الصيد الأول - الجزء 1
كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.
“لا شيئ بالضبط… أردنا الإحتماء من البرد قليلًا ليس إلَّا فقد بدا هذا الكهف دافئاً.” قال رايندار
“إعذر تطفُّلنا!” قال رايندار
وقف القزم أمام منضدته كمن يؤدي طقسًا معتاداً. أمسك النصل بقبضة متمرسة، طرق على السندان بضربات قصيرة مرتّبة، كل ضربة تصحّح انحناءة أو تلملم أثر خبث المعدن. جربه على حبلٍ سميك فاقتلع الحبال دون تمزق، ثم ضرب حافة الخشب بخفة ليتفحّص الصدى والصلابة، لم يَصدُر عن السيف إلا صفيرٌ نظيف كأنّه قطب يُهذب الهواء. غمّسه في الماء الفاتر، راقب دفء البخار يتصاعد، ثم مرّر الحافة على حجر الشحذ مرة وراء أخرى حتى بدت لامعة وحادة كقاطع الضوء.
دخَلنا ثلاثتنا من فتحة ضيِّقة صوب جوٍّ دافئٍ؛ رائحة الحديد الحار والزيت وقطرات الماء المتبخّرة على الحجارة استقبلتنا، وضوء المصابيح والشموع قَطَع الظلام كأجنحةٍ صغيرة من دفء.
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
كان يُقيم داخل الكهف قزمٌ لا يختلف كثيرًا في ملامحه الأساسية عن البشر، لكنه أقصر قامة، جسمه قصيرٌ وعريض، أذرعه قوية مليئة بالعروق وتفاصيل الجسد المُدرَّب. أصلعٌ وجهه محاطٌ بلحية كثيفة مضفّرة بعناية حتى بدت كأنها حبلان من النحاس يلتفان، وعيناه البنيتان حادّتان كشرارةٍ تلمع بين التجاعيد؛ يديْه موشومتان بعلامات العمل وخلايا جلدٍ متصلّبة من كثرة القبض على المطارق. يرتدي سترَة جلدية مقوّاة فوق قميصٍ متين، وسروالًا عمليًا مدعومًا بأربطة، وحذاءً ثقيلًا مظللًا بطبقة من المعدن فوق الأصابع لحمايتها. حزامه يعجّ بالأدوات؛ مطرقة صغيرة، مبردات، وخيوط معدنية ملفوفة بعناية، كلها أدوات حرفيٍّ لا يغيب من مقرِّ عمله.
إقتنينا كل ما نحتاج، إشتريتُ سيفًا وخنجرين. ليارا اقتنت رؤوس سهامٍ وخنجرًا، أما رايندار فقد إقتنى بعض الكوناي لأنه أُعجب بها ورأى أنها قد تعود عليه بالنفع يومًا.
‘إذًا الأقزام موجودة حقًّا!’
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
داخل الكهف كان هناك نظام ترتيب واضح؛ رفوف حجرية ممتلئة بالسيوف والفؤوس والرماح مرتبة بحسب الوزن والطراز، خناجر صغيرة معلّقة في صفوف متقنة، ومُخططات ورسومات مُدبّبة مثبتة على الحائط. المصابيح المعلقة تصدر وهجًا أصفر مائلاً للعنبر، والشموع تُسيل قطرات شمعٍ على أرضٍ من الحجر، فتبدو كخريطةٍ صغيرة من نقاط الضوء. بعض الأسلحة بُرِزت بعلامته؛ نقش صغير على السيف أو مقابض الفؤوس، علامة تشير إلى أن هذا العمل صُنع أو خُتِم بيده.
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
“هل أستطيع خدمتكم بطريقةٍ ما؟” قال القزم
“وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك…”
لم يواجه أعيننا عند حديثه من شدة التركيز على عمله الدؤوب الذي يشتغل عليه، تسمع في صوته خشونة من سنين الضرب والاجتهاد، لكن كلماته تُدلى بعناية كما لو كان يُقيِّم كل حرفٍ مثل قطعة معدن.
“حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك.” أجبتُ
“لا شيئ بالضبط… أردنا الإحتماء من البرد قليلًا ليس إلَّا فقد بدا هذا الكهف دافئاً.” قال رايندار
“سيفي؟…” تساءلت
“هكذا إذاً… يمكنكم الإقتراب من النيران لتدفئة أجسادكم وأنتم تلقون نظرة على أعمالي” ردَّ القزم
“كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا…” قال
‘يبدو أنه شخصٌ طيِّب فَلم يمانع دخولنا لورشته بهذه الطريقة للتدفئة فقط.’
“لماذا المال؟…” سألت بتردد
“هل تقصد أنك أنت من صنعت كل هذه الأسلحة أيها العجوز” قال رايندار بحماس
“ماهذا السؤال؟ المال هو محور العالم بالتأكيد!” قال بحزم
“ومن في رأيك قد فعل ذلك غيري؟” سأل القزم
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
“أوه مدهش… هل يمكنني إلقاء نظرة عن قُرب!؟” سأل رايندار
اقتربنا أنا وليارا من منضدةٍ خرسانية صغيرة حيث استلقى النصل الواعد الذي يعمل القزم على صنعه على وسادةٍ من الرماد. المراحل النهائية كانت طقسًا دقيقًا؛ أمسك بالمطرقة، طرق النصل بضرباتٍ قصيرة ومركّزة على السندان، كل ضربة تصحح انحناءةً ضئيلة أو تزيل شوائبَ ما تزال في المعدن. بعد أن انتهى من التسوية، حمل السيف وأغمسه في وعاءٍ قائمٍ بالماء الفاتر ليبرد تدريجيًا، ليس بالقفزة المتهورة في الماء البارد التي تُكسر المعدن، بل تبريدٌ يحافظ على توازن الصلابة والمرونة.
“مادُمت ستشتري شيئاً..” أجاب القزم
داخل الكهف كان هناك نظام ترتيب واضح؛ رفوف حجرية ممتلئة بالسيوف والفؤوس والرماح مرتبة بحسب الوزن والطراز، خناجر صغيرة معلّقة في صفوف متقنة، ومُخططات ورسومات مُدبّبة مثبتة على الحائط. المصابيح المعلقة تصدر وهجًا أصفر مائلاً للعنبر، والشموع تُسيل قطرات شمعٍ على أرضٍ من الحجر، فتبدو كخريطةٍ صغيرة من نقاط الضوء. بعض الأسلحة بُرِزت بعلامته؛ نقش صغير على السيف أو مقابض الفؤوس، علامة تشير إلى أن هذا العمل صُنع أو خُتِم بيده.
اقتربنا أنا وليارا من منضدةٍ خرسانية صغيرة حيث استلقى النصل الواعد الذي يعمل القزم على صنعه على وسادةٍ من الرماد. المراحل النهائية كانت طقسًا دقيقًا؛ أمسك بالمطرقة، طرق النصل بضرباتٍ قصيرة ومركّزة على السندان، كل ضربة تصحح انحناءةً ضئيلة أو تزيل شوائبَ ما تزال في المعدن. بعد أن انتهى من التسوية، حمل السيف وأغمسه في وعاءٍ قائمٍ بالماء الفاتر ليبرد تدريجيًا، ليس بالقفزة المتهورة في الماء البارد التي تُكسر المعدن، بل تبريدٌ يحافظ على توازن الصلابة والمرونة.
كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.
“راقبا بتمعنٍّ كلاكما، فهكذا تُشحد سيوفنا!” قال رايندار
جوابٌ رخيص، لكنه غالبًا الجواب الأنسب لسؤال قزمٍ حكيم…
بينما كان رايندار يتجوَّل حول السُّيوف مستمتعاً بتفاصيلهم الدقيقة، راقبنا أنا وليارا القزم يعمل بتركيز شديد. ثم أتت المرحلة التَّالية، حيث مرّر حافة النصل على حجرٍ شحذ مبلّل، سحب السكين بزاوية ثابتة مَرّة تلو الأخرى حتى بدأتِ الحافة تلمع كخطّ ضوئي بسيط. لَمّع النصل بعد ذلك بزيتٍ خاصّ ذا رائحةٍ خفيفة من العشب الجبلي ليحفظه من الصدأ ويكشف له لون المعدن الحقيقي. أخيراً، ثبَّتَ المقابضَ بخيوط جلدية ملفوفة بإحكام، وختم المقبض بعنصرٍ معدني صغير نقش عليه علامته. شقّ واحد بسيط لكنه يُضفي صِفة الحيازة على السلاح. قبل أن يضع السيف في رفّه، ضربه بحافةٍ من الخشب على الموزع الخشبي، كاختبارٍ أخير للصدى والوزن، وابتسامةٌ صغيرة رُسمت على وجهه كمن يؤكد أن القطعة انتهت كما أرادها بعد ساعات العمل الدؤوب، جاهزة لتأدية المهمة، صامدة كقيمةٍ صنعها من يديه.
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
“أوووووه”
“ها هو جاهز… إحمله بحذر.”
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
‘يبدو أنه شخصٌ طيِّب فَلم يمانع دخولنا لورشته بهذه الطريقة للتدفئة فقط.’
“إذاً مارأيك إليان؟” قال رايندار
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
“بخصوص ماذا؟” قلت متسائلًا
“كلُّ من يشتري سلاحًا يشتري قصةً صغيرة يقولها لنفسه: لن أكون الضحية ولا الجلَّاد هنا.” قال
“سيفك… سيفك” أجاب
التفت إليّ، وصوته هذه المرة كان أخفّ، أخطر. “المعنى ليس في النصل، ولا في الدم… المعنى في الاختيار الذي يليهما.” ثم أضاف “السيف لا يُدينني، لكنني أُدين نفسي كل يوم حين أُقرّر كيف أعيش… مع أنني أُحب أعمالي الفنيَّة هذه” ختم كلامه بابتسامةٍ راضية
“سيفي؟…” تساءلت
“أوه مدهش… هل يمكنني إلقاء نظرة عن قُرب!؟” سأل رايندار
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
“حسناً إذاً” قال القزم
‘كنتُ لأقول ذلك لو أنني سأعيش لوقتٍ طويل، لكن حياتي لن تدوم طويلًا… في هذه الحالة السيف، بل حتى تدريبات السيف نفسها… ما الغاية منهما؟’
“سيفك… سيفك” أجاب
“حسنا، لا أدري….” قلت
“أوووووه”
“يبدو أنك أُعجبت بهذا السيف الذي شحذه العجوز قبل قليل. هل تريده إذاً؟” قال
دخَلنا ثلاثتنا من فتحة ضيِّقة صوب جوٍّ دافئٍ؛ رائحة الحديد الحار والزيت وقطرات الماء المتبخّرة على الحجارة استقبلتنا، وضوء المصابيح والشموع قَطَع الظلام كأجنحةٍ صغيرة من دفء.
‘بصراحة… لا أريد مصارحتهم بموضوع موتي القريب، لكن تهرُّبي الدائم من هذه التفاصيل يجعلني سهل القراءة على ما أعتقد…’
صحيح… لم أسألهُ عن اسمِه.
‘حسناً لقد جنينا الكثير من المال إثر تجارتنا، أظن أن لا بأس من ذلك… ليس وكأنه سيضيع بعد موتي أو ما شابه.’
“راقبا بتمعنٍّ كلاكما، فهكذا تُشحد سيوفنا!” قال رايندار
“حسنا مادمتَ مصرّاً، أظن أنني سآخذه..” قلت متردداً
“حسناً…” أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق
“حسناً إذاً” قال القزم
التفت إليّ، وصوته هذه المرة كان أخفّ، أخطر. “المعنى ليس في النصل، ولا في الدم… المعنى في الاختيار الذي يليهما.” ثم أضاف “السيف لا يُدينني، لكنني أُدين نفسي كل يوم حين أُقرّر كيف أعيش… مع أنني أُحب أعمالي الفنيَّة هذه” ختم كلامه بابتسامةٍ راضية
وقف القزم أمام منضدته كمن يؤدي طقسًا معتاداً. أمسك النصل بقبضة متمرسة، طرق على السندان بضربات قصيرة مرتّبة، كل ضربة تصحّح انحناءة أو تلملم أثر خبث المعدن. جربه على حبلٍ سميك فاقتلع الحبال دون تمزق، ثم ضرب حافة الخشب بخفة ليتفحّص الصدى والصلابة، لم يَصدُر عن السيف إلا صفيرٌ نظيف كأنّه قطب يُهذب الهواء. غمّسه في الماء الفاتر، راقب دفء البخار يتصاعد، ثم مرّر الحافة على حجر الشحذ مرة وراء أخرى حتى بدت لامعة وحادة كقاطع الضوء.
“…”
عند نهاية العمل، حمل قطعة معدنية صغيرة؛ حامية بسيطة مصقولة من الفولاذ، قُرص ضيّق يلتف عند اتصال النصل بالمقبض. وضعها بدقّة بين النصل والمقبض، ثَبّتها بمسمارٍ صغير ومخفي، ودفعها حتى أخذت مكانها كدرعٍ رفيع يمنع اليد من الانزلاق إلى المعدن ويقوّي توازن السلاح. لفّ المقبض بخيوط جلدية محكمة، ختم المقبض بعلامته المنقوشة، ومسح النصل بزيتٍ عطري قبل أن يرفعه أمامي ويقول بصوتٍ غليظ حكيم…
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
“ها هو جاهز… إحمله بحذر.”
“إذاً مارأيك إليان؟” قال رايندار
مددت يدي نحو السيف كما لو أنني أمدُّها نحو وعدٍ جديد. النصل طوله يقارب ذراعين؛ نحيل في منتصفه، يزداد سماكة عند العمود بالقرب من الحافة، سطحه معدني لامع يحمل بريقًا باردًا كقشرة الجليد تحت ضوء الفجر. على طول النصل شَقٌّ رقيق، أخدودٌ طويل ممتدّ كخطٍ في وسطه يعطيه خفةً في التأرجح ويُظهر مهارةَ تنقِيته. الحافة نفسها رقيقة وحادة بتدرّجٍ متقن، لا تبدو كأنها صُنعت للافتتان بل للقطع العملي، ولها لمعانٌ نظيف يوحّد بين الصلابة والمرونة.
صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.
المقبض مغطّى بخيوط جلدية داكنة ملفوفة بإحكام، تشدّ اليد وتمنح إحساسًا بالأمان؛ عند نقطة التقاء النصل بالمقبض ترتكز حامية فولاذية صغيرة، قُرص رفيع محدّد الحواف، صُمم ليحميني من الانزلاق وليربط النصل بهدوءٍ مع المقبض. ثُبّت المشبك الأخير كقطعة معدنية مستديرة بزخرفة بسيطة نقشها الحرفي، وكأنها ختمٌ صغير لإلزام السيف بصانعه. عندما رفعت السلاح شعرته يوزع وزنه بدقة بين راحة يدي، لم يكن ثقيلاً لدرجة الإحباط ولا خفيفًا كأداة بلا روح؛ كان متزنًا، جاهزًا للعمل، وكأنه يدٌ أخرى قد دربتها لتكون رفيقي الأول في خطواتي القادمة.
“هل أستطيع خدمتكم بطريقةٍ ما؟” قال القزم
قمت بأرجحة السيف قليلًا لتجربته. إنها تجربة مختلفة عن أي سيفٍ خشبي حملته سابقاً في تداريبي. بدا السيف جيد القبضة والنصل، وقد راقني نوعاً ما لذلك قررت إقتناءه.
اقترب من سيفٍ مُعلّق على الجدار، لم يلمسه، فقط نظر إليه.
وضعت حدَّ السيف على إصبع السبابة خاصتي، مجرد لمسة بسيطة تركت جرحًا يفيض دمًا على إصبعي. لقد كان السيف مصقولًا لهذه الدرجة.
كان يُقيم داخل الكهف قزمٌ لا يختلف كثيرًا في ملامحه الأساسية عن البشر، لكنه أقصر قامة، جسمه قصيرٌ وعريض، أذرعه قوية مليئة بالعروق وتفاصيل الجسد المُدرَّب. أصلعٌ وجهه محاطٌ بلحية كثيفة مضفّرة بعناية حتى بدت كأنها حبلان من النحاس يلتفان، وعيناه البنيتان حادّتان كشرارةٍ تلمع بين التجاعيد؛ يديْه موشومتان بعلامات العمل وخلايا جلدٍ متصلّبة من كثرة القبض على المطارق. يرتدي سترَة جلدية مقوّاة فوق قميصٍ متين، وسروالًا عمليًا مدعومًا بأربطة، وحذاءً ثقيلًا مظللًا بطبقة من المعدن فوق الأصابع لحمايتها. حزامه يعجّ بالأدوات؛ مطرقة صغيرة، مبردات، وخيوط معدنية ملفوفة بعناية، كلها أدوات حرفيٍّ لا يغيب من مقرِّ عمله.
مسكتُ غمداً أسود للسيف من بين مجموعة معلَّقة على حائط على بُعدٍ بسيطٍ من السيوف المعروضة، ومعه إلتقطت بضعة خناجر وَزِّعتها على جيوب حزامي الصغيرة كنوعٍ من التَّجهز لمهمات الصيد القادمة.
“آاااا نعم نعم آسف!” أجبتُ
دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.
وضعت حدَّ السيف على إصبع السبابة خاصتي، مجرد لمسة بسيطة تركت جرحًا يفيض دمًا على إصبعي. لقد كان السيف مصقولًا لهذه الدرجة.
“يا فتى، ما اسمك؟” سأل القزم
“مادُمت ستشتري شيئاً..” أجاب القزم
“إليان… هذا اسمي!” قلت
داخل الكهف كان هناك نظام ترتيب واضح؛ رفوف حجرية ممتلئة بالسيوف والفؤوس والرماح مرتبة بحسب الوزن والطراز، خناجر صغيرة معلّقة في صفوف متقنة، ومُخططات ورسومات مُدبّبة مثبتة على الحائط. المصابيح المعلقة تصدر وهجًا أصفر مائلاً للعنبر، والشموع تُسيل قطرات شمعٍ على أرضٍ من الحجر، فتبدو كخريطةٍ صغيرة من نقاط الضوء. بعض الأسلحة بُرِزت بعلامته؛ نقش صغير على السيف أو مقابض الفؤوس، علامة تشير إلى أن هذا العمل صُنع أو خُتِم بيده.
“اسمع إليان… ما سبب صنعي للأسلحة برأيك؟”
“لا… إنه المال!”
“نُصرة الضعيف ربما…” قلت بتردد
“مع ذلك، أستمر. ليس لأنني شرير… بل لأنني صادق بما يكفي لأعترف أن العالم لن يتوقف عن القتل إن توقفتُ أنا عن الحدادة. لكنه سيتوقف عن إطعامي.”
جوابٌ رخيص، لكنه غالبًا الجواب الأنسب لسؤال قزمٍ حكيم…
مددت يدي نحو السيف كما لو أنني أمدُّها نحو وعدٍ جديد. النصل طوله يقارب ذراعين؛ نحيل في منتصفه، يزداد سماكة عند العمود بالقرب من الحافة، سطحه معدني لامع يحمل بريقًا باردًا كقشرة الجليد تحت ضوء الفجر. على طول النصل شَقٌّ رقيق، أخدودٌ طويل ممتدّ كخطٍ في وسطه يعطيه خفةً في التأرجح ويُظهر مهارةَ تنقِيته. الحافة نفسها رقيقة وحادة بتدرّجٍ متقن، لا تبدو كأنها صُنعت للافتتان بل للقطع العملي، ولها لمعانٌ نظيف يوحّد بين الصلابة والمرونة.
“لا… إنه المال!”
“كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا…” قال
‘المال!؟ حسنًا هذا متوقع لكنني كنت أنتظر من قزم عجوز شيئًا أكثر نبلًا وحكمة.’
“إليان… البشر، أنصاف البشر، الأقزام، الإلف… جميعنا نحب أن نكذب على أنفسنا مهما اختلَفت خلفيَّاتنا. نُسمّي أفعالنا بأسماء جميلة كي ننام هانئين ليلًا. القاتل يقول: كنتُ أُنفّذ الأوامر. الملك يقول: كنتُ أحمي المملكة. والحدّاد يقول: أنا فقط أصنع الأدوات…”
“لماذا المال؟…” سألت بتردد
“نُصرة الضعيف ربما…” قلت بتردد
“ماهذا السؤال؟ المال هو محور العالم بالتأكيد!” قال بحزم
“حسناً…” أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق
“حسنًا إذاً…” أجبت
‘إذًا الأقزام موجودة حقًّا!’
“هذه الأسلحة الحادَّة تُشعِل الفِتن، تسفك الدماء، وتُزهق الأرواح، ومع ذلك هي الأكثر دخلًا لأيِّ حِرفيّ في عالمِنا هذا… جرَّبتُ حدادة الأثات، الأبواب، وحتى الأواني المنزلية، لكنني لم أجني رُبع الدَّخل الذي تُربحني إيَّاه الأسلحة. رغم أن الأخيرة تُثير العنف والآلام… لماذا يا تُرى؟” تساءلَ
“لماذا المال؟…” سألت بتردد
“حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك.” أجبتُ
كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.
“وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك…”
“لا… إنه المال!”
“هذا ما حاولتُ الإقتناع به طيلة هذه السنين التي كنتُ أصقل فيها مئات بل آلاف السيوف لأحُثَّ نفسي على العمل، وأنا على علمٍ بأن هناك من بُترت أطرافه بها، ومن قُتلت عائلته بها، ومن ضلَّ سبيله بها، بل وحتى من إنتحر بها…” قال
“نُصرة الضعيف ربما…” قلت بتردد
“هل تشعر بالذنب؟” سألتُ
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.
“لا… فَكلُّ شيئ له معنى…” قال
“هذا ما حاولتُ الإقتناع به طيلة هذه السنين التي كنتُ أصقل فيها مئات بل آلاف السيوف لأحُثَّ نفسي على العمل، وأنا على علمٍ بأن هناك من بُترت أطرافه بها، ومن قُتلت عائلته بها، ومن ضلَّ سبيله بها، بل وحتى من إنتحر بها…” قال
“حسناً…” أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق
“هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟” قال رايندار
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
“راقبا بتمعنٍّ كلاكما، فهكذا تُشحد سيوفنا!” قال رايندار
“…”
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
“إليان… البشر، أنصاف البشر، الأقزام، الإلف… جميعنا نحب أن نكذب على أنفسنا مهما اختلَفت خلفيَّاتنا. نُسمّي أفعالنا بأسماء جميلة كي ننام هانئين ليلًا. القاتل يقول: كنتُ أُنفّذ الأوامر. الملك يقول: كنتُ أحمي المملكة. والحدّاد يقول: أنا فقط أصنع الأدوات…”
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
“كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا…” قال
“كلُّ من يشتري سلاحًا يشتري قصةً صغيرة يقولها لنفسه: لن أكون الضحية ولا الجلَّاد هنا.” قال
“لكنها ليست مجرد أدوات…” قلتُ بحَسرة
“هذه الأسلحة الحادَّة تُشعِل الفِتن، تسفك الدماء، وتُزهق الأرواح، ومع ذلك هي الأكثر دخلًا لأيِّ حِرفيّ في عالمِنا هذا… جرَّبتُ حدادة الأثات، الأبواب، وحتى الأواني المنزلية، لكنني لم أجني رُبع الدَّخل الذي تُربحني إيَّاه الأسلحة. رغم أن الأخيرة تُثير العنف والآلام… لماذا يا تُرى؟” تساءلَ
رفع رأسه نحوي، وعيناه تلمعان كفحمٍ أُعيد إيقادُه. “بالضبط. ولهذا هي تدرّ المال.” ثم أضاف بنبرة أعمق “العالم لا يدفع بسخاء إلا لما يُغذّي خوفه.”
“مادُمت ستشتري شيئاً..” أجاب القزم
لم أفهم تمامًا، فبقيتُ صامتًا.
“كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا…” قال
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
“سيفي؟…” تساءلت
“كلُّ من يشتري سلاحًا يشتري قصةً صغيرة يقولها لنفسه: لن أكون الضحية ولا الجلَّاد هنا.” قال
“وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك…”
“وأنت؟” سألتُ. “ما القصة التي تقولها لنفسك؟”
ضحِك ضحكةً قصيرة، متعبة.
مسكتُ غمداً أسود للسيف من بين مجموعة معلَّقة على حائط على بُعدٍ بسيطٍ من السيوف المعروضة، ومعه إلتقطت بضعة خناجر وَزِّعتها على جيوب حزامي الصغيرة كنوعٍ من التَّجهز لمهمات الصيد القادمة.
“أقول إنني لستُ من يقرر كيف تُستخدم النصل… لكنني أعرف أنني أكذب.”
صحيح… لم أسألهُ عن اسمِه.
اقترب من سيفٍ مُعلّق على الجدار، لم يلمسه، فقط نظر إليه.
‘يبدو أنه شخصٌ طيِّب فَلم يمانع دخولنا لورشته بهذه الطريقة للتدفئة فقط.’
“مع ذلك، أستمر. ليس لأنني شرير… بل لأنني صادق بما يكفي لأعترف أن العالم لن يتوقف عن القتل إن توقفتُ أنا عن الحدادة. لكنه سيتوقف عن إطعامي.”
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
“إذًا المعنى الذي تحدثتَ عنه…؟” سألتُ.
وضعت حدَّ السيف على إصبع السبابة خاصتي، مجرد لمسة بسيطة تركت جرحًا يفيض دمًا على إصبعي. لقد كان السيف مصقولًا لهذه الدرجة.
التفت إليّ، وصوته هذه المرة كان أخفّ، أخطر. “المعنى ليس في النصل، ولا في الدم… المعنى في الاختيار الذي يليهما.” ثم أضاف “السيف لا يُدينني، لكنني أُدين نفسي كل يوم حين أُقرّر كيف أعيش… مع أنني أُحب أعمالي الفنيَّة هذه” ختم كلامه بابتسامةٍ راضية
قمت بأرجحة السيف قليلًا لتجربته. إنها تجربة مختلفة عن أي سيفٍ خشبي حملته سابقاً في تداريبي. بدا السيف جيد القبضة والنصل، وقد راقني نوعاً ما لذلك قررت إقتناءه.
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.
‘حسناً لقد جنينا الكثير من المال إثر تجارتنا، أظن أن لا بأس من ذلك… ليس وكأنه سيضيع بعد موتي أو ما شابه.’
“إليان…” قال أخيرًا “إن أردتَ يومًا أن تكون نقيًا، لا تصنع شيئًا يبقى أثرُهُ خلفَك. وإن أردتَ أن تعيش في هذا العالم بهناء فتعلَّم كيف تتحمّل ثمن ما تصنعه يداك”
وقف القزم أمام منضدته كمن يؤدي طقسًا معتاداً. أمسك النصل بقبضة متمرسة، طرق على السندان بضربات قصيرة مرتّبة، كل ضربة تصحّح انحناءة أو تلملم أثر خبث المعدن. جربه على حبلٍ سميك فاقتلع الحبال دون تمزق، ثم ضرب حافة الخشب بخفة ليتفحّص الصدى والصلابة، لم يَصدُر عن السيف إلا صفيرٌ نظيف كأنّه قطب يُهذب الهواء. غمّسه في الماء الفاتر، راقب دفء البخار يتصاعد، ثم مرّر الحافة على حجر الشحذ مرة وراء أخرى حتى بدت لامعة وحادة كقاطع الضوء.
“كما قُلت… كل شيئٍ لهُ معنى!” أنهى كلامهُ قائلًا
“وأنت؟” سألتُ. “ما القصة التي تقولها لنفسك؟” ضحِك ضحكةً قصيرة، متعبة.
“…”
“بارن” قال
“يجب عليك إضافة قطعة نحاسية ثمنَ الخناجر التي أخذتها” قال
“لماذا المال؟…” سألت بتردد
“آاااا نعم نعم آسف!” أجبتُ
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
**********
“هل تقصد أنك أنت من صنعت كل هذه الأسلحة أيها العجوز” قال رايندار بحماس
إقتنينا كل ما نحتاج، إشتريتُ سيفًا وخنجرين. ليارا اقتنت رؤوس سهامٍ وخنجرًا، أما رايندار فقد إقتنى بعض الكوناي لأنه أُعجب بها ورأى أنها قد تعود عليه بالنفع يومًا.
“إذاً مارأيك إليان؟” قال رايندار
ونحن نغادر إلتفتَ رايندار للرَّجل القزم.
“الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة.” تنهّد.
“بالمناسبة أيُّها العجوز، ما اسمُك؟!” قال
“الذنب…” كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. “الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف.”
صحيح… لم أسألهُ عن اسمِه.
“ومن في رأيك قد فعل ذلك غيري؟” سأل القزم
“بارن” قال
صحيح… لم أسألهُ عن اسمِه.
“بارن سأعود يومًا!” قال رايندار مودِّعًا
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.
أثناء هذه الوداعية البسيطة إلتزمنا أنا وليارا الصمت، أشرتُ بيدي لبارن مودِّعًا إيَّاه، أومأ برأسه، وبذلك أتممنا طريقنا للكوخ.
يُتبع…
يُتبع…
‘كنتُ لأقول ذلك لو أنني سأعيش لوقتٍ طويل، لكن حياتي لن تدوم طويلًا… في هذه الحالة السيف، بل حتى تدريبات السيف نفسها… ما الغاية منهما؟’
“بالمناسبة أيُّها العجوز، ما اسمُك؟!” قال
