Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 4

الملك إيسكا بعد ليل طويل. وطاهر في مسجد النور.

الملك إيسكا بعد ليل طويل. وطاهر في مسجد النور.

أيها القمر…

—–

 

انبثق على الشاشة شعار رمادي يشبه نجمة كروية. أخذت تلتف فيما تسقط في الهواء أمامي قائلة:

انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.

 

مركبة لمخلوق واحدٍ فقط، ولا تتسع لاثنين في زمن واحد.

“ألا زلتِ منزعجة؟”

إنها مقدرة لذلك الشاب، ذلك الذي يقف ثابتاً في مسرح الكون، رافعاً رأسه، شامخاً، يستمع إلى عزف الرياح ويتراقص معطفه الفروي على إيقاعها.

انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.

 

 

كان يحرك يديه بالتحام هادئ كأعظم مايسترو في هذا العالم، تنساب من بين أصابعه خيوط الشمس الزاهية، لتُشرق قدسيته الظاهرة -كالعادة- في كل يوم…

“ألا زلتِ منزعجة؟”

 

أمسك يدها وأشار نحوي، وقبل أن يقول حرفاً واحداً، دفعت يده بعيداً، صارخةً بصوتها كأنما اختنقت منه:

نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.

وبعدما أديت فرضي كعامة أهل البلدة، أسندت كفي إلى المفرشة الخضراء الداكنة، المتيبسة كالحصير، وتربعت مغمضاً عينيَّ، أذكر الله مثل كل فجر:

تنفس بارتياح.

تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:

تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:

 

“لقد كان عزفكم مثيراً هذه المرة أيضاً… ولكن من التي لم تطع الأوامر؟!”

“بارك الله فيك يا بني”.

رفعت رأسي بصرامة حادة كحد السيف.

تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:

صمتت جميع الرياح وأخذت ترتعش فرائسها أمامي بينما أقول داخلي: سأكتشف ذلك بنفسي!

لا أعلم ما الذي أراد قوله، لكنني وجهت بصري إلى القارئة دون أن أكترث وقلت لها:

طرقت نظارتي بالوسطى، ونقرت على طرفها الأيمن بالسبابة؛ فظهرت خمسة خطوط أفقية في الهواء، وراحت الأرقام والأحرف تلتف في داخلها… تدور… اختفت، ثم تباينت كأرواح صلبة زرقاء تتدخن أطرافها:

“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”

 

نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.

—–

“هيا!”

[1423ه‍]

البنت-لي.

—–

 

 

أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه‍)؟

كورت قبضتي تحت ذقني وثبت سبابتي أسفل أنفي. لقد كنت أشعر بالضيق يخنقني من عنقي منذ قدومي إلى هذا المكان.

الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…

الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…

في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.

تفحصت ودققت النظر في التاريخ الذي أمامي، حركت سبابتي ولمست الأرقام الباردة كالثلج، ثم أعدت ترتيبه بنقرات سريعة:

تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:

 

لم أعد أعلم ما الذي يجعلني أقف مكتوف الأيدي حتى الآن، لكنني سأحاول التغاضي عن هذا حتى تدخل إلى هنا!

—–

ورود ونجوم، أو مظاهر كونية نادرة الوجود.

[1234ه‍]

 

—–

 

 

انحنى قليلاً وحرك شفتيه.

أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه‍)؟

فقط لو لم تكن القارئة ستتعرض لخطر قاتل، لجعلته يصرخ كالرضع عند الضربة الأولى! أملت رأسي نحوه بابتسامة عريضة وجسدي يهتز… رأيته، كان يحاول تحريك يده المرتعشة نحو بيت حزامه. لذلك، اعتدلت ونظرت إلى الأعلى حيث تقبع شاشة زرقاء كالسماء الصافية، وتتزخرف من حولها حراشف ألماسية تنساب فيها المياه المضيئة في أشكال مختلفة:

 

كان يحرك يديه بالتحام هادئ كأعظم مايسترو في هذا العالم، تنساب من بين أصابعه خيوط الشمس الزاهية، لتُشرق قدسيته الظاهرة -كالعادة- في كل يوم…

إن أعدنا الترتيب أيضاً، فستكون أرقامها التاريخية بنفس التنظيم السابق… هذا يعني أن البوابة الهجرية لم تختر الهجرة عبثاً، بل هي تعتمد على نظام محدد يتسق بالأعداد التي تتواجد في داخل القصر… وضعت سبابتي بين شفتيَّ. يدي تهتز دون سبب كما ترى أيها القمر.

 

 

—–

ولكن ماذا عن ابنتي هاجر؟

كانت عينيه الحانقتين تحدق إلي دون توقف، حتى عندما يحاول أحد المصلين مصافحته، لا تكاد بؤبؤاه تنصرف عني.

 

 

إن كان الأمر كذلك، فيجب أن تصبح الخطوط الرقمية 5 خطوط إضافةً إلى خط الحروف…

أولئك الفقراء والمساكين وغيرهم من المتسولين، إنهم يحبون السرقة مثلما يتظاهرون بالتضرع جوعاً. في جميع الأحوال، لا أريد الخوض في أمر هذه التفاهة.

وبعد تفكير لحظي، حركت يدي وحاولت إضافة خط آخر للأرقام التي تتَمَوَّج وتتوهج بهدوء. فجأةً، ظهر إشعار أحمر في الأسفل يتبخر ويغلي، يفيد:

“بارك الله فيك يا بني، ليشفيها الله!”

 

—–

اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.

[خطأ]

فتساءلت في نفسي: هذا غريب… أيمكن أنه قد ذهب مبكراً؟

—–

كان يحاول تدمير حلمي، إنه يريد… أغغغ! أرأيت ذلك أيها القمر؟! أما لو دفعت يده فقط، ثم دلفت وأقفلت الباب وراءها، لاندفعت لأدهسه بينما هو يهرب. يطلق النار، فيرتطم على الزجاج المضاد للرصاص.

 

“بارك الله فيك يا بني”.

فحاولت حذف جميع الخطوط بنقرة ثقيلة متسرعة:

“لقد كان عزفكم مثيراً هذه المرة أيضاً… ولكن من التي لم تطع الأوامر؟!”

 

أكملت السير وأنا أتأمل الجبل لكي لا أشعر بالملل، وأخذت أخطو في هذا الهدوء الذي تهمس فيه صراصير الليل، والعصافير الصفراء، حتى بدأت أسير من بين ظلال الجموع من العمال.

—–

يتبع…

[خطأ]

أولئك الفقراء والمساكين وغيرهم من المتسولين، إنهم يحبون السرقة مثلما يتظاهرون بالتضرع جوعاً. في جميع الأحوال، لا أريد الخوض في أمر هذه التفاهة.

—–

“نجمة المعرفة…”

 

لماذا ينظر إلي هكذا؟ ارتديته بينما أفكر، ثم نفضته قليلاً بقدمي حتى خلا من الرمل.رفعت رأسي وشرعت في الخروج. ولكن، أوقفتني نظرة لذلك الركن الخلفي للمسجد.

يا إلهي، أهنالك من يحاول العبث بهذا النظام القديم،

 

أم أنا الذي يعبث بالقواعد؟!

 

لا، لا يمكن أن يكون هذا خطئي. ولكن يجب أن أكتشف ذلك قبل فوات الأوان… وبعد تلك الثانية الطويلة من التفكير، حركت قدمي في خطوة ثقيلة للأمام، وأخذت أسير نحو مركبتي. نظرت إلى الطرف الآخر من

 

 

في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.

البنت-لي.

لم أعد أعلم ما الذي يجعلني أقف مكتوف الأيدي حتى الآن، لكنني سأحاول التغاضي عن هذا حتى تدخل إلى هنا!

 

 

كانت القارئة والقارئ يقفان بجانبها، ينظران إلى كل خطوة أخطوها، ينظران إلى الملك العظيم اسكوكي!

 

مهلاً، ألم تلاحظ أيها القمر بأن القارئة تقف بعيداً عن القارئ، وتشد يديها حول عباءتها كأنما تخشاه… ألا تخجل من نفسك أيها القارئ؟!

“هيا، أسرعوا.”

 

[خطأ]

قلت ذلك في جوفي بينما أعتصر أصابعي في قبضة حتى شعرت ببعض السخونة، ثم رفعتها وصفقت بطرف إصبعيَّ السبابة والإبهام. اختفت الأرقام. حركت يدي ورسمت بالوسطى حلقة زرقاء متوهجة في الهواء، فانبثق من داخلها قفل رمادي يتبخر، مزخرف بالورود.

 

 

 

توقفت خطوة واحدة من البنتلي، ونقرت عليه لينفتح ويتغير لونه للأزرق. دفعته بلطف براحة يدي نحو باب السائق. اصطدم برقة على جسدها… ومض شريط ذهبي في وسطها وكأنه يمتص الأضواء من حوله،

—–

ثم انفتح الباب بصوت يشبه رياحاً هادئة تعبر وادياً سحيقاً.

“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”

 

في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.

استرحت على المقعد الناعم، وطرقت على طرف النظارة الأيسر، فانبثقت في الهواء أربعة مثلثات رمادية رأسها نحو الأمام قبالة كل باب.

“لا تلمسني!”

 

 

حركت إصبعي نحو اثنين وأدرتهما، انفتح الباب الخلفي، وانغلق الذي بجانبي.

7

 

كنت أسير على ضفاف شارع الشيخ منصور الرئيسي، أنظر وأستمع إلى أصوات المركبات وأضوائها الصفراء التي تمر من جانبي الأيمن بعد كل مئة خطوة تقريباً… وها قد مرت واحدة خضراء شاحبة، تثير الغبار بشكل طفيف فيما أنظر إلى جبل المزرعة الذي أمامي.

أشرت إلى القارئة بيدي حتى تحتمي في الداخل من هذا المتحرش، لكنها كانت تقف بهدوء وتنظر بعيداً عنه.

ثم أنظر إلى الأسفل بخجلٍ لأطلب رقم والدها… تباً!

 

فقط لو كنت أعلم أنه سيتوب من أفعاله اليوم، لكنت ذهبت إلى المسجد الآخر في لحظتها… وبينما كنت أحاول المغادرة، تلاقت أعيننا في تسليمته الثانية ومحاولتي الالتفات.

لم أعد أعلم ما الذي يجعلني أقف مكتوف الأيدي حتى الآن، لكنني سأحاول التغاضي عن هذا حتى تدخل إلى هنا!

 

 

 

وفور أن فكرت في ذلك، طرق القارئ النافذة الفضية الشفافة التي يعبر من خلالها ضوء أزرق خافت.

نبضت النجمة بالضوء الأزرق المتبخر في الهواء، ثم عادت بنبضة أخرى في داخل الشاشة. انبثقت صورة المسجد القابع وسط المنازل.

استمع إلي في الداخل أيها القمر:

 

يبدو أنني سأعمل بنصيحتك هذه المرة! اعتدلت قليلاً، وأدخلت يدي في جيبي، تبحث، تمسك، ثم أخرجت لا شيء لأقول له:

 

 

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

“ليست هنالك نقود.”

“أريد العودة إلى منزلي.”

 

انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.

انحنى قليلاً وحرك شفتيه.

كانوا يقفون في مجموعات خلف الخط الأصفر للصعود إلى الحافلة.

لا أعلم ما الذي أراد قوله، لكنني وجهت بصري إلى القارئة دون أن أكترث وقلت لها:

أدارت وجهها نحو القارئ الذي كان يحرك يديه ويتحدث معها بصوتٍ كالهمس، لكنها صدت عنه لتستريح في مركبتنا، أنا وهي فقط.

“ألا زلتِ منزعجة؟”

 

أمالت رأسها ونظرت بعيداً وكأنها لم تعد تثق في هذا العالم… ثم قالت بصوتٍ كالهمس:

أمسك يدها وأشار نحوي، وقبل أن يقول حرفاً واحداً، دفعت يده بعيداً، صارخةً بصوتها كأنما اختنقت منه:

“أريد العودة إلى منزلي.”

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

 

نهضت وضربت ضرباً خفيفاً على مقعدي حتى أنظفه من حبات الرمل، ثم ذهبت نحو المخرج حيث وضعت حذائي في حلقة مخصصة للأحذية.

“تريدين العودة إلى المنزل…” همست وأنا أطلق زفيراً هادئاً وأداعب رأس المكبح الذهبي الثخين المتعرج، وأفكر:

 

نعم، حتى أنا أريد ذلك أيضاً، ولكن لنختر منزلاً أفضل…

 

أومأت لها برأسي وابتسمت بشكل طفيف، قائلاً:

 

“حسناً، كما تشائين!”

ابتسمت بينما تعبر من جانبي حافلةُ طلابِ المرحلةِ الإعدادية، لونها أسود تلمع ببريق خافت، وينظر إليّ الطلاب من خلال زجاجها المترقرق بأعينٍ حيوية أو منطفئة، هذا إن لم تكن حادة أو تركد عليها دموع الشجون.

أدارت وجهها نحو القارئ الذي كان يحرك يديه ويتحدث معها بصوتٍ كالهمس، لكنها صدت عنه لتستريح في مركبتنا، أنا وهي فقط.

“لا تلمسني!”

أمسك يدها وأشار نحوي، وقبل أن يقول حرفاً واحداً، دفعت يده بعيداً، صارخةً بصوتها كأنما اختنقت منه:

استمع إلي في الداخل أيها القمر:

“لا تلمسني!”

7

 التفت نحوي بصرخة تحاول كبحها:

بعد مرور عشر دقائق…

“هل يمكنه أن يأتي أيضاً؟!”

نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.

 

 

كانت نبرتها مرتجفة بعض الشيء، وهذا ما جعلني أشعر بالحرارة في عروقي.

نبضت النجمة بالضوء الأزرق المتبخر في الهواء، ثم عادت بنبضة أخرى في داخل الشاشة. انبثقت صورة المسجد القابع وسط المنازل.

 

—–

حركت يدي الساخنة وضغطت المثلث الذي انقلب وأصبح أزرق اللون؛ فانفتح الباب. ركب القارئ بينما أنظر نحوه في الأسفل، وركبت القارئة قبل أن تقفل الباب.

 

 

وبعدما انتهيت من ذكر الله، فتحت عينيَّ ورفعت رأسي فيما ينهض البعض لأداء النافلة أو لأخذ المصحف من فوق طاولة خشبية ملساء تقبع بجانب الإمام، وقد يخوض البعض في أذكار الصباح مبكراً تماماً مثل ما يفعل الشيخ “شعيب” الذي أمَّنا لصلاة الفجر.

نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!

أم أنا الذي يعبث بالقواعد؟!

 

انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.

كان يحاول تدمير حلمي، إنه يريد… أغغغ! أرأيت ذلك أيها القمر؟! أما لو دفعت يده فقط، ثم دلفت وأقفلت الباب وراءها، لاندفعت لأدهسه بينما هو يهرب. يطلق النار، فيرتطم على الزجاج المضاد للرصاص.

ابتسمت بينما تعبر من جانبي حافلةُ طلابِ المرحلةِ الإعدادية، لونها أسود تلمع ببريق خافت، وينظر إليّ الطلاب من خلال زجاجها المترقرق بأعينٍ حيوية أو منطفئة، هذا إن لم تكن حادة أو تركد عليها دموع الشجون.

لا يستطيع اصابتي بينما يصيبه الخوف. وبعد تلك الصرخة تحت عجلات المركبة، أدهس المكابح بهدوء،

 

ثم أنظر إلى الأسفل بخجلٍ لأطلب رقم والدها… تباً!

يبدو أنني سأعمل بنصيحتك هذه المرة! اعتدلت قليلاً، وأدخلت يدي في جيبي، تبحث، تمسك، ثم أخرجت لا شيء لأقول له:

 

 

اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.

كل ما يزعجني الآن مثل الحذاء الفئري الذي يرتديه… ألا يشعر البعض بالعار عندما يرتدون مثل هذه المخلوقات القذرة؟!

 

الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…

نظرت من طرف عيني نحو هذا القناص الذي يجلس بجانبي، يتفحص كل شيء بعين تكاد أن تسقط. هذا الأمر ليس مضحكاً أيها القمر.

تفحصت ودققت النظر في التاريخ الذي أمامي، حركت سبابتي ولمست الأرقام الباردة كالثلج، ثم أعدت ترتيبه بنقرات سريعة:

إنه أمر شديد الخطورة إن أصابها في مقتل!

“أريد العودة إلى منزلي.”

 

وبعدما أديت فرضي كعامة أهل البلدة، أسندت كفي إلى المفرشة الخضراء الداكنة، المتيبسة كالحصير، وتربعت مغمضاً عينيَّ، أذكر الله مثل كل فجر:

حركت يدي نحوه وصفقت بسبابتي والوسطى. ارتجف ونظر إلى أصابعي بينما يرتد الباب بهدوء.أمسكت مقود السيارة الأسود اللامع، ثم اتكأت على وسادة حريرية ارتفعت من جانب المقعد، بعد طرقة في الهواء.

 

 

 

راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.

 

 

اندفع الطفل إلى الصندوق وأخذ واحدة أخرى، بينما الجدة تهز رأسها من أمامي وتقول بصوتها المرتجف:

أولئك الفقراء والمساكين وغيرهم من المتسولين، إنهم يحبون السرقة مثلما يتظاهرون بالتضرع جوعاً. في جميع الأحوال، لا أريد الخوض في أمر هذه التفاهة.

“لا تلمسني!”

 

البنت-لي.

كل ما يزعجني الآن مثل الحذاء الفئري الذي يرتديه… ألا يشعر البعض بالعار عندما يرتدون مثل هذه المخلوقات القذرة؟!

يا إلهي، أهنالك من يحاول العبث بهذا النظام القديم،

 

“ارفعي الصوت ليستمعا إليه جيداً…”

أتعلم ماذا؟ يجب أن يهتم البعض بفراسة الحمير، بعيداً عن هذه البنت.. لي! اهتز صدري بضحكة أحاول قمعها فيما أنظر إلى الأفق، ودهست الوقود براحة نحو رأس الجبل.

 

 

ثم أنظر إلى الأسفل بخجلٍ لأطلب رقم والدها… تباً!

في هذه الأثناء، أدرك القارئ أنها المرة الثانية التي يخطئ فيها بالركوب معي.

 

 

“بارك الله فيك يا بني”.

نظر إلي وكأني قد أندفع نحو الهاوية في أية لحظة…

أمالت رأسها ونظرت بعيداً وكأنها لم تعد تثق في هذا العالم… ثم قالت بصوتٍ كالهمس:

 

استمع إلي في الداخل أيها القمر:

فقط لو لم تكن القارئة ستتعرض لخطر قاتل، لجعلته يصرخ كالرضع عند الضربة الأولى! أملت رأسي نحوه بابتسامة عريضة وجسدي يهتز… رأيته، كان يحاول تحريك يده المرتعشة نحو بيت حزامه. لذلك، اعتدلت ونظرت إلى الأعلى حيث تقبع شاشة زرقاء كالسماء الصافية، وتتزخرف من حولها حراشف ألماسية تنساب فيها المياه المضيئة في أشكال مختلفة:

نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.

ورود ونجوم، أو مظاهر كونية نادرة الوجود.

تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:

 

[1234ه‍]

نظفت حلقي ثم أمرتها بصوت عميق مُتَرَف:

جبلٌ كسورٍ ضخم، أطرافه مترامية حتى أطراف البلدة، وتلامس قمته السحاب بكل بساطة.

“نجمة المعرفة…”

“أنتِ أيضاً يا خالة!”

انبثق على الشاشة شعار رمادي يشبه نجمة كروية. أخذت تلتف فيما تسقط في الهواء أمامي قائلة:

 

—————–
|أهلاً بسيدي إيسكا!|
—————–

 

أشرت لها بسبابتي ودهست المكابح بهدوء.

أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.

وضع القارئ يده على الرف، والأخرى بجانب حزامه. ينظر إلي بينما أصدر أمري الملكي:

مهلاً، ألم تلاحظ أيها القمر بأن القارئة تقف بعيداً عن القارئ، وتشد يديها حول عباءتها كأنما تخشاه… ألا تخجل من نفسك أيها القارئ؟!

“أظهري مسجد النور على الشاشة، وكبّري الصورة على وجه ذلك الكاذب”.

 

نبضت النجمة بالضوء الأزرق المتبخر في الهواء، ثم عادت بنبضة أخرى في داخل الشاشة. انبثقت صورة المسجد القابع وسط المنازل.

انحشر العمال كالعادة أمام الباب بينما يقف السائق في المكان المخصص للحافلات. فتح بابها وأشار بيده للجميع قائلاً:

 

—–

مسحت بسبابتي على شاشة سوداء ناعمة خلف المكبح؛ فانخفضت المقاعد بهدوء… أصبحنا ننظر إليها كمن يستلقي على أرضٍ حريرية ويتأمل السماء. حركت يدي اليمنى وأشرت إلى الأعلى قائلاً:

 

 

كانت نبرتها مرتجفة بعض الشيء، وهذا ما جعلني أشعر بالحرارة في عروقي.

“ارفعي الصوت ليستمعا إليه جيداً…”

 

—–
5

سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:

6

وفور أن فكرت في ذلك، طرق القارئ النافذة الفضية الشفافة التي يعبر من خلالها ضوء أزرق خافت.

7

قلت ذلك في جوفي بينما أعتصر أصابعي في قبضة حتى شعرت ببعض السخونة، ثم رفعتها وصفقت بطرف إصبعيَّ السبابة والإبهام. اختفت الأرقام. حركت يدي ورسمت بالوسطى حلقة زرقاء متوهجة في الهواء، فانبثق من داخلها قفل رمادي يتبخر، مزخرف بالورود.

8

“نجمة المعرفة…”

9
—–

لا، لا يمكن أن يكون هذا خطئي. ولكن يجب أن أكتشف ذلك قبل فوات الأوان… وبعد تلك الثانية الطويلة من التفكير، حركت قدمي في خطوة ثقيلة للأمام، وأخذت أسير نحو مركبتي. نظرت إلى الطرف الآخر من

تحت سقف السماء وبين جدران المسجد الرمادية أو البيضاء منها، انتهيت من التشهد الثاني، والتفت للتسليمتين:

 

“السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.”

أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.

 

 

وبعدما أديت فرضي كعامة أهل البلدة، أسندت كفي إلى المفرشة الخضراء الداكنة، المتيبسة كالحصير، وتربعت مغمضاً عينيَّ، أذكر الله مثل كل فجر:

نظر إلي وكأني قد أندفع نحو الهاوية في أية لحظة…

 

 

“أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت…”

نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.

كان صوتي يندمج مع أصوات الذاكرين التي ترتفع وتنخفض ملتفة من حولي كأمواج هادئة.

—–

 

إنه أمر شديد الخطورة إن أصابها في مقتل!

وبعدما انتهيت من ذكر الله، فتحت عينيَّ ورفعت رأسي فيما ينهض البعض لأداء النافلة أو لأخذ المصحف من فوق طاولة خشبية ملساء تقبع بجانب الإمام، وقد يخوض البعض في أذكار الصباح مبكراً تماماً مثل ما يفعل الشيخ “شعيب” الذي أمَّنا لصلاة الفجر.

 

 

ثم أنظر إلى الأسفل بخجلٍ لأطلب رقم والدها… تباً!

كانت عينيه الحانقتين تحدق إلي دون توقف، حتى عندما يحاول أحد المصلين مصافحته، لا تكاد بؤبؤاه تنصرف عني.

اندفع الطفل إلى الصندوق وأخذ واحدة أخرى، بينما الجدة تهز رأسها من أمامي وتقول بصوتها المرتجف:

 

أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.

نهضت وضربت ضرباً خفيفاً على مقعدي حتى أنظفه من حبات الرمل، ثم ذهبت نحو المخرج حيث وضعت حذائي في حلقة مخصصة للأحذية.

إن كان الأمر كذلك، فيجب أن تصبح الخطوط الرقمية 5 خطوط إضافةً إلى خط الحروف…

 

راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.

لماذا ينظر إلي هكذا؟ ارتديته بينما أفكر، ثم نفضته قليلاً بقدمي حتى خلا من الرمل.رفعت رأسي وشرعت في الخروج. ولكن، أوقفتني نظرة لذلك الركن الخلفي للمسجد.

البعض ممن يرتدون القميص الأخضر الفضفاض المُرَقَّع والبنطال المماثل، يبدو على وجهه الضجر، والبعض الآخر يحرك يديه داخل ثوبه الأبيض ويهز رأسه الملفوف بقماشٍ أصفر حتى خرج عن كتفيه النحيلين، ليسرد عليهم -من فوقهم- حكايةً شعبيةً لا يزال يكررها بحيوية منذ الطفولة.

ضيقت عينيَّ تدقيقاً في رجلٍ فيه يجلس للتشهد. أهذا حيدر… ما الذي يفعله هنا؟! ثم تساءلت في نفسي مرة أخرى بينما يسلِّم التسليمة الأولى:

كانت نبرتها مرتجفة بعض الشيء، وهذا ما جعلني أشعر بالحرارة في عروقي.

لماذا أتى إلى هذا المكان. لا سيما أن مسجد النور يبعد عن منزله قرابة الكيلومتر. الأهم من ذلك، لِمَ هو يصلي أساساً؟!

أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.

لم أكن معترضاً على عبادته… ولكن كما تقول الشائعات في الآونة الأخيرة: إنه لا يقرب بيوت الله لأنه، وكما يتلو عليه البعض دائماً:

 

“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”

إن أعدنا الترتيب أيضاً، فستكون أرقامها التاريخية بنفس التنظيم السابق… هذا يعني أن البوابة الهجرية لم تختر الهجرة عبثاً، بل هي تعتمد على نظام محدد يتسق بالأعداد التي تتواجد في داخل القصر… وضعت سبابتي بين شفتيَّ. يدي تهتز دون سبب كما ترى أيها القمر.

فقط لو كنت أعلم أنه سيتوب من أفعاله اليوم، لكنت ذهبت إلى المسجد الآخر في لحظتها… وبينما كنت أحاول المغادرة، تلاقت أعيننا في تسليمته الثانية ومحاولتي الالتفات.

تنفس بارتياح.

 

كان صوتي يندمج مع أصوات الذاكرين التي ترتفع وتنخفض ملتفة من حولي كأمواج هادئة.

أشحت بصري نحو المخرج وشددت قدمي في حذائي مغادراً البيت المكرم.

 

 

—–

بعد مرور عشر دقائق…

أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه‍)؟

 

 

كنت أسير على ضفاف شارع الشيخ منصور الرئيسي، أنظر وأستمع إلى أصوات المركبات وأضوائها الصفراء التي تمر من جانبي الأيمن بعد كل مئة خطوة تقريباً… وها قد مرت واحدة خضراء شاحبة، تثير الغبار بشكل طفيف فيما أنظر إلى جبل المزرعة الذي أمامي.

يتبع…

 

 

جبلٌ كسورٍ ضخم، أطرافه مترامية حتى أطراف البلدة، وتلامس قمته السحاب بكل بساطة.

كنت أسير على ضفاف شارع الشيخ منصور الرئيسي، أنظر وأستمع إلى أصوات المركبات وأضوائها الصفراء التي تمر من جانبي الأيمن بعد كل مئة خطوة تقريباً… وها قد مرت واحدة خضراء شاحبة، تثير الغبار بشكل طفيف فيما أنظر إلى جبل المزرعة الذي أمامي.

 

البنت-لي.

ابتسمت بينما تعبر من جانبي حافلةُ طلابِ المرحلةِ الإعدادية، لونها أسود تلمع ببريق خافت، وينظر إليّ الطلاب من خلال زجاجها المترقرق بأعينٍ حيوية أو منطفئة، هذا إن لم تكن حادة أو تركد عليها دموع الشجون.

أومأت لها برأسي وابتسمت بشكل طفيف، قائلاً:

 

تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:

تساءلت في نفسي بعدما رددت التحية على أحدهم:

وضع القارئ يده على الرف، والأخرى بجانب حزامه. ينظر إلي بينما أصدر أمري الملكي:

ترى، أكانت القصص الشعبية القديمة حول هذا الجبل حقيقية، أو حتى تلك الأساطير التي كانت تخيفني قبل النوم؟

أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.

 

[خطأ]

رفعت رأسي حيث ينير القمر قمة الجبل قبل أن يغرب، وأخذت أفكر:

تفحصت ودققت النظر في التاريخ الذي أمامي، حركت سبابتي ولمست الأرقام الباردة كالثلج، ثم أعدت ترتيبه بنقرات سريعة:

هل يمكن أن تكون أم العباءة تقبع فوق ذلك الجبل حقاً…

اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.

مسحت على شعر رأسي وابتسمت بضحكة طفيفة، أتذكر تلك الرجفة كلما قطعت هذه المسافة بقدمي الصغيرتين، قبل أن أركض وأنا أتلفت برأسي حتى لا تسرقني هذه الظلال. همست:

[خطأ]

“كم كانت أياماً مخيفة…”

 

وبينما كنت أسير مبتسماً، ضيقت عينيّ وأملت رأسي قليلاً لأتفحص ذلك الشيء على قمة الجبل. أهو ضوء القمر حقاً؟ يبدو وكأنه ذهبي كأشعة الشمس بهذه الدرجة الفاقعة.

نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!

فكرت للحظة، ثم ابتسمت وهززت رأسي قليلاً فيما أقول:

—————– |أهلاً بسيدي إيسكا!| —————–

 

أدارت وجهها نحو القارئ الذي كان يحرك يديه ويتحدث معها بصوتٍ كالهمس، لكنها صدت عنه لتستريح في مركبتنا، أنا وهي فقط.

“هل سأحتاج اليوم إلى نظارتين…”

“طاهر…”

 

استمع إلي في الداخل أيها القمر:

أكملت السير وأنا أتأمل الجبل لكي لا أشعر بالملل، وأخذت أخطو في هذا الهدوء الذي تهمس فيه صراصير الليل، والعصافير الصفراء، حتى بدأت أسير من بين ظلال الجموع من العمال.

رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:

 

لماذا ينظر إلي هكذا؟ ارتديته بينما أفكر، ثم نفضته قليلاً بقدمي حتى خلا من الرمل.رفعت رأسي وشرعت في الخروج. ولكن، أوقفتني نظرة لذلك الركن الخلفي للمسجد.

كانوا يقفون في مجموعات خلف الخط الأصفر للصعود إلى الحافلة.

استمع إلي في الداخل أيها القمر:

 

 

البعض ممن يرتدون القميص الأخضر الفضفاض المُرَقَّع والبنطال المماثل، يبدو على وجهه الضجر، والبعض الآخر يحرك يديه داخل ثوبه الأبيض ويهز رأسه الملفوف بقماشٍ أصفر حتى خرج عن كتفيه النحيلين، ليسرد عليهم -من فوقهم- حكايةً شعبيةً لا يزال يكررها بحيوية منذ الطفولة.

رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:

 

 

أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.

“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”

 

أكملت الجدة سيرها فيما الحافلة الزرقاء الشاحبة تقترب، تزميرها المزعج يختلط بصوت المحرك الصاخب.

سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:

 

 

فتساءلت في نفسي: هذا غريب… أيمكن أنه قد ذهب مبكراً؟

(6:30)

نظفت حلقي ثم أمرتها بصوت عميق مُتَرَف:

 

 

فتساءلت في نفسي: هذا غريب… أيمكن أنه قد ذهب مبكراً؟

نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!

 

مسحت بسبابتي على شاشة سوداء ناعمة خلف المكبح؛ فانخفضت المقاعد بهدوء… أصبحنا ننظر إليها كمن يستلقي على أرضٍ حريرية ويتأمل السماء. حركت يدي اليمنى وأشرت إلى الأعلى قائلاً:

في هذه اللحظة، كانت تقترب كاهلة عجوز، تستند على رأس عصا معطوف بحرفية، متين أخضر ومزخرفٍ بورود بيضاء، تطرق الأرض بحديدها الصلب بينما يسير خلفها التوأمان الصغيران مثل كل صباح.

 

 

أشرت إلى القارئة بيدي حتى تحتمي في الداخل من هذا المتحرش، لكنها كانت تقف بهدوء وتنظر بعيداً عنه.

واحد منهما يمسك صندوقاً رمادياً داكناً، والآخر يخرج منه نظارة صغيرة بلاستيكية، لينطلق بها للعمال المتلهفين. كنت أنظر إليهم، ثم أنظر إلى الجهة المقابلة أو من حيث جئت، ولكنه لم يأتِ حتى الآن.

نظر إلي وكأني قد أندفع نحو الهاوية في أية لحظة…

 

أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه‍)؟

“جدة مريضة… ادعوا لجدة!”

أم أنا الذي يعبث بالقواعد؟!

 

لماذا أتى إلى هذا المكان. لا سيما أن مسجد النور يبعد عن منزله قرابة الكيلومتر. الأهم من ذلك، لِمَ هو يصلي أساساً؟!

نظرت للأسفل، فإذا بالطفل ذي الشعر البني، يرفع واحدة معينة رمادية اللون وباهتة بين يديه.

—–

ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:

كانت عينيه الحانقتين تحدق إلي دون توقف، حتى عندما يحاول أحد المصلين مصافحته، لا تكاد بؤبؤاه تنصرف عني.

“بارك الله فيك يا بني، ليشفيها الله!”

أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه‍)؟

اندفع الطفل إلى الصندوق وأخذ واحدة أخرى، بينما الجدة تهز رأسها من أمامي وتقول بصوتها المرتجف:

وضع القارئ يده على الرف، والأخرى بجانب حزامه. ينظر إلي بينما أصدر أمري الملكي:

“بارك الله فيك يا بني”.

ترى، أكانت القصص الشعبية القديمة حول هذا الجبل حقيقية، أو حتى تلك الأساطير التي كانت تخيفني قبل النوم؟

رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:

“أريد العودة إلى منزلي.”

“أنتِ أيضاً يا خالة!”

 

وجهت بصري إلى النظارة وابتسمت قائلاً في داخلي: ترى كيف ستكون ردة فعلها اليوم؟!

نهضت وضربت ضرباً خفيفاً على مقعدي حتى أنظفه من حبات الرمل، ثم ذهبت نحو المخرج حيث وضعت حذائي في حلقة مخصصة للأحذية.

أكملت الجدة سيرها فيما الحافلة الزرقاء الشاحبة تقترب، تزميرها المزعج يختلط بصوت المحرك الصاخب.

أكملت السير وأنا أتأمل الجبل لكي لا أشعر بالملل، وأخذت أخطو في هذا الهدوء الذي تهمس فيه صراصير الليل، والعصافير الصفراء، حتى بدأت أسير من بين ظلال الجموع من العمال.

انحشر العمال كالعادة أمام الباب بينما يقف السائق في المكان المخصص للحافلات. فتح بابها وأشار بيده للجميع قائلاً:

أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.

“هيا، أسرعوا.”

بدأوا يصعدون، البعض منحنٍ ظهره من التثاؤب، وآخر يتحدث رفقة صديقه بل ويقسم أنها هناك وقد رآها بأم عينه.

8

 

كانت عينيه الحانقتين تحدق إلي دون توقف، حتى عندما يحاول أحد المصلين مصافحته، لا تكاد بؤبؤاه تنصرف عني.

أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.

البنت-لي.

 

وفور أن فكرت في ذلك، طرق القارئ النافذة الفضية الشفافة التي يعبر من خلالها ضوء أزرق خافت.

أطلقت بصري هنا وهناك بحثاً عن وسيم فيما ينظر إليَّ السائق إبراهيم بحدة… وفي آخر المطاف، تقدمت نحو الحافلة بعدما حاربني بيده وصرخاته:

البنت-لي.

“هيا!”

 

تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

“طاهر…”

كانت القارئة والقارئ يقفان بجانبها، ينظران إلى كل خطوة أخطوها، ينظران إلى الملك العظيم اسكوكي!

تنفست، ثم أملت رأسي لليمين بابتسامة ونظرة عتاب، وهممت أن أتلفظ بكلمةٍ مازحاً: “أنت…”

واحد منهما يمسك صندوقاً رمادياً داكناً، والآخر يخرج منه نظارة صغيرة بلاستيكية، لينطلق بها للعمال المتلهفين. كنت أنظر إليهم، ثم أنظر إلى الجهة المقابلة أو من حيث جئت، ولكنه لم يأتِ حتى الآن.

لكنني عدلت عن ذلك فجأةً، عندما وجدته يبتسم على غير عادته ويقول:

تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:

“هل كنت تبحث عني؟”

[خطأ]

في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.

نبضت النجمة بالضوء الأزرق المتبخر في الهواء، ثم عادت بنبضة أخرى في داخل الشاشة. انبثقت صورة المسجد القابع وسط المنازل.

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

 

يتبع…

 

“حسناً، كما تشائين!”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط