قرية أنصاف البشر المخفية - الجزء 2
في الصباح، كنتُ أشعر بالحكَّة على أنفي، على شواربي، وعلى خدِّي. كنتُ نعسانًا فبدأت أمرِّر يداي على وجهي أحكُّ ملامحي.
“لقد استيقظ إلف الجليد من سُباتهم الطويل… الخارج إذًا سيكون خطيرًا في الوقت الحالي. أريد إيصالك لمنزلك بأمان لكنني لستُ في أحسن حالاتي حاليًّا، فقد ينتهي الحال بنا ميِّتين، القرية لا يوجد بها مقاتلون لذلك لا أستطيع السماح لأحدٍ بالخروج. سأطلُب منك المكوث هنا لوقتٍ أطول.” قالت
كان الشعور لايُطاق ففتحت عيناي على مضضٍ منِّي. فتحت عيناي جزئيًّا فوجدت قطَّةً صغيرة تجلسُ قرب رأسي.
‘عائلة…’
لم تكن قطة بالمعنى الحرفيِّ، لقد كانت نصف بشريَّةٍ طفلة، نصف قطة صغيرة. لا أدري إن كنت سأطلق على من أيقظني بهذه الطريقة لطيفًا أم مزعجًا لكنها كانت كذلك. لقد كانت فتاةً صغيرة بشعرٍ أسودَ قصير ينسدل قليلًا على كتفيها، أعين زرقاء لامعة، وأذنين ناعمتين متدليتين ينسدلان على وجهي.
“إليان…” همسَت إري بهدوء
‘لقد كان هذا مصدر الحكَّة إذًا…’
“إري… إن قال أحدهم ‘صباح الخير’ لكِ يجب عليكِ الرَّد ب’صباح النور’. ”
استيقظت، فجلست وجسدي يقشعرُّ بردًا…
“سيكون ذلك آخر ردٍّ تتلقاه مني!” أجابت بقوة
“صباح الخير!” قلت
“لقد استيقظ إلف الجليد من سُباتهم الطويل… الخارج إذًا سيكون خطيرًا في الوقت الحالي. أريد إيصالك لمنزلك بأمان لكنني لستُ في أحسن حالاتي حاليًّا، فقد ينتهي الحال بنا ميِّتين، القرية لا يوجد بها مقاتلون لذلك لا أستطيع السماح لأحدٍ بالخروج. سأطلُب منك المكوث هنا لوقتٍ أطول.” قالت
“…”
عند وقوفي أمام مائدة الإفطار الطويلة، كان هناك واحد… إثنان… ستة… عشرة… إثنا عشر… أربعة عشر… خمس عشر فردًا حول المائدة و أربع مقاعد أخرى شاغرة.
“إري… إن قال أحدهم ‘صباح الخير’ لكِ يجب عليكِ الرَّد ب’صباح النور’. ”
“وأنتِ ما اسمك؟” سألتُ
كان ذلك قادمًا من جهتي الأخرى، صوتٌ طفوليٌّ ناعم يريد لعب دور الشخص الكبير النَّاصح. لقد كان صوت طفلة. فركتُ عيناي واستدرت لأواجه صاحبة الصوت فإذا بي أشاهد نسخةً أخرى من إري. ليسَا توائمًا لكنهما يتشابهان لحدٍّ كبير. يتشاركان نفس الأذنان الناعمتان بفروٍ ناصع النقاء، وأعين زرقاء لامعة، لكن الفتاة الأخرى كانت تملك شعرًا أشقر مثل أذنيها مربوطًا من الخلف كذيل حصان.
“سأجهِّز الشاي!” قالت العجوز سيرا وهي مغادرة
“وأنتِ ما اسمك؟” سألتُ
“يعني؟…” قلت
“هاه أنا لا أُكلِّم الغرباء. قالت ماما ذلك!” أجابت بقوة
حملَت ميدميل بعد ذلك إري الصغيرة كذلك. الطفلتان يبدوان في نفس العمر، قرابة الثلاث سنوات، لغتهما ليست صحيحةً بعدُ بما يكفي كما لغتي، لكنها كافية. يرتديان ملابس بهيَّة الألوان كما التوائم. لكن إحداهما كانت فتاةً مشعة صاخبة، والأخرى كانت هادئة صامتة.
“لكن… أليس هذا ماتفعلين الآن؟” سألتُ بهدوء
وصلتُ أمام كوخ الأم الشريفة، طرقتُ الباب وانتظرت قليلًا.
“سيكون ذلك آخر ردٍّ تتلقاه مني!” أجابت بقوة
“بخصوص ذلك… قبل الوصول إليك وجدتُ هذا في الغابة، وأردت سؤالك إن كان يعنيك بأيِّ شيئ…” قالت
“ماذا عن هذا إذًا؟ أ لم يكن يفترض أن تمتنعي عن الجواب؟” سألتُ
“ماذا عن السيِّدة فانيسا؟!” سألت
“هذا ما سأفعله الآن!” قالت بقوة
بذلك، رحبت بي العجوز للداخل.
“لقد أجبتِ مجددًا…” قلت
لقد أخرجت فانيسا من جيبها قلادة داخلها جوهرة جميلة شفَّافة، لكنها ليست شفَّافة بعد الآن، لقد كانت ملطَّخة بالدماء. بالنظر إليها أعرف جيدًا لمن تعود. إنها القلادة التي دائِمًا ما يرتديها رايندار فوق معطفه. إنها تخُصُّه.
“حسنًا ما باليد حيلة، يبدو أنني لطيفة لدرجة أن أجيب الغرباء كذلك!” قالَت بقوة
لقد عادت العجوز سيرا للغرفة، لقد رأتني أحتضر فجاءت مُسرِعةً نحوي. فانيسا كذلك مسكتني وحاولت تهدأتي لكن بلا فائدة… هذا الألم يخترق قلبي… لا أستطيع التنفس ولا الرؤية بوضوح حتى…
“أ لم تُخبرك والدتكِ أن تمتنعي عن ذلك…؟” قلت بسخرية
“لكن… أليس هذا ماتفعلين الآن؟” سألتُ بهدوء
“إنه خطأ ماما إذًا! لأنها ليست ثابتةً على موقفٍ واحد. لقد قالت أنه لا يجوز ترك الناس دون جواب لكلامهم.” قالَت بقوة
“إليان…” همسَت إري بهدوء
“إنه خطأ أمك إذًا…” قلت بسخرية
“أظن أنهم ماتوا بالفعل. في نهاية الأمر لقد واجهوا عشرات الإلف الجليديين، نجاتهم ستكون ضربًا من المُحال مهما كانت قوَّتهم… آسِفة لذلك، لكن هل تُفكِّر بالإقامة معنا هنا في القرية؟ أشُكُّ أن مقاتلًا مثلك سيقبل ذلك ويرضى بالبقاء في قرية مسالمة كهذه، لكن ارتأيتُ عرض ذلك عليك… خصوصًا في الفترة الحالية.” قالت
هذه الفتاة قوية بشكلٍ غريب…
‘مهلًا مهلًا… عقلي لا يستوعب كل هذه المعلومات المتتالية… الإقامة في هذه القرية؟ مهلًا هل قالت قبل ذلك رفاقي؟ هل تقصد رايندار وليارا؟ هل توفَّيَا بالفعل؟ ما قصدها بذلك؟’
بعد دردشتنا القصيرة هذه، دخلت ميدميل الغرفة.
“لقد رفضتي للتَّو، ثم ألقيتي ذلك ببساطة…” قلت
“أنتما… لقد أخبرتكما بعدم دخول هذه الغرفة كي لا توقظوا ضيفنا!” قالت بحزم
‘لا أستطيع البقاء هنا طويلًا… لديَّ رايندار وليارا، عليَّ العودة لهم وطمأنتهم على نفسي… ‘
“لكن ماما، إنها إري… لقد دخلَت الغرفة وأتيت لإخراجها.” قالَت
“وأنتِ ما اسمك؟” سألتُ
“وبدل أن تُخرِجَها قامت نينا بإجراء دردشة صباحية قصيرة مع ضيفنا.” قالَت ميدميل
حملت ميدميل نينا الصغيرة من الأرض وقامت بتقبيلها بضع قبلات عشوائية في رأسها ووجهها تُظهر الهيام والحنان.
“لقد أخبرتكِ… الأمر ليس هكذا…” قالَت نينا بحزن
“فهمت… سعيدة لسماع ذلك!” قالت
حملت ميدميل نينا الصغيرة من الأرض وقامت بتقبيلها بضع قبلات عشوائية في رأسها ووجهها تُظهر الهيام والحنان.
يُتبع…
“حسنًا حسنًا، أنا أصدِّقكِ!” قالت ميدميل
لقد كان هناك إثنا عشر طفلًا بين ذكور وإناث بالإضافة لسولدات وفرانكي ومارلا الذين كانوا يرحبون بي… بالإضافة لميدميل وإري ونينا الصغيرتان. لقد كانت عائلةً كبيرة بحق.
حملَت ميدميل بعد ذلك إري الصغيرة كذلك. الطفلتان يبدوان في نفس العمر، قرابة الثلاث سنوات، لغتهما ليست صحيحةً بعدُ بما يكفي كما لغتي، لكنها كافية. يرتديان ملابس بهيَّة الألوان كما التوائم. لكن إحداهما كانت فتاةً مشعة صاخبة، والأخرى كانت هادئة صامتة.
فتَحَت الباب لتجدني أمامها ألقي التحيَّة.
“صباح الخير سيد إليان! هل نلتَ كفايتك من النوم؟” سألَت ميدميل
استيقظت، فجلست وجسدي يقشعرُّ بردًا…
“إليان…” همسَت إري بهدوء
“…”
“يبدو أن إري الصغيرة مهتمة بك لأنك لا تملك أذُنان فوق رأسك مثل الجميع.” قالت ميدميل
“بالمناسبة أيُّها العجوز سيرا… كم عُمرك!؟” سألتُ
“أُخبرها دائمًا أن تتوقف عن مراقبة الغرباء لكنها لا تستمع إليّ… آاااه أنا لا أحتمِل الأطفال الذين لا يسمعون الكلام!” قالَت نينا
“سِتُّون!”
“أنتِ طفلةٌ بنفس عمرها كذلك نينا!…” قالَت ميدميل
“أنتما… لقد أخبرتكما بعدم دخول هذه الغرفة كي لا توقظوا ضيفنا!” قالت بحزم
“بناتُك؟” سألتُ
‘لماذا هي تعتذرُ منِّي مجددًا؟’
“نينا المُشاغبة هنا فتاتي، بينما إري الصغيرة هي بنت مارلا، لكننا نربي الجميع كإخوة في هذا المنزل، نحن عائلة واحدة!” قالت
“حسنًا هذه القلادة كانت تحتوي القليل من المانا الخاصَّة بصاحبها، علمتُ فور أن وجدتك أنها لا تعود لك لأن المانا خاصَّتك مختلفة عنها، لذلك ارتأيتُ سؤالك عنها.” قالت
‘عائلة…’
لم تكن قطة بالمعنى الحرفيِّ، لقد كانت نصف بشريَّةٍ طفلة، نصف قطة صغيرة. لا أدري إن كنت سأطلق على من أيقظني بهذه الطريقة لطيفًا أم مزعجًا لكنها كانت كذلك. لقد كانت فتاةً صغيرة بشعرٍ أسودَ قصير ينسدل قليلًا على كتفيها، أعين زرقاء لامعة، وأذنين ناعمتين متدليتين ينسدلان على وجهي.
“على أيٍّ، الفُطور جاهز. لقد كان سولدات وفرانكي ينتظرانك لوجبة الإفطار.” قالت مبتسمة برزانة
“إنه خطأ أمك إذًا…” قلت بسخرية
وبذلك، ارتديتُ معطفي وخرجنا جميعًا من الغرفة نحو مائدة الإفطار. و طبعًا تركتُ سيفي في الغرفة بعيدًا عن متناول الأطفال.
“حسنًا ما باليد حيلة، يبدو أنني لطيفة لدرجة أن أجيب الغرباء كذلك!” قالَت بقوة
عند وقوفي أمام مائدة الإفطار الطويلة، كان هناك واحد… إثنان… ستة… عشرة… إثنا عشر… أربعة عشر… خمس عشر فردًا حول المائدة و أربع مقاعد أخرى شاغرة.
‘لا تنظروا إليَّ، لقد صُدمت بدورِي…’
لقد كان هناك إثنا عشر طفلًا بين ذكور وإناث بالإضافة لسولدات وفرانكي ومارلا الذين كانوا يرحبون بي… بالإضافة لميدميل وإري ونينا الصغيرتان. لقد كانت عائلةً كبيرة بحق.
“أربعٌ وسبعون…”
جلستُ بين طفلين كبيرين قليلًا… جسديًّا لا عقليَّا. فقد كانا صاخبين أضعاف نينا قبل قليل. لقد كانا في حوالي العاشرة من العمر لكنهما سرعان ما شنَّا حرب طعامٍ بالبازلَّاء. لقد كان المظهر بجانبي كساحة حربٍ بين قوتين، وأنا السور الفاصل بينهما. لقد كانا يُدعيان لانغ و هيو. كان الضجيج يعم المكان. جوٌّ حيويٌّ ينبض بالحياة بامتياز. هيو و لانغ يقومان بحرب طعام، إري لا تريد تناول الخضروات بينما نينا تغصب نفسها على أكلهم كي تظهر أكثر رشدًا. الأطفال الآخرون يتكلمون مع بعض، البعض يتسلق ظهري والآخر ينتف شعري. فرانكي يتناول وجبته بهناء وابتسامة أمام زوجته المتوتِّرة مارلا، بينما كانت ميدميل تأكل برزانة، وسولدات لا يكفُّ عن توبيخ الأطفال وهو يصرخ عاليًا آمرًا إياهم بالأكل في صمتٍ بينما لا يسمعون كلامه.
لقد أخرجت فانيسا من جيبها قلادة داخلها جوهرة جميلة شفَّافة، لكنها ليست شفَّافة بعد الآن، لقد كانت ملطَّخة بالدماء. بالنظر إليها أعرف جيدًا لمن تعود. إنها القلادة التي دائِمًا ما يرتديها رايندار فوق معطفه. إنها تخُصُّه.
كانت هذه هي أجواء المنزل في ساعة الإفطار باختصار. بعد ذلك حملت سيفي وغادرت للقاء القائدة إن أفاقت من نومها، ومعها العجوز سيرا. بينما اتَّجه كلٌّ من فرانكي و سولدات لوظيفتهما. اتَّضح أن التَّنصت على الغرباء ليس وظيفتهما بل هما عاملَان في غابة مجاورة يقطعان الشجر ويجهِّزان الحطب. بينما بقيت ميدميل ومارلا في البيت يقومان بالأعمال المنزلية. الأطفال يبقون في البيت أو يغادرون سواءً للَّعب خارجًا أو للعمل بالنسبة للأطفال الأكبرِ سنًّا.
‘لا أستطيع البقاء هنا طويلًا… لديَّ رايندار وليارا، عليَّ العودة لهم وطمأنتهم على نفسي… ‘
إتَّضح أن عمر إري ونينا هو ستة أشهر فقط، بينما عمر لانغ و هيو الأكبر بين الإخوة هو ثلاث سنوات. لقد كانت صدمتي حين سماع ذلك أثناء الفطور ظاهرةً من التوقُّف عن الأكل بينما كان هيو، من أضاع طبقه أثناء حرب الطعام يسرقُ من طبقي. لقد تراوح أعمار بقية الأطفال بين ستة أشهر وثلاث سنوات. بعد السنة الرابعة يبلُغ أطفال أنصاف البشر ويغادرون المنزل، ويعيشون حياتهم في مظهرٍ شبابيٍّ طويل حتى بدايات سبعيناتهم تقريبًا، بينما تستمر فترة شيخوختهم منذ تلك الفترة حتى لفظ آخر أنفاسهم. يبدو أنهم مضطهدون في العالم الخارجي لمثل هذا السبب، كما أنهم في أسواء الأحوال يُصبحون عبيدًا لدى البشر كخيار جيِّد بسبب شبابهم الطويل. يبدو أن فانيسا تحميهم في فترتها كقائدة من كل خطر ما يجعلهم يزيدون تبجليها في أوساطهم. ما جعلني أتساءل عن عمر فانيسا وكذا العجوز سيرا… لقد أخبرني سولدات وفرانكي أن عمرهما ثلاثون سنة، بينما ميدميل في أواخر عشريناتها، و مارلا في العاشرة من عمرها.
“لا، أ لم يكن الأجدر أن تعتذر عن تطفُّلك وسؤالك بشأن عمر إمرأةٍ شابَّة؟” قالت فانيسا
‘لا تنظروا إليَّ، لقد صُدمت بدورِي…’
“أنا قادمة…” قالت العجوز سيرا
وصلتُ أمام كوخ الأم الشريفة، طرقتُ الباب وانتظرت قليلًا.
حملت ميدميل نينا الصغيرة من الأرض وقامت بتقبيلها بضع قبلات عشوائية في رأسها ووجهها تُظهر الهيام والحنان.
“أنا قادمة…” قالت العجوز سيرا
سأفقد وعيي…
فتَحَت الباب لتجدني أمامها ألقي التحيَّة.
عند سماع كلماتها، شعرت بعقلي يذوب إثر ضغط هذه الكلمات، كنت أشعر بدماغي المخفوق في رأسي… لقد كان جبيني يتعرَّق بشدَّة وسرعان ما لم أستطع مجاراة مايجري حولي، كما لو أنني أشعر بحواسي جميعها، لكن عقلي غير قادر على معالجة كمِّ المعلومات الجديدة. لقد كنتُ أشعر كمن يحدِّق في الفراغ، كما لو أن عيناي ترى دون استيعاب وأذناي تسمع كما لو أنني غارقٌ في ظلمات البحار. لقد كان هذا النوع من الأحاسيس، برودةٌ شديدة في كِلا ركبتاي حتى خارت قواهما، يداي كذلك يرتعِدان، وجسدي أصابته حرارة باردة شلَّت لساني عن الكلام لفترة… قلبي… لقد عادت نوبتي القلبية من جديد.
“أوه إنه أنت إذًا إليان!” قالت
“على أيٍّ، لقد جئتَ في وقتك… كنتُ أريد نقاشك عن إقامتك في القرية بصفتي قائدةً لها!” قالت
“صباح الخير!”
“إنه خطأ أمك إذًا…” قلت بسخرية
“تفضَّل أيُّها السيِّد الشاب!”
‘لا تنظروا إليَّ، لقد صُدمت بدورِي…’
بذلك، رحبت بي العجوز للداخل.
“على أيٍّ، لقد جئتَ في وقتك… كنتُ أريد نقاشك عن إقامتك في القرية بصفتي قائدةً لها!” قالت
“بالمناسبة أيُّها العجوز سيرا… كم عُمرك!؟” سألتُ
فتَحَت الباب لتجدني أمامها ألقي التحيَّة.
“لِعلمِك، هذا سؤال سيئ تطرحه لامرأة!”
“على أيٍّ، الفُطور جاهز. لقد كان سولدات وفرانكي ينتظرانك لوجبة الإفطار.” قالت مبتسمة برزانة
“أعتذر بشأن ذلك…”
مسكتُ صدري قرب القلب المؤلم بشدة، شددتُ بقوة وأنا ألهث متألِّمًا متعبًا. إنه يؤلم، إنه يؤلم لدرجة كبيرة… كما لو ان قلبي يُعتصر… كمل لو أنني على وشك الانفجار من داخلي لقد كان الألم يبلغ أشُدَّه.
“أربعٌ وسبعون…”
“بخصوص ذلك… قبل الوصول إليك وجدتُ هذا في الغابة، وأردت سؤالك إن كان يعنيك بأيِّ شيئ…” قالت
“لقد رفضتي للتَّو، ثم ألقيتي ذلك ببساطة…” قلت
“إنَّها لرفيقٍ لي… لقد كنا نصيدُ دببةً معًا قبل هجوم الإلف علينا…” قلت بقلق
“لقد كنتُ أمازحك فقط، أنا تجاوزت العمر الذي يسمح لي بالخجل من هذا السؤال…” قالت
وبذلك، ارتديتُ معطفي وخرجنا جميعًا من الغرفة نحو مائدة الإفطار. و طبعًا تركتُ سيفي في الغرفة بعيدًا عن متناول الأطفال.
‘أنا حقا لن أفهم مزاح العجائز يومًا…’
“حسنًا ما باليد حيلة، يبدو أنني لطيفة لدرجة أن أجيب الغرباء كذلك!” قالَت بقوة
“ماذا عن السيِّدة فانيسا؟!” سألت
لم تكن قطة بالمعنى الحرفيِّ، لقد كانت نصف بشريَّةٍ طفلة، نصف قطة صغيرة. لا أدري إن كنت سأطلق على من أيقظني بهذه الطريقة لطيفًا أم مزعجًا لكنها كانت كذلك. لقد كانت فتاةً صغيرة بشعرٍ أسودَ قصير ينسدل قليلًا على كتفيها، أعين زرقاء لامعة، وأذنين ناعمتين متدليتين ينسدلان على وجهي.
“سِتُّون!”
“على أيٍّ، لقد جئتَ في وقتك… كنتُ أريد نقاشك عن إقامتك في القرية بصفتي قائدةً لها!” قالت
لقد أفزعني ذلك… لم يكن ذلك صوت العجوز سيرا، لقد كانت تلك فانيسا… إنه صوتها، هي من قالت ذلك للتو. لقد كانت تُدرِّب جسمها وهي ترتدي ملابس خفيفة للتمرين.
كان هذا ما أخبرت فانيسا به، مجرَّد سردٍ للحقائق، رفعت فانيسا رأسها فور سماعه.
“أعتذر عن اقتحامي!” قلت معتذرًا
‘لماذا هي تعتذرُ منِّي مجددًا؟’
“لا، أ لم يكن الأجدر أن تعتذر عن تطفُّلك وسؤالك بشأن عمر إمرأةٍ شابَّة؟” قالت فانيسا
“بخصوص ذلك… قبل الوصول إليك وجدتُ هذا في الغابة، وأردت سؤالك إن كان يعنيك بأيِّ شيئ…” قالت
“مُحقَّة…” قلت
وبذلك، ارتديتُ معطفي وخرجنا جميعًا من الغرفة نحو مائدة الإفطار. و طبعًا تركتُ سيفي في الغرفة بعيدًا عن متناول الأطفال.
“على أيٍّ، لقد جئتَ في وقتك… كنتُ أريد نقاشك عن إقامتك في القرية بصفتي قائدةً لها!” قالت
سأفقد وعيي…
“سأجهِّز الشاي!” قالت العجوز سيرا وهي مغادرة
‘لماذا هي تعتذرُ منِّي مجددًا؟’
“بدايةً، اسمح لي أن أعتذر منك عن سوء المعاملة التي تلقَّيتها من أهل القرية بصفتك غريبًا. لقد أخبرتني الجدَّة بذلك!” قالت فانيسا
‘لماذا هي تعتذرُ منِّي مجددًا؟’
أخفَضَت رأسها كنوعٍ من الإعتذار.
لقد أفزعني ذلك… لم يكن ذلك صوت العجوز سيرا، لقد كانت تلك فانيسا… إنه صوتها، هي من قالت ذلك للتو. لقد كانت تُدرِّب جسمها وهي ترتدي ملابس خفيفة للتمرين.
“لا أرى أنني بحاجة إعتذار منكِ لأكون صريحًا، فقد تغيَّرت تلك النظرة سريعًا، والتقيتُ أناسًا طيِّبين سمحوا لي بالإقامة عندهم كما عاملوني بأشد أنواع الضيافة. غير أنك أنتِ منقذتي، فارفعي رأسكِ رجاءً!” قلت
“أُخبرها دائمًا أن تتوقف عن مراقبة الغرباء لكنها لا تستمع إليّ… آاااه أنا لا أحتمِل الأطفال الذين لا يسمعون الكلام!” قالَت نينا
كان هذا ما أخبرت فانيسا به، مجرَّد سردٍ للحقائق، رفعت فانيسا رأسها فور سماعه.
حملَت ميدميل بعد ذلك إري الصغيرة كذلك. الطفلتان يبدوان في نفس العمر، قرابة الثلاث سنوات، لغتهما ليست صحيحةً بعدُ بما يكفي كما لغتي، لكنها كافية. يرتديان ملابس بهيَّة الألوان كما التوائم. لكن إحداهما كانت فتاةً مشعة صاخبة، والأخرى كانت هادئة صامتة.
“فهمت… سعيدة لسماع ذلك!” قالت
إتَّضح أن عمر إري ونينا هو ستة أشهر فقط، بينما عمر لانغ و هيو الأكبر بين الإخوة هو ثلاث سنوات. لقد كانت صدمتي حين سماع ذلك أثناء الفطور ظاهرةً من التوقُّف عن الأكل بينما كان هيو، من أضاع طبقه أثناء حرب الطعام يسرقُ من طبقي. لقد تراوح أعمار بقية الأطفال بين ستة أشهر وثلاث سنوات. بعد السنة الرابعة يبلُغ أطفال أنصاف البشر ويغادرون المنزل، ويعيشون حياتهم في مظهرٍ شبابيٍّ طويل حتى بدايات سبعيناتهم تقريبًا، بينما تستمر فترة شيخوختهم منذ تلك الفترة حتى لفظ آخر أنفاسهم. يبدو أنهم مضطهدون في العالم الخارجي لمثل هذا السبب، كما أنهم في أسواء الأحوال يُصبحون عبيدًا لدى البشر كخيار جيِّد بسبب شبابهم الطويل. يبدو أن فانيسا تحميهم في فترتها كقائدة من كل خطر ما يجعلهم يزيدون تبجليها في أوساطهم. ما جعلني أتساءل عن عمر فانيسا وكذا العجوز سيرا… لقد أخبرني سولدات وفرانكي أن عمرهما ثلاثون سنة، بينما ميدميل في أواخر عشريناتها، و مارلا في العاشرة من عمرها.
“…”
“أنتِ طفلةٌ بنفس عمرها كذلك نينا!…” قالَت ميدميل
“حسنًا إذًا… أريد أن أنتقل سريعًا للموضوع المهم الذي كنتُ أريد التكلُّم معك بشأنه” قالت
“سيكون ذلك آخر ردٍّ تتلقاه مني!” أجابت بقوة
“حسنًا…” قلت
“أُخبرها دائمًا أن تتوقف عن مراقبة الغرباء لكنها لا تستمع إليّ… آاااه أنا لا أحتمِل الأطفال الذين لا يسمعون الكلام!” قالَت نينا
“لقد استيقظ إلف الجليد من سُباتهم الطويل… الخارج إذًا سيكون خطيرًا في الوقت الحالي. أريد إيصالك لمنزلك بأمان لكنني لستُ في أحسن حالاتي حاليًّا، فقد ينتهي الحال بنا ميِّتين، القرية لا يوجد بها مقاتلون لذلك لا أستطيع السماح لأحدٍ بالخروج. سأطلُب منك المكوث هنا لوقتٍ أطول.” قالت
“إري… إن قال أحدهم ‘صباح الخير’ لكِ يجب عليكِ الرَّد ب’صباح النور’. ”
‘لا أستطيع البقاء هنا طويلًا… لديَّ رايندار وليارا، عليَّ العودة لهم وطمأنتهم على نفسي… ‘
“سأجهِّز الشاي!” قالت العجوز سيرا وهي مغادرة
“آسف، لكنني لا أستطيع البقاء لفترة طويلة مع ذلك. لديَّ أصدقاء كنت برفقتهم وقت هجوم الإلف علينا وتمَّت تفرقتنا. سأحتاج العودة إليهم سريعًا لطمأنتهم على نفسي.” قلت
“أربعٌ وسبعون…”
“بخصوص ذلك… قبل الوصول إليك وجدتُ هذا في الغابة، وأردت سؤالك إن كان يعنيك بأيِّ شيئ…” قالت
“بالمناسبة أيُّها العجوز سيرا… كم عُمرك!؟” سألتُ
لقد أخرجت فانيسا من جيبها قلادة داخلها جوهرة جميلة شفَّافة، لكنها ليست شفَّافة بعد الآن، لقد كانت ملطَّخة بالدماء. بالنظر إليها أعرف جيدًا لمن تعود. إنها القلادة التي دائِمًا ما يرتديها رايندار فوق معطفه. إنها تخُصُّه.
وبذلك، ارتديتُ معطفي وخرجنا جميعًا من الغرفة نحو مائدة الإفطار. و طبعًا تركتُ سيفي في الغرفة بعيدًا عن متناول الأطفال.
“إنَّها لرفيقٍ لي… لقد كنا نصيدُ دببةً معًا قبل هجوم الإلف علينا…” قلت بقلق
“ما قصدُك؟” سألت بقلق
“حسنًا… هذا مؤسفٌ بحقّ، لكنه شائع الحدوث بين المغامرين والصيَّادين. آسفة لذلك!” قالت
“هاه أنا لا أُكلِّم الغرباء. قالت ماما ذلك!” أجابت بقوة
‘لماذا هي تعتذرُ منِّي مجددًا؟’
لقد كان هناك إثنا عشر طفلًا بين ذكور وإناث بالإضافة لسولدات وفرانكي ومارلا الذين كانوا يرحبون بي… بالإضافة لميدميل وإري ونينا الصغيرتان. لقد كانت عائلةً كبيرة بحق.
“ما قصدُك؟” سألت بقلق
“بالنسبة لصديقك صاحب هذه القلادة، لا أستطيع استشعار المانا خاصَّته بعد الآن…” أكملَت
“حسنًا هذه القلادة كانت تحتوي القليل من المانا الخاصَّة بصاحبها، علمتُ فور أن وجدتك أنها لا تعود لك لأن المانا خاصَّتك مختلفة عنها، لذلك ارتأيتُ سؤالك عنها.” قالت
“حسنًا حسنًا، أنا أصدِّقكِ!” قالت ميدميل
“…”
“بالمناسبة أيُّها العجوز سيرا… كم عُمرك!؟” سألتُ
“المانا تُشبه المخلَّفات على أجسادنا، لا يستطيع غير الساحر في التحكم بدرجة انبعاثها منه أو التحكم في قوتها، بعكِسنا نحن السحرة… كمِثال، عندما أكون خارِج القرية أبعثُ هالةً كاسحةً من المانا خاصتي، بذلك تبتعد كائنات الغابة عن طريقي خائفةً، وذلك يساعدني كي لا أستنزف مانا غير ضرورية…”
‘لا أستطيع البقاء هنا طويلًا… لديَّ رايندار وليارا، عليَّ العودة لهم وطمأنتهم على نفسي… ‘
“هالة الساحر تختلف حسَب الخيط الذي يستمد بركته، و رُتبة إدراكه له، وكمية المانا خاصته… لذلك هي تبتعد لا شعوريًا.”
“سِتُّون!”
“…”
“أعتذر عن اقتحامي!” قلت معتذرًا
“بالنسبة لصديقك صاحب هذه القلادة، لا أستطيع استشعار المانا خاصَّته بعد الآن…” أكملَت
“سيكون ذلك آخر ردٍّ تتلقاه مني!” أجابت بقوة
“يعني؟…” قلت
“حسنًا إذًا… أريد أن أنتقل سريعًا للموضوع المهم الذي كنتُ أريد التكلُّم معك بشأنه” قالت
“أظن أنهم ماتوا بالفعل. في نهاية الأمر لقد واجهوا عشرات الإلف الجليديين، نجاتهم ستكون ضربًا من المُحال مهما كانت قوَّتهم… آسِفة لذلك، لكن هل تُفكِّر بالإقامة معنا هنا في القرية؟ أشُكُّ أن مقاتلًا مثلك سيقبل ذلك ويرضى بالبقاء في قرية مسالمة كهذه، لكن ارتأيتُ عرض ذلك عليك… خصوصًا في الفترة الحالية.” قالت
“وأنتِ ما اسمك؟” سألتُ
‘مهلًا مهلًا… عقلي لا يستوعب كل هذه المعلومات المتتالية… الإقامة في هذه القرية؟ مهلًا هل قالت قبل ذلك رفاقي؟ هل تقصد رايندار وليارا؟ هل توفَّيَا بالفعل؟ ما قصدها بذلك؟’
“بالنسبة لصديقك صاحب هذه القلادة، لا أستطيع استشعار المانا خاصَّته بعد الآن…” أكملَت
عند سماع كلماتها، شعرت بعقلي يذوب إثر ضغط هذه الكلمات، كنت أشعر بدماغي المخفوق في رأسي… لقد كان جبيني يتعرَّق بشدَّة وسرعان ما لم أستطع مجاراة مايجري حولي، كما لو أنني أشعر بحواسي جميعها، لكن عقلي غير قادر على معالجة كمِّ المعلومات الجديدة. لقد كنتُ أشعر كمن يحدِّق في الفراغ، كما لو أن عيناي ترى دون استيعاب وأذناي تسمع كما لو أنني غارقٌ في ظلمات البحار. لقد كان هذا النوع من الأحاسيس، برودةٌ شديدة في كِلا ركبتاي حتى خارت قواهما، يداي كذلك يرتعِدان، وجسدي أصابته حرارة باردة شلَّت لساني عن الكلام لفترة… قلبي… لقد عادت نوبتي القلبية من جديد.
أخفَضَت رأسها كنوعٍ من الإعتذار.
مسكتُ صدري قرب القلب المؤلم بشدة، شددتُ بقوة وأنا ألهث متألِّمًا متعبًا. إنه يؤلم، إنه يؤلم لدرجة كبيرة… كما لو ان قلبي يُعتصر… كمل لو أنني على وشك الانفجار من داخلي لقد كان الألم يبلغ أشُدَّه.
استيقظت، فجلست وجسدي يقشعرُّ بردًا…
وقفت فانيسا… إنها تقول شيئًا…
“بالمناسبة أيُّها العجوز سيرا… كم عُمرك!؟” سألتُ
“إليان… إليان؟!” صرَخَت
وقفت فانيسا… إنها تقول شيئًا…
‘بالكاد أسمعها رغم صراخها باسمي… هذا الألم لا يُطاق، هل هذه نهايتي بالفِعل… أريد أن أطمئن على حياة كلٍّ من رايندار وليارا قبل ذلك على الأقل…’
حملت ميدميل نينا الصغيرة من الأرض وقامت بتقبيلها بضع قبلات عشوائية في رأسها ووجهها تُظهر الهيام والحنان.
لقد عادت العجوز سيرا للغرفة، لقد رأتني أحتضر فجاءت مُسرِعةً نحوي. فانيسا كذلك مسكتني وحاولت تهدأتي لكن بلا فائدة… هذا الألم يخترق قلبي… لا أستطيع التنفس ولا الرؤية بوضوح حتى…
“فهمت… سعيدة لسماع ذلك!” قالت
سأفقد وعيي…
“حسنًا حسنًا، أنا أصدِّقكِ!” قالت ميدميل
يُتبع…
“إري… إن قال أحدهم ‘صباح الخير’ لكِ يجب عليكِ الرَّد ب’صباح النور’. ”
“إنه خطأ ماما إذًا! لأنها ليست ثابتةً على موقفٍ واحد. لقد قالت أنه لا يجوز ترك الناس دون جواب لكلامهم.” قالَت بقوة
