الحاكم العسكري
استغرقت الرحلة من مدينة جورجان إلى أفير يومين كاملين على ظهور الخيل، حتى لأسرع الفرسان. لكن اللورد أفاران وصل في أقل من يوم ونصف.
لم يتوقف للأكل إلا مرات قليلة، وفي كل مرة كان يأكل وهو على ظهر حصانه. لم ينم إلا ساعتين عندما غربت الشمس، ثم استأنف الركض في ظلمة الليل مستعيناً بقوة مستواه الثالث لتضييق بصره وتحديد الاتجاهات. حصانه كان منهكاً بالكاد يقف عندما وصل إلى مشارف أفير، لكن أفاران لم ينزل. نظر إلى البلدة للحظة، ثم أدار وجهه نحو الغابة.
“الحصان تعب،” قال لأحد الحراس الذين خرجوا لاستقباله. “اعتنوا به. سأكمل سيراً.”
انتهى الحظر. انتهى الخوف. انتهى القرد اللعين الذي منعه من دخول غابته وجمع أعشابه.
“سيدي، الغابة محظورة. القرد…”
ابتسم فيرس ابتسامة أب يعرف أن ابنه لا يفكر في المال أو المجد، بل في شيء آخر لا يفهمه تماماً. “حسناً. سأخبر البقية.”
تأكيد: الجد الفضي، مستوى ثلاث نجوم منخفض، تم القضاء عليه بواسطة اللورد أفاران، مستوى ثلاث نجوم متقدم. فارق مستوى واحد فقط، لكن الفارق في المهارة والقوة الخام كان هائلاً. هذا يدل على أن المستوى ليس كل شيء. التقنية، الخبرة، والوحشية تلعب أدواراً حاسمة.
“أعرف ما في الغابة أفضل منك.”
“لقد علمتني كل ما أعرفه،” قال أنتوني. “لكن هذا… هذا يفوق تعليمك.”
لم ينتظر رداً. انطلق على قدميه بسرعة تفوق أي حصان مرهق. الحراس نظروا إلى بعضهم مذهولين، لكن لم يجرؤ أحد على اتباعه.
قابل اللكمة بلكمة أخرى.
دخل أفاران الغابة من الجهة الجنوبية الشرقية، حيث الأشجار أقل كثافة والطرق أوضح. لم يحاول التخفي. لم يحاول التحرك بصمت. كان يريد أن يعلم القرد أنه قادم.
الغابة الداخلية كانت مظلمة وباردة، ورائحة الدم والعفن كانت تملأ المكان. كان أفاران يتبع آثار الأقدام الضخمة بسهولة. القرد لم يحاول إخفاءها. كان واثقاً من قوته، متأكداً أن لا أحد يجرؤ على اقتحام عرينه.
“الحاكم العسكري!” صرخ أحدهم.
كان مخطئاً.
أفاران كان يمشي ببطء نحو البوابة، وكأنه في نزهة مسائية. على كتفه، كانت تتدلى ثلاث رؤوس. رأس القرد كان أكبر من جسد رجل بالغ، وكانت عيناه لا تزالان مفتوحتين.
بعد ساعة من السير المتواصل، وصل أفاران إلى فجوة واسعة بين الأشجار. كان القرد جالساً هناك، على عرش من الحجارة والخشب، محاطاً بجثث حيوانات أكلها وأخرى استعملها كزينة. إلى جانبه، كان الذئب الأسود ينام، والأيل العجوز يقف حارساً. الثعلب الأبيض كان قد مات من جراحه منذ أسبوع، وأكلته الوحوش الصغيرة.
رفع القرد رأسه عندما شم رائحة البشر. عيناه الذهبيتان التقتا بعيني أفاران. زأر زئيراً تحذيرياً منخفضاً، لكنه لم يهاجم على الفور. كان يتأمل هذا الإنسان الجديد. كان مختلفاً عن سارجيس. كان أكبر، وأكثر هدوءاً، وأكثر… خطراً.
“أنتما التاليان،” قال أفاران بصوت هادئ.
“لا تقل شيئاً،” قال أفاران. “فقط افتح البوابة ودع الناس يرون.”
“أيها القرد العجوز اللعين الذي يريد أن يموت،” قال أفاران بصوته الجهير. “اخرج. أرني مؤخرة أمك. سأريكم كيف يموت الملوك.”
ثم رأوه.
لم يفهم القرد الكلمات. لكنه فهم النبرة. كانت نبرة من لا يخاف. نبرة من جاء ليقتل، لا ليقاتل.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. في دقائق، كانت الشوارع قد امتلأت بالناس. كانوا يصرخون، يصفقون، يبكون من الفرح. بعضهم ركعوا على الأرض ورفعوا أيديهم إلى السماء شاكرين آلهة لا يعرفون أسماءها. وآخرون احتضنوا بعضهم.
“هذا… هذا مستحيل.”
زأر القرد بأعلى صوته. الأرض اهتزت، والطيور هربت من الأشجار القريبة. ثم انقض.
لم يصرخ هكذا منذ عقود. لم يتذكر حتى متى آخر مرة شعر فيها بهذا الألم. يده اليمنى تدلت بلا حراك، وعظامها تحطمت إلى قطع صغيرة.
لكمته كانت كالصاعقة. لو أصابت سور أفير، لكانت حطمته إلى نصفين. لو أصابت جبلاً صغيراً، لكانت فتحت فيه فجوة. كانت قوة خام، وحشية، لا تحتاج إلى تقنية.
الركلة أصابت الفك السفلي للقرد. سمع صوت تكسر مجدداً، وهذه المرة كان أعلى وأعمق. فك القرد تحطم إلى نصفين، ولسانه تدلى خارج فمه بلا سيطرة. الدم الأسود غطى صدره.
جلس أفاران على كرسي اللورد فالتر (الذي أصر على التنازل له مؤقتاً)، والناس كانوا يأتون تباعاً ليشكروه. بعضهم جلب له هدايا بسيطة: جبن، خبز، نبيذ محلي. وآخرون جلبوا له أطفالهم ليباركهم. وآخرون فقط أرادوا أن يلمسوا يده.
لكن أفاران لم يتراجع.
ابتسم فيرس ابتسامة أب يعرف أن ابنه لا يفكر في المال أو المجد، بل في شيء آخر لا يفهمه تماماً. “حسناً. سأخبر البقية.”
قابل اللكمة بلكمة أخرى.
“أحضره. أريد أن أراه.”
وقفت الشريحة تنبض في رأسه كقلب ثانٍ.
كانت اللكمة أسرع، وأقوى، وأكثر تركيزاً. لم يضرب القرد في قبضته فقط، بل ضرب العظم من الداخل. سمع صوت تكسر واضح ككسر غصن شجرة جاف.
الغابة الداخلية كانت مظلمة وباردة، ورائحة الدم والعفن كانت تملأ المكان. كان أفاران يتبع آثار الأقدام الضخمة بسهولة. القرد لم يحاول إخفاءها. كان واثقاً من قوته، متأكداً أن لا أحد يجرؤ على اقتحام عرينه.
“غداً،” قال نورد قبل أن يجلس.
ثم صرخ القرد.
“أهههخخخخ!”
“انتهى،” قال بصوت خافت، ثم بدأ السير عائداً نحو أفير.
لم يصرخ هكذا منذ عقود. لم يتذكر حتى متى آخر مرة شعر فيها بهذا الألم. يده اليمنى تدلت بلا حراك، وعظامها تحطمت إلى قطع صغيرة.
انتهى الحظر. انتهى الخوف. انتهى القرد اللعين الذي منعه من دخول غابته وجمع أعشابه.
لكن أفاران لم يتوقف. قفز في الهواء، ودور حول نفسه، ثم وجه ركلة قوية نحو رأس القرد.
أشار فالتر للحراس. فتحوا البوابة الرئيسية.
ثم رأوه.
الركلة أصابت الفك السفلي للقرد. سمع صوت تكسر مجدداً، وهذه المرة كان أعلى وأعمق. فك القرد تحطم إلى نصفين، ولسانه تدلى خارج فمه بلا سيطرة. الدم الأسود غطى صدره.
الركلة أصابت الفك السفلي للقرد. سمع صوت تكسر مجدداً، وهذه المرة كان أعلى وأعمق. فك القرد تحطم إلى نصفين، ولسانه تدلى خارج فمه بلا سيطرة. الدم الأسود غطى صدره.
القرد تراجع إلى الخلف، يحاول الهرب. لأول مرة في حياته، شعر بالخوف الحقيقي. ليس خوف المنافس، بل خوف الفريسة.
لكن أفاران لم يسمح له بالهرب.
وكان ينوي اكتشافه.
أمسك رمحه الأسود، وجمع قوته في ذراعه اليمنى. كانت عيناه تلمعان بضوء فضي خافت، وجسده كله كان يهتز بالطاقة. ثم أرجح الرمح، وضرب.
كان يعرف أن الموهبة وحدها لا تفعل هذا. كان يعرف أن هناك سراً ما.
قطعت الرمح رأس القرد عن جسده كالسكين في الزبدة.
“أنتما التاليان،” قال أفاران بصوت هادئ.
“أيها القرد العجوز اللعين الذي يريد أن يموت،” قال أفاران بصوته الجهير. “اخرج. أرني مؤخرة أمك. سأريكم كيف يموت الملوك.”
لم يكن هناك دماء كثيرة. الرمح كان حاداً جداً لدرجة أنه أغلق الأوعية الدموية وهو يقطعها. سقط الرأس على الأرض محدثاً صوتاً ثقيلاً، ثم تدحرج قليلاً قبل أن يستقر. عيناه الذهبيتان كانتا لا تزالان مفتوحتين، تنظران إلى السماء كما لو كانت تسأل: كيف؟
“هذا… هذا مستحيل.”
رفع القرد رأسه عندما شم رائحة البشر. عيناه الذهبيتان التقتا بعيني أفاران. زأر زئيراً تحذيرياً منخفضاً، لكنه لم يهاجم على الفور. كان يتأمل هذا الإنسان الجديد. كان مختلفاً عن سارجيس. كان أكبر، وأكثر هدوءاً، وأكثر… خطراً.
وقف أفاران فوق جثة القرد، ينظر إليه بلا شفقة. ثم نظر إلى الذئب والأيل اللذين كانا قد استيقظا من نومهما، ووقفا مرتجفين، لا يعرفان أيهما أسوأ: القرد الميت أم الإنسان الحي.
لكن أفاران لم يتوقف. قفز في الهواء، ودور حول نفسه، ثم وجه ركلة قوية نحو رأس القرد.
“أنتما التاليان،” قال أفاران بصوت هادئ.
لم يحتج إلى تكرار الكلام. قفز نحو الذئب أولاً، وطعنه برمحه في صدره قبل أن يركض. سقط الذئب ميتاً في ثانية. ثم التفت إلى الأيل، الذي حاول الهرب، لكن أفاران كان أسرع. رمحه طار في الهواء وغرز في رقبة الأيل من الخلف، فسقط الوحش على ركبتيه ثم انهار.
ابتسم ابتسامة عريضة، نادرة على وجهه الجاد.
رفع أفاران الرؤوس الثلاثة: رأس القرد، ورأس الذئب، ورأس الأيل. قطع حبلاً من شجرة قريبة، وربط الرؤوس به، ثم علق الحبل على كتفه.
“انتهى،” قال بصوت خافت، ثم بدأ السير عائداً نحو أفير.
أشار فالتر للحراس. فتحوا البوابة الرئيسية.
عند أسوار أفير، كان الحراس العشرة وسارجيس واقفين في حالة تأهب. لقد سمعوا الزئير من بعيد، الزئير الذي جعل قلوبهم ترتجف. لكنهم لم يتحركوا. كانوا ينتظرون.
“أحضره. أريد أن أراه.”
ثم رأوه.
جلس أفاران على كرسي اللورد فالتر (الذي أصر على التنازل له مؤقتاً)، والناس كانوا يأتون تباعاً ليشكروه. بعضهم جلب له هدايا بسيطة: جبن، خبز، نبيذ محلي. وآخرون جلبوا له أطفالهم ليباركهم. وآخرون فقط أرادوا أن يلمسوا يده.
أفاران كان يمشي ببطء نحو البوابة، وكأنه في نزهة مسائية. على كتفه، كانت تتدلى ثلاث رؤوس. رأس القرد كان أكبر من جسد رجل بالغ، وكانت عيناه لا تزالان مفتوحتين.
الثاني كان طفلاً صغيراً. نظر إلى رأس القرد، ثم بدأ يبكي.
“أنتما التاليان،” قال أفاران بصوت هادئ.
الحراس العشرة صمتوا للحظة. ثم بدأوا يهمسون.
“هذا… هذا مستحيل.”
نورد استيقظ مع شروق الشمس. كان نام باكراً في الليلة السابقة، بعد أن ظل ساهراً حتى منتصف الليل يحتفل مع تومان وبقية الشباب في الحانة. كان رأسه ثقيلاً قليلاً من البيرة، لكن قلبه كان خفيفاً.
“اللورد أفاران بنفسه؟”
“انتهى،” قال بصوت خافت، ثم بدأ السير عائداً نحو أفير.
“رأس القرد… مقطوع…”
أشار فالتر للحراس. فتحوا البوابة الرئيسية.
نورد كان واقفاً عند نافذة منزله عندما سمع الضجة. نزل إلى الشارع بسرعة، وركض نحو الساحة. دفع الناس جانباً حتى وصل إلى المقدمة.
نزل سارجيس من على السور بسرعة. كان يمشي نحو أستاذه بخطى متسارعة، ثم توقف على بعد خطوات منه. نظر إلى الرؤوس، ثم إلى أفاران، ثم ابتسم.
سارجيس انحنى وخرج.
ابتسم ابتسامة عريضة، نادرة على وجهه الجاد.
“حضرة الحاكم،” قال سارجيس وهو ينحني برأسه. “لقد أنجزت في دقائق ما عجزت أنا عن إنجازه في أسابيع.”
“أحضره. أريد أن أراه.”
“حضرة الحاكم،” قال سارجيس وهو ينحني برأسه. “لقد أنجزت في دقائق ما عجزت أنا عن إنجازه في أسابيع.”
أفاران رمى الرؤوس على الأرض أمام سارجيس. ارتطمت محدثة صوتاً ثقيلاً، وتدحرجت قليلاً.
أمسك رمحه الأسود، وجمع قوته في ذراعه اليمنى. كانت عيناه تلمعان بضوء فضي خافت، وجسده كله كان يهتز بالطاقة. ثم أرجح الرمح، وضرب.
أنتوني كان قد نزل أيضاً، ووقف إلى جانب سارجيس. لم ينحنِ، بل وقف منتصباً، وعيناه تلمعان بإعجاب ورهبة في نفس الوقت.
“الفرق بيني وبينك يا سارجيس،” قال أفاران، “أنك تحارب مثل الجندي. أنا أحارب مثل الحاكم. الجندي يريد الفوز. الحاكم يريد أن يمحو العدو من الوجود.”
“مات،” همس نورد لنفسه. “مات حقاً.”
انحنى سارجيس مجدداً. “متعلم يا سيدي.”
أنتوني كان قد نزل أيضاً، ووقف إلى جانب سارجيس. لم ينحنِ، بل وقف منتصباً، وعيناه تلمعان بإعجاب ورهبة في نفس الوقت.
قطعت الرمح رأس القرد عن جسده كالسكين في الزبدة.
قطعت الرمح رأس القرد عن جسده كالسكين في الزبدة.
“لقد علمتني كل ما أعرفه،” قال أنتوني. “لكن هذا… هذا يفوق تعليمك.”
كان مخطئاً.
ابتسم أفاران ابتسامة صغيرة. “أنت لا تزال صغيراً يا أنتوني. لديك وقت لتتعلم.”
اللورد فالتر، حاكم أفير، نزل من السور متأخراً. كان يمشي ببطء، وعيناه لا تصدقان ما تراه. وقف أمام أفاران، وفتح فمه ليقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج.
“لا تقل شيئاً،” قال أفاران. “فقط افتح البوابة ودع الناس يرون.”
نظر نورد إلى رأس القرد. كانت عيناه مفتوحتين، تنظران إلى السماء كما لو كانتا لا تصدقان ما حدث. الفك السفلي كان متحطماً، والدم الأسود كان لا يزال يقطر من الرقبة المقطوعة.
أشار فالتر للحراس. فتحوا البوابة الرئيسية.
أنتوني كان قد نزل أيضاً، ووقف إلى جانب سارجيس. لم ينحنِ، بل وقف منتصباً، وعيناه تلمعان بإعجاب ورهبة في نفس الوقت.
“لقد علمتني كل ما أعرفه،” قال أنتوني. “لكن هذا… هذا يفوق تعليمك.”
دخل أفاران إلى أفير والرؤوس الثلاثة لا تزال معلقة على كتفه. مشى في الشارع الرئيسي ببطء، والناس كانوا يخرجون من بيوتهم ليروا ما هذه الضجة.
جلس أفاران على كرسي اللورد فالتر (الذي أصر على التنازل له مؤقتاً)، والناس كانوا يأتون تباعاً ليشكروه. بعضهم جلب له هدايا بسيطة: جبن، خبز، نبيذ محلي. وآخرون جلبوا له أطفالهم ليباركهم. وآخرون فقط أرادوا أن يلمسوا يده.
أول من رآه كانت امرأة عجوز تبيع الخضار. نظرت إلى الرؤوس، ثم صرخت.
الثاني كان طفلاً صغيراً. نظر إلى رأس القرد، ثم بدأ يبكي.
“اللورد أفاران بنفسه؟”
الثالث كان جندياً جريحاً كان يتعافى في عيادة مؤقتة. نظر، ثم سجد على الأرض.
كان مخطئاً.
“الحاكم العسكري!” صرخ أحدهم.
نزل سارجيس من على السور بسرعة. كان يمشي نحو أستاذه بخطى متسارعة، ثم توقف على بعد خطوات منه. نظر إلى الرؤوس، ثم إلى أفاران، ثم ابتسم.
ثم صرخ آخر. ثم صرخ الكل.
رفع أفاران الرؤوس الثلاثة: رأس القرد، ورأس الذئب، ورأس الأيل. قطع حبلاً من شجرة قريبة، وربط الرؤوس به، ثم علق الحبل على كتفه.
“لقد علمتني كل ما أعرفه،” قال أنتوني. “لكن هذا… هذا يفوق تعليمك.”
“الحاكم العسكري قتل الوحش!”
“الرؤوس! انظروا إلى الرؤوس!”
اللورد فالتر، حاكم أفير، نزل من السور متأخراً. كان يمشي ببطء، وعيناه لا تصدقان ما تراه. وقف أمام أفاران، وفتح فمه ليقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج.
انحنى سارجيس مجدداً. “متعلم يا سيدي.”
“مات القرد! مات!”
رفع أفاران الرؤوس الثلاثة: رأس القرد، ورأس الذئب، ورأس الأيل. قطع حبلاً من شجرة قريبة، وربط الرؤوس به، ثم علق الحبل على كتفه.
“مات القرد! مات!”
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. في دقائق، كانت الشوارع قد امتلأت بالناس. كانوا يصرخون، يصفقون، يبكون من الفرح. بعضهم ركعوا على الأرض ورفعوا أيديهم إلى السماء شاكرين آلهة لا يعرفون أسماءها. وآخرون احتضنوا بعضهم.
لم يكن يعرف أن اللورد أفاران طلب رؤيته.
كانت ساحة أفير قد تحولت إلى ساحة احتفال.
جلس أفاران على كرسي اللورد فالتر (الذي أصر على التنازل له مؤقتاً)، والناس كانوا يأتون تباعاً ليشكروه. بعضهم جلب له هدايا بسيطة: جبن، خبز، نبيذ محلي. وآخرون جلبوا له أطفالهم ليباركهم. وآخرون فقط أرادوا أن يلمسوا يده.
كانت ساحة أفير قد تحولت إلى ساحة احتفال.
نورد كان واقفاً عند نافذة منزله عندما سمع الضجة. نزل إلى الشارع بسرعة، وركض نحو الساحة. دفع الناس جانباً حتى وصل إلى المقدمة.
“غداً،” قال نورد قبل أن يجلس.
هناك، رأى اللورد أفاران لأول مرة.
جلس أفاران وحده في الغرفة الكبيرة، ينظر من النافذة نحو الغابة البعيدة. كان يفكر في الفتى الذي وصل إلى نجمة واحدة في أقل من شهرين. في ابن جامع التحف العادي الذي أصبح مقاتلاً في وقت قياسي.
كان رجلاً ضخماً، أطول من أي رجل في أفير. شعره الأسود المصبوغ كان يلمع تحت الشمس، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تمسحان الحشد كنسر يبحث عن فريسة. كان يرتدي درعاً أسود بسيطاً، لكنه بدا عليه وكأنه لا يحتاج إلى درع.
الثاني كان طفلاً صغيراً. نظر إلى رأس القرد، ثم بدأ يبكي.
وعلى الأرض أمامه، كانت الرؤوس الثلاثة.
“لا تقل شيئاً،” قال أفاران. “فقط افتح البوابة ودع الناس يرون.”
القرد، الذئب، الأيل.
الثاني كان طفلاً صغيراً. نظر إلى رأس القرد، ثم بدأ يبكي.
جلس أفاران وحده في الغرفة الكبيرة، ينظر من النافذة نحو الغابة البعيدة. كان يفكر في الفتى الذي وصل إلى نجمة واحدة في أقل من شهرين. في ابن جامع التحف العادي الذي أصبح مقاتلاً في وقت قياسي.
نظر نورد إلى رأس القرد. كانت عيناه مفتوحتين، تنظران إلى السماء كما لو كانتا لا تصدقان ما حدث. الفك السفلي كان متحطماً، والدم الأسود كان لا يزال يقطر من الرقبة المقطوعة.
رفع يده إلى السماء وصرخ مع الناس. لم يكن يصرخ لأفاران، بل كان يصرخ للغابة التي سيعود إليها غداً.
“مات،” همس نورد لنفسه. “مات حقاً.”
الركلة أصابت الفك السفلي للقرد. سمع صوت تكسر مجدداً، وهذه المرة كان أعلى وأعمق. فك القرد تحطم إلى نصفين، ولسانه تدلى خارج فمه بلا سيطرة. الدم الأسود غطى صدره.
سارجيس نظر حوله. “لم أره اليوم. ربما في المنزل. أو في السوق.”
وقفت الشريحة تنبض في رأسه كقلب ثانٍ.
قابل اللكمة بلكمة أخرى.
تأكيد: الجد الفضي، مستوى ثلاث نجوم منخفض، تم القضاء عليه بواسطة اللورد أفاران، مستوى ثلاث نجوم متقدم. فارق مستوى واحد فقط، لكن الفارق في المهارة والقوة الخام كان هائلاً. هذا يدل على أن المستوى ليس كل شيء. التقنية، الخبرة، والوحشية تلعب أدواراً حاسمة.
رفع يده إلى السماء وصرخ مع الناس. لم يكن يصرخ لأفاران، بل كان يصرخ للغابة التي سيعود إليها غداً.
لم يفهم القرد الكلمات. لكنه فهم النبرة. كانت نبرة من لا يخاف. نبرة من جاء ليقتل، لا ليقاتل.
لم يهتم نورد بتحليل الشريحة الآن. كان يشعر بشيء واحد فقط: الفرج.
نظر نورد إلى رأس القرد. كانت عيناه مفتوحتين، تنظران إلى السماء كما لو كانتا لا تصدقان ما حدث. الفك السفلي كان متحطماً، والدم الأسود كان لا يزال يقطر من الرقبة المقطوعة.
انتهى الحظر. انتهى الخوف. انتهى القرد اللعين الذي منعه من دخول غابته وجمع أعشابه.
“انتهى،” قال بصوت خافت، ثم بدأ السير عائداً نحو أفير.
رفع يده إلى السماء وصرخ مع الناس. لم يكن يصرخ لأفاران، بل كان يصرخ للغابة التي سيعود إليها غداً.
“ماذا غداً؟”
في اليوم التالي، أصدر سارجيس قراراً رسمياً: إلغاء حظر التجول ليلاً، وإعادة فتح الغابة للمغامرين والصيادين وجامعي الأعشاب.
“حضرة الحاكم،” قال سارجيس وهو ينحني برأسه. “لقد أنجزت في دقائق ما عجزت أنا عن إنجازه في أسابيع.”
في المستقبل.
القرار نشر على جدران البلدة، وأعلنه المنادون في الساحات. الناس احتفلوا مجدداً، لكن بشكل أكثر هدوءاً هذه المرة. كانوا قد أنفقوا معظم فرحهم أمس.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. في دقائق، كانت الشوارع قد امتلأت بالناس. كانوا يصرخون، يصفقون، يبكون من الفرح. بعضهم ركعوا على الأرض ورفعوا أيديهم إلى السماء شاكرين آلهة لا يعرفون أسماءها. وآخرون احتضنوا بعضهم.
نورد استيقظ مع شروق الشمس. كان نام باكراً في الليلة السابقة، بعد أن ظل ساهراً حتى منتصف الليل يحتفل مع تومان وبقية الشباب في الحانة. كان رأسه ثقيلاً قليلاً من البيرة، لكن قلبه كان خفيفاً.
سارجيس نظر حوله. “لم أره اليوم. ربما في المنزل. أو في السوق.”
خرج من غرفته ووجد فيرس جالساً على طاولة المطبخ، يشرب قهوته الصباحية بهدوء.
“غداً،” قال نورد قبل أن يجلس.
وعلى الأرض أمامه، كانت الرؤوس الثلاثة.
“ماذا غداً؟”
الغابة الداخلية كانت مظلمة وباردة، ورائحة الدم والعفن كانت تملأ المكان. كان أفاران يتبع آثار الأقدام الضخمة بسهولة. القرد لم يحاول إخفاءها. كان واثقاً من قوته، متأكداً أن لا أحد يجرؤ على اقتحام عرينه.
اللورد فالتر، حاكم أفير، نزل من السور متأخراً. كان يمشي ببطء، وعيناه لا تصدقان ما تراه. وقف أمام أفاران، وفتح فمه ليقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج.
“سنذهب إلى الغابة. الفرقة كلها. سنجمع الأعشاب. سأخزن ما يكفي لشهرين على الأقل.”
بعد ساعة من السير المتواصل، وصل أفاران إلى فجوة واسعة بين الأشجار. كان القرد جالساً هناك، على عرش من الحجارة والخشب، محاطاً بجثث حيوانات أكلها وأخرى استعملها كزينة. إلى جانبه، كان الذئب الأسود ينام، والأيل العجوز يقف حارساً. الثعلب الأبيض كان قد مات من جراحه منذ أسبوع، وأكلته الوحوش الصغيرة.
ابتسم فيرس ابتسامة أب يعرف أن ابنه لا يفكر في المال أو المجد، بل في شيء آخر لا يفهمه تماماً. “حسناً. سأخبر البقية.”
أول من رآه كانت امرأة عجوز تبيع الخضار. نظرت إلى الرؤوس، ثم صرخت.
في القصر، كان اللورد أفاران يُستقبل بحفاوة هائلة.
لم يكن يحب الاحتفالات. كان يفضّل العودة إلى مكتبه في جورجان، والنوم في سريره المريح، ونسيان هذه المغامرة الصغيرة. لكن سارجيس أصر على أن يبقى يوماً واحداً على الأقل، “ليرى الناس وجه منقذهم”.
“اللورد أفاران بنفسه؟”
أمسك رمحه الأسود، وجمع قوته في ذراعه اليمنى. كانت عيناه تلمعان بضوء فضي خافت، وجسده كله كان يهتز بالطاقة. ثم أرجح الرمح، وضرب.
جلس أفاران على كرسي اللورد فالتر (الذي أصر على التنازل له مؤقتاً)، والناس كانوا يأتون تباعاً ليشكروه. بعضهم جلب له هدايا بسيطة: جبن، خبز، نبيذ محلي. وآخرون جلبوا له أطفالهم ليباركهم. وآخرون فقط أرادوا أن يلمسوا يده.
وقف أفاران فوق جثة القرد، ينظر إليه بلا شفقة. ثم نظر إلى الذئب والأيل اللذين كانا قد استيقظا من نومهما، ووقفا مرتجفين، لا يعرفان أيهما أسوأ: القرد الميت أم الإنسان الحي.
أفاران تحمل كل هذا بصبر مذهل. كان يبتسم ابتسامة مصطنعة، ويشكر الناس بكلمات قصيرة، ويلمس رؤوس الأطفال دون حماس.
لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء آخر.
“سارجيس،” همس في أذن نائبه عندما انتهى الصف مؤقتاً. “أين ذاك الفتى؟ نورد كاسيان؟”
سارجيس نظر حوله. “لم أره اليوم. ربما في المنزل. أو في السوق.”
“أحضره. أريد أن أراه.”
سارجيس انحنى وخرج.
“سيدي، إنه مجرد فتى موهوب. ليس لديه أي أهمية عسكرية.”
نظر أفاران إلى سارجيس بعينيه الرماديتين الباردتين. “أنا لم أسأل عن أهميته العسكرية. قلت أحضره.”
القرد تراجع إلى الخلف، يحاول الهرب. لأول مرة في حياته، شعر بالخوف الحقيقي. ليس خوف المنافس، بل خوف الفريسة.
رفع يده إلى السماء وصرخ مع الناس. لم يكن يصرخ لأفاران، بل كان يصرخ للغابة التي سيعود إليها غداً.
سارجيس انحنى وخرج.
“هذا… هذا مستحيل.”
جلس أفاران وحده في الغرفة الكبيرة، ينظر من النافذة نحو الغابة البعيدة. كان يفكر في الفتى الذي وصل إلى نجمة واحدة في أقل من شهرين. في ابن جامع التحف العادي الذي أصبح مقاتلاً في وقت قياسي.
كان يعرف أن الموهبة وحدها لا تفعل هذا. كان يعرف أن هناك سراً ما.
وكان ينوي اكتشافه.
أفاران كان يمشي ببطء نحو البوابة، وكأنه في نزهة مسائية. على كتفه، كانت تتدلى ثلاث رؤوس. رأس القرد كان أكبر من جسد رجل بالغ، وكانت عيناه لا تزالان مفتوحتين.
في منزل نورد، كان نورد يجهز حقيبة ظهره للغد. وضع فيها قوارير فارغة لجمع الأعشاب، وسكيناً صغيراً، وضمادات، وزجاجة ماء، وبعض الطعام الجاف.
“هذا… هذا مستحيل.”
لم يكن يعرف أن اللورد أفاران طلب رؤيته.
“حضرة الحاكم،” قال سارجيس وهو ينحني برأسه. “لقد أنجزت في دقائق ما عجزت أنا عن إنجازه في أسابيع.”
“الرؤوس! انظروا إلى الرؤوس!”
لم يكن يعرف أن حياته كانت على وشك التغيير مجدداً.
وقفت الشريحة تنبض في رأسه كقلب ثانٍ.
كان فقط يفكر في الغابة. في الأعشاب التي سيجمعها. في التقدم الذي سيحرزه.
هناك، رأى اللورد أفاران لأول مرة.
“رأس القرد… مقطوع…”
في المستقبل.
