مُخطئين
كان مقر القيادة الأعلى يبدو مختلفاً بعد منتصف الليل.
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
في النهار كانت الممرات تعج بالضباط والجنود والموظفين، وتختلط فيها الأوامر بالتقارير والحركة المستمرة، أما في هذا الوقت من الليل فقد تحولت إلى أروقة صامتة يغمرها ضوء خافت، حتى إن وقع الخطوات القليلة المتبقية كان يتردد بين الجدران بوضوح. وعلى الرغم من ذلك بقيت نافذة واحدة مضاءة في الطابق الأخير من المبنى بأكمله.
لم يرفع رأسه.
مكتب علي.
إذا فشل المشروع…
جلس رئيس الجنرالات خلف مكتبه العريض بينما تراكمت أمامه عشرات الملفات القادمة من مختلف أنحاء العالم. تصاعد دخان السيجار ببطء في الهواء قبل أن يتلاشى قرب السقف، لكن انتباهه لم يكن منصباً على التقارير المنتشرة أمامه بقدر ما كان موجهاً نحو الخريطة الضخمة المعلقة على الجدار المقابل.
كان مقر القيادة الأعلى يبدو مختلفاً بعد منتصف الليل.
كانت خريطة للعالم.
أنا لا أثق بأحد إلى هذه الدرجة.
العالم الذي عاشت فيه البشرية آلاف السنين.
لم يجب صادق.
العالم الذي تستعد الآن لتركه.
بقي واقفاً أمامها وقتاً طويلاً.
ظل يحدق فيها طويلاً، وكأن عينيه تحاولان حفظ تفاصيلها للمرة الأخيرة. الصحارى الشاسعة، سلاسل الجبال، المحيطات الممتدة، الحدود التي سالت من أجلها دماء لا تحصى، والمدن التي وُلدت فيها حضارات وسقطت فيها أخرى. كل شيء بدا ثابتاً كما كان دائماً، لكن علي كان يعلم أن الثبات مجرد وهم قصير العمر.
قال فقط:
فبعد اثنين وعشرين يوماً فقط قد يصبح كل ما يراه جزءاً من الماضي.
فلن تكون هناك فرصة ثانية.
مد يده أخيراً نحو أحد الملفات وفتحه ببطء. لم يكن ملفاً عادياً، بل تقريراً سرياً لا يملك حق الاطلاع عليه سوى عدد محدود من الأشخاص. مرت عيناه فوق السطور بسرعة قبل أن تتوقفا عند ملاحظة صغيرة كُتبت في أسفل الصفحة. لم تكن جملة مهمة في ظاهرها، بل مجرد تفصيل بسيط قد يتجاوزه أي شخص دون أن يمنحه ثانية إضافية من التفكير.
ابتسامة قصيرة اختفت بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
لكن علي لم يكن أي شخص.
عاد إلى السطر نفسه مرة أخرى.
بقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم للمرة الثالثة.
فأردف علي:
وأخيراً وضع دائرة صغيرة حوله بقلمه الأسود قبل أن يغلق الملف ويعيده إلى مكانه.
استند علي إلى مقعده قليلاً بينما تشابكت أصابعه أمامه.
لم يظهر على وجهه أي تغير.
أما علي فتابع:
لكن شيئاً ما استقر في ذهنه.
ثم للمرة الثالثة.
شيء لم يعجبه.
لا.
في تلك اللحظة سُمع طرق خافت على الباب.
وقبل أن يغادر قال دون أن يلتفت:
لم يرفع رأسه.
ثم أشاح بنظره بعيداً وقال بصوت منخفض:
قال فقط:
في تلك اللحظة سُمع طرق خافت على الباب.
ادخل.
حتى أقرب الناس إليه.
انفتح الباب بهدوء، ودخل رجل طويل القامة عريض الكتفين. كانت ملامحه مرهقة كما لو أن النوم أصبح ضيفاً نادراً في حياته، بينما بدت عيناه وكأنهما شهدتا من الحروب أكثر مما ينبغي لإنسان واحد.
منذ أن بدأ هذا المشروع وأنا أفكر في أسوأ الاحتمالات قبل أفضلها. أفكر في الفشل أكثر مما أفكر في النجاح. وأفكر في عدد الأرواح التي قد تضيع أكثر مما أفكر في عدد الأرواح التي قد تُنقذ.
كان صادق.
أما علي فأكمل:
تقدم حتى جلس أمام المكتب دون حاجة إلى دعوة. فالعلاقة بينه وبين علي تجاوزت منذ سنوات طويلة حدود الرتب والمناصب. لم يكن مجرد أحد الجنرالات بالنسبة له، بل رفيق طريق سار معه وسط أسوأ المراحل التي مرت بها البلاد.
كلاهما فهم المقصود فوراً.
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت.
نهض صادق أخيراً من مكانه واتجه نحو الباب.
لم يكن صمت الغرباء.
ظل صامتاً لثوانٍ قبل أن يسأل السؤال الذي كان يدور في رأسه منذ الاجتماع الأول.
بل صمت أشخاص لم يعودوا بحاجة إلى ملء كل لحظة بالكلمات.
وأنا أقول الشيء نفسه عنك.
ألقى صادق نظرة سريعة على الملفات المتراكمة أمام علي، ثم قال:
الرجل الذي يخاف من الخطأ هو الوحيد الذي يمكن الوثوق به عندما يتخذ قراراً خطيراً.
أحياناً أشك أنك تنام أصلاً.
عاد إلى السطر نفسه مرة أخرى.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه علي.
لاحظ علي ذلك فوراً.
ابتسامة قصيرة اختفت بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
ادخل.
ثم أجاب:
فكرة لم يخبر بها أحداً.
وأنا أقول الشيء نفسه عنك.
عيسى.
هز صادق رأسه وهو يزفر ببطء قبل أن تتجه نظراته نحو الخريطة المعلقة على الجدار.
ثم عاد بنظره إلى الخريطة مرة أخرى.
بقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
لكن شيئاً ما انقبض داخل صدره.
هل فكرت يوماً أننا قد نكون مخطئين؟
“أنه مستعد لدفع ثمن هذا المشروع أكثر من أي شخص آخر.”
لم يكن بحاجة إلى ذكر المشروع أو اسم عيسى.
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
كلاهما فهم المقصود فوراً.
حتى خُيل لأي شخص يراه أنه لا ينظر إلى العالم كما هو الآن، بل كما سيكون بعد اثنين وعشرين يوماً.
استند علي إلى مقعده قليلاً بينما تشابكت أصابعه أمامه.
أما علي فتابع:
كل يوم.
هز صادق رأسه وهو يزفر ببطء قبل أن تتجه نظراته نحو الخريطة المعلقة على الجدار.
جاء الرد هادئاً إلى درجة أزعجت صادق أكثر مما طمأنته.
جاء الرد هادئاً إلى درجة أزعجت صادق أكثر مما طمأنته.
رفع نظره إليه.
“أنه مستعد لدفع ثمن هذا المشروع أكثر من أي شخص آخر.”
أما علي فأكمل:
شيء لم يعجبه.
منذ أن بدأ هذا المشروع وأنا أفكر في أسوأ الاحتمالات قبل أفضلها. أفكر في الفشل أكثر مما أفكر في النجاح. وأفكر في عدد الأرواح التي قد تضيع أكثر مما أفكر في عدد الأرواح التي قد تُنقذ.
نهض صادق أخيراً من مكانه واتجه نحو الباب.
توقف للحظة قصيرة.
ظل يحدق فيها طويلاً، وكأن عينيه تحاولان حفظ تفاصيلها للمرة الأخيرة. الصحارى الشاسعة، سلاسل الجبال، المحيطات الممتدة، الحدود التي سالت من أجلها دماء لا تحصى، والمدن التي وُلدت فيها حضارات وسقطت فيها أخرى. كل شيء بدا ثابتاً كما كان دائماً، لكن علي كان يعلم أن الثبات مجرد وهم قصير العمر.
ثم أضاف:
لحظة عابرة.
لهذا السبب ما زلت أدعمه.
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
تجعد حاجبا صادق قليلاً.
“أنه مستعد لدفع ثمن هذا المشروع أكثر من أي شخص آخر.”
فأردف علي:
اثنان وعشرون يوماً.
الرجل الذي يخاف من الخطأ هو الوحيد الذي يمكن الوثوق به عندما يتخذ قراراً خطيراً.
حتى خُيل لأي شخص يراه أنه لا ينظر إلى العالم كما هو الآن، بل كما سيكون بعد اثنين وعشرين يوماً.
فهم صادق المقصود.
انتظر حتى أغلق الباب خلفه.
عيسى.
هذه المرة لم يجب علي فوراً.
ظل صامتاً لثوانٍ قبل أن يسأل السؤال الذي كان يدور في رأسه منذ الاجتماع الأول.
استند علي إلى مقعده قليلاً بينما تشابكت أصابعه أمامه.
هل تثق به؟
فهم صادق المقصود.
هذه المرة لم يجب علي فوراً.
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
اتجهت عيناه نحو النافذة الكبيرة خلف المكتب، حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ في البعيد كبحر من النجوم المبعثرة. بدا وكأنه يزن الكلمات داخل عقله قبل أن ينطق بها.
كان صادق.
لا.
كلاهما فهم المقصود فوراً.
رفع صادق حاجبه باستغراب.
لاحظ علي ذلك فوراً.
أما علي فأكمل بصوت ثابت:
فبعد اثنين وعشرين يوماً فقط قد يصبح كل ما يراه جزءاً من الماضي.
أنا لا أثق بأحد إلى هذه الدرجة.
ظل يحدق فيها طويلاً، وكأن عينيه تحاولان حفظ تفاصيلها للمرة الأخيرة. الصحارى الشاسعة، سلاسل الجبال، المحيطات الممتدة، الحدود التي سالت من أجلها دماء لا تحصى، والمدن التي وُلدت فيها حضارات وسقطت فيها أخرى. كل شيء بدا ثابتاً كما كان دائماً، لكن علي كان يعلم أن الثبات مجرد وهم قصير العمر.
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
تقدم حتى جلس أمام المكتب دون حاجة إلى دعوة. فالعلاقة بينه وبين علي تجاوزت منذ سنوات طويلة حدود الرتب والمناصب. لم يكن مجرد أحد الجنرالات بالنسبة له، بل رفيق طريق سار معه وسط أسوأ المراحل التي مرت بها البلاد.
“لكنني أثق بشيء واحد.”
عاد إلى السطر نفسه مرة أخرى.
“وما هو؟”
بل صمت أشخاص لم يعودوا بحاجة إلى ملء كل لحظة بالكلمات.
استقرت نظرات علي على الأفق البعيد.
كانت خريطة للعالم.
“أنه مستعد لدفع ثمن هذا المشروع أكثر من أي شخص آخر.”
كل يوم.
لم يجب صادق.
فقد عرف صديقه لسنوات طويلة، وكان يعلم أن هناك أموراً معينة قادرة على كسر هدوئه مهما حاول إخفاءها.
لكن شيئاً ما انقبض داخل صدره.
قال فقط:
لاحظ علي ذلك فوراً.
للحظة قصيرة جداً تجمدت ملامح صادق.
فقد عرف صديقه لسنوات طويلة، وكان يعلم أن هناك أموراً معينة قادرة على كسر هدوئه مهما حاول إخفاءها.
فلن تكون هناك فرصة ثانية.
ولهذا قال بهدوء:
لكن علي لم يكن أي شخص.
مهما حاولت تجاهله… لن يتغير شيء.
فهم صادق المقصود.
استدار صادق نحوه ببطء.
كان مقر القيادة الأعلى يبدو مختلفاً بعد منتصف الليل.
أما علي فتابع:
اتجهت عيناه نحو النافذة الكبيرة خلف المكتب، حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ في البعيد كبحر من النجوم المبعثرة. بدا وكأنه يزن الكلمات داخل عقله قبل أن ينطق بها.
الدم لا يختفي لأننا قررنا تجاهله…
كل يوم.
للحظة قصيرة جداً تجمدت ملامح صادق.
بل صمت أشخاص لم يعودوا بحاجة إلى ملء كل لحظة بالكلمات.
لحظة عابرة.
مكتب علي.
لكنها كانت كافية.
ظل يحدق فيها طويلاً، وكأن عينيه تحاولان حفظ تفاصيلها للمرة الأخيرة. الصحارى الشاسعة، سلاسل الجبال، المحيطات الممتدة، الحدود التي سالت من أجلها دماء لا تحصى، والمدن التي وُلدت فيها حضارات وسقطت فيها أخرى. كل شيء بدا ثابتاً كما كان دائماً، لكن علي كان يعلم أن الثبات مجرد وهم قصير العمر.
ثم أشاح بنظره بعيداً وقال بصوت منخفض:
وعلى الرغم من أن ملامحه بقيت جامدة كما هي دائماً، فإن فكرة واحدة كانت تتردد داخل عقله منذ بداية الليل.
“هذا الموضوع انتهى منذ زمن.”
رفع صادق حاجبه باستغراب.
أطلق علي زفيراً هادئاً.
لم يرفع رأسه.
كان يعلم أن صادق لا يؤمن بما قاله.
إذا فشل المشروع…
وربما لم يؤمن به يوماً.
لكن علي لم يكن أي شخص.
لكن بعض الجروح تبقى مفتوحة حتى عندما يدّعي أصحابها أنها التأمت.
ظل صامتاً لثوانٍ قبل أن يسأل السؤال الذي كان يدور في رأسه منذ الاجتماع الأول.
نهض صادق أخيراً من مكانه واتجه نحو الباب.
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
وقبل أن يغادر قال دون أن يلتفت:
أما علي فأكمل بصوت ثابت:
أتمنى أن يكون محقا…
مد يده أخيراً نحو أحد الملفات وفتحه ببطء. لم يكن ملفاً عادياً، بل تقريراً سرياً لا يملك حق الاطلاع عليه سوى عدد محدود من الأشخاص. مرت عيناه فوق السطور بسرعة قبل أن تتوقفا عند ملاحظة صغيرة كُتبت في أسفل الصفحة. لم تكن جملة مهمة في ظاهرها، بل مجرد تفصيل بسيط قد يتجاوزه أي شخص دون أن يمنحه ثانية إضافية من التفكير.
لم يجب علي.
“هذا الموضوع انتهى منذ زمن.”
انتظر حتى أغلق الباب خلفه.
مهما حاولت تجاهله… لن يتغير شيء.
ثم عاد بنظره إلى الخريطة مرة أخرى.
لكنها كانت كافية.
بقي واقفاً أمامها وقتاً طويلاً.
قال فقط:
طويلاً جداً.
رفع صادق حاجبه باستغراب.
حتى خُيل لأي شخص يراه أنه لا ينظر إلى العالم كما هو الآن، بل كما سيكون بعد اثنين وعشرين يوماً.
هز صادق رأسه وهو يزفر ببطء قبل أن تتجه نظراته نحو الخريطة المعلقة على الجدار.
وعلى الرغم من أن ملامحه بقيت جامدة كما هي دائماً، فإن فكرة واحدة كانت تتردد داخل عقله منذ بداية الليل.
لم يكن بحاجة إلى ذكر المشروع أو اسم عيسى.
فكرة لم يخبر بها أحداً.
“هذا الموضوع انتهى منذ زمن.”
حتى أقرب الناس إليه.
إذا فشل المشروع…
إذا فشل المشروع…
ثم عاد بنظره إلى الخريطة مرة أخرى.
فلن تكون هناك فرصة ثانية.
بقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
اثنان وعشرون يوماً.
أتمنى أن يكون محقا…
شيء لم يعجبه.
