍ قائمٍ بالماء الفاتر ليبرد تدريجيًا، ليس بالقفزة المتهورة في الماء البارد التي تُكسر المعدن، بل تبريدٌ يحافظ على توازن الصلابة والمرونة.
دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.
“راقبا بتمعنٍّ كلاكما، فهكذا تُشحد سيوفنا!” قال رايندار
“سيفك… سيفك” أجاب
بينما كان رايندار يتجوَّل حول السُّيوف مستمتعاً بتفاصيلهم الدقيقة، راقبنا أنا وليارا القزم يعمل بتركيز شديد. ثم أتت المرحلة التَّالية، حيث مرّر حافة النصل على حجرٍ شحذ مبلّل، سحب السكين بزاوية ثابتة مَرّة تلو الأخرى حتى بدأتِ الحافة تلمع كخطّ ضوئي بسيط. لَمّع النصل بعد ذلك بزيتٍ خاصّ ذا رائحةٍ خفيفة من العشب الجبلي ليحفظه من الصدأ ويكشف له لون المعدن الحقيقي. أخيراً، ثبَّتَ المقابضَ بخيوط جلدية ملفوفة بإحكام، وختم المقبض بعنصرٍ معدني صغير نقش عليه علامته. شقّ واحد بسيط لكنه يُضفي صِفة الحيازة على السلاح. قبل أن يضع السيف في رفّه، ضربه بحافةٍ من الخشب على الموزع الخشبي، كاختبارٍ أخير للصدى والوزن، وابتسامةٌ صغيرة رُسمت على وجهه كمن يؤكد أن القطعة انتهت كما أرادها بعد ساعات العمل الدؤوب، جاهزة لتأدية المهمة، صامدة كقيمةٍ صنعها من يديه.
دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.
“أوووووه”
“مادُمت ستشتري شيئاً..” أجاب القزم
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
“كما قُلت… كل شيئٍ لهُ معنى!” أنهى كلامهُ قائلًا
“إذاً مارأيك إليان؟” قال رايندار
“حسنًا إذاً…” أجبت
“بخصوص ماذا؟” قلت متسائلًا
“حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك.” أجبتُ
“سيفك… سيفك” أجاب
مددت يدي نحو السيف كما لو أنني أمدُّها نحو وعدٍ جديد. النصل طوله يقارب ذراعين؛ نحيل في منتصفه، يزداد سماكة عند العمود بالقرب من الحافة، سطحه معدني لامع يحمل بريقًا باردًا كقشرة الجليد تحت ضوء الفجر. على طول النصل شَقٌّ رقيق، أخدودٌ طويل ممتدّ كخطٍ في وسطه يعطيه خفةً في التأرجح ويُظهر مهارةَ تنقِيته. الحافة نفسها رقيقة وحادة بتدرّجٍ متقن، لا تبدو كأنها صُنعت للافتتان بل للقطع العملي، ولها لمعانٌ نظيف يوحّد بين الصلابة والمرونة.
“سيفي؟…” تساءلت
“هل تشعر بالذنب؟” سألتُ
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
‘يبدو أنه شخصٌ طيِّب فَلم يمانع دخولنا لورشته بهذه الطريقة للتدفئة فقط.’
‘كنتُ لأقول ذلك لو أنني سأعيش لوقتٍ طويل، لكن حياتي لن تدوم طويلًا… في هذه الحالة السيف، بل حتى تدريبات السيف نفسها… ما الغاية منهما؟’
كان يُقيم داخل الكهف قزمٌ لا يختلف كثيرًا في ملامحه الأساسية عن البشر، لكنه أقصر قامة، جسمه قصيرٌ وعريض، أذرعه قوية مليئة بالعروق وتفاصيل الجسد المُدرَّب. أصلعٌ وجهه محاطٌ بلحية كثيفة مضفّرة بعناية حتى بدت كأنها حبلان من النحاس يلتفان، وعيناه البنيتان حادّتان كشرارةٍ تلمع بين التجاعيد؛ يديْه موشومتان بعلامات العمل وخلايا جلدٍ متصلّبة من كثرة القبض على المطارق. يرتدي سترَة جلدية مقوّاة فوق قميصٍ متين، وسروالًا عمليًا مدعومًا بأربطة، وحذاءً ثقيلًا مظللًا بطبقة من المعدن فوق الأصابع لحمايتها. حزامه يعجّ بالأدوات؛ مطرقة صغيرة، مبردات، وخيوط معدنية ملفوفة بعناية، كلها أدوات حرفيٍّ لا يغيب من مقرِّ عمله.
“حسنا، لا أدري….” قلت
“وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك…”
“يبدو أنك أُعجبت بهذا السيف الذي شحذه العجوز قبل قليل. هل تريده إذاً؟” قال
“حسناً…” أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق
‘بصراحة… لا أريد مصارحتهم بموضوع موتي القريب، لكن تهرُّبي الدائم من هذه التفاصيل يجعلني سهل القراءة على ما أعتقد…’
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
‘حسناً لقد جنينا الكثير من المال إثر تجارتنا، أظن أن لا بأس من ذلك… ليس وكأنه سيضيع بعد موتي أو ما شابه.’
“راقبا بتمعنٍّ كلاكما، فهكذا تُشحد سيوفنا!” قال رايندار
“حسنا مادمتَ مصرّاً، أظن أنني سآخذه..” قلت متردداً
“هل تقصد أنك أنت من صنعت كل هذه الأسلحة أيها العجوز” قال رايندار بحماس
“حسناً إذاً” قال القزم
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
وقف القزم أمام منضدته كمن يؤدي طقسًا معتاداً. أمسك النصل بقبضة متمرسة، طرق على السندان بضربات قصيرة مرتّبة، كل ضربة تصحّح انحناءة أو تلملم أثر خبث المعدن. جربه على حبلٍ سميك فاقتلع الحبال دون تمزق، ثم ضرب حافة الخشب بخفة ليتفحّص الصدى والصلابة، لم يَصدُر عن السيف إلا صفيرٌ نظيف كأنّه قطب يُهذب الهواء. غمّسه في الماء الفاتر، راقب دفء البخار يتصاعد، ثم مرّر الحافة على حجر الشحذ مرة وراء أخرى حتى بدت لامعة وحادة كقاطع الضوء.
“حسنًا إذاً…” أجبت
عند نهاية العمل، حمل قطعة معدنية صغيرة؛ حامية بسيطة مصقولة من الفولاذ، قُرص ضيّق يلتف عند اتصال النصل بالمقبض. وضعها بدقّة بين النصل والمقبض، ثَبّتها بمسمارٍ صغير ومخفي، ودفعها حتى أخذت مكانها كدرعٍ رفيع يمنع اليد من الانزلاق إلى المعدن ويقوّي توازن السلاح. لفّ المقبض بخيوط جلدية محكمة، ختم المقبض بعلامته المنقوشة، ومسح النصل بزيتٍ عطري قبل أن يرفعه أمامي ويقول بصوتٍ غليظ حكيم…
“حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك.” أجبتُ
“ها هو جاهز… إحمله بحذر.”
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
مددت يدي نحو السيف كما لو أنني أمدُّها نحو وعدٍ جديد. النصل طوله يقارب ذراعين؛ نحيل في منتصفه، يزداد سماكة عند العمود بالقرب من الحافة، سطحه معدني لامع يحمل بريقًا باردًا كقشرة الجليد تحت ضوء الفجر. على طول النصل شَقٌّ رقيق، أخدودٌ طويل ممتدّ كخطٍ في وسطه يعطيه خفةً في التأرجح ويُظهر مهارةَ تنقِيته. الحافة نفسها رقيقة وحادة بتدرّجٍ متقن، لا تبدو كأنها صُنعت للافتتان بل للقطع العملي، ولها لمعانٌ نظيف يوحّد بين الصلابة والمرونة.
بينما كان رايندار يتجوَّل حول السُّيوف مستمتعاً بتفاصيلهم الدقيقة، راقبنا أنا وليارا القزم يعمل بتركيز شديد. ثم أتت المرحلة التَّالية، حيث مرّر حافة النصل على حجرٍ شحذ مبلّل، سحب السكين بزاوية ثابتة مَرّة تلو الأخرى حتى بدأتِ الحافة تلمع كخطّ ضوئي بسيط. لَمّع النصل بعد ذلك بزيتٍ خاصّ ذا رائحةٍ خفيفة من العشب الجبلي ليحفظه من الصدأ ويكشف له لون المعدن الحقيقي. أخيراً، ثبَّتَ المقابضَ بخيوط جلدية ملفوفة بإحكام، وختم المقبض بعنصرٍ معدني صغير نقش عليه علامته. شقّ واحد بسيط لكنه يُضفي صِفة الحيازة على السلاح. قبل أن يضع السيف في رفّه، ضربه بحافةٍ من الخشب على الموزع الخشبي، كاختبارٍ أخير للصدى والوزن، وابتسامةٌ صغيرة رُسمت على وجهه كمن يؤكد أن القطعة انتهت كما أرادها بعد ساعات العمل الدؤوب، جاهزة لتأدية المهمة، صامدة كقيمةٍ صنعها من يديه.
المقبض مغطّى بخيوط جلدية داكنة ملفوفة بإحكام، تشدّ اليد وتمنح إحساسًا بالأمان؛ عند نقطة التقاء النصل بالمقبض ترتكز حامية فولاذية صغيرة، قُرص رفيع محدّد الحواف، صُمم ليحميني من الانزلاق وليربط النصل بهدوءٍ مع المقبض. ثُبّت المشبك الأخير كقطعة معدنية مستديرة بزخرفة بسيطة نقشها الحرفي، وكأنها ختمٌ صغير لإلزام السيف بصانعه. عندما رفعت السلاح شعرته يوزع وزنه بدقة بين راحة يدي، لم يكن ثقيلاً لدرجة الإحباط ولا خفيفًا كأداة بلا روح؛ كان متزنًا، جاهزًا للعمل، وكأنه يدٌ أخرى قد دربتها لتكون رفيقي الأول في خطواتي القادمة.
“حسناً إذاً” قال القزم
قمت بأرجحة السيف قليلًا لتجربته. إنها تجربة مختلفة عن أي سيفٍ خشبي حملته سابقاً في تداريبي. بدا السيف جيد القبضة والنصل، وقد راقني نوعاً ما لذلك قررت إقتناءه.
“إعذر تطفُّلنا!” قال رايندار
وضعت حدَّ السيف على إصبع السبابة خاصتي، مجرد لمسة بسيطة تركت جرحًا يفيض دمًا على إصبعي. لقد كان السيف مصقولًا لهذه الدرجة.
وقف القزم أمام منضدته كمن يؤدي طقسًا معتاداً. أمسك النصل بقبضة متمرسة، طرق على السندان بضربات قصيرة مرتّبة، كل ضربة تصحّح انحناءة أو تلملم أثر خبث المعدن. جربه على حبلٍ سميك فاقتلع الحبال دون تمزق، ثم ضرب حافة الخشب بخفة ليتفحّص الصدى والصلابة، لم يَصدُر عن السيف إلا صفيرٌ نظيف كأنّه قطب يُهذب الهواء. غمّسه في الماء الفاتر، راقب دفء البخار يتصاعد، ثم مرّر الحافة على حجر الشحذ مرة وراء أخرى حتى بدت لامعة وحادة كقاطع الضوء.
مسكتُ غمداً أسود للسيف من بين مجموعة معلَّقة على حائط على بُعدٍ بسيطٍ من السيوف المعروضة، ومعه إلتقطت بضعة خناجر وَزِّعتها على جيوب حزامي الصغيرة كنوعٍ من التَّجهز لمهمات الصيد القادمة.
‘حسناً لقد جنينا الكثير من المال إثر تجارتنا، أظن أن لا بأس من ذلك… ليس وكأنه سيضيع بعد موتي أو ما شابه.’
دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.
“نُصرة الضعيف ربما…” قلت بتردد
“يا فتى، ما اسمك؟” سأل القزم
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.
“إليان… هذا اسمي!” قلت
“سيفك… سيفك” أجاب
“اسمع إليان… ما سبب صنعي للأسلحة برأيك؟”
“هكذا إذاً… يمكنكم الإقتراب من النيران لتدفئة أجسادكم وأنتم تلقون نظرة على أعمالي” ردَّ القزم
“نُصرة الضعيف ربما…” قلت بتردد
“ومن في رأيك قد فعل ذلك غيري؟” سأل القزم
جوابٌ رخيص، لكنه غالبًا الجواب الأنسب لسؤال قزمٍ حكيم…
“إعذر تطفُّلنا!” قال رايندار
“لا… إنه المال!”
“حسنا، لا أدري….” قلت
‘المال!؟ حسنًا هذا متوقع لكنني كنت أنتظر من قزم عجوز شيئًا أكثر نبلًا وحكمة.’
“حسنا مادمتَ مصرّاً، أظن أنني سآخذه..” قلت متردداً
“لماذا المال؟…” سألت بتردد
بينما كان رايندار يتجوَّل حول السُّيوف مستمتعاً بتفاصيلهم الدقيقة، راقبنا أنا وليارا القزم يعمل بتركيز شديد. ثم أتت المرحلة التَّالية، حيث مرّر حافة النصل على حجرٍ شحذ مبلّل، سحب السكين بزاوية ثابتة مَرّة تلو الأخرى حتى بدأتِ الحافة تلمع كخطّ ضوئي بسيط. لَمّع النصل بعد ذلك بزيتٍ خاصّ ذا رائحةٍ خفيفة من العشب الجبلي ليحفظه من الصدأ ويكشف له لون المعدن الحقيقي. أخيراً، ثبَّتَ المقابضَ بخيوط جلدية ملفوفة بإحكام، وختم المقبض بعنصرٍ معدني صغير نقش عليه علامته. شقّ واحد بسيط لكنه يُضفي صِفة الحيازة على السلاح. قبل أن يضع السيف في رفّه، ضربه بحافةٍ من الخشب على الموزع الخشبي، كاختبارٍ أخير للصدى والوزن، وابتسامةٌ صغيرة رُسمت على وجهه كمن يؤكد أن القطعة انتهت كما أرادها بعد ساعات العمل الدؤوب، جاهزة لتأدية المهمة، صامدة كقيمةٍ صنعها من يديه.
“ماهذا السؤال؟ المال هو محور العالم بالتأكيد!” قال بحزم
“لكنها ليست مجرد أدوات…” قلتُ بحَسرة
“حسنًا إذاً…” أجبت
“هذه الأسلحة الحادَّة تُشعِل الفِتن، تسفك الدماء، وتُزهق الأرواح، ومع ذلك هي الأكثر دخلًا لأيِّ حِرفيّ في عالمِنا هذا… جرَّبتُ حدادة الأثات، الأبواب، وحتى الأواني المنزلية، لكنني لم أجني رُبع الدَّخل الذي تُربحني إيَّاه الأسلحة. رغم أن الأخيرة تُثير العنف والآلام… لماذا يا تُرى؟” تساءلَ
لم أفهم تمامًا، فبقيتُ صامتًا.
“حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك.” أجبتُ
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
“وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك…”
“حسنا، لا أدري….” قلت
“هذا ما حاولتُ الإقتناع به طيلة هذه السنين التي كنتُ أصقل فيها مئات بل آلاف السيوف لأحُثَّ نفسي على العمل، وأنا على علمٍ بأن هناك من بُترت أطرافه بها، ومن قُتلت عائلته بها، ومن ضلَّ سبيله بها، بل وحتى من إنتحر بها…” قال
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
“هل تشعر بالذنب؟” سألتُ
“هل تشعر بالذنب؟” سألتُ
“لا… فَكلُّ شيئ له معنى…” قال
“حسناً…” أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق
“حسناً…” أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
“إذاً مارأيك إليان؟” قال رايندار
“…”
“حسنا، لا أدري….” قلت
“إليان… البشر، أنصاف البشر، الأقزام، الإلف… جميعنا نحب أن نكذب على أنفسنا مهما اختلَفت خلفيَّاتنا. نُسمّي أفعالنا بأسماء جميلة كي ننام هانئين ليلًا. القاتل يقول: كنتُ أُنفّذ الأوامر. الملك يقول: كنتُ أحمي المملكة. والحدّاد يقول: أنا فقط أصنع الأدوات…”
“أوه مدهش… هل يمكنني إلقاء نظرة عن قُرب!؟” سأل رايندار
“كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا…” قال
دخَلنا ثلاثتنا من فتحة ضيِّقة صوب جوٍّ دافئٍ؛ رائحة الحديد الحار والزيت وقطرات الماء المتبخّرة على الحجارة استقبلتنا، وضوء المصابيح والشموع قَطَع الظلام كأجنحةٍ صغيرة من دفء.
“لكنها ليست مجرد أدوات…” قلتُ بحَسرة
دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.
رفع رأسه نحوي، وعيناه تلمعان كفحمٍ أُعيد إيقادُه. “بالضبط. ولهذا هي تدرّ المال.” ثم أضاف بنبرة أعمق “العالم لا يدفع بسخاء إلا لما يُغذّي خوفه.”
“حسنا، لا أدري….” قلت
لم أفهم تمامًا، فبقيتُ صامتًا.
“حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك.” أجبتُ
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
‘المال!؟ حسنًا هذا متوقع لكنني كنت أنتظر من قزم عجوز شيئًا أكثر نبلًا وحكمة.’
“كلُّ من يشتري سلاحًا يشتري قصةً صغيرة يقولها لنفسه: لن أكون الضحية ولا الجلَّاد هنا.” قال
“كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا…” قال
“وأنت؟” سألتُ. “ما القصة التي تقولها لنفسك؟”
ضحِك ضحكةً قصيرة، متعبة.
المقبض مغطّى بخيوط جلدية داكنة ملفوفة بإحكام، تشدّ اليد وتمنح إحساسًا بالأمان؛ عند نقطة التقاء النصل بالمقبض ترتكز حامية فولاذية صغيرة، قُرص رفيع محدّد الحواف، صُمم ليحميني من الانزلاق وليربط النصل بهدوءٍ مع المقبض. ثُبّت المشبك الأخير كقطعة معدنية مستديرة بزخرفة بسيطة نقشها الحرفي، وكأنها ختمٌ صغير لإلزام السيف بصانعه. عندما رفعت السلاح شعرته يوزع وزنه بدقة بين راحة يدي، لم يكن ثقيلاً لدرجة الإحباط ولا خفيفًا كأداة بلا روح؛ كان متزنًا، جاهزًا للعمل، وكأنه يدٌ أخرى قد دربتها لتكون رفيقي الأول في خطواتي القادمة.
“أقول إنني لستُ من يقرر كيف تُستخدم النصل… لكنني أعرف أنني أكذب.”
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
اقترب من سيفٍ مُعلّق على الجدار، لم يلمسه، فقط نظر إليه.
“حسناً إذاً” قال القزم
“مع ذلك، أستمر. ليس لأنني شرير… بل لأنني صادق بما يكفي لأعترف أن العالم لن يتوقف عن القتل إن توقفتُ أنا عن الحدادة. لكنه سيتوقف عن إطعامي.”
“هل تقصد أنك أنت من صنعت كل هذه الأسلحة أيها العجوز” قال رايندار بحماس
“إذًا المعنى الذي تحدثتَ عنه…؟” سألتُ.
“إليان… البشر، أنصاف البشر، الأقزام، الإلف… جميعنا نحب أن نكذب على أنفسنا مهما اختلَفت خلفيَّاتنا. نُسمّي أفعالنا بأسماء جميلة كي ننام هانئين ليلًا. القاتل يقول: كنتُ أُنفّذ الأوامر. الملك يقول: كنتُ أحمي المملكة. والحدّاد يقول: أنا فقط أصنع الأدوات…”
التفت إليّ، وصوته هذه المرة كان أخفّ، أخطر. “المعنى ليس في النصل، ولا في الدم… المعنى في الاختيار الذي يليهما.” ثم أضاف “السيف لا يُدينني، لكنني أُدين نفسي كل يوم حين أُقرّر كيف أعيش… مع أنني أُحب أعمالي الفنيَّة هذه” ختم كلامه بابتسامةٍ راضية
“هل تشعر بالذنب؟” سألتُ
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.
“إليان… البشر، أنصاف البشر، الأقزام، الإلف… جميعنا نحب أن نكذب على أنفسنا مهما اختلَفت خلفيَّاتنا. نُسمّي أفعالنا بأسماء جميلة كي ننام هانئين ليلًا. القاتل يقول: كنتُ أُنفّذ الأوامر. الملك يقول: كنتُ أحمي المملكة. والحدّاد يقول: أنا فقط أصنع الأدوات…”
“إليان…” قال أخيرًا “إن أردتَ يومًا أن تكون نقيًا، لا تصنع شيئًا يبقى أثرُهُ خلفَك. وإن أردتَ أن تعيش في هذا العالم بهناء فتعلَّم كيف تتحمّل ثمن ما تصنعه يداك”
“بخصوص ماذا؟” قلت متسائلًا
“كما قُلت… كل شيئٍ لهُ معنى!” أنهى كلامهُ قائلًا
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
“…”
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
“يجب عليك إضافة قطعة نحاسية ثمنَ الخناجر التي أخذتها” قال
لم أفهم تمامًا، فبقيتُ صامتًا.
“آاااا نعم نعم آسف!” أجبتُ
‘كنتُ لأقول ذلك لو أنني سأعيش لوقتٍ طويل، لكن حياتي لن تدوم طويلًا… في هذه الحالة السيف، بل حتى تدريبات السيف نفسها… ما الغاية منهما؟’
**********
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
إقتنينا كل ما نحتاج، إشتريتُ سيفًا وخنجرين. ليارا اقتنت رؤوس سهامٍ وخنجرًا، أما رايندار فقد إقتنى بعض الكوناي لأنه أُعجب بها ورأى أنها قد تعود عليه بالنفع يومًا.
“…”
ونحن نغادر إلتفتَ رايندار للرَّجل القزم.
“إعذر تطفُّلنا!” قال رايندار
“بالمناسبة أيُّها العجوز، ما اسمُك؟!” قال
“يبدو أنك أُعجبت بهذا السيف الذي شحذه العجوز قبل قليل. هل تريده إذاً؟” قال
صحيح… لم أسألهُ عن اسمِه.
“مع ذلك، أستمر. ليس لأنني شرير… بل لأنني صادق بما يكفي لأعترف أن العالم لن يتوقف عن القتل إن توقفتُ أنا عن الحدادة. لكنه سيتوقف عن إطعامي.”
“بارن” قال
قمت بأرجحة السيف قليلًا لتجربته. إنها تجربة مختلفة عن أي سيفٍ خشبي حملته سابقاً في تداريبي. بدا السيف جيد القبضة والنصل، وقد راقني نوعاً ما لذلك قررت إقتناءه.
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.
أثناء هذه الوداعية البسيطة إلتزمنا أنا وليارا الصمت، أشرتُ بيدي لبارن مودِّعًا إيَّاه، أومأ برأسه، وبذلك أتممنا طريقنا للكوخ.
لم يواجه أعيننا عند حديثه من شدة التركيز على عمله الدؤوب الذي يشتغل عليه، تسمع في صوته خشونة من سنين الضرب والاجتهاد، لكن كلماته تُدلى بعناية كما لو كان يُقيِّم كل حرفٍ مثل قطعة معدن.
يُتبع…
“وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك…”
“لماذا المال؟…” سألت بتردد
