تمثيلية البكاء
كان نورد منهمكاً في تجهيز حقيبة ظهره عندما سمع طرقاً عنيفاً على باب المنزل.
“بأمر اللورد أفاران، الحاكم العسكري لمقاطعة جورجان. مطلوب حضورك فوراً.”
لم يكن طرقاً عادياً. كان طرقاً بقبضات حديدية، يتكرر كل ثانية وكأن صاحبه لا يعرف معنى الانتظار. وضع نورد القارورة التي كان يمسكها على السرير، وتوجه إلى الباب.
قبل أن يصل، كان الباب قد فُتح بالفعل.
جنديان يرتديان درعاً أسود اللون، مختلفاً عن درع جنود سارجيس. كان درعاً أغمق، وأكثر سمكاً، يحمل شعاراً لم يره نورد من قبل: نسر ذو رأسين يطير فوق جبل. كان الدرع يلمع ببريق غريب، كأنه مصنوع من معدن ليس حديداً عادياً.
نورد لم يجب. لم يستطع أن يجيب. ضغط الهالة كان لا يزال على صدره، وكان تركيزه كله منصباً على التنفس فقط.
“نورد كاسيان؟” سأل الجندي الأول، وكان أطول منه برأس كاملة.
صعدوا الدرج الحلزوني إلى الطابق العلوي، حيث كانت غرفة الاستقبال الرئيسية. عند الباب، وقف حارسان آخران، أحدهما فتح الباب لهما.
“نعم. من أنتما؟”
“بأمر اللورد أفاران، الحاكم العسكري لمقاطعة جورجان. مطلوب حضورك فوراً.”
هذا جيد. الدمعة الأولى طبيعية من الألم. استغلها. اجعل وجهك يعبر عن الخوف، وليس فقط الألم الجسدي. انظر إليه بعيون خائفة. ارتجف قليلاً. أنت لست بحاجة إلى تمثيل كبير، فقط القليل من الارتجال.
شعر نورد ببرودة تسري في عموده الفقري. اللورد أفاران. حاكم المقاطعة. الرجل الذي قتل الجد الفضي بلكمة واحدة. الرجل الذي كانت قصصه تروى في الحانات كأساطير. الرجل الذي يبلغ من القوة ما لا يحلم به نورد حتى في أحلامه المبللة بالعرق.
“ليس لدي سر يا حضرة الحاكم،” قال نورد بصوت حاول أن يجعله هادئاً. “أنا فقط أتدرب بجد. والدي يساعدني بالأعشاب. وهذا كل شيء.”
“لماذا؟” سأل نورد، محاولاً إبقاء صوته هادئاً.
“الأوامر لا تُسأل عن سببها. تعال معنا.”
ثم عاد لينظر إلى نورد. “حسناً. سأصدقك. ليس لأنك مقنع، بل لأنني لا أملك سبباً لعدم تصديقك.” توقف لحظة. “ولكن سأراقبك. إن كنت تخفي شيئاً، فسأعرفه. وعندها، ستتمنى أن القرد هو من كان يقف أمامك وليس أنا.”
من خلفه، سمع نورد خطوات والده. فيرس كان واقفاً عند باب غرفته، وجهه شاحباً، وعيناه تحاولان فهم ما يحدث.
نظر نورد إلى الجندي. كان يبحث في عينيه عن كذب، عن خداع، عن أي شيء يوحي بأن وعده لا يساوي شيئاً. لم يجد شيئاً. كان الجندي صادقاً، أو على الأقل كان ماهراً في التظاهر بالصدق.
“ماذا تريدون من ابني؟” سأل فيرس بصوت لم يخفِ قلقه.
الجندي الثاني، الأقصر لكن عضلاته كانت أكبر، نظر إلى فيرس بازدراء. “لقد سمعت الجواب. الأوامر لا تُسأل عن سببها.”
“إبني لم يفعل شيئاً! هو مجرد فتى!”
مشى نورد خلف الجنديين عبر شوارع أفير. الناس كانوا ينظرون إليه بنظرات مختلفة: الخوف، الشفقة، الفضول. بعضهم همس لآخر، وبعضهم الآخر أغمض أعينهم كأنهم لم يروا شيئاً.
“لن نكرر أنفسنا.”
لم يكن طرقاً عادياً. كان طرقاً بقبضات حديدية، يتكرر كل ثانية وكأن صاحبه لا يعرف معنى الانتظار. وضع نورد القارورة التي كان يمسكها على السرير، وتوجه إلى الباب.
تقدم فيرس خطوة نحو الجندي، ربما ليحتج، ربما ليحمي ابنه، ربما فقط ليقف في وجهه. لم يعرف نورد ما كان يفكر فيه والده، لكنه عرف النتيجة قبل أن تحدث.
نظر نورد إلى الجندي. كان يبحث في عينيه عن كذب، عن خداع، عن أي شيء يوحي بأن وعده لا يساوي شيئاً. لم يجد شيئاً. كان الجندي صادقاً، أو على الأقل كان ماهراً في التظاهر بالصدق.
الجندي الثاني تحرك بسرعة لم يكن نورد متوقعاً. صفعة واحدة على صدر فيرس كانت كافية ليرتد إلى الخلف، يسقط على الأرض، ويصطدم رأسه بالجدار الخشبي. لم يصرخ، فقط تنفس بصعوبة، وعيناه كانتا لا تزالان مفتوحتين، تنظران إلى السقف.
جنديان يرتديان درعاً أسود اللون، مختلفاً عن درع جنود سارجيس. كان درعاً أغمق، وأكثر سمكاً، يحمل شعاراً لم يره نورد من قبل: نسر ذو رأسين يطير فوق جبل. كان الدرع يلمع ببريق غريب، كأنه مصنوع من معدن ليس حديداً عادياً.
صعدوا الدرج الحلزوني إلى الطابق العلوي، حيث كانت غرفة الاستقبال الرئيسية. عند الباب، وقف حارسان آخران، أحدهما فتح الباب لهما.
“أبي!” صرخ نورد، واندفع نحو والده.
من خلفه، سمع نورد خطوات والده. فيرس كان واقفاً عند باب غرفته، وجهه شاحباً، وعيناه تحاولان فهم ما يحدث.
“الأعشاب؟” رفع أفاران حاجبه. “وماذا تأكل بالضبط؟”
لكن الجندي الأول أمسك بذراعه بقوة، كأن يده كانت كماشة حديدية.
“لن تتركه. الجيش ليس سجناً. ستتدرب في مدينة جورجان لستة أشهر، ثم تعود. وإذا أثبت جدارتك، فستكون جزءاً من قوة الرد السريع، وتتمركز في أفير نفسها.”
تحليل القبضة: قوة تزيد عن طاقة المستخدم القصوى بـ 300%. لا محاولة للهرب.
“لا تقلق،” قال الجندي الأول بصوت لم يكن قاسياً بقدر ما كان محايداً. “أمر الحاكم العسكري هو لقاء ابنك، ليس قتله. لو أراد قتله، لكان أرسلنا برأسه في كيس.”
ابتسم أفاران ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه. “همم. وسرعة تدريب الذهن لديك؟ حسب نمو وعيك، تقدر بنحو 60% من نجمة واحدة. في أقل من ثلاثة أشهر؟ هذا ليس تدريباً بجد. هذا خارق للعادة.”
نورد كان يرتجف من الغضب والخوف معاً. نظر إلى والده الذي كان يحاول النهوض ببطء، وجهه شاحب لكنه لم يصب بجروح خطيرة.
“نورد كاسيان؟” سأل الجندي الأول، وكان أطول منه برأس كاملة.
“إذا وافقت على الذهاب بهدوء،” تابع الجندي الأول، “فلن يؤذي أحد والدك. هذا وعد من قائد حراس الحاكم العسكري. كلمتي هي شرفي.”
نظر نورد إلى الجندي. كان يبحث في عينيه عن كذب، عن خداع، عن أي شيء يوحي بأن وعده لا يساوي شيئاً. لم يجد شيئاً. كان الجندي صادقاً، أو على الأقل كان ماهراً في التظاهر بالصدق.
“الانضمام إلى جيشي.”
“أرجوك… لا تؤذيني… أنا لا أعرف شيئاً…”
“حسناً،” قال نورد بصوت أجش. “سأذهب معكما. لكن إن مسستما والدي مجدداً، فسأقتلكما. لا يهم إن كنتما أقوى مني. سأحاول حتى الموت.”
ابتسم الجندي الأول ابتسامة صغيرة. “شجاع. لكن غبي. هذا يذكرني بنفسي في عمرك. تعال.”
“أبي!” صرخ نورد، واندفع نحو والده.
أشار أفاران إلى أنتوني. “اكتب هذه القائمة. أرسلها إلى مختبرات المدينة. ربما تكون هذه الأعشاب أكثر فعالية مما نعتقد.”
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
“أنا أسألك،” قال أفاران، وصوته أصبح أكثر حدة. “ما سرك؟ كيف وصلت إلى هذه القوة في فترة وجيزة؟”
فيرس كان قد نهض أخيراً، ووقف على عتبة الباب، ينظر إلى ابنه وهو يبتعد. لم يقل شيئاً. لم يكن هناك ما يقوله. الكلمات في مواقف كهذه تكون عاجزة دائماً.
نورد شعر بالصدمة. كيف عرف أفاران نسبة تقدمه في الذهن؟ لم يخبر أحداً. حتى فيرس لم يكن يعرف التفاصيل.
“إبني لم يفعل شيئاً! هو مجرد فتى!”
مشى نورد خلف الجنديين عبر شوارع أفير. الناس كانوا ينظرون إليه بنظرات مختلفة: الخوف، الشفقة، الفضول. بعضهم همس لآخر، وبعضهم الآخر أغمض أعينهم كأنهم لم يروا شيئاً.
ابتسم أفاران ابتسامة عريضة. “طبعاً. لست طاغية. خذ أسبوعاً. ناقش مع والدك. ثم أرسل لي جوابك مع سارجيس.”
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
دخلوا القصر. كان القصر صغيراً مقارنة بقصور المدن الكبيرة، لكنه كان أفخم مبنى في أفير. جدرانه الحجرية كانت مدهونة باللون الأبيض، وأرضيته كانت من الرخام المستورد من مدينة جورجان. الثريات النحاسية كانت تتدلى من السقف، وفيها شموع مشتعلة رغم أن النهار كان لا يزال في أوله.
تحليل: الحاكم يقيس مستوى وعيك من خلال مقاومتك لضغط هالته. كلما زادت المقاومة، كلما زاد الوعي. ليس لديه أرقام دقيقة، لكن تقديره قريب من الواقع. استمر في الإنكار. يجب أن تلعب دور المراهق الخائف. لا تتصرف كجاسوس محترف، بل كصبي مرعوب من رجل أقوى منه بألف مرة.
صعدوا الدرج الحلزوني إلى الطابق العلوي، حيث كانت غرفة الاستقبال الرئيسية. عند الباب، وقف حارسان آخران، أحدهما فتح الباب لهما.
ضحك أفاران.
لم يكن ألماً، بل كان ثقلاً. كأن الهواء أصبح أثقل فجأة، كأن أحداً وضع جبلاً صغيراً على كتفيه، كأن قلبه كان يحاول أن ينبض تحت مطرقة.
دخل نورد.
كانت الغرفة واسعة، تتسع لخمسين شخصاً على الأقل. في نهايتها، كان هناك كرسي مرتفع، ليس عرشاً لكنه قريب منه. كان من خشب أسود منحوت، ومزيناً بذهب أحمر، ومغطى بمخمل أرجواني.
عليه، كان يجلس اللورد أفاران.
نورد كان يفكر. الشريحة كانت تعمل في صمت.
لم يكن نورد قد رآه عن قرب من قبل. رآه من بعيد بالأمس، عندما دخل البلدة والرؤوس معلقة على كتفه. لكن من بعيد كان مجرد شكل. من قريب، كان شيئاً آخر.
“أنا أسألك،” قال أفاران، وصوته أصبح أكثر حدة. “ما سرك؟ كيف وصلت إلى هذه القوة في فترة وجيزة؟”
نورد لم يجب. لم يستطع أن يجيب. ضغط الهالة كان لا يزال على صدره، وكان تركيزه كله منصباً على التنفس فقط.
كان جسده ضخماً، ليس كفريد الذي كانت عضلاته بارزة بشكل مصطنع، بل كجسد رجل عرف كيف يستخدم كل سنتيمتر منه في القتال. كتفاه عريضان، ورقبته غليظة، ويداه اللتان تستندان على مسندي الكرسي كانتا كبيرتين حتى لأصابعهما. شعره الأسود المصبوغ كان مصففاً للخلف، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تثبتان على نورد كعينيّ صقر.
كان الصوت ضعيفاً، مبحوحاً، فيه شيئ من طفل ضائع يبحث عن أمه.
على يمينه، كان سارجيس واقفاً، وجهه كعادته صارم ومحايد. على يساره، كان أنتوني واقفاً، وعيناه الزرقاوان تفحصان نورد بفضول واضح.
تحذير: ضغط هالة قادم من اللورد أفاران. المستوى المقدر: نجمة ثلاث متقدم. الهدف على ما يبدو: قياس مستوى مقاومة المستخدم ومدى تطور وعيه. لا تقاوم. استرخِ. التنفس الطبيعي هو أفضل استجابة.
وقبل أن ينطق أحد بأي كلمة، شعر نورد بشيء يضغط على صدره.
تحليل القبضة: قوة تزيد عن طاقة المستخدم القصوى بـ 300%. لا محاولة للهرب.
لم يكن ألماً، بل كان ثقلاً. كأن الهواء أصبح أثقل فجأة، كأن أحداً وضع جبلاً صغيراً على كتفيه، كأن قلبه كان يحاول أن ينبض تحت مطرقة.
تحذير: ضغط هالة قادم من اللورد أفاران. المستوى المقدر: نجمة ثلاث متقدم. الهدف على ما يبدو: قياس مستوى مقاومة المستخدم ومدى تطور وعيه. لا تقاوم. استرخِ. التنفس الطبيعي هو أفضل استجابة.
تحليل القبضة: قوة تزيد عن طاقة المستخدم القصوى بـ 300%. لا محاولة للهرب.
حاول نورد أن يتنفس ببطء، كما تفعل الشريحة. كان صعباً. كل شهقة كانت تتطلب جهداً، وكل زفرة كانت تحرر القليل من الثقل لكنه سرعان ما عاد.
“نورد كاسيان،” قال أفاران بصوته الجهير الذي ملأ الغرفة. “ستة عشر عاماً. ابن فيرس كاسيان، جامع تحف. بدأت التدريب على القتال قبل أقل من ثلاثة أشهر. والآن أنت في نجمة واحدة منخفضة في القتال، وقريباً من نجمة واحدة في الذهن.”
تحليل القبضة: قوة تزيد عن طاقة المستخدم القصوى بـ 300%. لا محاولة للهرب.
توقف للحظة، وعيناه لم تفارقا وجه نورد.
حاول نورد أن يبتلع كرامته.
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
“هذا تقدم لا يحدث إلا لاثنين من البشر: أولئك الذين يملكون مواهب خارقة، وأولئك الذين يملكون أسراراً خفية. أيهما أنت؟”
نورد كان يفكر. الشريحة كانت تعمل في صمت.
نورد لم يجب. لم يستطع أن يجيب. ضغط الهالة كان لا يزال على صدره، وكان تركيزه كله منصباً على التنفس فقط.
“أنا أسألك،” قال أفاران، وصوته أصبح أكثر حدة. “ما سرك؟ كيف وصلت إلى هذه القوة في فترة وجيزة؟”
توصية: لا تعترف. الحاكم ليس لديه دليل. هو يختبرك فقط. استمر في الإنكار.
لم يكن نورد قد رآه عن قرب من قبل. رآه من بعيد بالأمس، عندما دخل البلدة والرؤوس معلقة على كتفه. لكن من بعيد كان مجرد شكل. من قريب، كان شيئاً آخر.
“ليس لدي سر يا حضرة الحاكم،” قال نورد بصوت حاول أن يجعله هادئاً. “أنا فقط أتدرب بجد. والدي يساعدني بالأعشاب. وهذا كل شيء.”
ثم عاد لينظر إلى نورد. “حسناً. سأصدقك. ليس لأنك مقنع، بل لأنني لا أملك سبباً لعدم تصديقك.” توقف لحظة. “ولكن سأراقبك. إن كنت تخفي شيئاً، فسأعرفه. وعندها، ستتمنى أن القرد هو من كان يقف أمامك وليس أنا.”
ابتسم أفاران ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه. “همم. وسرعة تدريب الذهن لديك؟ حسب نمو وعيك، تقدر بنحو 60% من نجمة واحدة. في أقل من ثلاثة أشهر؟ هذا ليس تدريباً بجد. هذا خارق للعادة.”
لم يكن طرقاً عادياً. كان طرقاً بقبضات حديدية، يتكرر كل ثانية وكأن صاحبه لا يعرف معنى الانتظار. وضع نورد القارورة التي كان يمسكها على السرير، وتوجه إلى الباب.
نورد شعر بالصدمة. كيف عرف أفاران نسبة تقدمه في الذهن؟ لم يخبر أحداً. حتى فيرس لم يكن يعرف التفاصيل.
تحليل: الحاكم يقيس مستوى وعيك من خلال مقاومتك لضغط هالته. كلما زادت المقاومة، كلما زاد الوعي. ليس لديه أرقام دقيقة، لكن تقديره قريب من الواقع. استمر في الإنكار. يجب أن تلعب دور المراهق الخائف. لا تتصرف كجاسوس محترف، بل كصبي مرعوب من رجل أقوى منه بألف مرة.
تحليل الفرصة: إيجابيات: تدريب أفضل، أعشاب متوفرة، علاقات مع النخبة، حماية من أي تهديد مستقبلي. سلبيات: مراقبة دائمة من أفاران، فقدان الحرية الجزئي، الانفصال عن والده مؤقتاً. التوصية: قبول العرض حالياً، مع طلب مهلة للتفكير والاستشارة.
وزاد أفاران الضغط.
نورد ارتجف قليلاً. هذه المرة، لم يكن تمثيلاً كاملاً. كان خوفاً حقيقياً مختلطاً بالتمثيل.
شعر نورد بألم في رأسه كأن مسامير صغيرة تُدق في جمجمته. لم يكن ألماً شديداً لدرجة تجعله يصرخ، لكنه كان كافياً ليجعله يمسك رأسه بيد واحدة، وعيناه تدمعان رغماً عنه.
لكنه جرب.
هذا جيد. الدمعة الأولى طبيعية من الألم. استغلها. اجعل وجهك يعبر عن الخوف، وليس فقط الألم الجسدي. انظر إليه بعيون خائفة. ارتجف قليلاً. أنت لست بحاجة إلى تمثيل كبير، فقط القليل من الارتجال.
“ماذا يا حضرة الحاكم؟”
“أقسم يا حضرة الحاكم العسكري،” قال نورد بصوت اهتز قليلاً، “أنا مجرد فتى. لا أعرف أي سر. لا أعرف أي شيء. فقط أتدرب، وآكل الأعشاب، وأقرأ الكتب. هذا كل شيء.”
التعليمات التالية: الآن يجب أن تبكي. ليس بكاءً هستيرياً، بل بكاء مراهق خائف. دموع قليلة، صوت مبحوح، وجه منكسر. لا تبالغ، وإلا سيكشفك.
وقبل أن ينطق أحد بأي كلمة، شعر نورد بشيء يضغط على صدره.
جنديان يرتديان درعاً أسود اللون، مختلفاً عن درع جنود سارجيس. كان درعاً أغمق، وأكثر سمكاً، يحمل شعاراً لم يره نورد من قبل: نسر ذو رأسين يطير فوق جبل. كان الدرع يلمع ببريق غريب، كأنه مصنوع من معدن ليس حديداً عادياً.
حاول نورد أن يبتلع كرامته.
كان يعرف أن أفاران أقوى منه بألف مرة، وأنه لو أراد قتله، لكان نورد قد مات وهو لا يزال في منزله. لكن تمثيل الخوف كان صعباً على شخص كان يخاف الموت فعلاً. الخوف الحقيقي كان موجوداً، لكنه كان خوفاً عقلانياً، لا انفعالياً. أما تمثيل الخوف الانفعالي، فكان كأنه يمثل شخصاً آخر.
لكنه جرب.
“أنا حقاً لا أعرف كيف،” قال نورد بصوت لا يزال مرتجفاً قليلاً. “لكني أتدرب وأتناول الأعشاب. لهذا وصلت إلى هذا المستوى.”
تحليل القبضة: قوة تزيد عن طاقة المستخدم القصوى بـ 300%. لا محاولة للهرب.
نظر إلى أفاران بعيون مدمعة. ارتجفت شفته السفلى قليلاً. تنفس بصعوبة، ليس من ضغط الهالة فقط، بل من التمثيل أيضاً.
“الآن،” قال أفاران، وابتسامته عادت إلى وجهه. “لنتحدث بجدية. أريد أن أعرض عليك شيئاً.”
“أرجوك… لا تؤذيني… أنا لا أعرف شيئاً…”
“لن نكرر أنفسنا.”
كان الصوت ضعيفاً، مبحوحاً، فيه شيئ من طفل ضائع يبحث عن أمه.
قبل أن يصل، كان الباب قد فُتح بالفعل.
كان نورد منهمكاً في تجهيز حقيبة ظهره عندما سمع طرقاً عنيفاً على باب المنزل.
صمت أفاران للحظة، وعيناه تحللان كل تفصيلة في وجه نورد.
تحليل: الحاكم يقيس مستوى وعيك من خلال مقاومتك لضغط هالته. كلما زادت المقاومة، كلما زاد الوعي. ليس لديه أرقام دقيقة، لكن تقديره قريب من الواقع. استمر في الإنكار. يجب أن تلعب دور المراهق الخائف. لا تتصرف كجاسوس محترف، بل كصبي مرعوب من رجل أقوى منه بألف مرة.
ثم خفف الضغط.
“الأوامر لا تُسأل عن سببها. تعال معنا.”
تنفس نورد الصعداء، وألم رأسه بدأ يختفي تدريجياً. لم يمسح دموعه. تركها تجف على وجهه، لأن مسحها كان سيكون تصرفاً واعياً جداً للمراهق الخائف الذي يدّعي أنه.
ضحك أفاران.
“الآن،” قال أفاران، وابتسامته عادت إلى وجهه. “لنتحدث بجدية. أريد أن أعرض عليك شيئاً.”
“هذا تقدم لا يحدث إلا لاثنين من البشر: أولئك الذين يملكون مواهب خارقة، وأولئك الذين يملكون أسراراً خفية. أيهما أنت؟”
كانت ضحكة عالية، صافية، ملأت الغرفة. حتى سارجيس ابتسم قليلاً، وأنتوني أرخى كتفيه الذي كان قد شدهما بتوتر.
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
“أنا أسألك،” قال أفاران، وصوته أصبح أكثر حدة. “ما سرك؟ كيف وصلت إلى هذه القوة في فترة وجيزة؟”
“ههههههههههه!” ضحك أفاران، وهو يهز رأسه. “شاب جيد. بذرة جيدة. أعتقد أن لديك موهبة حقيقية. لا أعتقد أن شخصاً يخبئ شيئاً سيفلت من ضغطي المرعب بهذه السهولة.”
“مرعب” كانت كلمة مبالغ فيها، لكن نورد لم يعلق. بقي واقفاً، ورأسه منحني قليلاً، وعيناه على الأرض.
“أنا حقاً لا أعرف كيف،” قال نورد بصوت لا يزال مرتجفاً قليلاً. “لكني أتدرب وأتناول الأعشاب. لهذا وصلت إلى هذا المستوى.”
“الأعشاب؟” رفع أفاران حاجبه. “وماذا تأكل بالضبط؟”
ضحك أفاران.
نظر إلى أفاران بعيون مدمعة. ارتجفت شفته السفلى قليلاً. تنفس بصعوبة، ليس من ضغط الهالة فقط، بل من التمثيل أيضاً.
“عشبة الجندي الصامد، جذر السنّور الأزرق، زهرة اللهب الهادئ. وأحياناً عشبة قدم القرد إن وجدت.”
أشار أفاران إلى أنتوني. “اكتب هذه القائمة. أرسلها إلى مختبرات المدينة. ربما تكون هذه الأعشاب أكثر فعالية مما نعتقد.”
ثم عاد لينظر إلى نورد. “حسناً. سأصدقك. ليس لأنك مقنع، بل لأنني لا أملك سبباً لعدم تصديقك.” توقف لحظة. “ولكن سأراقبك. إن كنت تخفي شيئاً، فسأعرفه. وعندها، ستتمنى أن القرد هو من كان يقف أمامك وليس أنا.”
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
نورد ارتجف قليلاً. هذه المرة، لم يكن تمثيلاً كاملاً. كان خوفاً حقيقياً مختلطاً بالتمثيل.
“أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول…”
ضحك أفاران.
“الآن،” قال أفاران، وابتسامته عادت إلى وجهه. “لنتحدث بجدية. أريد أن أعرض عليك شيئاً.”
“أبي!” صرخ نورد، واندفع نحو والده.
“ماذا يا حضرة الحاكم؟”
وقبل أن ينطق أحد بأي كلمة، شعر نورد بشيء يضغط على صدره.
شعر نورد ببرودة تسري في عموده الفقري. اللورد أفاران. حاكم المقاطعة. الرجل الذي قتل الجد الفضي بلكمة واحدة. الرجل الذي كانت قصصه تروى في الحانات كأساطير. الرجل الذي يبلغ من القوة ما لا يحلم به نورد حتى في أحلامه المبللة بالعرق.
“الانضمام إلى جيشي.”
كان جسده ضخماً، ليس كفريد الذي كانت عضلاته بارزة بشكل مصطنع، بل كجسد رجل عرف كيف يستخدم كل سنتيمتر منه في القتال. كتفاه عريضان، ورقبته غليظة، ويداه اللتان تستندان على مسندي الكرسي كانتا كبيرتين حتى لأصابعهما. شعره الأسود المصبوغ كان مصففاً للخلف، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تثبتان على نورد كعينيّ صقر.
وبينهما، كان على نورد أن يختار.
صمت نورد.
أشار أفاران إلى أنتوني. “اكتب هذه القائمة. أرسلها إلى مختبرات المدينة. ربما تكون هذه الأعشاب أكثر فعالية مما نعتقد.”
الجندي الثاني تحرك بسرعة لم يكن نورد متوقعاً. صفعة واحدة على صدر فيرس كانت كافية ليرتد إلى الخلف، يسقط على الأرض، ويصطدم رأسه بالجدار الخشبي. لم يصرخ، فقط تنفس بصعوبة، وعيناه كانتا لا تزالان مفتوحتين، تنظران إلى السقف.
لم يتوقع هذا. كان يتوقع استجواباً، تعذيباً، ربما سجناً. لكن عرض عمل؟ من حاكم المقاطعة نفسه؟
كان الصوت ضعيفاً، مبحوحاً، فيه شيئ من طفل ضائع يبحث عن أمه.
“أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول…”
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
“لا تقل شيئاً الآن. فكر. جيشي ليس جيشاً عادياً. إنه نخبة مقاطعة جورجان. التدريب هناك أفضل مما يمكن أن يقدمه والدك أو أي معلم في هذه البلدة الصغيرة. الأعشاب متوفرة بكثرة. والرفقة…” أشار إلى أنتوني. “مثل أنتوني، سيكونون زملاءك.”
نظر نورد إلى أنتوني. كان الرجل الشاب ينظر إليه بعيون لم تكن باردة ولا دافئة، فقط فضولية.
جنديان يرتديان درعاً أسود اللون، مختلفاً عن درع جنود سارجيس. كان درعاً أغمق، وأكثر سمكاً، يحمل شعاراً لم يره نورد من قبل: نسر ذو رأسين يطير فوق جبل. كان الدرع يلمع ببريق غريب، كأنه مصنوع من معدن ليس حديداً عادياً.
“لا أستطيع ترك والدي،” قال نورد، وكان هذا صحيحاً جزئياً.
“لن تتركه. الجيش ليس سجناً. ستتدرب في مدينة جورجان لستة أشهر، ثم تعود. وإذا أثبت جدارتك، فستكون جزءاً من قوة الرد السريع، وتتمركز في أفير نفسها.”
“لا تقل شيئاً الآن. فكر. جيشي ليس جيشاً عادياً. إنه نخبة مقاطعة جورجان. التدريب هناك أفضل مما يمكن أن يقدمه والدك أو أي معلم في هذه البلدة الصغيرة. الأعشاب متوفرة بكثرة. والرفقة…” أشار إلى أنتوني. “مثل أنتوني، سيكونون زملاءك.”
“لن تتركه. الجيش ليس سجناً. ستتدرب في مدينة جورجان لستة أشهر، ثم تعود. وإذا أثبت جدارتك، فستكون جزءاً من قوة الرد السريع، وتتمركز في أفير نفسها.”
“أنا حقاً لا أعرف كيف،” قال نورد بصوت لا يزال مرتجفاً قليلاً. “لكني أتدرب وأتناول الأعشاب. لهذا وصلت إلى هذا المستوى.”
نورد كان يفكر. الشريحة كانت تعمل في صمت.
قبل أن يصل، كان الباب قد فُتح بالفعل.
تحليل الفرصة: إيجابيات: تدريب أفضل، أعشاب متوفرة، علاقات مع النخبة، حماية من أي تهديد مستقبلي. سلبيات: مراقبة دائمة من أفاران، فقدان الحرية الجزئي، الانفصال عن والده مؤقتاً. التوصية: قبول العرض حالياً، مع طلب مهلة للتفكير والاستشارة.
“هل يمكنني التفكير؟” سأل نورد. “وأخذ رأي والدي؟”
ابتسم أفاران ابتسامة عريضة. “طبعاً. لست طاغية. خذ أسبوعاً. ناقش مع والدك. ثم أرسل لي جوابك مع سارجيس.”
نظر نورد إلى أنتوني. كان الرجل الشاب ينظر إليه بعيون لم تكن باردة ولا دافئة، فقط فضولية.
“شكراً لك يا حضرة الحاكم.”
ثم عاد لينظر إلى نورد. “حسناً. سأصدقك. ليس لأنك مقنع، بل لأنني لا أملك سبباً لعدم تصديقك.” توقف لحظة. “ولكن سأراقبك. إن كنت تخفي شيئاً، فسأعرفه. وعندها، ستتمنى أن القرد هو من كان يقف أمامك وليس أنا.”
“لا تشكرني قبل أن توافق.” وقف أفاران من كرسيه، وأشار إلى الباب. “يمكنك العودة الآن. الجنديان سيرافقانك.”
صمت نورد.
صمت نورد.
انحنى نورد، ثم مشى نحو الباب. كان يشعر بثقل في خطواته، ليس من ضغط الهالة، بل من ثقل القرار.
عند الباب، التفت للحظة. نظر إلى أفاران، إلى سارجيس، إلى أنتوني. ثلاثة من أقوى الناس في المقاطعة، وكلهم كانوا ينظرون إليه.
خرج من القصر، وعيناه على الأرض. الجنديان سارا خلفه بصمت.
لم يكن ألماً، بل كان ثقلاً. كأن الهواء أصبح أثقل فجأة، كأن أحداً وضع جبلاً صغيراً على كتفيه، كأن قلبه كان يحاول أن ينبض تحت مطرقة.
كانت الشوارع لا تزال كما تركها، والناس لا تزال تنظر إليه، لكن كل شيء كان مختلفاً الآن.
من خلفه، سمع نورد خطوات والده. فيرس كان واقفاً عند باب غرفته، وجهه شاحباً، وعيناه تحاولان فهم ما يحدث.
مشى نورد خلف الجنديين عبر شوارع أفير. الناس كانوا ينظرون إليه بنظرات مختلفة: الخوف، الشفقة، الفضول. بعضهم همس لآخر، وبعضهم الآخر أغمض أعينهم كأنهم لم يروا شيئاً.
كان عرضاً لا يُرفض بسهولة، وكان سراً لا يُحفظ بسهولة.
كانت الشوارع لا تزال كما تركها، والناس لا تزال تنظر إليه، لكن كل شيء كان مختلفاً الآن.
ضحك أفاران.
وبينهما، كان على نورد أن يختار.
ضحك أفاران.
