بداية الكارثة
انقضت أربعة أيام منذ زيارة ليان للمجمع البحثي، وأربعة أيام أخرى اقترب خلالها المشروع من موعده الحاسم. خلال تلك الفترة لم يتغير شيء في ظاهر الأمر، لكن كل من يعمل داخل المجمع كان يشعر بأن شيئاً خفياً بدأ يتسلل إلى الأجواء شيئاً فشيئاً. لم يعد أحد يتحدث عن الأشهر القادمة أو الخطط بعيدة المدى، بل أصبحت الأيام المتبقية هي المقياس الوحيد للوقت. كان الجميع ينظر إلى العد التنازلي كما ينظر المحكوم إلى عقارب الساعة الأخيرة قبل صدور الحكم.
أما في مقر القيادة الأعلى، فقد كان علي جالساً وحده عندما وصله التقرير المشفر. قرأه مرة واحدة فقط قبل أن يضعه جانباً ويعود إلى الملف الذي فتحه في الليلة السابقة. كانت الملاحظة نفسها لا تزال هناك، والسؤال نفسه لا يزال بلا إجابة، لكن شعوراً قديماً بدأ يعود إليه ببطء. شعور عرفه في ساحات الحروب قبل وقوع الكوارث الكبرى بقليل، ذلك الشعور الذي يخبر القادة المخضرمين أن الخطر قد تجاوز مرحلة الاحتمال، وأن الأحداث بدأت تتحرك بالفعل دون انتظار إذن من أحد.
ازدادت ساعات العمل حتى أصبحت بعض المختبرات مضاءة طوال الليل، وتراكمت التقارير فوق المكاتب بسرعة أكبر من قدرة أصحابها على قراءتها. أما عيسى فقد بدا وكأنه اختفى داخل المشروع نفسه. لم يعد يظهر إلا عند الضرورة، ولم يعد يغادر المختبر المركزي إلا لساعات معدودة. حتى إن بعض الباحثين بدأوا يرددون على سبيل المزاح أن الرجل لم يعد يملك حياة خارج هذه الجدران، وأنه تحول إلى جزء من المنشأة أكثر من كونه مديراً لها.
ولم يكن غضباً.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهري كانت أمور أخرى تتحرك بعيداً عن الأنظار.
لم تبدأ بصوت إنذار.
ذلك النشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام لم يختفِ كما توقع البعض، بل استمر بالظهور على فترات متقطعة، تاركاً خلفه أسئلة أكثر من الإجابات. لم تستطع الفرق التقنية تحديد مصدره، ولم تتمكن أنظمة التحليل من ربطه بأي خلل معروف، ومع مرور الوقت بدأ شعور ثقيل بالانزعاج ينتشر بين كبار الباحثين. لم يكن خوفاً صريحاً، بل ذلك النوع من القلق الذي يولد عندما يواجه الإنسان شيئاً لا يستطيع فهمه أو وضعه داخل إطار منطقي.
ظل علي صامتاً وهو ينظر إلى التقرير المفتوح أمامه، بينما أخذ الدخان يتصاعد ببطء من السيجار بين أصابعه. طوال حياته كان يؤمن أن لكل كارثة بداية، لكن تلك البدايات نادراً ما تكون واضحة أثناء وقوعها. أحياناً تبدأ بقرار، وأحياناً تبدأ برصاصة، وأحياناً تبدأ بخطأ صغير يتجاهله الجميع.
وفي مساء اليوم الرابع وقعت أول حادثة حقيقية.
ثم مرتين.
لم تبدأ بصوت إنذار.
ولم يكن غضباً.
ولم تبدأ بانفجار أو انهيار تقني.
ولم يخرج من الباب.
بل بدأت بتقرير صغير ظن الجميع في البداية أنه مجرد خطأ إداري يمكن حله خلال دقائق.
وفي مساء اليوم الرابع وقعت أول حادثة حقيقية.
كان أحد الفنيين المسؤولين عن مراقبة جزء من أنظمة الطاقة قد فُقد داخل المجمع.
ثم مرتين.
في الساعات الأولى لم يثر الأمر اهتماماً كبيراً، فالمجمع كان ضخماً بما يكفي ليقضي أي موظف ساعات طويلة في أحد أقسامه دون أن يراه أحد، لكن مع مرور الوقت بدأت محاولات الاتصال به تفشل الواحدة تلو الأخرى، وعندما راجع فريق الأمن تسجيلات المراقبة اكتشف أمراً جعل الوجوه تشحب داخل غرفة المتابعة.
الرجل كان موجوداً في لقطة، ثم لم يعد موجوداً في اللقطة التالية.
آخر تسجيل للرجل أظهره جالساً أمام محطة عمله كالمعتاد. كان يراجع بعض القراءات ويرتشف قهوته بينما تتحرك الأرقام فوق الشاشات بصورة طبيعية تماماً. بعد ذلك بثوانٍ معدودة مر أحد الموظفين أمام الكاميرا، فحجب المشهد للحظة قصيرة لم تتجاوز الثانية الواحدة.
لكن النتيجة بقيت كما هي.
وعندما انكشف المنظر مجدداً…
بل كان قلقاً.
لم يكن الرجل هناك.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهري كانت أمور أخرى تتحرك بعيداً عن الأنظار.
لم ينهض من مقعده.
وعندما وصل الخبر إلى عيسى ترك كل ما كان يعمل عليه واتجه بنفسه إلى القسم الأمني. لم يكن من الأشخاص الذين يظهرون انفعالاتهم بسهولة، لكن الذين كانوا حاضرين تلك الليلة أقسموا لاحقاً أنهم رأوا شيئاً مختلفاً في عينيه وهو يشاهد التسجيل للمرة الأولى.
ولم يخرج من الباب.
آخر تسجيل للرجل أظهره جالساً أمام محطة عمله كالمعتاد. كان يراجع بعض القراءات ويرتشف قهوته بينما تتحرك الأرقام فوق الشاشات بصورة طبيعية تماماً. بعد ذلك بثوانٍ معدودة مر أحد الموظفين أمام الكاميرا، فحجب المشهد للحظة قصيرة لم تتجاوز الثانية الواحدة.
ولم يظهر في أي ممر من الممرات المحيطة.
آخر تسجيل للرجل أظهره جالساً أمام محطة عمله كالمعتاد. كان يراجع بعض القراءات ويرتشف قهوته بينما تتحرك الأرقام فوق الشاشات بصورة طبيعية تماماً. بعد ذلك بثوانٍ معدودة مر أحد الموظفين أمام الكاميرا، فحجب المشهد للحظة قصيرة لم تتجاوز الثانية الواحدة.
لقد اختفى ببساطة.
لم تبدأ بصوت إنذار.
أُعيد التسجيل مرة.
أُعيد التسجيل مرة.
ثم مرتين.
ثم عشر مرات.
وقف أمام الشاشة فترة طويلة دون أن يتكلم، ثم طلب جميع التقارير المتعلقة بالقراءات المجهولة والحوادث الصغيرة التي وقعت خلال الأيام الأخيرة. ومع كل صفحة جديدة كان صمته يزداد ثقلاً، وكأن أجزاءً متناثرة بدأت تتجمع داخل ذهنه لتشكل صورة لم يكن يرغب في رؤيتها.
لكن النتيجة بقيت كما هي.
ثم عشر مرات.
الرجل كان موجوداً في لقطة، ثم لم يعد موجوداً في اللقطة التالية.
ولم يكن غضباً.
بقيت غرفة المراقبة غارقة في الصمت بعد مشاهدة التسجيل للمرة الأولى. لم يكن السبب أنهم صدقوا ما رأوه، بل لأن أياً منهم لم يجد تفسيراً لما رآه. فحتى أكثر الفرضيات جنوناً بدت عاجزة عن سد تلك الفجوة الصغيرة التي ابتلعت رجلاً كاملاً في أقل من ثانية.
لم ينهض من مقعده.
وعندما وصل الخبر إلى عيسى ترك كل ما كان يعمل عليه واتجه بنفسه إلى القسم الأمني. لم يكن من الأشخاص الذين يظهرون انفعالاتهم بسهولة، لكن الذين كانوا حاضرين تلك الليلة أقسموا لاحقاً أنهم رأوا شيئاً مختلفاً في عينيه وهو يشاهد التسجيل للمرة الأولى.
وفي مساء اليوم الرابع وقعت أول حادثة حقيقية.
لم يكن خوفاً.
ثمانية عشر يوماً.
ولم يكن غضباً.
لم يكن الرجل هناك.
بل كان قلقاً.
ولم تبدأ بانفجار أو انهيار تقني.
قلق رجل لمح احتمالاً لم يكن موجوداً ضمن حساباته.
في الساعات الأولى لم يثر الأمر اهتماماً كبيراً، فالمجمع كان ضخماً بما يكفي ليقضي أي موظف ساعات طويلة في أحد أقسامه دون أن يراه أحد، لكن مع مرور الوقت بدأت محاولات الاتصال به تفشل الواحدة تلو الأخرى، وعندما راجع فريق الأمن تسجيلات المراقبة اكتشف أمراً جعل الوجوه تشحب داخل غرفة المتابعة.
وقف أمام الشاشة فترة طويلة دون أن يتكلم، ثم طلب جميع التقارير المتعلقة بالقراءات المجهولة والحوادث الصغيرة التي وقعت خلال الأيام الأخيرة. ومع كل صفحة جديدة كان صمته يزداد ثقلاً، وكأن أجزاءً متناثرة بدأت تتجمع داخل ذهنه لتشكل صورة لم يكن يرغب في رؤيتها.
لم يكن الرجل هناك.
وفي مكان آخر من المجمع كانت ليان تقرأ نسخة التقرير نفسه. لم تتغير ملامحها أثناء القراءة، لكنها أعادت مراجعة الصفحة الأخيرة ثلاث مرات متتالية. لم يكن اختفاء رجل واحد هو ما أثار انتباهها، بل التوقيت. فمن بين آلاف الأيام الممكنة حدث ذلك بعد ظهور النشاط المجهول مباشرة، وهو النوع من المصادفات الذي تعلمت طوال حياتها ألا تثق به.
وأحياناً…
أما في مقر القيادة الأعلى، فقد كان علي جالساً وحده عندما وصله التقرير المشفر. قرأه مرة واحدة فقط قبل أن يضعه جانباً ويعود إلى الملف الذي فتحه في الليلة السابقة. كانت الملاحظة نفسها لا تزال هناك، والسؤال نفسه لا يزال بلا إجابة، لكن شعوراً قديماً بدأ يعود إليه ببطء. شعور عرفه في ساحات الحروب قبل وقوع الكوارث الكبرى بقليل، ذلك الشعور الذي يخبر القادة المخضرمين أن الخطر قد تجاوز مرحلة الاحتمال، وأن الأحداث بدأت تتحرك بالفعل دون انتظار إذن من أحد.
بل بدأت بتقرير صغير ظن الجميع في البداية أنه مجرد خطأ إداري يمكن حله خلال دقائق.
ظل علي صامتاً وهو ينظر إلى التقرير المفتوح أمامه، بينما أخذ الدخان يتصاعد ببطء من السيجار بين أصابعه. طوال حياته كان يؤمن أن لكل كارثة بداية، لكن تلك البدايات نادراً ما تكون واضحة أثناء وقوعها. أحياناً تبدأ بقرار، وأحياناً تبدأ برصاصة، وأحياناً تبدأ بخطأ صغير يتجاهله الجميع.
وعندما وصل الخبر إلى عيسى ترك كل ما كان يعمل عليه واتجه بنفسه إلى القسم الأمني. لم يكن من الأشخاص الذين يظهرون انفعالاتهم بسهولة، لكن الذين كانوا حاضرين تلك الليلة أقسموا لاحقاً أنهم رأوا شيئاً مختلفاً في عينيه وهو يشاهد التسجيل للمرة الأولى.
وأحياناً…
ولم يخرج من الباب.
تبدأ برجل يختفي دون أن يترك خلفه أثراً.
لم ينهض من مقعده.
ثمانية عشر يوماً.
ازدادت ساعات العمل حتى أصبحت بعض المختبرات مضاءة طوال الليل، وتراكمت التقارير فوق المكاتب بسرعة أكبر من قدرة أصحابها على قراءتها. أما عيسى فقد بدا وكأنه اختفى داخل المشروع نفسه. لم يعد يظهر إلا عند الضرورة، ولم يعد يغادر المختبر المركزي إلا لساعات معدودة. حتى إن بعض الباحثين بدأوا يرددون على سبيل المزاح أن الرجل لم يعد يملك حياة خارج هذه الجدران، وأنه تحول إلى جزء من المنشأة أكثر من كونه مديراً لها.
ذلك النشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام لم يختفِ كما توقع البعض، بل استمر بالظهور على فترات متقطعة، تاركاً خلفه أسئلة أكثر من الإجابات. لم تستطع الفرق التقنية تحديد مصدره، ولم تتمكن أنظمة التحليل من ربطه بأي خلل معروف، ومع مرور الوقت بدأ شعور ثقيل بالانزعاج ينتشر بين كبار الباحثين. لم يكن خوفاً صريحاً، بل ذلك النوع من القلق الذي يولد عندما يواجه الإنسان شيئاً لا يستطيع فهمه أو وضعه داخل إطار منطقي.
