Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الأرض الأولى 6

ذكرى
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ذكرى

حين عاد عيسى إلى المجمع البحثي كانت المدينة قد غرقت في سكونٍ ثقيل. لم تكن تلك السكينة المريحة التي تسبق النوم، بل سكينة المدن المتعبة التي أنهكتها السنوات حتى فقدت قدرتها على الضجيج. خلف الأسوار المرتفعة للمجمع وقفت الأبنية الخرسانية الضخمة متجاورة كالحصون القديمة، تتخللها ممرات طويلة مضاءة بأضواء بيضاء باهتة تمنح المكان برودة غريبة مهما ارتفعت درجات الحرارة في الخارج.

أما النجاح…

سار عيسى بخطوات هادئة عبر أحد الممرات. كان عدد العاملين قليلاً في هذا الوقت من الليل، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على مقاطعته. بعض الباحثين رفعوا رؤوسهم عند مروره، ثم عادوا إلى أعمالهم سريعاً. لم يكن الخوف هو ما يدفعهم إلى ذلك، بل شعور غامض بالمسافة. فالرجل الذي كرّس سنوات عمره لمشروعٍ قد يغيّر مصير البشرية كلها بدا دائماً وكأنه يعيش في عالم منفصل عن بقية الناس.

كانت البشرية تملك موهبة غريبة؛ فكلما ظنت أنها تعلمت من أخطائها، عادت إليها بثوب جديد واسم مختلف.

توقف أمام باب مختبره للحظة قصيرة. امتدت يده إلى جهاز التعريف المثبت بجانب الباب، فانفرج المعدن الثقيل ببطء كاشفاً عن مساحة واسعة امتلأت بالشاشات والأجهزة والخرائط والملفات المتراكمة. لم يكن المختبر فوضوياً، لكنه حمل آثار سنوات طويلة من العمل المتواصل. عشرات الأوراق كانت موزعة فوق الطاولات، ومئات الملاحظات الصغيرة علقت على الجدران، بينما غطت الخرائط أجزاء كبيرة من المكان حتى بدا أقرب إلى غرفة قيادة منه إلى مختبر علمي.

له أسباب.

أغلق الباب خلفه واتجه نحو النافذة العريضة الممتدة على طول الجدار الشرقي. من هذا الارتفاع بدت المدينة بعيدة وصغيرة، تتناثر أضواؤها الصفراء وسط الظلام كأنها جمرات ضعيفة تكافح كي لا تنطفئ. وقف هناك طويلاً دون أن يتحرك، وعيناه تجولان فوق الأفق البعيد.

ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.

لطالما كره هذه اللحظات.

لم يكن الدرج يحتوي على أسرار المشروع.

فالعمل كان يمنحه مهرباً مؤقتاً من أفكاره، أما الصمت فكان يعيدها إليه كلها دفعة واحدة.

ثم القارات الأخرى.

أفكار عن الماضي.

عن الحروب.

عن الحروب.

أغلق الباب خلفه واتجه نحو النافذة العريضة الممتدة على طول الجدار الشرقي. من هذا الارتفاع بدت المدينة بعيدة وصغيرة، تتناثر أضواؤها الصفراء وسط الظلام كأنها جمرات ضعيفة تكافح كي لا تنطفئ. وقف هناك طويلاً دون أن يتحرك، وعيناه تجولان فوق الأفق البعيد.

عن البشر.

وعن الطريق الذي اختاره قبل سنوات عندما قرر أن يضع ثقله كله خلف مشروع لم يجرؤ أحد على التفكير فيه قبله.

ذكرى.

انعكس ضوء المدينة على وجهه الشاحب قليلاً. بدت ملامحه أكثر إرهاقاً مما كانت عليه في الاجتماع. الهالات الخفيفة أسفل عينيه لم تأتِ من قلة النوم وحدها، بل من سنوات طويلة قضاها وهو يحمل فوق كتفيه عبئاً لم يختره أحد غيره.

فالعمل كان يمنحه مهرباً مؤقتاً من أفكاره، أما الصمت فكان يعيدها إليه كلها دفعة واحدة.

اقترب من مكتبه وجلس ببطء. أمامه امتدت عشرات التقارير التي تنتظر مراجعته، لكن نظره لم يستقر على أي منها. بدلاً من ذلك، ظل يحدق في الفراغ للحظات وكأن ذهنه يبحث عن شيء ضائع.

فتح عينيه مجدداً ونهض من مكانه. على الجدار المقابل علقت خريطة ضخمة للعالم، امتدت من طرف الجدار إلى طرفه الآخر. كانت القارات مرسومة بتفاصيل دقيقة، تتخللها عشرات العلامات والخطوط التي لا يعرف معناها إلا عدد محدود جداً من الأشخاص.

كان الجميع يظنون أن أكثر ما يخيفه هو فشل المشروع.

خفض يده ببطء وعاد إلى مكتبه. تحركت أصابعه نحو أحد الأدراج السفلية، لكنها توقفت قبل أن تلامس المقبض. بقي ساكناً للحظات، وكأن شيئاً في داخله يمنعه من فتحه.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

وعن الطريق الذي اختاره قبل سنوات عندما قرر أن يضع ثقله كله خلف مشروع لم يجرؤ أحد على التفكير فيه قبله.

الفشل أمر مفهوم.

كم حرباً اشتعلت فوق هذه الأرض؟

له أسباب.

أن عقارب الساعة لم تعد تنتظر أحداً.

وله نتائج.

رفع يده ووضعها فوق الخريطة.

أما النجاح…

ثم انتقل إلى آسيا.

فالنجاح كان هو المجهول الحقيقي.

انعكس ضوء المدينة على وجهه الشاحب قليلاً. بدت ملامحه أكثر إرهاقاً مما كانت عليه في الاجتماع. الهالات الخفيفة أسفل عينيه لم تأتِ من قلة النوم وحدها، بل من سنوات طويلة قضاها وهو يحمل فوق كتفيه عبئاً لم يختره أحد غيره.

أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه لثوانٍ. لم يكن يخشى الموت، ولم يعد يخشى الفشل أيضاً. ما كان يزعجه حقاً هو احتمال أن يكون مخطئاً. أن يقضي سنوات عمره كلها في مطاردة فكرة عظيمة، ثم يكتشف في النهاية أنها لم تكن سوى وهمٍ متقن التنكر.

عن البشر.

فتح عينيه مجدداً ونهض من مكانه. على الجدار المقابل علقت خريطة ضخمة للعالم، امتدت من طرف الجدار إلى طرفه الآخر. كانت القارات مرسومة بتفاصيل دقيقة، تتخللها عشرات العلامات والخطوط التي لا يعرف معناها إلا عدد محدود جداً من الأشخاص.

عن الحروب.

رفع يده ووضعها فوق الخريطة.

وفي مكانٍ ما خارج جدران المختبر، كان العالم يقترب بصمت من اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء.

بدأ من الشرق الأوسط.

لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.

ثم انتقل إلى آسيا.

الفشل أمر مفهوم.

ثم أوروبا.

توقف أمام باب مختبره للحظة قصيرة. امتدت يده إلى جهاز التعريف المثبت بجانب الباب، فانفرج المعدن الثقيل ببطء كاشفاً عن مساحة واسعة امتلأت بالشاشات والأجهزة والخرائط والملفات المتراكمة. لم يكن المختبر فوضوياً، لكنه حمل آثار سنوات طويلة من العمل المتواصل. عشرات الأوراق كانت موزعة فوق الطاولات، ومئات الملاحظات الصغيرة علقت على الجدران، بينما غطت الخرائط أجزاء كبيرة من المكان حتى بدا أقرب إلى غرفة قيادة منه إلى مختبر علمي.

ثم القارات الأخرى.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

كم حرباً اشتعلت فوق هذه الأرض؟

كان الجميع يظنون أن أكثر ما يخيفه هو فشل المشروع.

كم إمبراطورية قامت ثم سقطت؟

ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.

كم قائد أقنع نفسه أنه سيصنع عالماً أفضل قبل أن يتحول إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟

رفع يده ووضعها فوق الخريطة.

ابتسم ابتسامة باهتة.

أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه لثوانٍ. لم يكن يخشى الموت، ولم يعد يخشى الفشل أيضاً. ما كان يزعجه حقاً هو احتمال أن يكون مخطئاً. أن يقضي سنوات عمره كلها في مطاردة فكرة عظيمة، ثم يكتشف في النهاية أنها لم تكن سوى وهمٍ متقن التنكر.

كانت البشرية تملك موهبة غريبة؛ فكلما ظنت أنها تعلمت من أخطائها، عادت إليها بثوب جديد واسم مختلف.

أو نفسه.

خفض يده ببطء وعاد إلى مكتبه. تحركت أصابعه نحو أحد الأدراج السفلية، لكنها توقفت قبل أن تلامس المقبض. بقي ساكناً للحظات، وكأن شيئاً في داخله يمنعه من فتحه.

ثم أوروبا.

لم يكن الدرج يحتوي على أسرار المشروع.

كم قائد أقنع نفسه أنه سيصنع عالماً أفضل قبل أن يتحول إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟

ولا على وثائق خطيرة.

أفكار عن الماضي.

بل على شيءٍ أقدم من ذلك بكثير.

بل على شيءٍ أقدم من ذلك بكثير.

ذكرى.

طويلاً جداً.

ذكرى لم يستطع دفنها مهما حاول.

أما النجاح…

سحب يده أخيراً واستدار بعيداً عنه.

كم قائد أقنع نفسه أنه سيصنع عالماً أفضل قبل أن يتحول إلى صفحة أخرى في سجل الخراب؟

بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.

سحب يده أخيراً واستدار بعيداً عنه.

ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.

ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.

ثبت نظره عليها طويلاً.

رفع يده ووضعها فوق الخريطة.

طويلاً جداً.

لم يكن الدرج يحتوي على أسرار المشروع.

ثم همس بصوت خافت لم يسمعه أحد:

بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.

أتمنى أن يكون هذا كافياً.

بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُخرج منها سوى الأشباح.

لم يكن واضحاً إن كان يقصد المشروع.

انعكس ضوء المدينة على وجهه الشاحب قليلاً. بدت ملامحه أكثر إرهاقاً مما كانت عليه في الاجتماع. الهالات الخفيفة أسفل عينيه لم تأتِ من قلة النوم وحدها، بل من سنوات طويلة قضاها وهو يحمل فوق كتفيه عبئاً لم يختره أحد غيره.

أو نفسه.

ثبت نظره عليها طويلاً.

أو الثمن الذي دفعه للوصول إلى هذه اللحظة.

ارتسمت الأرض أمامه على إحدى الشاشات المعلقة في المختبر، تدور ببطء وسط ظلمة الفضاء الشاسعة. بدت هادئة على نحوٍ يكاد يكون مستفزاً، كأنها تجهل ما جرى فوق سطحها من حروب ومجاعات ودماء وأحلام محطمة.

لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.

له أسباب.

أن عقارب الساعة لم تعد تنتظر أحداً.

رفع يده ووضعها فوق الخريطة.

وفي مكانٍ ما خارج جدران المختبر، كان العالم يقترب بصمت من اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء.

ذكرى.

ثم انتقل إلى آسيا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط