ذكرى
حين عاد عيسى إلى المجمع البحثي كانت المدينة قد غرقت في سكونٍ ثقيل. لم تكن تلك السكينة المريحة التي تسبق النوم، بل سكينة المدن المتعبة التي أنهكتها السنوات حتى فقدت قدرتها على الضجيج. خلف الأسوار المرتفعة للمجمع وقفت الأبنية الخرسانية الضخمة متجاورة كالحصون القديمة، تتخللها ممرات طويلة مضاءة بأضواء بيضاء باهتة تمنح المكان برودة غريبة مهما ارتفعت درجات الحرارة في الخارج.
لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.
سار عيسى بخطوات هادئة عبر أحد الممرات. كان عدد العاملين قليلاً في هذا الوقت من الليل، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على مقاطعته. بعض الباحثين رفعوا رؤوسهم عند مروره، ثم عادوا إلى أعمالهم سريعاً. لم يكن الخوف هو ما يدفعهم إلى ذلك، بل شعور غامض بالمسافة. فالرجل الذي كرّس سنوات عمره لمشروعٍ قد يغيّر مصير البشرية كلها بدا دائماً وكأنه يعيش في عالم منفصل عن بقية الناس.
توقف أمام باب مختبره للحظة قصيرة. امتدت يده إلى جهاز التعريف المثبت بجانب الباب، فانفرج المعدن الثقيل ببطء كاشفاً عن مساحة واسعة امتلأت بالشاشات والأجهزة والخرائط والملفات المتراكمة. لم يكن المختبر فوضوياً، لكنه حمل آثار سنوات طويلة من العمل المتواصل. عشرات الأوراق كانت موزعة فوق الطاولات، ومئات الملاحظات الصغيرة علقت على الجدران، بينما غطت الخرائط أجزاء كبيرة من المكان حتى بدا أقرب إلى غرفة قيادة منه إلى مختبر علمي.
توقف أمام باب مختبره للحظة قصيرة. امتدت يده إلى جهاز التعريف المثبت بجانب الباب، فانفرج المعدن الثقيل ببطء كاشفاً عن مساحة واسعة امتلأت بالشاشات والأجهزة والخرائط والملفات المتراكمة. لم يكن المختبر فوضوياً، لكنه حمل آثار سنوات طويلة من العمل المتواصل. عشرات الأوراق كانت موزعة فوق الطاولات، ومئات الملاحظات الصغيرة علقت على الجدران، بينما غطت الخرائط أجزاء كبيرة من المكان حتى بدا أقرب إلى غرفة قيادة منه إلى مختبر علمي.
ثم القارات الأخرى.
أغلق الباب خلفه واتجه نحو النافذة العريضة الممتدة على طول الجدار الشرقي. من هذا الارتفاع بدت المدينة بعيدة وصغيرة، تتناثر أضواؤها الصفراء وسط الظلام كأنها جمرات ضعيفة تكافح كي لا تنطفئ. وقف هناك طويلاً دون أن يتحرك، وعيناه تجولان فوق الأفق البعيد.
أفكار عن الماضي.
لطالما كره هذه اللحظات.
لم يكن الدرج يحتوي على أسرار المشروع.
فالعمل كان يمنحه مهرباً مؤقتاً من أفكاره، أما الصمت فكان يعيدها إليه كلها دفعة واحدة.
لم يكن الدرج يحتوي على أسرار المشروع.
أفكار عن الماضي.
كانت البشرية تملك موهبة غريبة؛ فكلما ظنت أنها تعلمت من أخطائها، عادت إليها بثوب جديد واسم مختلف.
عن الحروب.
ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.
عن البشر.
أتمنى أن يكون هذا كافياً.
وعن الطريق الذي اختاره قبل سنوات عندما قرر أن يضع ثقله كله خلف مشروع لم يجرؤ أحد على التفكير فيه قبله.
لم يكن واضحاً إن كان يقصد المشروع.
انعكس ضوء المدينة على وجهه الشاحب قليلاً. بدت ملامحه أكثر إرهاقاً مما كانت عليه في الاجتماع. الهالات الخفيفة أسفل عينيه لم تأتِ من قلة النوم وحدها، بل من سنوات طويلة قضاها وهو يحمل فوق كتفيه عبئاً لم يختره أحد غيره.
كان الجميع يظنون أن أكثر ما يخيفه هو فشل المشروع.
اقترب من مكتبه وجلس ببطء. أمامه امتدت عشرات التقارير التي تنتظر مراجعته، لكن نظره لم يستقر على أي منها. بدلاً من ذلك، ظل يحدق في الفراغ للحظات وكأن ذهنه يبحث عن شيء ضائع.
ذكرى.
كان الجميع يظنون أن أكثر ما يخيفه هو فشل المشروع.
ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
وفي مكانٍ ما خارج جدران المختبر، كان العالم يقترب بصمت من اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء.
الفشل أمر مفهوم.
الفشل أمر مفهوم.
له أسباب.
أما النجاح…
وله نتائج.
عن الحروب.
أما النجاح…
طويلاً جداً.
فالنجاح كان هو المجهول الحقيقي.
الفشل أمر مفهوم.
أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه لثوانٍ. لم يكن يخشى الموت، ولم يعد يخشى الفشل أيضاً. ما كان يزعجه حقاً هو احتمال أن يكون مخطئاً. أن يقضي سنوات عمره كلها في مطاردة فكرة عظيمة، ثم يكتشف في النهاية أنها لم تكن سوى وهمٍ متقن التنكر.
أو الثمن الذي دفعه للوصول إلى هذه اللحظة.
فتح عينيه مجدداً ونهض من مكانه. على الجدار المقابل علقت خريطة ضخمة للعالم، امتدت من طرف الجدار إلى طرفه الآخر. كانت القارات مرسومة بتفاصيل دقيقة، تتخللها عشرات العلامات والخطوط التي لا يعرف معناها إلا عدد محدود جداً من الأشخاص.
وفي مكانٍ ما خارج جدران المختبر، كان العالم يقترب بصمت من اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء.
رفع يده ووضعها فوق الخريطة.
أغلق الباب خلفه واتجه نحو النافذة العريضة الممتدة على طول الجدار الشرقي. من هذا الارتفاع بدت المدينة بعيدة وصغيرة، تتناثر أضواؤها الصفراء وسط الظلام كأنها جمرات ضعيفة تكافح كي لا تنطفئ. وقف هناك طويلاً دون أن يتحرك، وعيناه تجولان فوق الأفق البعيد.
بدأ من الشرق الأوسط.
ذكرى.
ثم انتقل إلى آسيا.
له أسباب.
ثم أوروبا.
لم يكن واضحاً إن كان يقصد المشروع.
ثم القارات الأخرى.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كم حرباً اشتعلت فوق هذه الأرض؟
بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.
كم إمبراطورية قامت ثم سقطت؟
كم قائد أقنع نفسه أنه سيصنع عالماً أفضل قبل أن يتحول إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟
كم قائد أقنع نفسه أنه سيصنع عالماً أفضل قبل أن يتحول إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟
الفشل أمر مفهوم.
ابتسم ابتسامة باهتة.
خفض يده ببطء وعاد إلى مكتبه. تحركت أصابعه نحو أحد الأدراج السفلية، لكنها توقفت قبل أن تلامس المقبض. بقي ساكناً للحظات، وكأن شيئاً في داخله يمنعه من فتحه.
كانت البشرية تملك موهبة غريبة؛ فكلما ظنت أنها تعلمت من أخطائها، عادت إليها بثوب جديد واسم مختلف.
ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.
خفض يده ببطء وعاد إلى مكتبه. تحركت أصابعه نحو أحد الأدراج السفلية، لكنها توقفت قبل أن تلامس المقبض. بقي ساكناً للحظات، وكأن شيئاً في داخله يمنعه من فتحه.
لم يكن الدرج يحتوي على أسرار المشروع.
لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.
ولا على وثائق خطيرة.
أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه لثوانٍ. لم يكن يخشى الموت، ولم يعد يخشى الفشل أيضاً. ما كان يزعجه حقاً هو احتمال أن يكون مخطئاً. أن يقضي سنوات عمره كلها في مطاردة فكرة عظيمة، ثم يكتشف في النهاية أنها لم تكن سوى وهمٍ متقن التنكر.
بل على شيءٍ أقدم من ذلك بكثير.
كم قائد أقنع نفسه أنه سيصنع عالماً أفضل قبل أن يتحول إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟
ذكرى.
عن الحروب.
ذكرى لم يستطع دفنها مهما حاول.
لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.
سحب يده أخيراً واستدار بعيداً عنه.
أتمنى أن يكون هذا كافياً.
بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.
ثم همس بصوت خافت لم يسمعه أحد:
ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.
لم يكن واضحاً إن كان يقصد المشروع.
ثبت نظره عليها طويلاً.
لطالما كره هذه اللحظات.
طويلاً جداً.
أفكار عن الماضي.
ثم همس بصوت خافت لم يسمعه أحد:
أن عقارب الساعة لم تعد تنتظر أحداً.
أتمنى أن يكون هذا كافياً.
بل على شيءٍ أقدم من ذلك بكثير.
لم يكن واضحاً إن كان يقصد المشروع.
لم يكن واضحاً إن كان يقصد المشروع.
أو نفسه.
بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.
أو الثمن الذي دفعه للوصول إلى هذه اللحظة.
بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.
لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.
ولا على وثائق خطيرة.
أن عقارب الساعة لم تعد تنتظر أحداً.
انعكس ضوء المدينة على وجهه الشاحب قليلاً. بدت ملامحه أكثر إرهاقاً مما كانت عليه في الاجتماع. الهالات الخفيفة أسفل عينيه لم تأتِ من قلة النوم وحدها، بل من سنوات طويلة قضاها وهو يحمل فوق كتفيه عبئاً لم يختره أحد غيره.
وفي مكانٍ ما خارج جدران المختبر، كان العالم يقترب بصمت من اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء.
له أسباب.
له أسباب.
