في موسم الربيع تغرس الآلام؛ لتنبت ألماً لا يمحى، بل لا يطاق، ولا يمكن اقتلاعه.
عدتُ إلى حجرتي وأقفلتُ الباب من خلفي.
“ماما…!”
ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟
ما هذه الرائحة؟
تفحصتُ الخاتم الذهبي في قَبضتِي لبرهةٍ، ثم النحاسي، ومن ثم همستُ ومرارتي ترتفع:
“أهذا من أجل ابنك الوحيد منه، هو؟!”
“أهذا من أجل ابنك الوحيد منه، هو؟!”
“طابت يداكِ!”
أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…
في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:
فتحتُ عينيَّ على حفيف طير يقترب، ووجهتُ بصري نحوه، فإذا بها بومة سوداء ترفرف بجوار النافذة، تحاول الوقوف على إطارها المصنوع من الحديد.
ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.
ما هذه الرائحة؟
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.
وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:
أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.
تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟
اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟
في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:
ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.
ما الذي فعلته؟!
فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…
“ماما~!”
هززتُ رأسي وتنفستُ بهدوء.
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”
ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:
“الوعد دين والدين وعد…”
كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…
تفتحت عيناي على صوت نشيجي بينما العشب الجاف يطير في الهواء.
في تلك اللحظة، لمحت خيط أملٍ يرتعش على سطح الماء.
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
(بوابة الماضي)
كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.
في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
كنت واقفاً تحت ضوء الشمس وجسدي يرتعش بشدةٍ وكأني أقف تحت شلالٍ شديد البرودة. أنظر إلى وجه أمي، وجهها الذي يسيل منه الدماء ويروي به أعشاب الربيع الخضراء.
“أين المال!”
إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
وهذا ما جعل غضبه يشتد ويزداد مرارةً فوق مرارته؛ فعاد يلكمها بكل ما يملك ويصرخ بصوته الغليظ:
ابتسمتُ حتى بانت نواجذي، ثم قبلتها على جبينها وربتُّ على رأسها كما عهدتُ فعل ذلك. شددتُ قبضتي الأخرى على فخذي، وقلتُ: “هيا، فلتجلسي…”
“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:
“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!
ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:
وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.
إنها تسأل إبنها الوحيد منه:
كان بؤبؤاها الرماديان يغوصان في دموعها الحزينة، وينزلق بعضها من بين جراحها رفقة الدم.
اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:
“طابت يداكِ!”
أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.
هل أخبره بالحقيقة، أم أطيع أمي؟!
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
كانت هاتان الموجتان تندفعان نحوي وأنا أقاوم الغرق بكل ما أستطيع، وأحاول جاهداً التفكير في طريقة واحدة للنجاة.
من أنتِ؟!
في تلك اللحظة، لمحت خيط أملٍ يرتعش على سطح الماء.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.
“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.
فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.
إنها تسأل إبنها الوحيد منه:
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
“هل شبعت؟”
فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.
شددتُ فمي ونظرتُ للأسفل عند قدميَّ، ثم هززتُ رأسي بثقل وحركتُ شفتيَّ المرتجفتين بنفس الخيط، فراحت خدودها النحيلة ترتفع بانشراح.
تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟
اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.
وبالطبع، أبي الذي بدت على وجهه ملامح السخط والذهول المغلف بـ “أعرف كل شيء، ولكن، ما الذي يحدث هنا؟” لم يكن يفهم شيئاً مما يحدث أمامه.
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
حروفاً نحيك بها مشاعرنا وكلماتنا المقموعة في حضرته.
أنا لا أريد أن أصبح مثل والدي، لا أريد أن أراه، ولا أريد اسمه! – فقط من أجل عائلتي… كل شيء من أجل ملاك وأميرة، كل شيء من أجل ابنتي! لا تستسلم أرجوك…
ذلك الملك المزمجر كلما دخل إلى قصره… لماذا يكره صمتنا كالحاشية والخدم؟!
ذلك الملك المزمجر كلما دخل إلى قصره… لماذا يكره صمتنا كالحاشية والخدم؟!
وقع صمتٌ للحظةٍ وأنا أحاول التنفس بهدوء، ثم ظهر صوت طفيف: “الإفطار جاهز”.
في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:
لماذا هذا الرجل لا يمكن إصلاحه كرِدائه الممزق حتى رقعه… أحتى الصمت الذي نحظى به الآن أصبح جريمة يعاقب عليها قانونه الملكي؟!
صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…
أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…
كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:
أبعدت يدي عن رأسها، وحزمت لقمة بالخبز والبيض، ثم وضعتها في فمي وأنا أنظر إليها دون أن تنطفئ ابتسامتي… ومع مرور الوقت، لم تتبق سوى قطعة صغيرة في يدها.
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
كانت عيناي تلتقطان كل شيء وتشعلان به قلبي الملتهب مسبقاً. أمي تحاول رفع يدها المصابة بعدما اشتد الألم، وأنا لا أستطيع فعل أي شيء سوى أني أغمضتُ عينيَّ بشدة… أفكر والدموع تنبثق من بين جفوني:
أنظر إلى والدي الذي يضغط فكيه دون أن يهتم لوجودي، متسائلاً:
أهذا فقط من أجل المال؟ إن كان الأمر كذلك، فلتقم ببيعي فحسب!
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
لماذا تراهن على كل شيء، أحتى حياتنا التعيسة هذه مجرد قطعة غير مهمة تحركها متى ما شعرت بالتهديد؟!
فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.
فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.
فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.
وبالطبع، أبي الذي بدت على وجهه ملامح السخط والذهول المغلف بـ “أعرف كل شيء، ولكن، ما الذي يحدث هنا؟” لم يكن يفهم شيئاً مما يحدث أمامه.
أنظر إلى والدي الذي يضغط فكيه دون أن يهتم لوجودي، متسائلاً:
ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:
“ماما~!”
لماذا تفعل هذا بزوجتك التي أنجبت ابنك الوحيد؟
الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.
لماذا لا تهتم بي، أنا الذي خلقتُ تلك النظرات الحادة على وجهك منذ ولادتي… أهذا ما يملأ الفراغ في داخلك؟!
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.
كنت أحدق إليه بحقد دفين فيما يصرخ ويشد ذراعيه المرتعشتين حول عنقها، قائلاً:
كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.
“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”
كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.
أما أمي، فكانت تمسك ذراعه بيدها الشاحبة والمرتجفة، تحاول رفع رأسها بصعوبة بينما شفتاها تتحركان دون صوت. إنها تحاول طلب النجدة… ولكن ما الذي يجب أن أفعله؟
“طاهر…”
إن لم أقل الحقيقة فقد تموت، وإن قلتها فقد عصيت أمرها، ولو قلت غير ذلك فقد علمتني ألا أكذب أبداً…
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!
لم تتحملني قدماي من ثقل الحمل على كاهلي وسقطت على الأرض. عندها، أدركت أن همسات الجيران أصبحت تطوف من حولنا، من خلف السور الخشبي:
“هل شبعت؟”
“لقد أخبرتك يا بني أن تلك المرأة المنافقة لا تناسبك… انظر كيف حماك الإله عندما أطعت أمك…”
يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:
“أبي… العمة!”
“أعوذ بالله من عدم الحياء…”
“أين المال!”
“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”
وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.
كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
لم يكن الأمر خوفاً فقط، بل حتى تلك الحقارة التي تجدها تجاه ذاتك، ثم عائلتك التي ما كان ينبغي لها أن تدنو أكثر مما هي عليه… وقد تكون كما يقولون.
فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.
فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!
“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.
لو لم أجُع فقط، لما وقعت أمي تحت قبضاته اللئيمة وهذه الكلمات القاسية!
كانت تمسك في يدها طبقين لم أستطع تمييزهما حتى جاءت وانحنت أمامي، ثم دفعتهما فوق الطاولة نحوي.
كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!
في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.
توقفت فجأةً تلك الخطوات خلفي بكل هدوء، وأخذت يد صغيرة دافئة تمسح كتفيَّ برقة.
رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.
تجمد بدني تماماً، لم أستطع أن أحرك أصغر أصابعي، ولا حتى أن أدرك ما الذي حل بي الآن.
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
توقفت فجأةً تلك الخطوات خلفي بكل هدوء، وأخذت يد صغيرة دافئة تمسح كتفيَّ برقة.
يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:
“حسناً.”
“طاهر…”
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
من أنتِ؟!
صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…
تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.
“أنا أكرهُها!”.
أناملها الناعمة تطرق فقرات ظهري، وكأنها تعزف على قطع بيانو بينما تردد من خلف أذني كلمات لم أفهم مقصدها:
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
“الوعد دين والدين وعد…”
بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
“سأكون بانتظارك!”
قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.
“دعها…”
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:
(بوابة الحاضر)
ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟
نهضتُ لا إرادياً وأغلقتُ النَّافذة مسنداً ظهري إليها.
أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي
كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:
دموعي تتساقط في حجري فيما يرتفع صوت الإقامة من بعيد.
أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.
رفعت يديَّ المثقلتين بخيوط الماضي، أنظر إليهما بعين ضيقة، كأنما دماء أمي تسيل من بين أصابعي المرتجفة.
في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.
ما الذي فعلته؟!
قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.
هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.
نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.
كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.
رفعت يديَّ المثقلتين بخيوط الماضي، أنظر إليهما بعين ضيقة، كأنما دماء أمي تسيل من بين أصابعي المرتجفة.
أمسكت رأسي بصعوبة وشددت أصابعي حوله، أحاول تبديد تلك الأفكار بينما أهمس بصوتي المرتجف:
لم تتحملني قدماي من ثقل الحمل على كاهلي وسقطت على الأرض. عندها، أدركت أن همسات الجيران أصبحت تطوف من حولنا، من خلف السور الخشبي:
“توقف… دعها… أرجوك!”
ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.
أنا لا أريد أن أصبح مثل والدي، لا أريد أن أراه، ولا أريد اسمه! – فقط من أجل عائلتي… كل شيء من أجل ملاك وأميرة، كل شيء من أجل ابنتي! لا تستسلم أرجوك…
وبينما أفكر وتوخز رأسي الذكريات وكأنها إبر مدببة، طُرق الباب بهدوء:
كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.
“طرق، طرق”.
جذبت قميصي من عند خصري وحركت وجهي بسرعة على قماشه المشعر، ثم نظفت حلقي بينما يتبدد ذلك المشهد، وقلت: “أهلاً… من؟”.
توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.
وقع صمتٌ للحظةٍ وأنا أحاول التنفس بهدوء، ثم ظهر صوت طفيف: “الإفطار جاهز”.
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
أمسكت رأسي بصعوبة وشددت أصابعي حوله، أحاول تبديد تلك الأفكار بينما أهمس بصوتي المرتجف:
“حسناً.”
كان بؤبؤاها الرماديان يغوصان في دموعها الحزينة، وينزلق بعضها من بين جراحها رفقة الدم.
وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:
بعد مرور لحظات، خرجت إلى الردهة وجلستُ على المقعد الخشبي أمام الطاولة التي تشبه صندوقاً حديدياً.
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.
كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.
كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.
توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.
في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.
“دعها…”
كانت تمسك في يدها طبقين لم أستطع تمييزهما حتى جاءت وانحنت أمامي، ثم دفعتهما فوق الطاولة نحوي.
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
كان أحدهما طبقاً نحاسياً يحتوي بيضاً مسلوقاً يتبخر، عليه القليل من المتبلات والملح، والذي بجانبه جُبنةُ ماعزٍ مهروسة، تسيل عصارتها كالدموع للأطراف المتخندقة.
لماذا تراهن على كل شيء، أحتى حياتنا التعيسة هذه مجرد قطعة غير مهمة تحركها متى ما شعرت بالتهديد؟!
مسحت وجهي بعدما ذهبت نحو المطبخ مرة أخرى، ونظرت إليها بنصف عين حتى خطت في داخله.
إنها مختلفة كثيراً عن السابق.
كانت هناك شمعة قزمة في وسطه تساعدها على الرؤية.
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.
أكانت تريد أن تقول شيئاً ما؟
كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.
أيجب أن تصبحي كذلك حقاً؟!
“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
“طابت يداكِ!”
كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.
إنها لا تقول شيئاً، إنها تنظر إلي… أليس كذلك؟
ذلك الملك المزمجر كلما دخل إلى قصره… لماذا يكره صمتنا كالحاشية والخدم؟!
هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.
نظرت إليها بابتسامة دافئة حتى توقفت أمام مدخل الحجرة؛ فأبعدت نظري إلى طبق الجبن وأخذت أفكر:
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
أكانت تريد أن تقول شيئاً ما؟
(بوابة الماضي)
ضممت يديَّ فيما تتقلص الابتسامة، وتساءلت للمرة التاسعة والعشرين:
كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.
هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.
إنها مختلفة كثيراً عن السابق.
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”
إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
أيجب أن تصبحي كذلك حقاً؟!
“توقف… دعها… أرجوك!”
دموعي تتساقط في حجري فيما يرتفع صوت الإقامة من بعيد.
نظرت إليها ثم أكملت في داخلي وأنا أعتدل: على الرغم من ذلك، أنتِ لم تتوانَيْ يوماً في الاهتمام بي، ولم تتركيني يوماً أشعر بعدم وجودك.
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.
“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.
“توقف… دعها… أرجوك!”
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
وبينما مَلاك تُنادِي ابنتَنا الصغيرة من عند فاه الحجرة، كان صوتها الخافت يتجه تارة نحوي، وتارة يعتم في جوفها.
ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.
ما الذي فعلته؟!
ثم تحرك بؤبؤا عينيها نحو البلاط الباهت لبرهة، وقالت:
ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:
“حسناً، أنا بخير…”
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
أومأت برأسي ولم أستطع إلا أن ألفظ على مرارة في عنقي: “أتمنى ذلك.” بعدها، عاد ذلك الجو الغريب. لم أقل شيئاً، لأنني لا أعلم ما الذي سأقوله تالياً، ولم أخطط لذلك أبداً.
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
فأخذت أعد ذرات النور المتطايرة، وأنا أشعر بها من طرف عيني تنظر إلي، وكأنها تنتظر مني شيئاً آخر.
في آخر المطاف، التفتُّ نحو مدخل الحجرة وعادت تنادي: “غلاك، إن الإفطار جاهز.”
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
“غلاك؟!”
صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:
هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.
“طاهر…”
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.
ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:
“ماما…!”
تَنفستُ بعمقٍ فيما تستدير ملاك نحو وقع أقدام غلاك المتسارعة نحوها… خرجت ابنتي وحشرت وجهها في حجر زوجتي، وكأنَّها لم ترَها لمدة سنة كاملة.
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
“ماما~!”
ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:
صرخت وهي تمسح وجهها في حضنها، بينما ملاك تحرك يديها حولها بابتسامة طفيفة، وتهمس:
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
“أهلاً بماما!” ثم قبلت رأسها.
كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:
كنت أنظر إليهما بعين تضيق بدفء وكأنهما ابنتاي في لحظة عناق بعد فراق طويل.
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…
ما هذه الرائحة؟
لكنها توقفت فجأة وحبستها خلف شفتيها، فور أن رأتني أبتسم بتلهف. أبعدت وجهها نحو كَتفِ غلاك بينما أنظر إليها وأشعر كأن شفرات حادة تخترق جراح قلبي النازف.
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
ثم مسحت وجهها بوجه ابنتي وقالت:
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”
ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”
أما أمي، فكانت تمسك ذراعه بيدها الشاحبة والمرتجفة، تحاول رفع رأسها بصعوبة بينما شفتاها تتحركان دون صوت. إنها تحاول طلب النجدة… ولكن ما الذي يجب أن أفعله؟
توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.
حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:
رفعت يديَّ المثقلتين بخيوط الماضي، أنظر إليهما بعين ضيقة، كأنما دماء أمي تسيل من بين أصابعي المرتجفة.
“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.
مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:
كانت هاتان الموجتان تندفعان نحوي وأنا أقاوم الغرق بكل ما أستطيع، وأحاول جاهداً التفكير في طريقة واحدة للنجاة.
كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.
“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”
كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:
“طابت يداكِ!”
في تلك اللحظة، توقفت غلاك وكأنها اصطدمت بحاجز زمني من ثانية، قبل أن تأخذ قطعة خبز دون أن تنظر إلي.
“مرحباً بكِ يا غلاك!”
لماذا هذا الرجل لا يمكن إصلاحه كرِدائه الممزق حتى رقعه… أحتى الصمت الذي نحظى به الآن أصبح جريمة يعاقب عليها قانونه الملكي؟!
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.
كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.
“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”
اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.
قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.
ما الذي فعلته؟!
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
ابتسمتُ حتى بانت نواجذي، ثم قبلتها على جبينها وربتُّ على رأسها كما عهدتُ فعل ذلك. شددتُ قبضتي الأخرى على فخذي، وقلتُ: “هيا، فلتجلسي…”
“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”
خطت خطوتين ووقعت بسرعة على المقعد المرادف، فاندفعتُ نحوها عندما رأيته يترنح لجهةٍ على أخرى، ورفعتُ يديَّ على كتفيها لأثبتها فيما يرتفع صوتي المختنق:
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
“غلاك؟!”
ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟
تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.
“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.
قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
“أين المال!”
فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!
كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
في تلك اللحظة، توقفت غلاك وكأنها اصطدمت بحاجز زمني من ثانية، قبل أن تأخذ قطعة خبز دون أن تنظر إلي.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
أبعدت يدي عن رأسها، وحزمت لقمة بالخبز والبيض، ثم وضعتها في فمي وأنا أنظر إليها دون أن تنطفئ ابتسامتي… ومع مرور الوقت، لم تتبق سوى قطعة صغيرة في يدها.
“أعوذ بالله من عدم الحياء…”
وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.
“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”
ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.
ثم استمرَّت في الأكل حتى لمحتها تتفحصني بنظرات خفية. عندها، وضعت بقية الخبز على الطبق وقالت فوراً:
“بابا، هل أنت بخيرٍ أيضاً…”
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
“بابا، هل أنت بخيرٍ أيضاً…”
قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:
كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:
“ماما…!”
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
أخذت قطعة خبز وحشرت لقمةً أخرى في فمها، قائلةً: “نعم، طهي ماما لذيذ… همم، هممم!”
أخذت قطعة خبز وحشرت لقمةً أخرى في فمها، قائلةً: “نعم، طهي ماما لذيذ… همم، هممم!”
هذا ما فهمته قبل أن يختفي صوتها وسط مضغ الطعام. بعد ذلك، مسحت فمَها بيدها الأخرى، ثم أكملت:
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
“غِلاك، هذا غير صحيح، أنا فقط…”
وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.
ضربت الطاولة وانتصبت، ثم ركضت وهي تحشر إصبعيها في أذنيها بينما تصرخ:
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
“أنا أكرهُها!”.
كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
إنها لا تقول شيئاً، إنها تنظر إلي… أليس كذلك؟
لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
نظرت إليها ثم أكملت في داخلي وأنا أعتدل: على الرغم من ذلك، أنتِ لم تتوانَيْ يوماً في الاهتمام بي، ولم تتركيني يوماً أشعر بعدم وجودك.
أهذا فقط من أجل المال؟ إن كان الأمر كذلك، فلتقم ببيعي فحسب!
نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.
كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…
“أنا أكرهُها!”.
ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:
“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”
ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
أما أنا، فخرجت أسير نحو حجرتي بابتسامة، أتفحص ثيابي وأتحسس قماشها الناشف كالورق المقوى. فتحت باب حجرتي فاندفع الهواء من خلالي.
كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.
لكنها توقفت فجأة وحبستها خلف شفتيها، فور أن رأتني أبتسم بتلهف. أبعدت وجهها نحو كَتفِ غلاك بينما أنظر إليها وأشعر كأن شفرات حادة تخترق جراح قلبي النازف.
تنفست للحظة ثم حاولت أن أدخل إليها، عندها، صرخت غلاك من عند حجرة أميرة:
عدتُ إلى حجرتي وأقفلتُ الباب من خلفي.
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.
لم تتحملني قدماي من ثقل الحمل على كاهلي وسقطت على الأرض. عندها، أدركت أن همسات الجيران أصبحت تطوف من حولنا، من خلف السور الخشبي:
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
أغلقت الباب وتوجهت نحو الفراش، وانحنيت لأخرج الساعة من تحته. في هذه اللحظة، نودي للصلاة من المسجد القابع خلف المنزل بخطوات.
إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.
نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.
“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”
ارتديت البيجامة والفنيلة، ثم انحشرت قليلاً في الثوب الأبيض وأخذت أسير كأنما أهرول، كأنما هنالك ملك ينتظر قدومي… ارتديت الساعة فيما أفتح باب المنزل.
بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.
بعد مرور لحظات، خرجت إلى الردهة وجلستُ على المقعد الخشبي أمام الطاولة التي تشبه صندوقاً حديدياً.
حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها
فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:
بينما أغادر… في الخارج، حيث الظلام البارد بلطف، كنت أركض قائلاً:
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” حصنت نفسي لأذهب إلى المسجد… الذي سأنطلق منه إلى العمل…
الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.
فلتَتَتَبعَاه…
رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
