تمثيلية البكاء
كان نورد منهمكاً في تجهيز حقيبة ظهره عندما سمع طرقاً عنيفاً على باب المنزل.
نورد ارتجف قليلاً. هذه المرة، لم يكن تمثيلاً كاملاً. كان خوفاً حقيقياً مختلطاً بالتمثيل.
لم يكن طرقاً عادياً. كان طرقاً بقبضات حديدية، يتكرر كل ثانية وكأن صاحبه لا يعرف معنى الانتظار. وضع نورد القارورة التي كان يمسكها على السرير، وتوجه إلى الباب.
“لن تتركه. الجيش ليس سجناً. ستتدرب في مدينة جورجان لستة أشهر، ثم تعود. وإذا أثبت جدارتك، فستكون جزءاً من قوة الرد السريع، وتتمركز في أفير نفسها.”
قبل أن يصل، كان الباب قد فُتح بالفعل.
“شكراً لك يا حضرة الحاكم.”
جنديان يرتديان درعاً أسود اللون، مختلفاً عن درع جنود سارجيس. كان درعاً أغمق، وأكثر سمكاً، يحمل شعاراً لم يره نورد من قبل: نسر ذو رأسين يطير فوق جبل. كان الدرع يلمع ببريق غريب، كأنه مصنوع من معدن ليس حديداً عادياً.
حاول نورد أن يبتلع كرامته.
“نورد كاسيان؟” سأل الجندي الأول، وكان أطول منه برأس كاملة.
“أبي!” صرخ نورد، واندفع نحو والده.
كان عرضاً لا يُرفض بسهولة، وكان سراً لا يُحفظ بسهولة.
“نعم. من أنتما؟”
ابتسم أفاران ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه. “همم. وسرعة تدريب الذهن لديك؟ حسب نمو وعيك، تقدر بنحو 60% من نجمة واحدة. في أقل من ثلاثة أشهر؟ هذا ليس تدريباً بجد. هذا خارق للعادة.”
“بأمر اللورد أفاران، الحاكم العسكري لمقاطعة جورجان. مطلوب حضورك فوراً.”
كان يعرف أن أفاران أقوى منه بألف مرة، وأنه لو أراد قتله، لكان نورد قد مات وهو لا يزال في منزله. لكن تمثيل الخوف كان صعباً على شخص كان يخاف الموت فعلاً. الخوف الحقيقي كان موجوداً، لكنه كان خوفاً عقلانياً، لا انفعالياً. أما تمثيل الخوف الانفعالي، فكان كأنه يمثل شخصاً آخر.
كانت الغرفة واسعة، تتسع لخمسين شخصاً على الأقل. في نهايتها، كان هناك كرسي مرتفع، ليس عرشاً لكنه قريب منه. كان من خشب أسود منحوت، ومزيناً بذهب أحمر، ومغطى بمخمل أرجواني.
شعر نورد ببرودة تسري في عموده الفقري. اللورد أفاران. حاكم المقاطعة. الرجل الذي قتل الجد الفضي بلكمة واحدة. الرجل الذي كانت قصصه تروى في الحانات كأساطير. الرجل الذي يبلغ من القوة ما لا يحلم به نورد حتى في أحلامه المبللة بالعرق.
“لماذا؟” سأل نورد، محاولاً إبقاء صوته هادئاً.
“الأوامر لا تُسأل عن سببها. تعال معنا.”
من خلفه، سمع نورد خطوات والده. فيرس كان واقفاً عند باب غرفته، وجهه شاحباً، وعيناه تحاولان فهم ما يحدث.
حاول نورد أن يتنفس ببطء، كما تفعل الشريحة. كان صعباً. كل شهقة كانت تتطلب جهداً، وكل زفرة كانت تحرر القليل من الثقل لكنه سرعان ما عاد.
وزاد أفاران الضغط.
“ماذا تريدون من ابني؟” سأل فيرس بصوت لم يخفِ قلقه.
وزاد أفاران الضغط.
نظر نورد إلى الجندي. كان يبحث في عينيه عن كذب، عن خداع، عن أي شيء يوحي بأن وعده لا يساوي شيئاً. لم يجد شيئاً. كان الجندي صادقاً، أو على الأقل كان ماهراً في التظاهر بالصدق.
الجندي الثاني، الأقصر لكن عضلاته كانت أكبر، نظر إلى فيرس بازدراء. “لقد سمعت الجواب. الأوامر لا تُسأل عن سببها.”
“عشبة الجندي الصامد، جذر السنّور الأزرق، زهرة اللهب الهادئ. وأحياناً عشبة قدم القرد إن وجدت.”
“إبني لم يفعل شيئاً! هو مجرد فتى!”
“لن نكرر أنفسنا.”
“لا تشكرني قبل أن توافق.” وقف أفاران من كرسيه، وأشار إلى الباب. “يمكنك العودة الآن. الجنديان سيرافقانك.”
تقدم فيرس خطوة نحو الجندي، ربما ليحتج، ربما ليحمي ابنه، ربما فقط ليقف في وجهه. لم يعرف نورد ما كان يفكر فيه والده، لكنه عرف النتيجة قبل أن تحدث.
الجندي الثاني تحرك بسرعة لم يكن نورد متوقعاً. صفعة واحدة على صدر فيرس كانت كافية ليرتد إلى الخلف، يسقط على الأرض، ويصطدم رأسه بالجدار الخشبي. لم يصرخ، فقط تنفس بصعوبة، وعيناه كانتا لا تزالان مفتوحتين، تنظران إلى السقف.
“ههههههههههه!” ضحك أفاران، وهو يهز رأسه. “شاب جيد. بذرة جيدة. أعتقد أن لديك موهبة حقيقية. لا أعتقد أن شخصاً يخبئ شيئاً سيفلت من ضغطي المرعب بهذه السهولة.”
“أبي!” صرخ نورد، واندفع نحو والده.
لكن الجندي الأول أمسك بذراعه بقوة، كأن يده كانت كماشة حديدية.
ابتسم الجندي الأول ابتسامة صغيرة. “شجاع. لكن غبي. هذا يذكرني بنفسي في عمرك. تعال.”
لم يكن ألماً، بل كان ثقلاً. كأن الهواء أصبح أثقل فجأة، كأن أحداً وضع جبلاً صغيراً على كتفيه، كأن قلبه كان يحاول أن ينبض تحت مطرقة.
تحليل القبضة: قوة تزيد عن طاقة المستخدم القصوى بـ 300%. لا محاولة للهرب.
انحنى نورد، ثم مشى نحو الباب. كان يشعر بثقل في خطواته، ليس من ضغط الهالة، بل من ثقل القرار.
“شكراً لك يا حضرة الحاكم.”
“لا تقلق،” قال الجندي الأول بصوت لم يكن قاسياً بقدر ما كان محايداً. “أمر الحاكم العسكري هو لقاء ابنك، ليس قتله. لو أراد قتله، لكان أرسلنا برأسه في كيس.”
“نعم. من أنتما؟”
نورد كان يرتجف من الغضب والخوف معاً. نظر إلى والده الذي كان يحاول النهوض ببطء، وجهه شاحب لكنه لم يصب بجروح خطيرة.
“إذا وافقت على الذهاب بهدوء،” تابع الجندي الأول، “فلن يؤذي أحد والدك. هذا وعد من قائد حراس الحاكم العسكري. كلمتي هي شرفي.”
“أنا حقاً لا أعرف كيف،” قال نورد بصوت لا يزال مرتجفاً قليلاً. “لكني أتدرب وأتناول الأعشاب. لهذا وصلت إلى هذا المستوى.”
“أنا أسألك،” قال أفاران، وصوته أصبح أكثر حدة. “ما سرك؟ كيف وصلت إلى هذه القوة في فترة وجيزة؟”
نظر نورد إلى الجندي. كان يبحث في عينيه عن كذب، عن خداع، عن أي شيء يوحي بأن وعده لا يساوي شيئاً. لم يجد شيئاً. كان الجندي صادقاً، أو على الأقل كان ماهراً في التظاهر بالصدق.
“حسناً،” قال نورد بصوت أجش. “سأذهب معكما. لكن إن مسستما والدي مجدداً، فسأقتلكما. لا يهم إن كنتما أقوى مني. سأحاول حتى الموت.”
دخل نورد.
ابتسم الجندي الأول ابتسامة صغيرة. “شجاع. لكن غبي. هذا يذكرني بنفسي في عمرك. تعال.”
“نعم. من أنتما؟”
لم يتوقع هذا. كان يتوقع استجواباً، تعذيباً، ربما سجناً. لكن عرض عمل؟ من حاكم المقاطعة نفسه؟
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
تحليل: الحاكم يقيس مستوى وعيك من خلال مقاومتك لضغط هالته. كلما زادت المقاومة، كلما زاد الوعي. ليس لديه أرقام دقيقة، لكن تقديره قريب من الواقع. استمر في الإنكار. يجب أن تلعب دور المراهق الخائف. لا تتصرف كجاسوس محترف، بل كصبي مرعوب من رجل أقوى منه بألف مرة.
فيرس كان قد نهض أخيراً، ووقف على عتبة الباب، ينظر إلى ابنه وهو يبتعد. لم يقل شيئاً. لم يكن هناك ما يقوله. الكلمات في مواقف كهذه تكون عاجزة دائماً.
تنفس نورد الصعداء، وألم رأسه بدأ يختفي تدريجياً. لم يمسح دموعه. تركها تجف على وجهه، لأن مسحها كان سيكون تصرفاً واعياً جداً للمراهق الخائف الذي يدّعي أنه.
مشى نورد خلف الجنديين عبر شوارع أفير. الناس كانوا ينظرون إليه بنظرات مختلفة: الخوف، الشفقة، الفضول. بعضهم همس لآخر، وبعضهم الآخر أغمض أعينهم كأنهم لم يروا شيئاً.
انحنى نورد، ثم مشى نحو الباب. كان يشعر بثقل في خطواته، ليس من ضغط الهالة، بل من ثقل القرار.
ضحك أفاران.
دخلوا القصر. كان القصر صغيراً مقارنة بقصور المدن الكبيرة، لكنه كان أفخم مبنى في أفير. جدرانه الحجرية كانت مدهونة باللون الأبيض، وأرضيته كانت من الرخام المستورد من مدينة جورجان. الثريات النحاسية كانت تتدلى من السقف، وفيها شموع مشتعلة رغم أن النهار كان لا يزال في أوله.
لم يكن نورد قد رآه عن قرب من قبل. رآه من بعيد بالأمس، عندما دخل البلدة والرؤوس معلقة على كتفه. لكن من بعيد كان مجرد شكل. من قريب، كان شيئاً آخر.
صعدوا الدرج الحلزوني إلى الطابق العلوي، حيث كانت غرفة الاستقبال الرئيسية. عند الباب، وقف حارسان آخران، أحدهما فتح الباب لهما.
“بأمر اللورد أفاران، الحاكم العسكري لمقاطعة جورجان. مطلوب حضورك فوراً.”
“نورد كاسيان،” قال أفاران بصوته الجهير الذي ملأ الغرفة. “ستة عشر عاماً. ابن فيرس كاسيان، جامع تحف. بدأت التدريب على القتال قبل أقل من ثلاثة أشهر. والآن أنت في نجمة واحدة منخفضة في القتال، وقريباً من نجمة واحدة في الذهن.”
دخل نورد.
كانت الغرفة واسعة، تتسع لخمسين شخصاً على الأقل. في نهايتها، كان هناك كرسي مرتفع، ليس عرشاً لكنه قريب منه. كان من خشب أسود منحوت، ومزيناً بذهب أحمر، ومغطى بمخمل أرجواني.
عليه، كان يجلس اللورد أفاران.
لم يكن نورد قد رآه عن قرب من قبل. رآه من بعيد بالأمس، عندما دخل البلدة والرؤوس معلقة على كتفه. لكن من بعيد كان مجرد شكل. من قريب، كان شيئاً آخر.
كان جسده ضخماً، ليس كفريد الذي كانت عضلاته بارزة بشكل مصطنع، بل كجسد رجل عرف كيف يستخدم كل سنتيمتر منه في القتال. كتفاه عريضان، ورقبته غليظة، ويداه اللتان تستندان على مسندي الكرسي كانتا كبيرتين حتى لأصابعهما. شعره الأسود المصبوغ كان مصففاً للخلف، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تثبتان على نورد كعينيّ صقر.
“لا تقل شيئاً الآن. فكر. جيشي ليس جيشاً عادياً. إنه نخبة مقاطعة جورجان. التدريب هناك أفضل مما يمكن أن يقدمه والدك أو أي معلم في هذه البلدة الصغيرة. الأعشاب متوفرة بكثرة. والرفقة…” أشار إلى أنتوني. “مثل أنتوني، سيكونون زملاءك.”
على يمينه، كان سارجيس واقفاً، وجهه كعادته صارم ومحايد. على يساره، كان أنتوني واقفاً، وعيناه الزرقاوان تفحصان نورد بفضول واضح.
وقبل أن ينطق أحد بأي كلمة، شعر نورد بشيء يضغط على صدره.
تقدم فيرس خطوة نحو الجندي، ربما ليحتج، ربما ليحمي ابنه، ربما فقط ليقف في وجهه. لم يعرف نورد ما كان يفكر فيه والده، لكنه عرف النتيجة قبل أن تحدث.
لم يكن ألماً، بل كان ثقلاً. كأن الهواء أصبح أثقل فجأة، كأن أحداً وضع جبلاً صغيراً على كتفيه، كأن قلبه كان يحاول أن ينبض تحت مطرقة.
دخل نورد.
تحذير: ضغط هالة قادم من اللورد أفاران. المستوى المقدر: نجمة ثلاث متقدم. الهدف على ما يبدو: قياس مستوى مقاومة المستخدم ومدى تطور وعيه. لا تقاوم. استرخِ. التنفس الطبيعي هو أفضل استجابة.
حاول نورد أن يتنفس ببطء، كما تفعل الشريحة. كان صعباً. كل شهقة كانت تتطلب جهداً، وكل زفرة كانت تحرر القليل من الثقل لكنه سرعان ما عاد.
حاول نورد أن يتنفس ببطء، كما تفعل الشريحة. كان صعباً. كل شهقة كانت تتطلب جهداً، وكل زفرة كانت تحرر القليل من الثقل لكنه سرعان ما عاد.
كانت الشوارع لا تزال كما تركها، والناس لا تزال تنظر إليه، لكن كل شيء كان مختلفاً الآن.
“نورد كاسيان،” قال أفاران بصوته الجهير الذي ملأ الغرفة. “ستة عشر عاماً. ابن فيرس كاسيان، جامع تحف. بدأت التدريب على القتال قبل أقل من ثلاثة أشهر. والآن أنت في نجمة واحدة منخفضة في القتال، وقريباً من نجمة واحدة في الذهن.”
نورد ارتجف قليلاً. هذه المرة، لم يكن تمثيلاً كاملاً. كان خوفاً حقيقياً مختلطاً بالتمثيل.
توقف للحظة، وعيناه لم تفارقا وجه نورد.
ترك نورد ذراعه، وسار خلف الجنديين إلى خارج المنزل.
“هذا تقدم لا يحدث إلا لاثنين من البشر: أولئك الذين يملكون مواهب خارقة، وأولئك الذين يملكون أسراراً خفية. أيهما أنت؟”
“عشبة الجندي الصامد، جذر السنّور الأزرق، زهرة اللهب الهادئ. وأحياناً عشبة قدم القرد إن وجدت.”
التعليمات التالية: الآن يجب أن تبكي. ليس بكاءً هستيرياً، بل بكاء مراهق خائف. دموع قليلة، صوت مبحوح، وجه منكسر. لا تبالغ، وإلا سيكشفك.
نورد لم يجب. لم يستطع أن يجيب. ضغط الهالة كان لا يزال على صدره، وكان تركيزه كله منصباً على التنفس فقط.
كان جسده ضخماً، ليس كفريد الذي كانت عضلاته بارزة بشكل مصطنع، بل كجسد رجل عرف كيف يستخدم كل سنتيمتر منه في القتال. كتفاه عريضان، ورقبته غليظة، ويداه اللتان تستندان على مسندي الكرسي كانتا كبيرتين حتى لأصابعهما. شعره الأسود المصبوغ كان مصففاً للخلف، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تثبتان على نورد كعينيّ صقر.
“أنا أسألك،” قال أفاران، وصوته أصبح أكثر حدة. “ما سرك؟ كيف وصلت إلى هذه القوة في فترة وجيزة؟”
على يمينه، كان سارجيس واقفاً، وجهه كعادته صارم ومحايد. على يساره، كان أنتوني واقفاً، وعيناه الزرقاوان تفحصان نورد بفضول واضح.
صمت نورد.
توصية: لا تعترف. الحاكم ليس لديه دليل. هو يختبرك فقط. استمر في الإنكار.
نظر نورد إلى الجندي. كان يبحث في عينيه عن كذب، عن خداع، عن أي شيء يوحي بأن وعده لا يساوي شيئاً. لم يجد شيئاً. كان الجندي صادقاً، أو على الأقل كان ماهراً في التظاهر بالصدق.
“ليس لدي سر يا حضرة الحاكم،” قال نورد بصوت حاول أن يجعله هادئاً. “أنا فقط أتدرب بجد. والدي يساعدني بالأعشاب. وهذا كل شيء.”
ابتسم أفاران ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه. “همم. وسرعة تدريب الذهن لديك؟ حسب نمو وعيك، تقدر بنحو 60% من نجمة واحدة. في أقل من ثلاثة أشهر؟ هذا ليس تدريباً بجد. هذا خارق للعادة.”
تحذير: ضغط هالة قادم من اللورد أفاران. المستوى المقدر: نجمة ثلاث متقدم. الهدف على ما يبدو: قياس مستوى مقاومة المستخدم ومدى تطور وعيه. لا تقاوم. استرخِ. التنفس الطبيعي هو أفضل استجابة.
نورد شعر بالصدمة. كيف عرف أفاران نسبة تقدمه في الذهن؟ لم يخبر أحداً. حتى فيرس لم يكن يعرف التفاصيل.
نورد كان يفكر. الشريحة كانت تعمل في صمت.
تحليل: الحاكم يقيس مستوى وعيك من خلال مقاومتك لضغط هالته. كلما زادت المقاومة، كلما زاد الوعي. ليس لديه أرقام دقيقة، لكن تقديره قريب من الواقع. استمر في الإنكار. يجب أن تلعب دور المراهق الخائف. لا تتصرف كجاسوس محترف، بل كصبي مرعوب من رجل أقوى منه بألف مرة.
التعليمات التالية: الآن يجب أن تبكي. ليس بكاءً هستيرياً، بل بكاء مراهق خائف. دموع قليلة، صوت مبحوح، وجه منكسر. لا تبالغ، وإلا سيكشفك.
وزاد أفاران الضغط.
شعر نورد بألم في رأسه كأن مسامير صغيرة تُدق في جمجمته. لم يكن ألماً شديداً لدرجة تجعله يصرخ، لكنه كان كافياً ليجعله يمسك رأسه بيد واحدة، وعيناه تدمعان رغماً عنه.
“الأوامر لا تُسأل عن سببها. تعال معنا.”
هذا جيد. الدمعة الأولى طبيعية من الألم. استغلها. اجعل وجهك يعبر عن الخوف، وليس فقط الألم الجسدي. انظر إليه بعيون خائفة. ارتجف قليلاً. أنت لست بحاجة إلى تمثيل كبير، فقط القليل من الارتجال.
“أقسم يا حضرة الحاكم العسكري،” قال نورد بصوت اهتز قليلاً، “أنا مجرد فتى. لا أعرف أي سر. لا أعرف أي شيء. فقط أتدرب، وآكل الأعشاب، وأقرأ الكتب. هذا كل شيء.”
لم يكن طرقاً عادياً. كان طرقاً بقبضات حديدية، يتكرر كل ثانية وكأن صاحبه لا يعرف معنى الانتظار. وضع نورد القارورة التي كان يمسكها على السرير، وتوجه إلى الباب.
“إبني لم يفعل شيئاً! هو مجرد فتى!”
التعليمات التالية: الآن يجب أن تبكي. ليس بكاءً هستيرياً، بل بكاء مراهق خائف. دموع قليلة، صوت مبحوح، وجه منكسر. لا تبالغ، وإلا سيكشفك.
تحليل الفرصة: إيجابيات: تدريب أفضل، أعشاب متوفرة، علاقات مع النخبة، حماية من أي تهديد مستقبلي. سلبيات: مراقبة دائمة من أفاران، فقدان الحرية الجزئي، الانفصال عن والده مؤقتاً. التوصية: قبول العرض حالياً، مع طلب مهلة للتفكير والاستشارة.
“أنا حقاً لا أعرف كيف،” قال نورد بصوت لا يزال مرتجفاً قليلاً. “لكني أتدرب وأتناول الأعشاب. لهذا وصلت إلى هذا المستوى.”
حاول نورد أن يبتلع كرامته.
“لا تقلق،” قال الجندي الأول بصوت لم يكن قاسياً بقدر ما كان محايداً. “أمر الحاكم العسكري هو لقاء ابنك، ليس قتله. لو أراد قتله، لكان أرسلنا برأسه في كيس.”
كان يعرف أن أفاران أقوى منه بألف مرة، وأنه لو أراد قتله، لكان نورد قد مات وهو لا يزال في منزله. لكن تمثيل الخوف كان صعباً على شخص كان يخاف الموت فعلاً. الخوف الحقيقي كان موجوداً، لكنه كان خوفاً عقلانياً، لا انفعالياً. أما تمثيل الخوف الانفعالي، فكان كأنه يمثل شخصاً آخر.
لكنه جرب.
“ماذا تريدون من ابني؟” سأل فيرس بصوت لم يخفِ قلقه.
نورد شعر بالصدمة. كيف عرف أفاران نسبة تقدمه في الذهن؟ لم يخبر أحداً. حتى فيرس لم يكن يعرف التفاصيل.
نظر إلى أفاران بعيون مدمعة. ارتجفت شفته السفلى قليلاً. تنفس بصعوبة، ليس من ضغط الهالة فقط، بل من التمثيل أيضاً.
“هل يمكنني التفكير؟” سأل نورد. “وأخذ رأي والدي؟”
“أرجوك… لا تؤذيني… أنا لا أعرف شيئاً…”
كان الصوت ضعيفاً، مبحوحاً، فيه شيئ من طفل ضائع يبحث عن أمه.
كان الصوت ضعيفاً، مبحوحاً، فيه شيئ من طفل ضائع يبحث عن أمه.
صمت أفاران للحظة، وعيناه تحللان كل تفصيلة في وجه نورد.
ضحك أفاران.
ثم خفف الضغط.
تنفس نورد الصعداء، وألم رأسه بدأ يختفي تدريجياً. لم يمسح دموعه. تركها تجف على وجهه، لأن مسحها كان سيكون تصرفاً واعياً جداً للمراهق الخائف الذي يدّعي أنه.
نورد ارتجف قليلاً. هذه المرة، لم يكن تمثيلاً كاملاً. كان خوفاً حقيقياً مختلطاً بالتمثيل.
ضحك أفاران.
كان يعرف أن أفاران أقوى منه بألف مرة، وأنه لو أراد قتله، لكان نورد قد مات وهو لا يزال في منزله. لكن تمثيل الخوف كان صعباً على شخص كان يخاف الموت فعلاً. الخوف الحقيقي كان موجوداً، لكنه كان خوفاً عقلانياً، لا انفعالياً. أما تمثيل الخوف الانفعالي، فكان كأنه يمثل شخصاً آخر.
كانت ضحكة عالية، صافية، ملأت الغرفة. حتى سارجيس ابتسم قليلاً، وأنتوني أرخى كتفيه الذي كان قد شدهما بتوتر.
نظر نورد إلى أنتوني. كان الرجل الشاب ينظر إليه بعيون لم تكن باردة ولا دافئة، فقط فضولية.
وبينهما، كان على نورد أن يختار.
“ههههههههههه!” ضحك أفاران، وهو يهز رأسه. “شاب جيد. بذرة جيدة. أعتقد أن لديك موهبة حقيقية. لا أعتقد أن شخصاً يخبئ شيئاً سيفلت من ضغطي المرعب بهذه السهولة.”
نظر إلى أفاران بعيون مدمعة. ارتجفت شفته السفلى قليلاً. تنفس بصعوبة، ليس من ضغط الهالة فقط، بل من التمثيل أيضاً.
“مرعب” كانت كلمة مبالغ فيها، لكن نورد لم يعلق. بقي واقفاً، ورأسه منحني قليلاً، وعيناه على الأرض.
لم يكن ألماً، بل كان ثقلاً. كأن الهواء أصبح أثقل فجأة، كأن أحداً وضع جبلاً صغيراً على كتفيه، كأن قلبه كان يحاول أن ينبض تحت مطرقة.
“أنا حقاً لا أعرف كيف،” قال نورد بصوت لا يزال مرتجفاً قليلاً. “لكني أتدرب وأتناول الأعشاب. لهذا وصلت إلى هذا المستوى.”
انحنى نورد، ثم مشى نحو الباب. كان يشعر بثقل في خطواته، ليس من ضغط الهالة، بل من ثقل القرار.
تحليل الفرصة: إيجابيات: تدريب أفضل، أعشاب متوفرة، علاقات مع النخبة، حماية من أي تهديد مستقبلي. سلبيات: مراقبة دائمة من أفاران، فقدان الحرية الجزئي، الانفصال عن والده مؤقتاً. التوصية: قبول العرض حالياً، مع طلب مهلة للتفكير والاستشارة.
“الأعشاب؟” رفع أفاران حاجبه. “وماذا تأكل بالضبط؟”
“ماذا يا حضرة الحاكم؟”
“عشبة الجندي الصامد، جذر السنّور الأزرق، زهرة اللهب الهادئ. وأحياناً عشبة قدم القرد إن وجدت.”
“لا أستطيع ترك والدي،” قال نورد، وكان هذا صحيحاً جزئياً.
أشار أفاران إلى أنتوني. “اكتب هذه القائمة. أرسلها إلى مختبرات المدينة. ربما تكون هذه الأعشاب أكثر فعالية مما نعتقد.”
ثم عاد لينظر إلى نورد. “حسناً. سأصدقك. ليس لأنك مقنع، بل لأنني لا أملك سبباً لعدم تصديقك.” توقف لحظة. “ولكن سأراقبك. إن كنت تخفي شيئاً، فسأعرفه. وعندها، ستتمنى أن القرد هو من كان يقف أمامك وليس أنا.”
“عشبة الجندي الصامد، جذر السنّور الأزرق، زهرة اللهب الهادئ. وأحياناً عشبة قدم القرد إن وجدت.”
نورد ارتجف قليلاً. هذه المرة، لم يكن تمثيلاً كاملاً. كان خوفاً حقيقياً مختلطاً بالتمثيل.
ضحك أفاران.
عليه، كان يجلس اللورد أفاران.
“الآن،” قال أفاران، وابتسامته عادت إلى وجهه. “لنتحدث بجدية. أريد أن أعرض عليك شيئاً.”
“مرعب” كانت كلمة مبالغ فيها، لكن نورد لم يعلق. بقي واقفاً، ورأسه منحني قليلاً، وعيناه على الأرض.
وقبل أن ينطق أحد بأي كلمة، شعر نورد بشيء يضغط على صدره.
“ماذا يا حضرة الحاكم؟”
“هذا تقدم لا يحدث إلا لاثنين من البشر: أولئك الذين يملكون مواهب خارقة، وأولئك الذين يملكون أسراراً خفية. أيهما أنت؟”
تحذير: ضغط هالة قادم من اللورد أفاران. المستوى المقدر: نجمة ثلاث متقدم. الهدف على ما يبدو: قياس مستوى مقاومة المستخدم ومدى تطور وعيه. لا تقاوم. استرخِ. التنفس الطبيعي هو أفضل استجابة.
“الانضمام إلى جيشي.”
“الانضمام إلى جيشي.”
كان جسده ضخماً، ليس كفريد الذي كانت عضلاته بارزة بشكل مصطنع، بل كجسد رجل عرف كيف يستخدم كل سنتيمتر منه في القتال. كتفاه عريضان، ورقبته غليظة، ويداه اللتان تستندان على مسندي الكرسي كانتا كبيرتين حتى لأصابعهما. شعره الأسود المصبوغ كان مصففاً للخلف، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تثبتان على نورد كعينيّ صقر.
صمت نورد.
“أقسم يا حضرة الحاكم العسكري،” قال نورد بصوت اهتز قليلاً، “أنا مجرد فتى. لا أعرف أي سر. لا أعرف أي شيء. فقط أتدرب، وآكل الأعشاب، وأقرأ الكتب. هذا كل شيء.”
قبل أن يصل، كان الباب قد فُتح بالفعل.
لم يتوقع هذا. كان يتوقع استجواباً، تعذيباً، ربما سجناً. لكن عرض عمل؟ من حاكم المقاطعة نفسه؟
“إذا وافقت على الذهاب بهدوء،” تابع الجندي الأول، “فلن يؤذي أحد والدك. هذا وعد من قائد حراس الحاكم العسكري. كلمتي هي شرفي.”
“أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول…”
كانت ضحكة عالية، صافية، ملأت الغرفة. حتى سارجيس ابتسم قليلاً، وأنتوني أرخى كتفيه الذي كان قد شدهما بتوتر.
“لا تقل شيئاً الآن. فكر. جيشي ليس جيشاً عادياً. إنه نخبة مقاطعة جورجان. التدريب هناك أفضل مما يمكن أن يقدمه والدك أو أي معلم في هذه البلدة الصغيرة. الأعشاب متوفرة بكثرة. والرفقة…” أشار إلى أنتوني. “مثل أنتوني، سيكونون زملاءك.”
“أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول…”
نظر نورد إلى أنتوني. كان الرجل الشاب ينظر إليه بعيون لم تكن باردة ولا دافئة، فقط فضولية.
“لماذا؟” سأل نورد، محاولاً إبقاء صوته هادئاً.
“لا أستطيع ترك والدي،” قال نورد، وكان هذا صحيحاً جزئياً.
انحنى نورد، ثم مشى نحو الباب. كان يشعر بثقل في خطواته، ليس من ضغط الهالة، بل من ثقل القرار.
“أرجوك… لا تؤذيني… أنا لا أعرف شيئاً…”
“لن تتركه. الجيش ليس سجناً. ستتدرب في مدينة جورجان لستة أشهر، ثم تعود. وإذا أثبت جدارتك، فستكون جزءاً من قوة الرد السريع، وتتمركز في أفير نفسها.”
نورد كان يفكر. الشريحة كانت تعمل في صمت.
كان جسده ضخماً، ليس كفريد الذي كانت عضلاته بارزة بشكل مصطنع، بل كجسد رجل عرف كيف يستخدم كل سنتيمتر منه في القتال. كتفاه عريضان، ورقبته غليظة، ويداه اللتان تستندان على مسندي الكرسي كانتا كبيرتين حتى لأصابعهما. شعره الأسود المصبوغ كان مصففاً للخلف، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تثبتان على نورد كعينيّ صقر.
“أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول…”
تحليل الفرصة: إيجابيات: تدريب أفضل، أعشاب متوفرة، علاقات مع النخبة، حماية من أي تهديد مستقبلي. سلبيات: مراقبة دائمة من أفاران، فقدان الحرية الجزئي، الانفصال عن والده مؤقتاً. التوصية: قبول العرض حالياً، مع طلب مهلة للتفكير والاستشارة.
“الانضمام إلى جيشي.”
“هل يمكنني التفكير؟” سأل نورد. “وأخذ رأي والدي؟”
كانت الغرفة واسعة، تتسع لخمسين شخصاً على الأقل. في نهايتها، كان هناك كرسي مرتفع، ليس عرشاً لكنه قريب منه. كان من خشب أسود منحوت، ومزيناً بذهب أحمر، ومغطى بمخمل أرجواني.
“أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول…”
ابتسم أفاران ابتسامة عريضة. “طبعاً. لست طاغية. خذ أسبوعاً. ناقش مع والدك. ثم أرسل لي جوابك مع سارجيس.”
“شكراً لك يا حضرة الحاكم.”
“شكراً لك يا حضرة الحاكم.”
كان عرضاً لا يُرفض بسهولة، وكان سراً لا يُحفظ بسهولة.
“لا تشكرني قبل أن توافق.” وقف أفاران من كرسيه، وأشار إلى الباب. “يمكنك العودة الآن. الجنديان سيرافقانك.”
انحنى نورد، ثم مشى نحو الباب. كان يشعر بثقل في خطواته، ليس من ضغط الهالة، بل من ثقل القرار.
عند الباب، التفت للحظة. نظر إلى أفاران، إلى سارجيس، إلى أنتوني. ثلاثة من أقوى الناس في المقاطعة، وكلهم كانوا ينظرون إليه.
خرج من القصر، وعيناه على الأرض. الجنديان سارا خلفه بصمت.
“شكراً لك يا حضرة الحاكم.”
كانت الشوارع لا تزال كما تركها، والناس لا تزال تنظر إليه، لكن كل شيء كان مختلفاً الآن.
كانت الغرفة واسعة، تتسع لخمسين شخصاً على الأقل. في نهايتها، كان هناك كرسي مرتفع، ليس عرشاً لكنه قريب منه. كان من خشب أسود منحوت، ومزيناً بذهب أحمر، ومغطى بمخمل أرجواني.
وقبل أن ينطق أحد بأي كلمة، شعر نورد بشيء يضغط على صدره.
كان عرضاً لا يُرفض بسهولة، وكان سراً لا يُحفظ بسهولة.
وبينهما، كان على نورد أن يختار.
“إذا وافقت على الذهاب بهدوء،” تابع الجندي الأول، “فلن يؤذي أحد والدك. هذا وعد من قائد حراس الحاكم العسكري. كلمتي هي شرفي.”
