تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل219

الفصل الثاني: القطة المستعارة

المشاهدات نشر في تاريخ أكتوبر 31, 2026
nero99
ترجمة ورفع الفصل nero99
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل الثاني: القطة المستعارة

وبهذا، أنهيتُ مهمة أخرى بسلاسة تامة.

تمثل هدفي في إنقاذ الصيادة «فام هايندورا» من موت محقق في أعماق تلك الغابة. بدت المهمة بسيطة للغاية حين سمعت تفاصيلها لأول مرة: استخدام سحر إزالة السموم لإنقاذ ابن زعيم القرية، وقتل ذلك التنين الشرير (أو السحلية، على ما أظن) القابع في قلب الغابة. وهل يوجد ما هو أسهل من ذلك؟

للأسف، ما إن وصلت حتى علمت أن فام انطلقت بالفعل نحو الغابة. تملكني الذعر فاندفعت في أثر الفتاة بأقصى سرعتي، لكنني وجدتها على شفا الموت لحظة وصولي. نجت بأعجوبة في اللحظة الأخيرة. تصببت عرقاً طوال فترة غيابها عن الوعي، وظللت أتمتم بتعاويذ الشفاء بصوت خافت بينما أحملها على ظهري.

لم تكن فام وحدها هناك أيضاً؛ بل رافقتها صديقتها الصيدلانية «آنجي»، وقد فاقت هذه الفتاة توقعاتي خطورةً؛ إذ تمتعت بجاذبية طاغية وجمال فاتن. لولا أنني تمالكت نفسي جيداً، لربما ضعفت أمامها في تلك اللحظة ونلت منها ما أريد. ولحسن الحظ، نجوت من الهلاك غوايةً بفضل النسخة المقدسة من معبودتي. في العادة، لا ينبغي ممارسة مثل هذه الطقوس المقدسة أمام أعين الغرباء، لكنني لم أملك خياراً آخر؛ تعين عليّ استجماع شتات نفسي وإقناع المرأة بالكف عن إغوائي.

«فيووو.»

والآن بعد أن انقضى كل ذلك، حان وقت الإسراع إلى الديار، والربت على رؤوس أطفالي، والاستمتاع بعشاء الأرز الشهي الذي تعده آيشا، ثم الانغماس في بعض الملذات الجسدية مع إحدى زوجاتي. هذا هو جوهر وجودي في الحياة، ويمكن القول إنه دافعي الوحيد للخروج حياً من كل مهمة.

وصلت إلى المنزل غارقاً في تلك الأفكار. وما إن اقتربت من المدخل الأمامي حتى فتح لي «بايت» الباب، متسلقاً إطار المدخل كنبتة مجد الصباح. متى تحول إلى بواب آلي لمنزلنا؟ لا يهم، فالأمر مريح على أي حال.

لاحظت خلو بيت «ديلو»، حيوان المدرع الخاص بنا، مما يعني أن روكسي لا تزال في العمل. جلست زينيث شاردة الذهن في الحديقة بينما تنشر ليليا الغسيل، فلوحت لهما بيدي. حنت ليليا رأسها تحيةً لي، فدلفت إلى داخل المنزل.

«لقد عدت!»

«أوه، هذا صوت أخي الأكبر! أهلاً بعودتك، أهلاً بعودتك! للأسف، أختك الصغيرة مشغولة قليلاً في الوقت الحالي، لكنني أرحب بعودتك!» صدح صوت آيشا من القبو.

«أجل، أسمعكِ!» ترى ماذا تفعل بالأسفل؟ لعلها تفرز السماد؟

«أهلاً بعودتك يا رودي.» قالت سيلفي وهي تهرع خارجة من غرفة المعيشة، تتبعها لوسي عن كثب كفرخ بط صغير.

«سعيد بعودتي يا سيلفي. أنا منهك تماماً.»

«احرص على نيل قسط من الراحة بعد هذا إذن.» نزعت سيلفي ردائي بلطف، ونفضت عنه الغبار قبل تعليقه. كنت قد خلعت الدرع السحري الذي أرتديه تحته وتركته في المكتب سلفاً.

وقفت أمام المرآة الكبيرة قرب المدخل، فطالعني انعكاس رجل عادي يمكنك مصادفته في أي بقعة من العالم؛ غير أنني بدوت اليوم تحديداً مرهقاً للغاية، كموظف كادح أنهكه العمل المتواصل.

«بابا! أهلاً بعودتك!»

وبينما أتأمل انعكاسي في المرآة، تقدمت لوسي ورحبت بي. تملك شعراً بنياً فاتحاً وملامح رزينة يعلوها الوقار. لم تتجاوز الثالثة من عمرها، لكنها تبدو كصبي إلف صغير فائق الجمال. صحيح أن أذنيها أقصر من أذني سيلفي، لكنها في ما عدا ذلك تشبه والدتها تماماً في مثل سنها. وها هي تقف بهدوء أمامي، مرحبةً بعودتي إلى الديار.

آاااه! هل سمعتم ذلك؟! «بابا! أهلاً بعودتك!» آاااه!

«هذا صحيح! لقد عدت يا لوسي!» مددت يدي لحملها وقد فاضت مشاعري، لكن لوسي تراجعت فوراً خلف سيلفي واختبأت عن ناظري، ثم أخذت تختلس النظر إليّ بحذر بعد أن صارت بمأمن عن متناول يدي.

أصابتني الصدمة كلكمة في معدتي. أوه لا، وماذا الآن؟ أظن أنني سأبكي فعلاً.

«هاي، لوسي!» وبختها سيلفي.

«لاااا!»

أمسكت سيلفي بابنتها وقدمتها نحوي، فلم أضيع لحظة في احتضانها. خفيفة للغاية ودافئة، وكذلك حال سيلفي؛ فدرجة حرارة جسديهما أعلى بكثير من حرارتي. لعل السبب قلة الدهون في أجسامهم؟ أم أنها سمة خاصة بعرقهم؟ حسناً، أياً يكن السبب…

لوسي الصغيرة! هااه هااه… الكثير من القبلات وفرك الخدود، أوه نعم يا صغيرتي! مواهاها!

«لاااا! شوك!» تذمرت لوسي بينما أمطرتها بوابل من القبلات.

حين فكرت في الأمر، تذكرت أنني لم أحلق ذقني قط طوال فترة المهمة. وسواء أكان السبب شعيرات ذقني أم لا، فطالما أن الأمر يزعجها، من الأفضل التوقف فوراً. لا يصح إجبارها على شيء دون رضاها، ولا أريدها أن تكرهني. أنزلتها على الأرض، فهرولت نحو غرفة الطعام هرباً مني.

هل تكرهني إلى هذا الحد حقاً؟ تدلت كتفاي بإحباط.

«أوه، حقاً يا لوسي…» تذمرت سيلفي واضعة يديها على خصرها وهي تتنهد.

على الأقل باتت لوسي أكثر ألفة معي مقارنة بالسابق؛ فهي تناديني «بابا» ولم تعد ترمقني وكأنها تجهل من أكون. لا تزال هناك مسافة تفصل بيننا بالتأكيد، لكن… لا حيلة لي في ذلك.

«آه!»

ولتعويض الدفء الذي فقدته للتو، طوقت سيلفي بذراعي، وحرصت على تحسس مؤخرتها جيداً بينما أطبع قبلة على شفتيها.

«حقاً يا رودي…»

يا إلهي، بدأتُ أشتعل رغبةً الآن. ربما عليّ حملها إلى غرفة النوم؟ لكن الأطفال ما زالوا مستيقظين في هذا الوقت…

«مستحيل تماماً. ادخر ذلك لوقت لاحق.» قالت سيلفي بحزم.

«أمركِ يا سيدتي.» أطلقت سراحها بطاعة. في الحقيقة، طالما أنني أحظى بحبها، فلن تميل نفسي لأي امرأة أخرى.

سألتها: «أين روكسي ولارا؟»

«روكسي لا تزال في المدرسة، ولارا في غرفة المعيشة.»

بعد معرفة ذلك، رافقت سيلفي إلى غرفة المعيشة. هناك غطت ابنتي الثانية، لارا غرايرات، في نوم عميق داخل مهدها. تملك شعراً أزرق جميلاً، ولا تزال تلك النظرة الجريئة تعلو محياها، وكأنها تتفحص محيط سريرها بثقة مطلقة. وزاد من مظهرها المتعالي تكور «ليو» عند قاعدة مهدها.

«لارا، لقد عدت.»

«آوووه.» تمتمت رداً عليّ. تستطيع التجاوب حتى في هذه السن الغضة، رغم أنها لم تتم عامها الأول بعد. أيعقل أن ابنتي عبقرية؟ أو لعلها مثلي، تجسدت هنا من عالم آخر. ومع ذلك، لم تُبدِ أي تفاعل مع محاولاتي لمخاطبتها بالإنجليزية أو اليابانية.

ربما يرجع الأمر إلى التعبير الوقح المرتسم على وجهها، لكنني شعرت وكأنني أسمعها تقول: «عمل رائع هناك، آمرك أن تأخذ قسطاً من الراحة الآن». ما جعلني أتساءل إن كانت ستكبر لتتحدث بنفس الغطرسة التي تبدو عليها.

همست سيلفي: «لارا لا تبكي كثيراً، ولا تبتسم أيضاً. هذا يقلقني نوعاً ما.» يبدو أن قلقها نابع من سبب يختلف تماماً عن تفكيري.

شخصياً، لا أرى في ذلك مشكلة كبيرة. أعني، انظروا إليها، تبدو مغرورة للغاية. يمكنك الجزم من ملامحها بأنها ستغدو شخصية ذات شأن يوماً ما، بلا أدنى شك.

ومع ذلك، أتفهم ما ترمي إليه سيلفي. يعج هذا العالم بشتى العلل، ومجرد اختلاف الطفل قليلاً يمنح بقية الصغار ذريعة كافية للتنمر عليه.

قلت مطمئناً: «حسناً، حتى لو افترضنا وجود خطب ما، فنحن عائلتها وسنقف إلى جانبها دائماً لندعمها.»

أومأت سيلفي برأسها: «أتفق معك، لكنني أخشى أن تحمل روكسي نفسها مسؤولية أي مكروه يحدث.»

«حسناً، إن حدث ذلك، فكل ما عليّ فعله هو ضمها بين ذراعيّ وغمرها بحبي.»

لكن سيلفي محقة في كلامها؛ فروكسي من النوع الذي يلوم نفسه شخصياً. أنا سعيد بمجرد تربية طفل معها، غير أنها تميل بطبعها إلى نشدان الكمال.

«همم؟»

أدركت فجأة غياب فرد بارز من عائلتنا؛ وتحديداً رأسنا النووي المقيم، التي اعتادت استقبالي بسرعة مذهلة تنافس سرعة آيشا. كما اعتادت أن تعرض عليّ لمس بطنها متباهيةً بحجمه المتزايد، فأنتهز الفرصة لتحسس صدرها وأتلقى لكمة سريعة جزاءً لي. هكذا تسير الأمور عادةً، لكنها غائبة اليوم على نحو غريب. ترى ما الخطب؟

«أين إيريس؟»

«أوه.» قطبت سيلفي حاجبيها بحيرة. «دخلت في شجار بسيط مع آيشا منذ الصباح.»

«هاه؟ أتقصدين أن الاثنتين تتشاجران؟»

«لا أود المبالغة بوصفه شجاراً… لكن، همم…» بدت إجابة سيلفي غامضة للغاية، وفي مثل هذه الحالات، يفضل أن أستطلع الأمر بنفسي.

«حسناً، سأذهب لتفقدها إذن.»

«أجل.»

ربتُّ على رأس لارا وغادرت غرفة المعيشة. لمحت لوسي تختلس النظر إليّ عبر شق الباب، لكن ما إن التقت أعيننا حتى تراجعت وصعدت الدرج بخطى متعثرة. نازعتني نفسي لملاحقتها، غير أنني أجبرت قدميّ على التوجه نحو القبو بدلاً من ذلك.

وما إن وطئت قدماي أسفل الدرج حتى سمعت آيشا تطرق باب القبو بقبضتها.

«آنسة إيريس! لدينا بالفعل ليو، وديلو، وبايت!»

«أجل، أعرف ذلك!» صرخت إيريس من خلف الباب.

«ماذا يجري هنا؟»

التفتت آيشا نحوي بسرعة: «أوه، أخي الأكبر! عليك سماع هذا! يبدو أن الآنسة إيريس أحضرت قطة إلى المنزل، ولم تتوقف عن المواء المزعج طوال الصباح.»

«قطة؟»

قطة، همم؟ ليس بالأمر المستغرب، فإيريس تحب الحيوانات. أما أنا فلا أهتم بها كثيراً لأنها لا تألفني أبداً. ليو حالة استثنائية بالطبع، لذا يمكن اعتباري محباً للكلاب على الأرجح؛ فأي شخص يتلقى مثل هذه المودة لا يسعه إلا مبادلتها بالمثل.

أوضحت آيشا: «ليس الأمر أنني أكره القطط كما تعلم، لكن لدينا ثلاثة حيوانات أليفة بالفعل، أليس كذلك؟ أخبرتها أن تستأذنك أولاً قبل أن تقرر الاحتفاظ بها، لكنها ترفض الاستماع إليّ.»

إذن رأت أن إذني ضروري، هاه؟ حسناً، أنا رب هذا المنزل في نهاية المطاف.

قلت: «لا أرى مانعاً من احتفاظها بها.»

«حقاً؟!» هتف صوت سعيد وإن بدا مكتوماً من خلف الباب.

لا يصح تلبية كل الرغبات دون حساب، لكن بما أن إيريس حامل، فهي تعاني على الأرجح من ضغوط كثيرة. السماح لها بالاحتفاظ بقطة أو اثنتين ثمن بخس إن ساهم ذلك في التخفيف عنها.

أردفت قائلاً: «لكن لدينا أطفال في المنزل، ولا يسعني التواجد هنا طوال الوقت؛ لذا ستتولين أنتِ تدريبها.»

«أعرف! أستطيع فعل ذلك!» وافقت إيريس بحماس.

عبست آيشا بضيق: «همف. في النهاية، أنا من سيذهب لشراء طعامها على أي حال.»

صحيح، عند التفكير في الأمر، سيزيد هذا من أعباء آيشا على الأرجح، وهناك احتمال كبير أن تمل إيريس من رعايتها في مرحلة ما.

«آسف يا آيشا.»

«لا بأس، هذا قرارك.»

وعدتها قائلاً: «أنا آسف حقاً، سأجد طريقة لتعويضكِ عن ذلك.»

«حسناً، لا مشكلة أظن…»

تحسن مزاجها قليلاً بعدما بعثرت شعرها بيدي، وإن لم تبدُ مسرورة كثيراً بإفساد تسريحتها.

أمرتها: «على أي حال، افتحي الباب يا إيريس.»

«حسناً.»

انفرج الباب ببطء، وظهرت إيريس على العتبة عابسة الوجه. بدت مهيبة حتى وهي حامل، وكأنها ملكة النساء الحوامل أو شيء من هذا القبيل. خيم الصمت حين ألقيت نظرة خلفها، وابتلعت ريقي فور رؤيتي للقطة المستلقية داخل الغرفة وطوق يلتف حول عنقها. لا جدال في طبيعتها القططية؛ فرغم التراب الذي يغطيها، انتصبت أذناها مع صوت انفتاح الباب، ولوحت بذيلها برشاقة.

ولللأسف، لم يقتصر ما لاحظته على ذلك فحسب؛ فأول ما خطف انتباهي هو صدرها. نهدان ضخمان يضاهيان حجم صدر إيريس تقريباً. ورغم أن ثيابها ممزقة بالية، إلا أنها سترت صدرها وما بين فخذيها على الأقل. أما فخذاها الممتلئتان المشدودتان فلم يكسوهما الفرو، بل بشرة لوحتها الشمس، ناعمة كقشرة الكمثرى.

«آه! أيها الزعيم، مر وقت طويل مياو! لقد أنقذت ذيلي حقاً، أعدك أنني لن أنسى هذا الدين طوال حياتي مياو!»

شرحت إيريس بفخر: «عثرت عليها أثناء نزهتي الصباحية وأحضرتها إلى المنزل. اسمها لينيا!»

لينيا ديدولديا. طالبة سابقة سبقتني في الدراسة، تخرجت هذه الفتاة الوحشية من جامعة السحر قبل عدة سنوات بأعلى الدرجات. أوه نعم، أتذكرها جيداً بلا شك. مم-همم. حسناً، هذا يحسم الأمر.

قلت بحزم: «اطرديها خارجاً.»

«مستحيل!» وصفقت إيريس الباب في وجهي.

***

استغرق الأمر قرابة ساعة لإقناع إيريس بفتح الباب مجدداً، ثم انتقلنا إلى غرفة المعيشة لمناقشة الوضع. اتضح أن إيريس عثرت على لينيا خلال نزهتها المعتادة مع ليو؛ فبعد دخولها الشهر الخامس من الحمل، تلاشى غثيان الصباح أخيراً، فعاودت الخروج مع ليو من جديد.

إذن أول عودة لها للتمارين هي المشي، هاه؟ أظن أن للأمر علاقة بحسها القوي بفرض السيطرة على منطقتها. على أي حال، ممارسة الرياضة باعتدال مفيدة للحمل.

المهم أنها مرت بسوق العبيد أثناء نزهتها تلك ووقع حادث هناك؛ إذ اندفعت لينيا من بين الظلال ويطاردها رجال مريبون. وللمأساة، أمسكوا بها من ذيلها وألقوا القبض عليها. إيريس، التي شهدت الموقف برمته، اتخذت قراراً في جزء من الثانية: استلت سيفها، وأطاحت بأولئك الأوغاد البائسين، ثم خطفت غنيمتها (لينيا) وعادت إلى المنزل منتصرة.

أصرت إيريس بنبرة أشبه بقطاع الطرق منها إلى السيدات النبيلات: «أنا من أنقذها، لذا فهي ملكي! سنحتفظ بها!»

«صـ-صحيح. أنا قطة السيدة إيريس الآن، مياو.» قالت لينيا وهي جالسة في حجر إيريس التي أخذت تعبث بأذنيها. ارتجف جسدها بالكامل من الخوف طوال الوقت؛ فبين الوحوش، تقضي القاعدة غير المعلنة بالخضوع التام للأقوى.

حسناً، كل هذا جميل، لكن…

«أريد أن أعرف ما الذي تفعلينه في هذه المدينة أصلاً يا لينيا، ولماذا ترتدين هذه الأسمال البالية؟» أذكر أنها غادرت الجامعة بملابس فاخرة، وانطلقت من المدينة مدعيةً أنها ستغدو تاجرة. أما الآن، فترتدي خرقاً مهترئة يكسوها الوحل، وبصراحة تامة، تفوح منها رائحة كريهة.

«سعيدة جداً بسؤالك، مياو. حين أسترجع ما جرى، فهي قصة طويلة وشاقة ومأساوية، ستذرف لها الدموع بالتأكيد—»

قاطعتها قائلاً: «أعطني النسخة المختصرة.»

«مياو…»

وفقاً لرواية لينيا، بعد تخرجها ومغادرتها مدينة شيريا، حاولت تحقيق ما ادعته بالضبط: العمل بالتجارة. جمعت بعض البضائع من مملكة أسورا ونقلتها إلى الأراضي الشمالية لبيعها، ثم جلبت سلعاً من الشمال لبيعها في أسورا؛ باختصار، عملت تاجرة متجولة.

ولتحقيق ذلك، اشترت عربة يجرها حصان، ما أوقعها في الديون، ثم غاصت في ديون أكبر لتوفير رأس المال اللازم لشراء البضائع من الأساس. شخصياً، أرى أنه من الأجدى التنقل بين القرى المجاورة في البداية لاكتساب الخبرة، لكن لينيا سعت وراء الثراء السريع؛ فانتهى بها المطاف بتضخم ديونها جراء الفوائد المتراكمة — وهو أمر لا يثير دهشة أحد بالتأكيد.

قضت أيامها في فقر مدقع، ورغم محاولاتها المفترضة لسداد قروضها شيئاً فشيئاً، لم تستطع دفع سوى أقساط زهيدة لدرجة أنها لم تعرف متى ستتمكن من رد المبلغ كاملاً.

استمرت حياتها على هذا المنوال لفترة، إلى أن لاح لها بصيص أمل في نهاية النفق؛ إذ تقدم إليها أحد التجار المرتبطين بالشركة الدائنة بعرض مغرٍ:

«ألاحظ أنكِ تحاولين بشتى الطرق سداد ما عليكِ من ديون، لكن يبدو أن مبيعاتكِ لا تسير على ما يرام، وهذا يؤلمني حقاً. لا يسعني شطب ديونكِ بالكامل، لكن إن انضممتِ إلى عضوية الشركة، ستنخفض نسبة الفائدة قليلاً ويصبح السداد أيسر عليكِ بكثير. تبلغ رسوم العضوية عشرين عملة ذهبية، لكن لا تقلقي، سأدفع هذا المبلغ نيابةً عنكِ، ويمكنكِ رده لي لاحقاً. سأحتاج منكِ فقط إلى توقيع سند دين لضمان حقي، لكنني أثق بكِ!»

وافقت لينيا على الصفقة. بدا لي الأمر برمته مريباً منذ البداية، لكن يبدو أن الكلام المعسول يفتح كل الأبواب، حتى لو تعلق الأمر بكسب ثقة قطة. اشترت لينيا إحدى شارات عضوية الشركة مقابل عشرين عملة ذهبية، غير أن الشارة طلعت مزيفة للأسف؛ فحين عرضتها على الشركة، رمقوها وكأنها مجنونة، وعندها فقط أدركت أن الرجل احتال عليها.

وبينما طلعت الشارة مزيفة، ظل سند الدين الذي وقعته حقيقياً تماماً. وبدلاً من تقليص ديونها، غاصت في دين إضافي قدره عشرون عملة ذهبية؛ وعملات أسورا الذهبية هي العملة الأعلى قيمة في العالم أجمع، ما يعني أن قرضاً بعشرين عملة ستترتب عليه فوائد فاحشة. ولما كانت لينيا غارقة أصلاً في فوائد قروضها السابقة، استحال عليها سداد هذا الدين أيضاً؛ فصادروا عربتها وبضائعها قبل أن يلقوا القبض عليها.

«لقد خدعوني تماماً ثم حولوني إلى عبدة فوق ذلك، مياو.»

قد يظن المرء أن إبقاء المدين يدفع الفوائد إلى الأبد أكثر ربحية، لذا أفترض أن ذلك المحتال دبر طريقة لجني أموال طائلة من وراء بيعها كعبدة.

حسناً، لنترك هذا جانباً الآن.

بصراحة، تتحمل هي جزءاً من الذنب في تحولها إلى عبدة. بالطبع يبقى الاحتيال احتيالاً، ما يعني أن الفاعل شخص دنيء لما اقترفه، لكن نصف المسؤولية عما آلت إليه الأمور يقع على عاتقها وحدها.

«همم.»

ومع ذلك، تمنيت لو أن إيريس لم تقتل رجال تجار العبيد؛ فلدينا فتاتان قاصرتان في المنزل، وطفلتان رضيعتان أيضاً، ولا نريد عصابة من الأوباش تتعقب أثرنا.

تمتمت بحيرة: «ماذا سنفعل الآن…»

«أيها الزعيم، عليك إنقاذي مياو! سأفعل أي شيء مياو، لا أريد أن أكون عبدة مياو!» ضمت لينيا كفيها متوسلةً، وبدا منظرها بتلك الثياب المهترئة والطوق الملتف حول عنقها… مثيراً نوعاً ما.

«لينيا، أنتِ…»

«مياو؟»

«هل اعتدوا عليكِ؟»

«مياو!»

وقبل أن تنتفض واقفة على قدميها، وجدت نفسي ملقىً على ظهري أحدق في السقف؛ إذ أطاحت بي لكمة عنيفة بأسلوب «بورياس» مع الكرسي الذي أجلس عليه أرضاً.

صرخت إيريس بوجهي: «روديوس! كيف تجرؤ على طرح سؤال كهذا؟!»

وافقتها سيلفي الرأي: «معها حق يا رودي، كلامك هذا يفتقر إلى اللباقة تماماً.»

ورمقتني آيشا بنظرة حادة: «أخي الأكبر، أنت منحرف كبير.»

بعد هذا الهجوم الكاسح من النساء الحاضرات، بادرت بالقول سريعاً: «أنا آسف بشدة.» الاعتذار بصدق هو الخيار الأسلم هنا. أجل، إنه القرار الأفضل؛ فهن على حق، وقد بدت سقطتي فظة للغاية.

«وقاحة شديدة فعلاً، مياو! لتعلم أنني عذراء لم يمسسني أحد، مياو! لا أدري لماذا، لكنهم قالوا إن قيمتي ستكون أعلى على هذا النحو، فلم يقتربوا مني، مياو!»

«أوه حقاً؟ هذا يبعث على الارتياح.»

لماذا طرحتُ هذا السؤال من الأساس؟ خطر ببالي فجأة وأردت التأكد فحسب، دون أن أراعي أن سؤالي سيعيد إليها صدمة التجربة لو تعرضت للاعتداء فعلاً. عليّ أن أكون أكثر مراعاة لمشاعر الآخرين.

على أي حال، قالوا إن قيمتها أعلى هكذا، هاه؟ يبدو أن هذا العالم يثمن العذرية أيضاً؛ أعني، حتى في الغابة العظيمة يعيش وحيد قرن مهووس تماماً بـ «طهارة» الفتيات. نهضت على قدميّ؛ آلمني أنفي جراء اللكمة، وحين ضغطت بأصابعي على فتحة أنفي، خرجت ملطخة بالدماء، فسارعت سيلفي إلى علاجي بسحر الشفاء.

عدت للقول: «حسناً، على أية حال، هذا وضع مقلق.»

قتلت إيريس بعض رجال تجار العبيد بالفعل، والأرجح أنهم باتوا يعرفون ملامحها وقد يعودون للانتقام. علينا اتخاذ إجراء لمنع ذلك؛ فهل نعيد لينيا ونحاول تسوية الأمر ودياً؟ أم نعلن العداء لتجار العبيد هؤلاء ونسحقهم عن بكرة أبيهم؟ لو اخترنا هذا الطريق وتمكنوا بطريقة ما من اختطاف نورن، فلن يسرني ذلك على الإطلاق. وفي المقابل، لن يغمض لي جفن ليلاً إن تخليتُ عن لينيا؛ فهي صديقة بعد كل شيء. همم.

«معذرة!» قاطع صوت من المدخل الأمامي حبل أفكاري. لم أميز صاحب الصوت، لكن لينيا جفلت فور سماعه وقفزت مذعورة لتختبئ خلف الأريكة.

«إ-إنهم هم!»

يبدو أنهم تجار العبيد. توجهت نحو الباب الأمامي.

«لديكم عبدتنا بالداخل، أليس كذلك؟ نحن نعلم بوجودها هنا بالفعل.»

«أخشى أنني لا أفهم عما تتحدثون.» قالت ليليا التي تصدت للتعامل معهم قبل وصولي. «أرجوكم غادروا.»

وقف ثلاثة أشخاص عند الباب: المتقدم بينهم قصير القامة وممتلئ الجسد، لعله من الأقزام، وخلفه رجلان مفتولا العضلات، أحدهما أصلع والآخر بقصة شعر «موهوك». فاحت من الاثنين هالة من العنف كعطر خانق، وبدا مظهرهما أشبه بـ «أدون» و«سامسون» من لعبة تشو أنيكي.

«لا تتظاهري بالجهل. لا يوجد منزل آخر في المدينة يضم كلباً أبيض عملاقاً وامرأة حاملاً بشعر أحمر تستطيع شطر رجل إلى نصفين.»

«تميل السيدة إيريس فعلاً إلى العنف المفرط، لذا لعل ما تقوله في هذا الشأن صحيح. غير أنه لا يوجد عبيد في منزلنا؛ وكما قلت، أرجوكم غادروا.»

طقطق الرجل الأصلع بلسانه منزعجاً من رد ليليا الجريء، فدفع زعيمه جانباً وتقدم ماداً يده نحوها: «اسمعي أيتها العجوز الشمطاء، إن واصلتِ التحدث معنا بهذه النبرة—»

جفلت ليليا حين هوت يده بعنف نحو…

«مهلاً! توقف، توقف!»

… نحو الفراغ؛ إذ تشبث الرجل القصير بذراعه وأوقفه في اللحظة الأخيرة. «إياك أن تمد يدك عليها! لا تجرؤ على ذلك! هذا هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح به أبداً!»

«ما المشكلة أيها الزعيم؟ نحن نفعل هذا دائماً—»

«أأنت أبله؟! هذه الخادمة التي تقف أمامك هي مرضعة روديوس غرايرات نفسه ووالدة إحدى شقيقاته! أحذرك، إن تركت خدشاً واحداً عليها، فستُباد عائلتك بأكملها جزاءً لذلك!»

ارتجف وجه الرجل الأصلع رعباً وهو يختلس النظر إلى ليليا: «ولماذا اصطحبتنا معك إذن؟»

«لأنه من البديهي لو ساءت الأمور وظهرت ملكة السيف الهائجة فجأة، فسأستخدمكما درعاً بشرياً لي…»

«قسوة مفرطة منك يا زعيم.»

عند تلك النقطة، انتبه الرجل القصير لوجودي أخيراً، فارتخت ملامحه كلها في ابتسامة عريضة وهو يفرك كفيه ببعضهما: «آه، يا لها من مفاجأة غير متوقعة يا سيد روديوس!» جاء صوته أجش ومنفراً، ولا شك أنه يتصنع هذه الوداعة المبتذلة ليؤكد لي أنهم لم يمسوا ليليا بسوء. وكما خمن، لكنت استشطت غضباً لو رأيتهم يعاملونها بعنف. هل يكفي ذلك لدفعي إلى إبادة عشيرتهم؟ لا، لكنني لا أضمن أن ينطبق الأمر نفسه على إيريس.

قلت بهدوء: «آنسة ليليا، سأتولى الأمر من هنا.»

«حسناً يا سيدي.» انحنت ليليا وتراجعت خطوة إلى الوراء، وبدا أنها تنوي البقاء بالقرب.

قال الرجل وهو يواصل فرك كفيه ويحني رأسه نحوي: «أجل، حسناً، شرف عظيم أن أتعرف إليك يا سيد روديوس. أدعى كينتشو كما ترى، وأتولى تسوية أي خلافات تطرأ في متجر فالفاليد التابع لمجموعة ريوم.»

«الشرف لي. وكما تعلم سلفاً، أنا روديوس غرايرات.»

كينتشو، هاه؟ يشبه اسمه «كينتشول»، وهو بالمصادفة مبيد حشري في اليابان مثالي لقتل البعوض.

«حسناً يا سيد كينتشو، علامَ أدين بهذا الشرف؟» خمنت سبب مجيئه مسبقاً، لكنني آثرت السؤال على أي حال؛ فسيكون من المضحك حقاً لو أخبرني أنه جاء لسبب آخر غير لينيا.

«أجل، حسناً، كما ترى يا سيد روديوس… هربت إحدى إمائنا مؤخراً.»

سألته: «أوه؟ وأي نوع من الإماء هي؟»

«فتاة من قبيلة ديدولديا، تتمتع بمهارات قتالية عالية وبعض الإلمام بالسحر أيضاً. بضاعة من الطراز الرفيع.»

أوهو! هل سمعتِ ذلك يا لينيا؟ لقد وصفكِ بأنكِ من الطراز الرفيع! إنه يقدركِ عالياً!

«وكما ترى، طاردها بعض موظفينا، لكنهم لاقوا حتفاً مروعاً؛ إذ شُطروا جميعاً إلى نصفين بدقة متناهية.»

«مثير للاهتمام.»

صنيع إيريس بلا شك. شعرت ببعض الذنب حيال ذلك؛ فتجار العبيد أولئك كانوا يؤدون عملهم فحسب. لو قتلتهم عبدتهم الهاربة لكان الأمر مفهوماً، أما أن يلقوا مصرعهم على يد طرف ثالث لا علاقة له بالأمر إطلاقاً، فهذا مؤسف نوعاً ما.

واصل الرجل القصير حديثه: «حسناً، لا داعي للوقوف عند هذا طويلاً؛ فكله جزء من مخاطر المهنة. يفقد الناس حياتهم يومياً بسبب العنف في مجال عملنا، ولا يسعني لومك على ذلك، لا سيما وأنك اليد اليمنى لإله التنين، ثاني أقوى القوى السبع العظمى، والمقرب من ملكة أسورا القادمة.»

«أقدر لك تفهمك الكبير.»

إذن هو مرعوب من أورستد وأرييل معاً. العلاقات تعني كل شيء حقاً مهما اختلف العالم الذي تعيش فيه. شكراً لكما، أيها الرئيس التنفيذي أورستد ورئيسة القسم أرييل! بفضل نفوذهما، تبدو هذه المفاوضات واعدة للغاية. ومع ذلك، لم أعلن يوماً عن علاقة عملي بأورستد على الملأ؛ يبدو أن الشائعات تسربت من مكان ما.

«لكن، كما ترى… يا سيد روديوس…»

«نعم؟»

«هذه، إيه، العبدة التي نملكها ثمينة بعض الشيء كما ترى.»

أومأت برأسي: «أجل، ذكرتَ للتو أنها من “الطراز الرفيع” على ما أذكر.»

شخصياً، ومهما بلغت قوتها، تظل لينيا حمقاء ميؤوساً منها، لذا لا أرى لها فائدة حقيقية تذكر. وإن لم يكن لي حق الحكم على ذكاء الآخرين أو غبائهم.

«لو كانت مجرد عبدة عادية، لقدمناها لك بكل سرور ودون أي شروط، ولدعوناك لزيارة مؤسستنا مجدداً في المستقبل. هيهي، لكن للأسف، لا يمكننا التفريط بهذه تحديداً بتلك السهولة؛ فلديها مشترٍ بالفعل كما ترى.»

خمنت قائلاً: «وهل يصادف أن يكون هذا المشتري هو السيد “ب. غ.”؟»

«أجل! أجل، بالضبط! أنا منبهر بسرعة بديهتك يا سيد روديوس.»

بعبارة أخرى، كان من المقرر إرسال لينيا إلى عائلة إيريس.

«إنها أميرة من قبيلة ديدولديا، تجيد القتال واستخدام السحر، وعذراء جميلة وإن كانت سليطة اللسان. حين أبلغت المشتري بهذه المواصفات، دفع فوراً ثلاثمئة عملة ذهبية أسورية كعربون.»

لست متأكداً إن كان جيمس أو أحد أبنائه وراء هذه الصفقة، لكن في كلتا الحالتين، تعاني عائلة غرايرات هوساً خطيراً بشعب الوحوش. بصراحة، إن فاضت لديهم الأموال لتبذيرها على شراء الإماء، فالأجدر بهم توجيهها لتمويل جهود إعادة إعمار منطقة فيتوا.

ومن ناحية أخرى، وقعت إيريس نفسها في حب لينيا من النظرة الأولى أيضاً؛ فلعل من طبع عائلتها فتح محافظهم على مصراعيها كلما وقعت أعينهم على بضاعة نادرة لن تتكرر فرصة امتلاكها إن فوتوها.

«عبدة بهذه القيمة نادرة بحق، ولا يسعنا التخلي عنها بصمت دون تحريك ساكن.»

قلت: «أتفهم وجهة نظرك.»

«أجل، أجل، آمل أن تتفهم موقفنا. حتى لو أردنا التراجع، فلا نملك ترف ذلك ببساطة؛ فالاستحواذ عليها كلفنا ثروة طائلة في المقام الأول.»

حدقت فيه بصمت. همم، الاستحواذ عليها كلفهم الكثير أيضاً، هاه؟ حسناً، صحيح أنهم لو تكبدوا خسارة فادحة بسبب هذا، فسيضطرون إلى إغلاق متجرهم. لا يهمني إفلاسهم من عدمه، لكنني لا أرغب في إثارة ضغينتهم ضدي بسبب ذلك أيضاً.

«بالمناسبة يا سيد روديوس…» وبينما أنا مستغرق في التفكير، رسم كينتشو ابتسامة عريضة على شفتيه: «على ما أذكر، لديك شقيقة صغرى وزوجة تدرسان في جامعة السحر هنا، أليس كذلك؟ سيكون من المؤسف حقاً لو تعكر صفو حياتهما هناك…»

قاطعته بحدة: «توقف عندك. هل تهدد بإيذاء نورن وروكسي؟» إن مددت يدك عليهما، فلن أرحمك؛ سأدمر مملكة رانوا بأسرها لو تطلب الأمر ذلك لمطاردتك.

«أوه، إيه، انسَ ما قلته! انسَ أنني تفوهت بشيء أصلاً! أنت تدرك بالتأكيد يا سيد روديوس أنني لا أرغب في معاداتك قط. أنا رجل يحب السلام والوئام! وأريد لعلاقتنا أن تظل طيبة، أعدك بذلك!»

«أجل، وأنا أرغب في الشيء ذاته، ولهذا السبب تحديداً أقف هنا وأتحاور معك.»

«صحيح، بالطبع. ولهذا سأكون ممتناً لو أعدت إلينا تلك العبدة. لا نية لدينا للمخاطرة بحياتنا والعبث معك، لكنك تتفهم المأزق الذي أواجهه، أليس كذلك؟ إن عجزنا عن استعادتها، فستطير رؤوسنا. وطالما أننا هالكون في الحالتين، فالأجدر بنا المحاولة والقتال، ألا توافقني الرأي؟»

أدركت ما يرمي إليه، وشعرت بالحيرة ذاتها التي يعانيها. ستفقد شركته سمعتها ومصداقيتها بالكامل لو ألغت طلباً بعد استلام ثلاثمئة عملة ذهبية أسورية كدفعة مقدمة. وبناءً على ضخامة العربون، لا بد أنهم دفعوا مبلغاً طائلاً لتأمين شرائها وعرضها للبيع؛ فإن خسروها، سيقودهم ذلك المال الضائع إلى الإفلاس حتماً. وأمام انهيار تجارتهم، سيلجأون إلى أي وسيلة لإنقاذ أنفسهم مهما بدت فرصهم ضئيلة؛ فلا شيء أخطر من حيوان محاصر في زاوية.

«همم…»

حسناً، لا أظن أن بيدي حيلة كبيرة هنا. فأخطاء لينيا الغبية هي التي أوقعتها في هذه الورطة؛ اقترضت أكثر مما تطيق سداده، وتركت ديونها تتضخم بالفوائد، ثم وقعت ضحية خدعة مكشوفة بشكل مضحك. لقد جنت على نفسها براقش.

لعل الأفضل لها الذهاب إلى قصر بورياس واعتبار الأمر أشبه بعقوبة سجن. على الأقل لم تبدُ أي من الخادمات الوحشيات اللاتي رأيتهن في عهد ساوروس تعاني سوء المعاملة، ولن تُكلف بأعمال شاقة تقصم الظهر. صحيح أنها قد تتعرض لبعض الممارسات الجنسية، لكن سادة القصر وسيمون على الأقل، مثل فيليب وإيريس، وربما يدللونها نظراً لولعهم بشعب الوحوش. وإذا طلبت منهم معاملتها بالحسنى، فسيجدي ذلك نفعاً على الأرجح.

أجل، يبدو هذا حلاً وجيهاً. لنعتمد ذلك.

قلت: «حسناً، أنا أتفهم موقفك.»

«أتتفهمه حقاً؟»

«أجل. سأذهب فوراً…» … لإحضار لينيا لك، هذا ما هممت بقوله، لكنني ابتلعت كلماتي لحظة التفاتي إلى الخلف؛ إذ التقت عيناي بعيني شخص آخر أعلى الدرج. كانت لوسي، ابنتي الحبيبة، تختلس النظر من بين قضبان الدرابزين في الأعلى، تراقبنا بقلق من بين الظلال.

وبعد صمت طويل، طويل للغاية، نطقت أخيراً: «آنسة ليليا؟»

«نعم، بماذا تأمرني يا سيدي؟»

أكان من الصواب الرضوخ لتهديدهم، وإحناء رأسي، وتسليم لينيا بطاعة؟ طفلتي الصغيرة تراقبني، والقلق بادٍ بوضوح على محياها. بصفتي والدها، أيمكنني حقاً تسليم القطة المرتجفة المذعورة التي لاذت بنا طلباً للحماية؟

لا. قطعاً لا.

قلت بحزم: «اذهبي إلى غرفتي وأحضري كل الأموال الموجودة في خزنتي.»

«أمرك يا سيدي.»

تحركت ليليا بسرعة، فاختفت داخل المنزل بخطى متسارعة، وعادت بعد لحظات حاملةً حقيبة ضخمة. شعرت بالسوء لإجبارها على جر شيء بهذا الثقل.

فتحت الحقيبة؛ قُسمت محتوياتها إلى أكياس صغيرة عديدة مكتظة عن آخرها. التقطت واحداً منها وألقيته إلى كينتشو.

«ما هذا؟» تفحصه بحذر ونظر داخله. «آه!» شحب وجهه فجأة.

أوضحت قائلاً: «أحجار سحرية. إن أخذت هذا الكيس إلى المكان المناسب، فستجني خمسمئة عملة ذهبية أسورية مقابل ما بداخله.»

«هاه؟ ماذا؟»

«وإليك هذا أيضاً.» ألقيت إليه كيساً ثانياً، فتخبط لالتقاطه. «أظن أن فتاة ديدولديا ليست الوحيدة في حوزتكم؛ هل لديكم أميرة من قبيلة أدولديا أيضاً؟ فالاثنتان لا تفترقان أبداً بعد كل شيء.»

أكد لي مسرعاً: «هاه؟ أوه، ل-لا، لا نملك سوى هذه العبدة الواحدة.»

«الكذب لن يفيدك بشيء.» ألقيت إليه كيساً ثالثاً فالتقطه، لكن الحيرة ازدادت وضوحاً على قسمات وجهه. «للمعلومية فقط، إن اضطررت إلى إحراق متجركم بالكامل وتسويته بالأرض للعثور عليها، فلن أكلف نفسي عناء عرض المال عليكم مرة أخرى.»

امتقع وجه كينتشو: «أ-أنا صادق معك، أقسم لك! العبدة الوحيدة لدينا هي فتاة ديدولديا هذه، هي وحدها فقط!»

حسناً، كان السؤال يستحق المحاولة، لكن يبدو أن لينيا وبورسينا افترقتا فعلاً. فبينما جربت الأولى حظها كتاجرة متجولة، عادت الثانية على الأرجح إلى موطنها لتتولى زعامة عشيرتها؛ لذا لم يقعا في الأسر معاً، والأرجح أن بورسينا تنعم بالأمان في الغابة العظيمة.

قلت: «طالما تقول ذلك، فاحتفظ بهذه الأكياس مقابل لينيا.»

«مـ-ماذا؟! الأكياس الثلاثة كلها؟!»

«ألا تكفيك؟ هل أضيف كيساً رابعاً؟ أم تفضل أداة سحرية بدلاً من ذلك؟» مددت يدي نحو كيس صغير آخر. سأعطيك مجوهرات بقيمة ألفي عملة ذهبية إن لزم الأمر، وسأريك حجم الثروة التي جنيتها خلال العام الماضي إن كنت تريد ذلك.

«ل-لا، هـ-هذا أكثر من كافٍ!»

«لا داعي للخجل. أنا أغيب عن المنزل كثيراً، وأكره أن يصيب عائلتي أي مكروه أثناء غيابي. أنت تفهم قصدي، أليس كذلك؟»

«نـ-نعم، أفهم تماماً…»

تعين عليّ إيصال الرسالة بوضوح تام تحسباً لأي طارئ؛ تفاوض بالإكراه إن صح التعبير. «وأود أن تظل علاقتنا طيبة في المستقبل، لا سيما إن انتهى المطاف بفتاة أدولديا التي ذكرتها كعبدة أو ما شابه، أو إن حدث أمر كهذا لإحدى شقيقاتي بطريقة ما. أنا أحاول فقط إقناعكم بإبداء القليل من المراعاة لي، أهذا واضح؟»

«نـ-نعم، رسالتك واضحة كالشمس، وسنبدي لك كل المراعاة بالطبع.»

«همم، هل أضيف أداة سحرية رغم ذلك؟ لدي قبعة مرصعة بجوهرة قرب شريطها تضيء في الظلام وتعمل كالمصباح.»

ارتجف جسد كينتشو بالكامل، وتقلصت ملامحه رعباً وهو يطأطئ رأسه: «ل-لقد فهمت! سنبيعها لك! لقد عوضتنا بأكثر مما نستحق، ولا نية لدينا لمعاداتك أبداً، لذا أرجوك، كف عن تهديدنا!»

«يسعدني توصلنا إلى اتفاق.»

لقد فزت! انتصار اشتريته بالعملات — أو بالأحجار السحرية في هذه الحالة! ورغم سعادتي بالنتيجة، لم أرغب في ترك أي ضغينة بيننا، ولا مع عائلة بورياس أيضاً. «سأكتب رسالة إلى عائلة بورياس من أجلكم؛ عودوا إلى هنا بعد بضعة أيام لاستلامها، وأحضروا معكم إيصال الشراء بالمرة.»

«نعم، سـ-سيكون هذا… عوناً كبيراً لنا.»

وما إن أتم كينتشو عبارته حتى فر مسرعاً، ساحباً خلفه حارسيه الضخمين.

«فيووو.»

أهاها، يا إلهي… تحمست أكثر من اللازم وأنفقت مبلغاً خيالياً من المال. أحجار سحرية بقيمة ألف وخمسمئة عملة ذهبية؟ لا بد أن سبب التزام ليليا الصمت طوال هذا الوقت هو استياؤها الشديد من تبذيري.

«سيدي.»

«آنسة ليليا؟»

«لقد كان تصرفاً رائعاً.»

«شكراً لكِ.»

ابتسمت ليليا ابتسامة خفيفة وانحنت. يبدو أنها مستعدة للصفح عن إسرافي، لكنني لست متأكداً من أن آيشا ستفعل المثل. ربما عليّ محاولة إقناع أورستد بأنها نفقات عمل ضرورية والمطالبة بتعويض عنها.

على أية حال، حُسمت هذه المسألة. هل رأيتِ ذلك للتو يا لوسي الصغيرة؟ بابا قادر تماماً على الحزم مع الآخرين عند الضرورة! لذا إن وجدتِ نفسكِ في مأزق يوماً ما، فسأهب لإنقاذكِ تماماً كما فعلت مع لينيا. لا داعي للقلق إطلاقاً، فقط اركضي مباشرة إلى أحضان بابا!

«إيه؟»

حين التفتُّ إلى الخلف، لم أجد أحداً هناك؛ فقد اختفت لوسي من مكانها أعلى الدرج، فتهدل جسدي بالكامل خيبةً وإحباطاً.

وبغض النظر عن مشاعري الشخصية، نجحت في إنقاذ لينيا، وستعيش معنا منذ اليوم فصاعداً… كعبدة.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

موشوكو تينساي

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.