إنقاذ - الجزء 3
“قائدة~~~”
“ما الذي يحمله في خصره… أهو سيف؟”
كلُّ أنصاف البشر القطط الذين شاهدوها تسقط أمام البوابة قدِموا لنجدتها، صغارًا كانوا أم كبارًا، رجالًا كانوا أم نساءًا. بينما أنا متعب وقلقٌ بدوري على منقذتي، رأيتُ عددًا من الأشخاص ينقضُّون علينا لتفقد حالة محبوبتهم.
“حاضر!!”
كان التوتر باديًا على الجميع، لم يكُن ضمنهم شخصٌ من دوي الاختصاص في الإسعاف لكنهم لم يتوقَّفوا عن إحداث ضجة جعلت الشعب يتجمهرُ حولها أكثر فأكثر. لقد كانت بهذه الأهمية لدرجة أنهم لم يُلقوا إنتباها لي وأنا الذي أُعتبر دخيلًا على قريتهم المخفية.
“هذا كمٌّ هائل من الأسئلة أيُّها الشَّاب الصغير!” قالت
“أين هي الأم الشَّريفة؟!”
“هل ناداها باسمها المصُون للتو؟”
“فليناديها أحدكم!”
“لقد كنتُ أصيد بعض الدببة رفقة زميليّ، فجأة قام بعض إلف الجليد على ما يبدو بمهاجمتنا وإنتهى المطاف بي وحيدًا بعيدًا عنهما. حينها كاد قائدهم الذي يُدعى آلتوس على ما أذكُر بمهاجمتي راغبًا في قتلي، وهناك ظهرت فانيسا… لقد أنقذتني من قبضته وخاضت قتالًا لم أشهد مثله قَطّ بُغية حمايتي، وقد تأذت كثيرًا إثر ذلك، وما إن وجدَتْ فُرصة سانحة للهرب، مسكَتْني وإنتقلت بنا إلى هذه القرية. فتحَت الحاجز ودخلنا لأرضها، وبعد ذلك سقطت أرضًا، يبدو أنها جمعت شتات نفسها طيلة الوقت ولم تسمح لنفسها بالسقوط حتى شعرَتْ بأمان البيت.” قلت
“أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!”
“أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!”
“لما لا نحمِلها لها؟”
نطَقَ الجميع بهذه الكلمات وهم يُفسحون المجال باحترام ورضوخ وتقدير.
“ماذا إن كانت قد أصابت رأسها ولا ينفع تحريكه!؟”
ما إن ذكرت اسم فانيسا حتى عادت الأجواء المتوترة لتسود بين العامّة.
“لكن… القائدة!”
وضعت العجوز يدها المسنَّة على قلب فانيسا وأغمضت عينيها المتجعِّدتين.
لقد كانت فانيسا أو بالأصح “القائدة” هي همَّهم الشاغل وقد انقسمت على إثرها الآراء حول إعانتها وبدأ يظهر توتُّر أكبر على الأجواء وساد القلق والغضب بين العامَّة لدقائق ودخل بعضٌ من رِجالهم في مناوشات حتى. لقد كانوا جميعًا عبارة عن حطَّابين إن أردتَ وصفهُم، لا يوجد ضمنهم أشخاصٌ يبدو عليهم أنهم أطباء أو مقاتلين، لذلك كان تشخيصُ حالتها مستحيلًا عليهم وهو مازاد الأجواء المشحونة شدَّة.
الصِّغار يبدو عليهم حبُّهم الكبير لها فتراهم يُحاولون الاقتراب لها لكن أولياءهم يمنعونهم من مُقاطعتها. أما الكبار، فينظرون إليها باحترامٍ عميق، فكما استنبطت هي ليست مجرد حكيمة القطيع بل إنها ذاكرة القرية، وضميرها، وأمّ الجميع.
“جسدُها تملؤه الإصابات… من فعل هذا بها بحق الجحيم!” قال أحد الرِّجال
“من أرسلك؟ وما هذفك؟”
لقد كان ذلك الوقت الذي انتبهوا إليَّ فيه لأوَّل مرة.
“ماذا عن فانيسا؟” سألتُ
“من أنت يا هذا! دخيل؟” قال
“إليان… هل دخلتَ هذه القرية بإذن فانيسا؟” سألَتْ
لقد كانت كلماته وكأنه ألقى قدَّاحةً في الزيت. نشب إثرها تهجُّم علي، وعلى هوِّيتي، وعلى هذفي.
هل إقترفتُ خطأً ما للتو؟ هل مناداة اسمها مباشرة لايجوز؟
لقد كان الأمر عبارة عن عدد من الإتهامات والغضب المُلقى عليَّ من أمامي وخلفي، ومن يميني ويساري. لقد كان الكُلُّ متهجِّمًا خاصَّة رجال القرية، واتَّخدت النساء نظرات احتقار اتجاهي، بينما كان الأطفال متوترين وبعضهم غير مهتم لايدرون مايحصُل فتسبب بغضب البالغين حولهم.
لقد كان الأمر عبارة عن عدد من الإتهامات والغضب المُلقى عليَّ من أمامي وخلفي، ومن يميني ويساري. لقد كان الكُلُّ متهجِّمًا خاصَّة رجال القرية، واتَّخدت النساء نظرات احتقار اتجاهي، بينما كان الأطفال متوترين وبعضهم غير مهتم لايدرون مايحصُل فتسبب بغضب البالغين حولهم.
“هل أنت من فعل هذا بقائدتنا؟”
“لاتقلق عزيزي، فحاجز القرية يحمينا من كلِّ شر!”
“كيف تجرؤ على دخول أرضنا هذه!”
“هل ناداها باسمها المصُون للتو؟”
“من أرسلك؟ وما هذفك؟”
“من أرسلك؟ وما هذفك؟”
“تقدَّم خطوة واحدة أخرى للأمام وسنرتمي عليك!”
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
“ما الذي يحمله في خصره… أهو سيف؟”
“هل أنت من فعل هذا بقائدتنا؟”
“إنه سيف نعم!”
“أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!”
“أمي أنا خائف…”
“…”
“لاتقلق عزيزي، فحاجز القرية يحمينا من كلِّ شر!”
“ماذا عن فانيسا؟” سألتُ
لقد كنت في منتصف هذه المناوشات بينما كان بعضهم من الذكور عنيفًا يحاول شدِّي أو تثبيتي. لقد كان واضحًا من مظهرهم المتواضع أن سحب سيفي من غمده كفيل ببث الرعب في نفوسهم والابتعاد عني… لكنني لم أكن لأُقدِم على هذه الحركة بعدما سمحت فانيسا لغريب مثلي بعبور الحاجز ودخول قريتها.
“إنها بخير!” قالت بهدوء
“تَمهَّلوا!”
“صَمتًا جميعًا!” أمرَتْ العجوز
جاء صوتٌ عجوزٌ من خلف هذا الحشد الكبير المتجمهِر أمامي. صوتٌ أزال الجوَّ المتوتِّر من نفوس الشعب وأخفَض الضجيج. صوتٌ رزين جعل الجميع يُفسِح المجال لصاحِبته للمرور.
“الهالة التي تقصد بكلامك هي بالأصح مانا! والمانا هي القوة السحرية التي تُشكل السحر نفسه، لا يستطيع أحدٌ العيش في عالمنا هذا بدون قدرٍ بسيط من المانا. إنها جزء لا يتجزء من احتياجات الشخص، تختلف الكميات المحتاجة منها من عرق إلى آخر، لكن في الأخير الكل يحتاج قدرًا بسيطًا على أقل تقدير منها لاستنشاق هواء هذا العالم!” قالت
“إنها الأم الشريفة… إنها الأم الشريفة!”
“إنها بخير!” قالت بهدوء
نطَقَ الجميع بهذه الكلمات وهم يُفسحون المجال باحترام ورضوخ وتقدير.
“إنها الأم الشريفة… إنها الأم الشريفة!”
لقد كانت عجوزًا تُعرف عندهم باسم “الأم الشَّريفة”، وهي أكبر أنصاف القِطط البشرِ سنّاً.
“…”
شكلها يحمل كل علامات الزمن الجميل، وكأن السنين لم تُثقلها بل نقشت عليها حكمة الثلج؛ قامتها قصيرة قليلاً ومنحنية برِقَّة، لكن خطواتها ثابتة، كمن يعرف طريقه حتى لو انطفأت كل الأنوار.
“… إليان…” قلت
بشرتها فاتحة اللون، مخطّطة بتجاعيد دقيقة تشبه شروخًا رقيقة على سطح الجليد. شعرها أبيض كالقطن، تضفره على شكل جديلتين تنسدلان على كتفيها، ويتخللهما خيوطٌ من الصوف الأزرق الفاتح ترمز ربما لمكانتها. أذناها فوق رأسها كثيفتان، لكنهما تتدليان إلى الجانبين بمرونة ناعمة، وفروهما ناعم ولونه فضيّ عند الأطراف، عينها اليمنى بلون الثلج الصافي، أما اليسرى فتغطيها طبقة ضبابية بسبب فقدان البصر على ما يبدو.
ترتدي رداءً طويلاً مصنوعاً من فراء الأرنب الجبلي الأبيض، مزوّداً بشريطٍ واسع من القماش القديم حول خصرها، عليه طلاسم غير مفهومة لربما تعود لحضارة قديمة.
ترتدي رداءً طويلاً مصنوعاً من فراء الأرنب الجبلي الأبيض، مزوّداً بشريطٍ واسع من القماش القديم حول خصرها، عليه طلاسم غير مفهومة لربما تعود لحضارة قديمة.
كلُّ أنصاف البشر القطط الذين شاهدوها تسقط أمام البوابة قدِموا لنجدتها، صغارًا كانوا أم كبارًا، رجالًا كانوا أم نساءًا. بينما أنا متعب وقلقٌ بدوري على منقذتي، رأيتُ عددًا من الأشخاص ينقضُّون علينا لتفقد حالة محبوبتهم.
رغم سنّها، فإن خطواتها خفيفة كخطوات طفل، وصوتها دافئ خافت، يشبه خشخشة نارٍ صغيرة في ليلةٍ شتوية، مريحٌ للأعصاب. أجمل ما فيها هو ابتسامتها؛ تبدو كأن الثلج ذاته يلين عند رؤيتها، وكأن كل خوفٍ أو قلق يتبدّد بمجرد الجلوس قريبًا منها.
“قائدة~~~”
الصِّغار يبدو عليهم حبُّهم الكبير لها فتراهم يُحاولون الاقتراب لها لكن أولياءهم يمنعونهم من مُقاطعتها. أما الكبار، فينظرون إليها باحترامٍ عميق، فكما استنبطت هي ليست مجرد حكيمة القطيع بل إنها ذاكرة القرية، وضميرها، وأمّ الجميع.
“لاتقلق عزيزي، فحاجز القرية يحمينا من كلِّ شر!”
كان هذا هو الجوُّ الذي تبعثُه.
“ماذا إن كانت قد أصابت رأسها ولا ينفع تحريكه!؟”
اقتربَتْ بثبات لفانيسا المُلقاة على الأرض محاطةً بشعبها. لكن سرعان ما أفسحوا المجال حولها فور وصول العجوز.
وبذلك جلستُ أنا ونصفُ القطة العجوز وجهًا إلى وجه على كراسي خشبية قرب فانيسا النائمة على السرير.
وضعت العجوز يدها المسنَّة على قلب فانيسا وأغمضت عينيها المتجعِّدتين.
“يجب أن يُسجن هذا الغريبُ يا أُمَّنا!”
“إنها بخير!” قالت بهدوء
“فليناديها أحدكم!”
“هل فانيسا حقًّا بخير!” قلت بقلق
“إنها الأم الشريفة… إنها الأم الشريفة!”
ما إن ذكرت اسم فانيسا حتى عادت الأجواء المتوترة لتسود بين العامّة.
“…”
“هل ناداها باسمها المصُون للتو؟”
“العجوز سيرا إذًا!” أجبت
“هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟”
“لا بأس… إنه شخص صالح سمحت له القائدة بالدخول.” قالت
“يجب أن يُسجن هذا الغريبُ يا أُمَّنا!”
“شكرًا جزيلًا لكما! يمكنكما المغادرة.” قالت العجوز
“لا يجب أن يخرج سالمًا من أرضنا هذه!”
شكلها يحمل كل علامات الزمن الجميل، وكأن السنين لم تُثقلها بل نقشت عليها حكمة الثلج؛ قامتها قصيرة قليلاً ومنحنية برِقَّة، لكن خطواتها ثابتة، كمن يعرف طريقه حتى لو انطفأت كل الأنوار.
هل إقترفتُ خطأً ما للتو؟ هل مناداة اسمها مباشرة لايجوز؟
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
“صَمتًا جميعًا!” أمرَتْ العجوز
“هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟”
“…”
كلُّ أنصاف البشر القطط الذين شاهدوها تسقط أمام البوابة قدِموا لنجدتها، صغارًا كانوا أم كبارًا، رجالًا كانوا أم نساءًا. بينما أنا متعب وقلقٌ بدوري على منقذتي، رأيتُ عددًا من الأشخاص ينقضُّون علينا لتفقد حالة محبوبتهم.
عمَّ الصمت المكان مجددًا. يبدو أن كلماتها بالغةُ الأثر بين أنصاف القطط.
“إذًا أظن أنني يجب عليَّ التعريف عن نفسي بداية!” قالَت
“أنت… ما اسمك؟” سألَتْ
“الهالة التي تقصد بكلامك هي بالأصح مانا! والمانا هي القوة السحرية التي تُشكل السحر نفسه، لا يستطيع أحدٌ العيش في عالمنا هذا بدون قدرٍ بسيط من المانا. إنها جزء لا يتجزء من احتياجات الشخص، تختلف الكميات المحتاجة منها من عرق إلى آخر، لكن في الأخير الكل يحتاج قدرًا بسيطًا على أقل تقدير منها لاستنشاق هواء هذا العالم!” قالت
“… إليان…” قلت
رغم سنّها، فإن خطواتها خفيفة كخطوات طفل، وصوتها دافئ خافت، يشبه خشخشة نارٍ صغيرة في ليلةٍ شتوية، مريحٌ للأعصاب. أجمل ما فيها هو ابتسامتها؛ تبدو كأن الثلج ذاته يلين عند رؤيتها، وكأن كل خوفٍ أو قلق يتبدّد بمجرد الجلوس قريبًا منها.
“إليان… هل دخلتَ هذه القرية بإذن فانيسا؟” سألَتْ
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
“نعم…” قلت
“…”
“حسنًا سأسألك عن التفاصيل لاحقًا… إتبعني!” قالت
كلُّ أنصاف البشر القطط الذين شاهدوها تسقط أمام البوابة قدِموا لنجدتها، صغارًا كانوا أم كبارًا، رجالًا كانوا أم نساءًا. بينما أنا متعب وقلقٌ بدوري على منقذتي، رأيتُ عددًا من الأشخاص ينقضُّون علينا لتفقد حالة محبوبتهم.
“ماذا عن فانيسا؟” سألتُ
“كيف إلتقيت بفانيسا” سألَتْ
“هلَّا تعاونتم في حملِها برِفق إلى منزِلي!؟” طلَبتْ من الشعب
“…”
“حاضر!!”
لقد كان ذلك الوقت الذي انتبهوا إليَّ فيه لأوَّل مرة.
بصوت جماعي راضِخ لأوامر العجوز انصاعوا لطلبها. وبذلك تبعتُها لمنزِلها بينما حمِل رجلَان فانيسا المصابة خلفنا.
‘أعلم بالفعل بوجود السحر في هذا العالم، لكنني مع ذلك غير مدرك لطبيعته وطريقة عمله، لذلك أبدو جاهلًا فيما يتعلق بخصائصه.’
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
“لقد كنتُ أصيد بعض الدببة رفقة زميليّ، فجأة قام بعض إلف الجليد على ما يبدو بمهاجمتنا وإنتهى المطاف بي وحيدًا بعيدًا عنهما. حينها كاد قائدهم الذي يُدعى آلتوس على ما أذكُر بمهاجمتي راغبًا في قتلي، وهناك ظهرت فانيسا… لقد أنقذتني من قبضته وخاضت قتالًا لم أشهد مثله قَطّ بُغية حمايتي، وقد تأذت كثيرًا إثر ذلك، وما إن وجدَتْ فُرصة سانحة للهرب، مسكَتْني وإنتقلت بنا إلى هذه القرية. فتحَت الحاجز ودخلنا لأرضها، وبعد ذلك سقطت أرضًا، يبدو أنها جمعت شتات نفسها طيلة الوقت ولم تسمح لنفسها بالسقوط حتى شعرَتْ بأمان البيت.” قلت
“شكرًا جزيلًا لكما! يمكنكما المغادرة.” قالت العجوز
نطَقَ الجميع بهذه الكلمات وهم يُفسحون المجال باحترام ورضوخ وتقدير.
“لكن…” قال الرجلان بقلق وحذر
“…”
“لا بأس… إنه شخص صالح سمحت له القائدة بالدخول.” قالت
“كيف تجرؤ على دخول أرضنا هذه!”
“حسنًا إذًا!” قالا
“مانا… وماذا إن لم يملك شخصٌ ما هذه المانا؟” سألتُ
وبذلك جلستُ أنا ونصفُ القطة العجوز وجهًا إلى وجه على كراسي خشبية قرب فانيسا النائمة على السرير.
“تقدَّم خطوة واحدة أخرى للأمام وسنرتمي عليك!”
“إذًا أظن أنني يجب عليَّ التعريف عن نفسي بداية!” قالَت
عمَّ الصمت المكان مجددًا. يبدو أن كلماتها بالغةُ الأثر بين أنصاف القطط.
“…”
لقد كان ذلك الوقت الذي انتبهوا إليَّ فيه لأوَّل مرة.
“أنا القائدة السابقة لقرية أنصاف القطط الشمالية المخفية هذه. حاليًا أنا عجوز تؤدي دور الأم الشريفة وهي تنتظر وفاتها. أنت بشريٌّ لذلك لست ملزمًا على مناداتي بذلك، يكفي أن تناديني بالعجوز أو باسمي… سيرا!” قالت
هل إقترفتُ خطأً ما للتو؟ هل مناداة اسمها مباشرة لايجوز؟
“العجوز سيرا إذًا!” أجبت
“لكن… القائدة!”
“يبدو ذلك مناسبًا لي… دورك الآن إذًا!” قالت
“مانا… وماذا إن لم يملك شخصٌ ما هذه المانا؟” سألتُ
“أنا بشريٌّ يعيش في جبال هذه المنطقة. أدعى إليان، ولا أملك شيئا جديرًا بالذكر غير ذلك!” قلت
لقد كان الأمر عبارة عن عدد من الإتهامات والغضب المُلقى عليَّ من أمامي وخلفي، ومن يميني ويساري. لقد كان الكُلُّ متهجِّمًا خاصَّة رجال القرية، واتَّخدت النساء نظرات احتقار اتجاهي، بينما كان الأطفال متوترين وبعضهم غير مهتم لايدرون مايحصُل فتسبب بغضب البالغين حولهم.
“كيف إلتقيت بفانيسا” سألَتْ
بشرتها فاتحة اللون، مخطّطة بتجاعيد دقيقة تشبه شروخًا رقيقة على سطح الجليد. شعرها أبيض كالقطن، تضفره على شكل جديلتين تنسدلان على كتفيها، ويتخللهما خيوطٌ من الصوف الأزرق الفاتح ترمز ربما لمكانتها. أذناها فوق رأسها كثيفتان، لكنهما تتدليان إلى الجانبين بمرونة ناعمة، وفروهما ناعم ولونه فضيّ عند الأطراف، عينها اليمنى بلون الثلج الصافي، أما اليسرى فتغطيها طبقة ضبابية بسبب فقدان البصر على ما يبدو.
“لقد كنتُ أصيد بعض الدببة رفقة زميليّ، فجأة قام بعض إلف الجليد على ما يبدو بمهاجمتنا وإنتهى المطاف بي وحيدًا بعيدًا عنهما. حينها كاد قائدهم الذي يُدعى آلتوس على ما أذكُر بمهاجمتي راغبًا في قتلي، وهناك ظهرت فانيسا… لقد أنقذتني من قبضته وخاضت قتالًا لم أشهد مثله قَطّ بُغية حمايتي، وقد تأذت كثيرًا إثر ذلك، وما إن وجدَتْ فُرصة سانحة للهرب، مسكَتْني وإنتقلت بنا إلى هذه القرية. فتحَت الحاجز ودخلنا لأرضها، وبعد ذلك سقطت أرضًا، يبدو أنها جمعت شتات نفسها طيلة الوقت ولم تسمح لنفسها بالسقوط حتى شعرَتْ بأمان البيت.” قلت
“…”
رَوَيتُ لها القصة كاملة باختصار. لا زيادة ولا نقصان، لقد قلت كل ما في جعبتي.
“إنها الأم الشريفة… إنها الأم الشريفة!”
“هكذا إذًا…” قالت
“إليان… هل دخلتَ هذه القرية بإذن فانيسا؟” سألَتْ
“أريد أن أعرف… ما كان كل ذلك؟ لقد فقدتُ ذاكرتي لذلك لا أعرف مايجري حولي. أكان ما شاهدته سحرًا؟ ماكانت تلك الهالات القوية إذًا؟ لقد ذكر آلتوس شيئًا عن خيط المكان أو ما شابه؟ ما الذي يُفترض بذلك أن يعني؟” سألتُ
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
‘الاستمرارُ في دورِ فاقد الذاكرة هو الأنسبُ حاليًّا لكسبِ معلومات دون شكوكٍ غير ضرورية.’
“أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!”
لقد رميت أسئلتي الواحد تلو الآخر على العجوز سيرا راغبًا في تلقي إجابات تكشف حقيقة هذا الغموض الذي يدور في هذا العالم.
“أمي أنا خائف…”
‘أعلم بالفعل بوجود السحر في هذا العالم، لكنني مع ذلك غير مدرك لطبيعته وطريقة عمله، لذلك أبدو جاهلًا فيما يتعلق بخصائصه.’
“لكن…” قال الرجلان بقلق وحذر
“هذا كمٌّ هائل من الأسئلة أيُّها الشَّاب الصغير!” قالت
“…”
“لكن… القائدة!”
“حسنًا إذًا سأجيبك… نعم، مارأيته كان سِحرًا، إنه شيئٌ رائج في هذا العالم لذلك هذه لا تعتبر معلومة حتى. لا أدري عن فقدان ذاكرتك هذا، لكن خيط الذاكرة قادر على شفائك منه على ما يبدو…” قالت
عمَّ الصمت المكان مجددًا. يبدو أن كلماتها بالغةُ الأثر بين أنصاف القطط.
‘خيط الذاكرة؟’
“صَمتًا جميعًا!” أمرَتْ العجوز
“الهالة التي تقصد بكلامك هي بالأصح مانا! والمانا هي القوة السحرية التي تُشكل السحر نفسه، لا يستطيع أحدٌ العيش في عالمنا هذا بدون قدرٍ بسيط من المانا. إنها جزء لا يتجزء من احتياجات الشخص، تختلف الكميات المحتاجة منها من عرق إلى آخر، لكن في الأخير الكل يحتاج قدرًا بسيطًا على أقل تقدير منها لاستنشاق هواء هذا العالم!” قالت
“أنا القائدة السابقة لقرية أنصاف القطط الشمالية المخفية هذه. حاليًا أنا عجوز تؤدي دور الأم الشريفة وهي تنتظر وفاتها. أنت بشريٌّ لذلك لست ملزمًا على مناداتي بذلك، يكفي أن تناديني بالعجوز أو باسمي… سيرا!” قالت
“مانا… وماذا إن لم يملك شخصٌ ما هذه المانا؟” سألتُ
“حسنًا سأسألك عن التفاصيل لاحقًا… إتبعني!” قالت
“يموت!” قالت
‘الاستمرارُ في دورِ فاقد الذاكرة هو الأنسبُ حاليًّا لكسبِ معلومات دون شكوكٍ غير ضرورية.’
يُتبع…
“أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!”
نطَقَ الجميع بهذه الكلمات وهم يُفسحون المجال باحترام ورضوخ وتقدير.
