في موسم الربيع تغرس الآلام؛ لتنبت ألماً لا يمحى، بل لا يطاق، ولا يمكن اقتلاعه.
عدتُ إلى حجرتي وأقفلتُ الباب من خلفي.
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟
من أنتِ؟!
تفحصتُ الخاتم الذهبي في قَبضتِي لبرهةٍ، ثم النحاسي، ومن ثم همستُ ومرارتي ترتفع:
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
“أهذا من أجل ابنك الوحيد منه، هو؟!”
وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:
أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…
“طاهر…”
فتحتُ عينيَّ على حفيف طير يقترب، ووجهتُ بصري نحوه، فإذا بها بومة سوداء ترفرف بجوار النافذة، تحاول الوقوف على إطارها المصنوع من الحديد.
ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.
فتحتُ عينيَّ على حفيف طير يقترب، ووجهتُ بصري نحوه، فإذا بها بومة سوداء ترفرف بجوار النافذة، تحاول الوقوف على إطارها المصنوع من الحديد.
ما هذه الرائحة؟
يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:
كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.
أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.
إن لم أقل الحقيقة فقد تموت، وإن قلتها فقد عصيت أمرها، ولو قلت غير ذلك فقد علمتني ألا أكذب أبداً…
اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.
كنت واقفاً تحت ضوء الشمس وجسدي يرتعش بشدةٍ وكأني أقف تحت شلالٍ شديد البرودة. أنظر إلى وجه أمي، وجهها الذي يسيل منه الدماء ويروي به أعشاب الربيع الخضراء.
تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟
ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.
في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:
“أعوذ بالله من عدم الحياء…”
ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.
سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.
فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
هززتُ رأسي وتنفستُ بهدوء.
مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.
ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:
وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.
وبينما مَلاك تُنادِي ابنتَنا الصغيرة من عند فاه الحجرة، كان صوتها الخافت يتجه تارة نحوي، وتارة يعتم في جوفها.
كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
تفتحت عيناي على صوت نشيجي بينما العشب الجاف يطير في الهواء.
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
ما هذه الرائحة؟
(بوابة الماضي)
ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.
في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…
“طاهر…”
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
كنت واقفاً تحت ضوء الشمس وجسدي يرتعش بشدةٍ وكأني أقف تحت شلالٍ شديد البرودة. أنظر إلى وجه أمي، وجهها الذي يسيل منه الدماء ويروي به أعشاب الربيع الخضراء.
“أين المال!”
كانت تمسك في يدها طبقين لم أستطع تمييزهما حتى جاءت وانحنت أمامي، ثم دفعتهما فوق الطاولة نحوي.
ضممت يديَّ فيما تتقلص الابتسامة، وتساءلت للمرة التاسعة والعشرين:
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.
وهذا ما جعل غضبه يشتد ويزداد مرارةً فوق مرارته؛ فعاد يلكمها بكل ما يملك ويصرخ بصوته الغليظ:
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.
لماذا لا تهتم بي، أنا الذي خلقتُ تلك النظرات الحادة على وجهك منذ ولادتي… أهذا ما يملأ الفراغ في داخلك؟!
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.
كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!
وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.
لو لم أجُع فقط، لما وقعت أمي تحت قبضاته اللئيمة وهذه الكلمات القاسية!
كان بؤبؤاها الرماديان يغوصان في دموعها الحزينة، وينزلق بعضها من بين جراحها رفقة الدم.
أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!
فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.
هل أخبره بالحقيقة، أم أطيع أمي؟!
“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”
كانت هاتان الموجتان تندفعان نحوي وأنا أقاوم الغرق بكل ما أستطيع، وأحاول جاهداً التفكير في طريقة واحدة للنجاة.
في تلك اللحظة، لمحت خيط أملٍ يرتعش على سطح الماء.
“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”
سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.
فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.
كنت أنظر إليهما بعين تضيق بدفء وكأنهما ابنتاي في لحظة عناق بعد فراق طويل.
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
إنها تسأل إبنها الوحيد منه:
أمسكت رأسي بصعوبة وشددت أصابعي حوله، أحاول تبديد تلك الأفكار بينما أهمس بصوتي المرتجف:
“هل شبعت؟”
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
شددتُ فمي ونظرتُ للأسفل عند قدميَّ، ثم هززتُ رأسي بثقل وحركتُ شفتيَّ المرتجفتين بنفس الخيط، فراحت خدودها النحيلة ترتفع بانشراح.
“أهلاً بماما!” ثم قبلت رأسها.
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
وبالطبع، أبي الذي بدت على وجهه ملامح السخط والذهول المغلف بـ “أعرف كل شيء، ولكن، ما الذي يحدث هنا؟” لم يكن يفهم شيئاً مما يحدث أمامه.
أومأت برأسي ولم أستطع إلا أن ألفظ على مرارة في عنقي: “أتمنى ذلك.” بعدها، عاد ذلك الجو الغريب. لم أقل شيئاً، لأنني لا أعلم ما الذي سأقوله تالياً، ولم أخطط لذلك أبداً.
كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
حروفاً نحيك بها مشاعرنا وكلماتنا المقموعة في حضرته.
وبينما أفكر وتوخز رأسي الذكريات وكأنها إبر مدببة، طُرق الباب بهدوء:
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
ذلك الملك المزمجر كلما دخل إلى قصره… لماذا يكره صمتنا كالحاشية والخدم؟!
“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”
وبينما أفكر وتوخز رأسي الذكريات وكأنها إبر مدببة، طُرق الباب بهدوء:
لماذا هذا الرجل لا يمكن إصلاحه كرِدائه الممزق حتى رقعه… أحتى الصمت الذي نحظى به الآن أصبح جريمة يعاقب عليها قانونه الملكي؟!
أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.
كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:
“هل شبعت؟”
مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
كانت عيناي تلتقطان كل شيء وتشعلان به قلبي الملتهب مسبقاً. أمي تحاول رفع يدها المصابة بعدما اشتد الألم، وأنا لا أستطيع فعل أي شيء سوى أني أغمضتُ عينيَّ بشدة… أفكر والدموع تنبثق من بين جفوني:
“حسناً، أنا بخير…”
أهذا فقط من أجل المال؟ إن كان الأمر كذلك، فلتقم ببيعي فحسب!
“حسناً، أنا بخير…”
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
لماذا تراهن على كل شيء، أحتى حياتنا التعيسة هذه مجرد قطعة غير مهمة تحركها متى ما شعرت بالتهديد؟!
كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:
فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.
إنها تسأل إبنها الوحيد منه:
إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…
أنظر إلى والدي الذي يضغط فكيه دون أن يهتم لوجودي، متسائلاً:
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
لماذا تفعل هذا بزوجتك التي أنجبت ابنك الوحيد؟
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
لماذا لا تهتم بي، أنا الذي خلقتُ تلك النظرات الحادة على وجهك منذ ولادتي… أهذا ما يملأ الفراغ في داخلك؟!
كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.
كنت أحدق إليه بحقد دفين فيما يصرخ ويشد ذراعيه المرتعشتين حول عنقها، قائلاً:
“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”
أما أمي، فكانت تمسك ذراعه بيدها الشاحبة والمرتجفة، تحاول رفع رأسها بصعوبة بينما شفتاها تتحركان دون صوت. إنها تحاول طلب النجدة… ولكن ما الذي يجب أن أفعله؟
حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:
إن لم أقل الحقيقة فقد تموت، وإن قلتها فقد عصيت أمرها، ولو قلت غير ذلك فقد علمتني ألا أكذب أبداً…
ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
لم تتحملني قدماي من ثقل الحمل على كاهلي وسقطت على الأرض. عندها، أدركت أن همسات الجيران أصبحت تطوف من حولنا، من خلف السور الخشبي:
“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”
“لقد أخبرتك يا بني أن تلك المرأة المنافقة لا تناسبك… انظر كيف حماك الإله عندما أطعت أمك…”
قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:
“أبي… العمة!”
“أعوذ بالله من عدم الحياء…”
“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.
كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:
لم يكن الأمر خوفاً فقط، بل حتى تلك الحقارة التي تجدها تجاه ذاتك، ثم عائلتك التي ما كان ينبغي لها أن تدنو أكثر مما هي عليه… وقد تكون كما يقولون.
“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:
فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
لو لم أجُع فقط، لما وقعت أمي تحت قبضاته اللئيمة وهذه الكلمات القاسية!
في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:
كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.
من أنتِ؟!
تفحصتُ الخاتم الذهبي في قَبضتِي لبرهةٍ، ثم النحاسي، ومن ثم همستُ ومرارتي ترتفع:
في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.
تفتحت عيناي على صوت نشيجي بينما العشب الجاف يطير في الهواء.
رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.
كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.
كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.
تجمد بدني تماماً، لم أستطع أن أحرك أصغر أصابعي، ولا حتى أن أدرك ما الذي حل بي الآن.
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
توقفت فجأةً تلك الخطوات خلفي بكل هدوء، وأخذت يد صغيرة دافئة تمسح كتفيَّ برقة.
حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.
يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
“طاهر…”
“الوعد دين والدين وعد…”
من أنتِ؟!
نظرت إليها ثم أكملت في داخلي وأنا أعتدل: على الرغم من ذلك، أنتِ لم تتوانَيْ يوماً في الاهتمام بي، ولم تتركيني يوماً أشعر بعدم وجودك.
تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.
أناملها الناعمة تطرق فقرات ظهري، وكأنها تعزف على قطع بيانو بينما تردد من خلف أذني كلمات لم أفهم مقصدها:
كانت عيناي تلتقطان كل شيء وتشعلان به قلبي الملتهب مسبقاً. أمي تحاول رفع يدها المصابة بعدما اشتد الألم، وأنا لا أستطيع فعل أي شيء سوى أني أغمضتُ عينيَّ بشدة… أفكر والدموع تنبثق من بين جفوني:
“الوعد دين والدين وعد…”
بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.
كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…
كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:
حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها
“سأكون بانتظارك!”
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
كانت هناك شمعة قزمة في وسطه تساعدها على الرؤية.
“دعها…”
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
(بوابة الحاضر)
(بوابة الحاضر)
نهضتُ لا إرادياً وأغلقتُ النَّافذة مسنداً ظهري إليها.
كان أحدهما طبقاً نحاسياً يحتوي بيضاً مسلوقاً يتبخر، عليه القليل من المتبلات والملح، والذي بجانبه جُبنةُ ماعزٍ مهروسة، تسيل عصارتها كالدموع للأطراف المتخندقة.
“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”
دموعي تتساقط في حجري فيما يرتفع صوت الإقامة من بعيد.
حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها
رفعت يديَّ المثقلتين بخيوط الماضي، أنظر إليهما بعين ضيقة، كأنما دماء أمي تسيل من بين أصابعي المرتجفة.
لماذا هذا الرجل لا يمكن إصلاحه كرِدائه الممزق حتى رقعه… أحتى الصمت الذي نحظى به الآن أصبح جريمة يعاقب عليها قانونه الملكي؟!
ما الذي فعلته؟!
(بوابة الماضي)
هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!
توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.
كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.
نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.
أمسكت رأسي بصعوبة وشددت أصابعي حوله، أحاول تبديد تلك الأفكار بينما أهمس بصوتي المرتجف:
“لقد أخبرتك يا بني أن تلك المرأة المنافقة لا تناسبك… انظر كيف حماك الإله عندما أطعت أمك…”
“توقف… دعها… أرجوك!”
أنا لا أريد أن أصبح مثل والدي، لا أريد أن أراه، ولا أريد اسمه! – فقط من أجل عائلتي… كل شيء من أجل ملاك وأميرة، كل شيء من أجل ابنتي! لا تستسلم أرجوك…
وبينما أفكر وتوخز رأسي الذكريات وكأنها إبر مدببة، طُرق الباب بهدوء:
إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…
“طرق، طرق”.
جذبت قميصي من عند خصري وحركت وجهي بسرعة على قماشه المشعر، ثم نظفت حلقي بينما يتبدد ذلك المشهد، وقلت: “أهلاً… من؟”.
وقع صمتٌ للحظةٍ وأنا أحاول التنفس بهدوء، ثم ظهر صوت طفيف: “الإفطار جاهز”.
أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
تنفست للحظة ثم حاولت أن أدخل إليها، عندها، صرخت غلاك من عند حجرة أميرة:
“حسناً.”
إنها تسأل إبنها الوحيد منه:
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
بعد مرور لحظات، خرجت إلى الردهة وجلستُ على المقعد الخشبي أمام الطاولة التي تشبه صندوقاً حديدياً.
كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.
كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.
تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.
كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.
حروفاً نحيك بها مشاعرنا وكلماتنا المقموعة في حضرته.
في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.
“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.
كانت تمسك في يدها طبقين لم أستطع تمييزهما حتى جاءت وانحنت أمامي، ثم دفعتهما فوق الطاولة نحوي.
فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.
كان أحدهما طبقاً نحاسياً يحتوي بيضاً مسلوقاً يتبخر، عليه القليل من المتبلات والملح، والذي بجانبه جُبنةُ ماعزٍ مهروسة، تسيل عصارتها كالدموع للأطراف المتخندقة.
نهضتُ لا إرادياً وأغلقتُ النَّافذة مسنداً ظهري إليها.
مسحت وجهي بعدما ذهبت نحو المطبخ مرة أخرى، ونظرت إليها بنصف عين حتى خطت في داخله.
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
كانت هناك شمعة قزمة في وسطه تساعدها على الرؤية.
ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.
حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.
قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:
كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.
“دعها…”
ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…
“طابت يداكِ!”
كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.
إنها لا تقول شيئاً، إنها تنظر إلي… أليس كذلك؟
هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
نظرت إليها بابتسامة دافئة حتى توقفت أمام مدخل الحجرة؛ فأبعدت نظري إلى طبق الجبن وأخذت أفكر:
هززتُ رأسي وتنفستُ بهدوء.
أكانت تريد أن تقول شيئاً ما؟
“حسناً، أنا بخير…”
ضممت يديَّ فيما تتقلص الابتسامة، وتساءلت للمرة التاسعة والعشرين:
كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:
ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:
إنها مختلفة كثيراً عن السابق.
أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.
في آخر المطاف، التفتُّ نحو مدخل الحجرة وعادت تنادي: “غلاك، إن الإفطار جاهز.”
“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”
إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…
في آخر المطاف، التفتُّ نحو مدخل الحجرة وعادت تنادي: “غلاك، إن الإفطار جاهز.”
سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.
أيجب أن تصبحي كذلك حقاً؟!
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
“مرحباً بكِ يا غلاك!”
نظرت إليها ثم أكملت في داخلي وأنا أعتدل: على الرغم من ذلك، أنتِ لم تتوانَيْ يوماً في الاهتمام بي، ولم تتركيني يوماً أشعر بعدم وجودك.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”
أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.
إن لم أقل الحقيقة فقد تموت، وإن قلتها فقد عصيت أمرها، ولو قلت غير ذلك فقد علمتني ألا أكذب أبداً…
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:
وبينما مَلاك تُنادِي ابنتَنا الصغيرة من عند فاه الحجرة، كان صوتها الخافت يتجه تارة نحوي، وتارة يعتم في جوفها.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:
كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.
كانت عيناي تلتقطان كل شيء وتشعلان به قلبي الملتهب مسبقاً. أمي تحاول رفع يدها المصابة بعدما اشتد الألم، وأنا لا أستطيع فعل أي شيء سوى أني أغمضتُ عينيَّ بشدة… أفكر والدموع تنبثق من بين جفوني:
حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.
ثم تحرك بؤبؤا عينيها نحو البلاط الباهت لبرهة، وقالت:
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
“حسناً، أنا بخير…”
أومأت برأسي ولم أستطع إلا أن ألفظ على مرارة في عنقي: “أتمنى ذلك.” بعدها، عاد ذلك الجو الغريب. لم أقل شيئاً، لأنني لا أعلم ما الذي سأقوله تالياً، ولم أخطط لذلك أبداً.
فأخذت أعد ذرات النور المتطايرة، وأنا أشعر بها من طرف عيني تنظر إلي، وكأنها تنتظر مني شيئاً آخر.
“ماما…!”
في آخر المطاف، التفتُّ نحو مدخل الحجرة وعادت تنادي: “غلاك، إن الإفطار جاهز.”
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…
“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” حصنت نفسي لأذهب إلى المسجد… الذي سأنطلق منه إلى العمل…
وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:
“طاهر…”
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.
حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.
ضممت يديَّ فيما تتقلص الابتسامة، وتساءلت للمرة التاسعة والعشرين:
ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:
إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.
“ماما…!”
تَنفستُ بعمقٍ فيما تستدير ملاك نحو وقع أقدام غلاك المتسارعة نحوها… خرجت ابنتي وحشرت وجهها في حجر زوجتي، وكأنَّها لم ترَها لمدة سنة كاملة.
لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.
هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”
“ماما~!”
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
صرخت وهي تمسح وجهها في حضنها، بينما ملاك تحرك يديها حولها بابتسامة طفيفة، وتهمس:
صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…
“أهلاً بماما!” ثم قبلت رأسها.
ما الذي فعلته؟!
كنت أنظر إليهما بعين تضيق بدفء وكأنهما ابنتاي في لحظة عناق بعد فراق طويل.
أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”
في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…
“مرحباً بكِ يا غلاك!”
لكنها توقفت فجأة وحبستها خلف شفتيها، فور أن رأتني أبتسم بتلهف. أبعدت وجهها نحو كَتفِ غلاك بينما أنظر إليها وأشعر كأن شفرات حادة تخترق جراح قلبي النازف.
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
ثم مسحت وجهها بوجه ابنتي وقالت:
أما أنا، فخرجت أسير نحو حجرتي بابتسامة، أتفحص ثيابي وأتحسس قماشها الناشف كالورق المقوى. فتحت باب حجرتي فاندفع الهواء من خلالي.
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…
رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.
هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”
ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:
ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟
“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”
حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:
ثم استمرَّت في الأكل حتى لمحتها تتفحصني بنظرات خفية. عندها، وضعت بقية الخبز على الطبق وقالت فوراً:
“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.
فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:
مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”
فلتَتَتَبعَاه…
كان أحدهما طبقاً نحاسياً يحتوي بيضاً مسلوقاً يتبخر، عليه القليل من المتبلات والملح، والذي بجانبه جُبنةُ ماعزٍ مهروسة، تسيل عصارتها كالدموع للأطراف المتخندقة.
كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
“مرحباً بكِ يا غلاك!”
في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…
دموعي تتساقط في حجري فيما يرتفع صوت الإقامة من بعيد.
إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.
في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”
حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.
إنها مختلفة كثيراً عن السابق.
قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
ابتسمتُ حتى بانت نواجذي، ثم قبلتها على جبينها وربتُّ على رأسها كما عهدتُ فعل ذلك. شددتُ قبضتي الأخرى على فخذي، وقلتُ: “هيا، فلتجلسي…”
هذا ما فهمته قبل أن يختفي صوتها وسط مضغ الطعام. بعد ذلك، مسحت فمَها بيدها الأخرى، ثم أكملت:
فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:
خطت خطوتين ووقعت بسرعة على المقعد المرادف، فاندفعتُ نحوها عندما رأيته يترنح لجهةٍ على أخرى، ورفعتُ يديَّ على كتفيها لأثبتها فيما يرتفع صوتي المختنق:
كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:
“غلاك؟!”
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
مسحت وجهي بعدما ذهبت نحو المطبخ مرة أخرى، ونظرت إليها بنصف عين حتى خطت في داخله.
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
ثم استمرَّت في الأكل حتى لمحتها تتفحصني بنظرات خفية. عندها، وضعت بقية الخبز على الطبق وقالت فوراً:
“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”
“الوعد دين والدين وعد…”
أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”
وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.
ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.
بينما أغادر… في الخارج، حيث الظلام البارد بلطف، كنت أركض قائلاً:
مسحت وجهي بعدما ذهبت نحو المطبخ مرة أخرى، ونظرت إليها بنصف عين حتى خطت في داخله.
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
في تلك اللحظة، توقفت غلاك وكأنها اصطدمت بحاجز زمني من ثانية، قبل أن تأخذ قطعة خبز دون أن تنظر إلي.
هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”
أبعدت يدي عن رأسها، وحزمت لقمة بالخبز والبيض، ثم وضعتها في فمي وأنا أنظر إليها دون أن تنطفئ ابتسامتي… ومع مرور الوقت، لم تتبق سوى قطعة صغيرة في يدها.
وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:
ثم استمرَّت في الأكل حتى لمحتها تتفحصني بنظرات خفية. عندها، وضعت بقية الخبز على الطبق وقالت فوراً:
أخذت قطعة خبز وحشرت لقمةً أخرى في فمها، قائلةً: “نعم، طهي ماما لذيذ… همم، هممم!”
“بابا، هل أنت بخيرٍ أيضاً…”
ابتسمتُ حتى بانت نواجذي، ثم قبلتها على جبينها وربتُّ على رأسها كما عهدتُ فعل ذلك. شددتُ قبضتي الأخرى على فخذي، وقلتُ: “هيا، فلتجلسي…”
قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:
كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
أخذت قطعة خبز وحشرت لقمةً أخرى في فمها، قائلةً: “نعم، طهي ماما لذيذ… همم، هممم!”
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها
هذا ما فهمته قبل أن يختفي صوتها وسط مضغ الطعام. بعد ذلك، مسحت فمَها بيدها الأخرى، ثم أكملت:
كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.
“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
“غِلاك، هذا غير صحيح، أنا فقط…”
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
ضربت الطاولة وانتصبت، ثم ركضت وهي تحشر إصبعيها في أذنيها بينما تصرخ:
حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:
“أنا أكرهُها!”.
إنها مختلفة كثيراً عن السابق.
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟
لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.
في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
في تلك اللحظة، توقفت غلاك وكأنها اصطدمت بحاجز زمني من ثانية، قبل أن تأخذ قطعة خبز دون أن تنظر إلي.
نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.
“دعها…”
ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:
فلتَتَتَبعَاه…
“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.
“الوعد دين والدين وعد…”
أناملها الناعمة تطرق فقرات ظهري، وكأنها تعزف على قطع بيانو بينما تردد من خلف أذني كلمات لم أفهم مقصدها:
أما أنا، فخرجت أسير نحو حجرتي بابتسامة، أتفحص ثيابي وأتحسس قماشها الناشف كالورق المقوى. فتحت باب حجرتي فاندفع الهواء من خلالي.
تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.
فتحتُ عينيَّ على حفيف طير يقترب، ووجهتُ بصري نحوه، فإذا بها بومة سوداء ترفرف بجوار النافذة، تحاول الوقوف على إطارها المصنوع من الحديد.
تنفست للحظة ثم حاولت أن أدخل إليها، عندها، صرخت غلاك من عند حجرة أميرة:
فأخذت أعد ذرات النور المتطايرة، وأنا أشعر بها من طرف عيني تنظر إلي، وكأنها تنتظر مني شيئاً آخر.
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
أغلقت الباب وتوجهت نحو الفراش، وانحنيت لأخرج الساعة من تحته. في هذه اللحظة، نودي للصلاة من المسجد القابع خلف المنزل بخطوات.
ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.
هززتُ رأسي وتنفستُ بهدوء.
ارتديت البيجامة والفنيلة، ثم انحشرت قليلاً في الثوب الأبيض وأخذت أسير كأنما أهرول، كأنما هنالك ملك ينتظر قدومي… ارتديت الساعة فيما أفتح باب المنزل.
“أهلاً بماما!” ثم قبلت رأسها.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.
حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها
بينما أغادر… في الخارج، حيث الظلام البارد بلطف، كنت أركض قائلاً:
“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”
“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” حصنت نفسي لأذهب إلى المسجد… الذي سأنطلق منه إلى العمل…
كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.
فلتَتَتَبعَاه…
هذا ما فهمته قبل أن يختفي صوتها وسط مضغ الطعام. بعد ذلك، مسحت فمَها بيدها الأخرى، ثم أكملت:
