Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 3

في موسم الربيع تغرس الآلام؛ لتنبت ألماً لا يمحى، بل لا يطاق، ولا يمكن اقتلاعه.

في موسم الربيع تغرس الآلام؛ لتنبت ألماً لا يمحى، بل لا يطاق، ولا يمكن اقتلاعه.

عدتُ إلى حجرتي وأقفلتُ الباب من خلفي.

حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.

ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟

“لقد أخبرتك يا بني أن تلك المرأة المنافقة لا تناسبك… انظر كيف حماك الإله عندما أطعت أمك…”

تفحصتُ الخاتم الذهبي في قَبضتِي لبرهةٍ، ثم النحاسي، ومن ثم همستُ ومرارتي ترتفع:

 

“أهذا من أجل ابنك الوحيد منه، هو؟!” 

 

أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…

 

فتحتُ عينيَّ على حفيف طير يقترب، ووجهتُ بصري نحوه، فإذا بها بومة سوداء ترفرف بجوار النافذة، تحاول الوقوف على إطارها المصنوع من الحديد.

هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!

ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.

 

ما هذه الرائحة؟

ما هذه الرائحة؟

كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.

كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:

أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.

“أهذا من أجل ابنك الوحيد منه، هو؟!” 

اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.

لو لم أجُع فقط، لما وقعت أمي تحت قبضاته اللئيمة وهذه الكلمات القاسية!

تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟

ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…

في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:

“غِلاك، هذا غير صحيح، أنا فقط…”

ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.

فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…

 

ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:

فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…

أنا لا أريد أن أصبح مثل والدي، لا أريد أن أراه، ولا أريد اسمه! – فقط من أجل عائلتي… كل شيء من أجل ملاك وأميرة، كل شيء من أجل ابنتي! لا تستسلم أرجوك…

هززتُ رأسي وتنفستُ بهدوء.

“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”

ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…

 

ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:

حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها

 

رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:

كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…

“مرحباً بكِ يا غلاك!”

تفتحت عيناي على صوت نشيجي بينما العشب الجاف يطير في الهواء.

مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”

رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:

“طابت يداكِ!”

(بوابة الماضي)

“أعوذ بالله من عدم الحياء…”

في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…

أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.

عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.

 

كنت واقفاً تحت ضوء الشمس وجسدي يرتعش بشدةٍ وكأني أقف تحت شلالٍ شديد البرودة. أنظر إلى وجه أمي، وجهها الذي يسيل منه الدماء ويروي به أعشاب الربيع الخضراء.

 

“أين المال!”

“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”

 

 

صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.

كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!

وهذا ما جعل غضبه يشتد ويزداد مرارةً فوق مرارته؛ فعاد يلكمها بكل ما يملك ويصرخ بصوته الغليظ:

تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!

 

أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي

“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.

 

بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.

“الوعد دين والدين وعد…”

كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!

ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:

وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.

تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟

كان بؤبؤاها الرماديان يغوصان في دموعها الحزينة، وينزلق بعضها من بين جراحها رفقة الدم.

فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.

ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.

ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:

 

 

حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.

هل أخبره بالحقيقة، أم أطيع أمي؟!

تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.

كانت هاتان الموجتان تندفعان نحوي وأنا أقاوم الغرق بكل ما أستطيع، وأحاول جاهداً التفكير في طريقة واحدة للنجاة.

فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!

في تلك اللحظة، لمحت خيط أملٍ يرتعش على سطح الماء.

نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.

سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.

هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”

فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.

“دعها…”

 

رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:

إنها تسأل إبنها الوحيد منه:

“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” حصنت نفسي لأذهب إلى المسجد… الذي سأنطلق منه إلى العمل…

“هل شبعت؟”

إنها مختلفة كثيراً عن السابق.

شددتُ فمي ونظرتُ للأسفل عند قدميَّ، ثم هززتُ رأسي بثقل وحركتُ شفتيَّ المرتجفتين بنفس الخيط، فراحت خدودها النحيلة ترتفع بانشراح.

 

 

إنها مختلفة كثيراً عن السابق.

وبالطبع، أبي الذي بدت على وجهه ملامح السخط والذهول المغلف بـ “أعرف كل شيء، ولكن، ما الذي يحدث هنا؟” لم يكن يفهم شيئاً مما يحدث أمامه.

 

 

“طاهر…”

أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.

“توقف… دعها… أرجوك!”

 

ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”

حروفاً نحيك بها مشاعرنا وكلماتنا المقموعة في حضرته.

“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”

 

بينما أغادر… في الخارج، حيث الظلام البارد بلطف، كنت أركض قائلاً:

ذلك الملك المزمجر كلما دخل إلى قصره… لماذا يكره صمتنا كالحاشية والخدم؟!

ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

 

 

لماذا هذا الرجل لا يمكن إصلاحه كرِدائه الممزق حتى رقعه… أحتى الصمت الذي نحظى به الآن أصبح جريمة يعاقب عليها قانونه الملكي؟!

 

 

 

كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:

لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.

 

 

“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”

 

 

رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.

كانت عيناي تلتقطان كل شيء وتشعلان به قلبي الملتهب مسبقاً. أمي تحاول رفع يدها المصابة بعدما اشتد الألم، وأنا لا أستطيع فعل أي شيء سوى أني أغمضتُ عينيَّ بشدة… أفكر والدموع تنبثق من بين جفوني:

هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!

أهذا فقط من أجل المال؟ إن كان الأمر كذلك، فلتقم ببيعي فحسب!

كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!

 

كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.

لماذا تراهن على كل شيء، أحتى حياتنا التعيسة هذه مجرد قطعة غير مهمة تحركها متى ما شعرت بالتهديد؟!

كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!

فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.

“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”

 

وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.

أنظر إلى والدي الذي يضغط فكيه دون أن يهتم لوجودي، متسائلاً:

اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.

 

 

لماذا تفعل هذا بزوجتك التي أنجبت ابنك الوحيد؟

ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.

 

كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…

لماذا لا تهتم بي، أنا الذي خلقتُ تلك النظرات الحادة على وجهك منذ ولادتي… أهذا ما يملأ الفراغ في داخلك؟!

 

 

لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!

كنت أحدق إليه بحقد دفين فيما يصرخ ويشد ذراعيه المرتعشتين حول عنقها، قائلاً:

ارتديت البيجامة والفنيلة، ثم انحشرت قليلاً في الثوب الأبيض وأخذت أسير كأنما أهرول، كأنما هنالك ملك ينتظر قدومي… ارتديت الساعة فيما أفتح باب المنزل.

“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”

 

أما أمي، فكانت تمسك ذراعه بيدها الشاحبة والمرتجفة، تحاول رفع رأسها بصعوبة بينما شفتاها تتحركان دون صوت. إنها تحاول طلب النجدة… ولكن ما الذي يجب أن أفعله؟

حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.

إن لم أقل الحقيقة فقد تموت، وإن قلتها فقد عصيت أمرها، ولو قلت غير ذلك فقد علمتني ألا أكذب أبداً…

ثم مسحت وجهها بوجه ابنتي وقالت:

ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

 

لم تتحملني قدماي من ثقل الحمل على كاهلي وسقطت على الأرض. عندها، أدركت أن همسات الجيران أصبحت تطوف من حولنا، من خلف السور الخشبي:

كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.

“لقد أخبرتك يا بني أن تلك المرأة المنافقة لا تناسبك… انظر كيف حماك الإله عندما أطعت أمك…”

 

“أبي… العمة!”

حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.

“أعوذ بالله من عدم الحياء…”

أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.

“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”

كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.

كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.

في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…

لم يكن الأمر خوفاً فقط، بل حتى تلك الحقارة التي تجدها تجاه ذاتك، ثم عائلتك التي ما كان ينبغي لها أن تدنو أكثر مما هي عليه… وقد تكون كما يقولون.

“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”

فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!

أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي

لو لم أجُع فقط، لما وقعت أمي تحت قبضاته اللئيمة وهذه الكلمات القاسية!

كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.

كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.

ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.

 

 

في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.

 

رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.

“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”

 

 

رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.

 

تجمد بدني تماماً، لم أستطع أن أحرك أصغر أصابعي، ولا حتى أن أدرك ما الذي حل بي الآن.

شددتُ فمي ونظرتُ للأسفل عند قدميَّ، ثم هززتُ رأسي بثقل وحركتُ شفتيَّ المرتجفتين بنفس الخيط، فراحت خدودها النحيلة ترتفع بانشراح.

توقفت فجأةً تلك الخطوات خلفي بكل هدوء، وأخذت يد صغيرة دافئة تمسح كتفيَّ برقة.

يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:

يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:

 

“طاهر…”

عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.

من أنتِ؟!

لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.

تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.

كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.

أناملها الناعمة تطرق فقرات ظهري، وكأنها تعزف على قطع بيانو بينما تردد من خلف أذني كلمات لم أفهم مقصدها:

رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.

“الوعد دين والدين وعد…”

أكانت تريد أن تقول شيئاً ما؟

بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.

عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.

كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:

فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…

“سأكون بانتظارك!”

عدتُ إلى حجرتي وأقفلتُ الباب من خلفي.

حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:

 

“دعها…”

تَنفستُ بعمقٍ فيما تستدير ملاك نحو وقع أقدام غلاك المتسارعة نحوها… خرجت ابنتي وحشرت وجهها في حجر زوجتي، وكأنَّها لم ترَها لمدة سنة كاملة.

هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:

أهذا فقط من أجل المال؟ إن كان الأمر كذلك، فلتقم ببيعي فحسب!

(بوابة الحاضر)

“طرق، طرق”.

نهضتُ لا إرادياً وأغلقتُ النَّافذة مسنداً ظهري إليها.

 

 

فأخذت أعد ذرات النور المتطايرة، وأنا أشعر بها من طرف عيني تنظر إلي، وكأنها تنتظر مني شيئاً آخر.

دموعي تتساقط في حجري فيما يرتفع صوت الإقامة من بعيد.

 

رفعت يديَّ المثقلتين بخيوط الماضي، أنظر إليهما بعين ضيقة، كأنما دماء أمي تسيل من بين أصابعي المرتجفة.

أنظر إلى والدي الذي يضغط فكيه دون أن يهتم لوجودي، متسائلاً:

ما الذي فعلته؟!

“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.

هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!

 

توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.

 

كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.

 

أمسكت رأسي بصعوبة وشددت أصابعي حوله، أحاول تبديد تلك الأفكار بينما أهمس بصوتي المرتجف:

في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…

“توقف… دعها… أرجوك!”

فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.

أنا لا أريد أن أصبح مثل والدي، لا أريد أن أراه، ولا أريد اسمه! – فقط من أجل عائلتي… كل شيء من أجل ملاك وأميرة، كل شيء من أجل ابنتي! لا تستسلم أرجوك…

“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”

وبينما أفكر وتوخز رأسي الذكريات وكأنها إبر مدببة، طُرق الباب بهدوء:

“طاهر…”

 

 

“طرق، طرق”.

كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.

جذبت قميصي من عند خصري وحركت وجهي بسرعة على قماشه المشعر، ثم نظفت حلقي بينما يتبدد ذلك المشهد، وقلت: “أهلاً… من؟”.

نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.

وقع صمتٌ للحظةٍ وأنا أحاول التنفس بهدوء، ثم ظهر صوت طفيف: “الإفطار جاهز”.

 

كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:

“دعها…”

 

ما هذه الرائحة؟

“حسناً.”

 

 

تفحصتُ الخاتم الذهبي في قَبضتِي لبرهةٍ، ثم النحاسي، ومن ثم همستُ ومرارتي ترتفع:

 

 

بعد مرور لحظات، خرجت إلى الردهة وجلستُ على المقعد الخشبي أمام الطاولة التي تشبه صندوقاً حديدياً.

 

كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.

فلتَتَتَبعَاه… 

كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.

حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:

في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.

كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:

كانت تمسك في يدها طبقين لم أستطع تمييزهما حتى جاءت وانحنت أمامي، ثم دفعتهما فوق الطاولة نحوي.

 

كان أحدهما طبقاً نحاسياً يحتوي بيضاً مسلوقاً يتبخر، عليه القليل من المتبلات والملح، والذي بجانبه جُبنةُ ماعزٍ مهروسة، تسيل عصارتها كالدموع للأطراف المتخندقة.

 

مسحت وجهي بعدما ذهبت نحو المطبخ مرة أخرى، ونظرت إليها بنصف عين حتى خطت في داخله.

 

كانت هناك شمعة قزمة في وسطه تساعدها على الرؤية.

كانت هناك شمعة قزمة في وسطه تساعدها على الرؤية.

حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.

 

 

“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”

كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.

 

 

أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.

رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:

 

“طابت يداكِ!”

ضربت الطاولة وانتصبت، ثم ركضت وهي تحشر إصبعيها في أذنيها بينما تصرخ:

إنها لا تقول شيئاً، إنها تنظر إلي… أليس كذلك؟

أيجب أن تصبحي كذلك حقاً؟!

هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.

“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.

 

 

نظرت إليها بابتسامة دافئة حتى توقفت أمام مدخل الحجرة؛ فأبعدت نظري إلى طبق الجبن وأخذت أفكر:

كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.

أكانت تريد أن تقول شيئاً ما؟

كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:

ضممت يديَّ فيما تتقلص الابتسامة، وتساءلت للمرة التاسعة والعشرين:

أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.

 

“طرق، طرق”.

إنها مختلفة كثيراً عن السابق.

كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:

 

 

الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.

 

 

 

إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…

 

 

حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:

أيجب أن تصبحي كذلك حقاً؟!

ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:

 

كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.

نظرت إليها ثم أكملت في داخلي وأنا أعتدل: على الرغم من ذلك، أنتِ لم تتوانَيْ يوماً في الاهتمام بي، ولم تتركيني يوماً أشعر بعدم وجودك.

 

ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.

 

أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.

جذبت قميصي من عند خصري وحركت وجهي بسرعة على قماشه المشعر، ثم نظفت حلقي بينما يتبدد ذلك المشهد، وقلت: “أهلاً… من؟”.

 

حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:

لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!

الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.

وبينما مَلاك تُنادِي ابنتَنا الصغيرة من عند فاه الحجرة، كان صوتها الخافت يتجه تارة نحوي، وتارة يعتم في جوفها.

في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:

 

كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.

كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.

“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”

 

“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”

ثم تحرك بؤبؤا عينيها نحو البلاط الباهت لبرهة، وقالت:

كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!

“حسناً، أنا بخير…”

 

أومأت برأسي ولم أستطع إلا أن ألفظ على مرارة في عنقي: “أتمنى ذلك.” بعدها، عاد ذلك الجو الغريب. لم أقل شيئاً، لأنني لا أعلم ما الذي سأقوله تالياً، ولم أخطط لذلك أبداً.

إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.

فأخذت أعد ذرات النور المتطايرة، وأنا أشعر بها من طرف عيني تنظر إلي، وكأنها تنتظر مني شيئاً آخر.

وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.

في آخر المطاف، التفتُّ نحو مدخل الحجرة وعادت تنادي: “غلاك، إن الإفطار جاهز.”

نظرت إليها بابتسامة دافئة حتى توقفت أمام مدخل الحجرة؛ فأبعدت نظري إلى طبق الجبن وأخذت أفكر:

أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي

ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.

فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”

 

صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…

حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.

وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:

لماذا تفعل هذا بزوجتك التي أنجبت ابنك الوحيد؟

“طاهر…”

“أعوذ بالله من عدم الحياء…”

كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!

أومأت برأسي ولم أستطع إلا أن ألفظ على مرارة في عنقي: “أتمنى ذلك.” بعدها، عاد ذلك الجو الغريب. لم أقل شيئاً، لأنني لا أعلم ما الذي سأقوله تالياً، ولم أخطط لذلك أبداً.

حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.

ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.

ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:

في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.

“ماما…!”

“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”

تَنفستُ بعمقٍ فيما تستدير ملاك نحو وقع أقدام غلاك المتسارعة نحوها… خرجت ابنتي وحشرت وجهها في حجر زوجتي، وكأنَّها لم ترَها لمدة سنة كاملة.

نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.

 

 

“ماما~!”

وبينما مَلاك تُنادِي ابنتَنا الصغيرة من عند فاه الحجرة، كان صوتها الخافت يتجه تارة نحوي، وتارة يعتم في جوفها.

صرخت وهي تمسح وجهها في حضنها، بينما ملاك تحرك يديها حولها بابتسامة طفيفة، وتهمس:

“الوعد دين والدين وعد…”

“أهلاً بماما!” ثم قبلت رأسها.

كان بؤبؤاها الرماديان يغوصان في دموعها الحزينة، وينزلق بعضها من بين جراحها رفقة الدم.

كنت أنظر إليهما بعين تضيق بدفء وكأنهما ابنتاي في لحظة عناق بعد فراق طويل.

نهضتُ لا إرادياً وأغلقتُ النَّافذة مسنداً ظهري إليها.

في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…

ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.

لكنها توقفت فجأة وحبستها خلف شفتيها، فور أن رأتني أبتسم بتلهف. أبعدت وجهها نحو كَتفِ غلاك بينما أنظر إليها وأشعر كأن شفرات حادة تخترق جراح قلبي النازف.

أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…

ثم مسحت وجهها بوجه ابنتي وقالت:

 

“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”

كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.

فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”

حروفاً نحيك بها مشاعرنا وكلماتنا المقموعة في حضرته.

 

هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.

هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”

لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.

ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:

ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.

“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”

رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.

 

رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:

حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:

ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.

“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.

“حسناً، أنا بخير…”

 

فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.

مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:

 

 

أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”

“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”

 

 

سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.

كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:

 

 

مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:

“مرحباً بكِ يا غلاك!”

 

 

 

إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.

حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:

 

في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…

“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”

فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!

 

“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”

قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.

في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:

 

أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.

ابتسمتُ حتى بانت نواجذي، ثم قبلتها على جبينها وربتُّ على رأسها كما عهدتُ فعل ذلك. شددتُ قبضتي الأخرى على فخذي، وقلتُ: “هيا، فلتجلسي…”

 

 

صرخت وهي تمسح وجهها في حضنها، بينما ملاك تحرك يديها حولها بابتسامة طفيفة، وتهمس:

خطت خطوتين ووقعت بسرعة على المقعد المرادف، فاندفعتُ نحوها عندما رأيته يترنح لجهةٍ على أخرى، ورفعتُ يديَّ على كتفيها لأثبتها فيما يرتفع صوتي المختنق:

 

“غلاك؟!”

“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”

 

عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.

تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:

 

 

“دعها…”

“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”

ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:

 

ثم تحرك بؤبؤا عينيها نحو البلاط الباهت لبرهة، وقالت:

أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”

نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.

ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.

كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…

 

صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.

كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.

كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.

 

“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”

كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.

 

 

تَنفستُ بعمقٍ فيما تستدير ملاك نحو وقع أقدام غلاك المتسارعة نحوها… خرجت ابنتي وحشرت وجهها في حجر زوجتي، وكأنَّها لم ترَها لمدة سنة كاملة.

في تلك اللحظة، توقفت غلاك وكأنها اصطدمت بحاجز زمني من ثانية، قبل أن تأخذ قطعة خبز دون أن تنظر إلي.

“مرحباً بكِ يا غلاك!”

 

 

أبعدت يدي عن رأسها، وحزمت لقمة بالخبز والبيض، ثم وضعتها في فمي وأنا أنظر إليها دون أن تنطفئ ابتسامتي… ومع مرور الوقت، لم تتبق سوى قطعة صغيرة في يدها.

إنها مختلفة كثيراً عن السابق.

 

 

وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.

 

 

كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:

ثم استمرَّت في الأكل حتى لمحتها تتفحصني بنظرات خفية. عندها، وضعت بقية الخبز على الطبق وقالت فوراً:

قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:

 

توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.

“بابا، هل أنت بخيرٍ أيضاً…”

 

 

 

قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:

تفتحت عيناي على صوت نشيجي بينما العشب الجاف يطير في الهواء.

 

كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.

“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”

هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:

 

بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.

أخذت قطعة خبز وحشرت لقمةً أخرى في فمها، قائلةً: “نعم، طهي ماما لذيذ… همم، هممم!”

“أبي… العمة!”

 

في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.

هذا ما فهمته قبل أن يختفي صوتها وسط مضغ الطعام. بعد ذلك، مسحت فمَها بيدها الأخرى، ثم أكملت:

خطت خطوتين ووقعت بسرعة على المقعد المرادف، فاندفعتُ نحوها عندما رأيته يترنح لجهةٍ على أخرى، ورفعتُ يديَّ على كتفيها لأثبتها فيما يرتفع صوتي المختنق:

“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:

اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.

“غِلاك، هذا غير صحيح، أنا فقط…”

 

ضربت الطاولة وانتصبت، ثم ركضت وهي تحشر إصبعيها في أذنيها بينما تصرخ:

“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.

“أنا أكرهُها!”.

 

مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”

 

لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.

“ماما…!”

 

وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:

تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!

“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”

 

في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.

نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.

سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.

 

 

ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:

حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها

 

 

“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”

 

 

 

ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.

إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.

 

ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:

أما أنا، فخرجت أسير نحو حجرتي بابتسامة، أتفحص ثيابي وأتحسس قماشها الناشف كالورق المقوى. فتحت باب حجرتي فاندفع الهواء من خلالي.

في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…

 

 

تنفست للحظة ثم حاولت أن أدخل إليها، عندها، صرخت غلاك من عند حجرة أميرة:

أبعدت يدي عن رأسها، وحزمت لقمة بالخبز والبيض، ثم وضعتها في فمي وأنا أنظر إليها دون أن تنطفئ ابتسامتي… ومع مرور الوقت، لم تتبق سوى قطعة صغيرة في يدها.

“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.

“طاهر…”

 

 

ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”

 

أغلقت الباب وتوجهت نحو الفراش، وانحنيت لأخرج الساعة من تحته. في هذه اللحظة، نودي للصلاة من المسجد القابع خلف المنزل بخطوات.

ما هذه الرائحة؟

 

قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:

نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.

“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”

 

 

ارتديت البيجامة والفنيلة، ثم انحشرت قليلاً في الثوب الأبيض وأخذت أسير كأنما أهرول، كأنما هنالك ملك ينتظر قدومي… ارتديت الساعة فيما أفتح باب المنزل.

 

 

رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.

كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.

جذبت قميصي من عند خصري وحركت وجهي بسرعة على قماشه المشعر، ثم نظفت حلقي بينما يتبدد ذلك المشهد، وقلت: “أهلاً… من؟”.

حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها

 

بينما أغادر… في الخارج، حيث الظلام البارد بلطف، كنت أركض قائلاً:

“طابت يداكِ!”

“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” حصنت نفسي لأذهب إلى المسجد… الذي سأنطلق منه إلى العمل…

ضربت الطاولة وانتصبت، ثم ركضت وهي تحشر إصبعيها في أذنيها بينما تصرخ:

فلتَتَتَبعَاه… 

اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط